عاطف ملّاك... لم تنصفه الحياة، فهل أنصفه الموت؟

كان مستهدفا كشحص ورمز


في الأول من تشرين الثاني 2015، انقضتْ دورية أمنٍ على الدكتور عاطف ملّاك في الشارع المكتظّ في وسط مدينة السويداء. قيل لم يتقدم أحدٌ حين استنجد: وين راحووو؟ وقيل أن أفراداً قلائل تقدموا، فجوبهوا بفوهات الرشاش. كان يمكن للأمن أن يأخذوه ليلاً أو خلسةً كما عادتهم، لكنهم أرادوه درساً لكل "مواطن" يحاول رفع رأسه أو قول: "لا". . هنا شهادة موجعه له وعنه، بقلم صديقته وزميلته، الطبيبة والكاتبة نجاة عبد الصمد.

27 آب 2019

نجاة عبد الصمد

طبيبة وروائية سورية

 

(الدكتور عاطف مزيد ملّاك، مواليد عام 1960 محافظة السويداء سوريا. درس الطب واختصاص الجراحة العامة ثم التنظيرية في الاتحاد السوفييتي السابق وتخرج عام 1988. ومن حينها اشتغل كطبيب جراح في عيادته وفي المشفى الوطني في مدينة السويداء والمشافي الخاصة. اعتقله الأمن بتاريخ الأول من تشرين الثاني 2015 وأفرج عنه بتاريخ الأول من تشرين الثاني 2016، وعاد إلى مزاولة عمله الطبي حتى وفاته بتاريخ السابع من تموز 2019).

دكتور عاطف ملّاك:

ليتك بقيتَ حيّاً بعدُ كثيراً وأكثر، أقلّه لترى نوراً ما ولو ضئيلاً يشرق على بلدٍ أحببتها وأحبتك، وعلى أناسٍ أحببتهم، وإن لم يكونوا كلهم بادلوك هذا الحب.

كثير ما يقال فيك كما كثيرٌ ما لا يقال، إنما المتوافق عليه أنّك ثروة بلديةٌ صرفة، طبيبٌ جرّاح فريد، قامةٌ حرّة وروحٌ متمردةٌ ووجدانٌ عالٍ وصديقٌ وأخٌ كبير ومعلّمٌ شابٌّ أبداً.

هل تذكرُ ليلة احتفائنا معاً بليلة رأس السنة عام 2000؟ وكيف كنتَ يومها طفلاً مشاغباً ورجلاً حكيماً معاً، تريدنا أن نحيا هذه الليلة النادرة بشغفٍ يحاكي شغفك، أتذكر كيف رفعتَ كأسك بينما يهطل حديثك مزيجاً من روحانية الشعر وماديّة العولمة وزحف الحداثة: "نحن السعيدو الحظ باستقبال الألفية الجديدة، لنشرب نخبها، ونخبَ أننا عشنا قبلها مرحلة الشيوعية وسقوط الاتحاد السوفييتي الذي أخذها معه في سقوطه، وعشنا ظهور الإنترنت وبداية العولمة، نخب سيرنا معها مواكبين ما استطعنا، ووعدنا ألّا نكفّ عن الإنصات إلى الشعر".

كاريزما آخاذة

كاريزما هذا الرجل الجذّاب، الدائم الضحكة، الأنيق الهندام، البادي في حضوره الشخصيّ كما في صوره، في جلساتنا الخاصة وفي حياته العامة؛ هو نفسه الجسد الناطق كله دوماً ومعاً بكل تفصيلة فيه، صوته العالي والمزعج أحياناً، والحامل دوماً تلك البحّة العذبة الغافرة، القارئ النهم لجديد الطب وللأدب، الشعر الأثير إلى قلبه، الثرثار الباحث بصخبٍ عن كتاب يقرؤه كلما قارب كتابٌ كان في يده على الانتهاء، الحرُّ الكلمة، المتسرّع في كثير من ردود أفعاله، الطَموح بلا حدود، المحبّ لجلسات الأصدقاء الأنيقة إلى طاولةٍ يكفيها صحن لوزٍ وكأس نبيذ أو عرق، الإشكاليّ الحيّ المختلف حتى في ذاكرة أعدائه؛ وكم كانت في دخيلة أكثرهم رغبةٌ خفيةٌ ومعذِّبة، أن ليت لهم هذا الحضور، هذه التلقائية النادرة... وحتى ديكور عيادته المتفرّدٌ بلون البياض يلفّ سرير الفحص والمكتب والكرسي و..

هجر عيادته لأعوامٍ إلى السعودية ليمكنه شراء بيت، وعاد معتذراً: "لن أعيدها أبداً وقد صار عندي بيت". وكم أخذ بأيدي الأطباء الشباب حتى يتمكّنوا، وفي تعامله معي كطبيبةٍ لزوجته لسنوات، كان شديد الاحترام والدماثة وحفظ الواجب، وكم آزر زملاءه ومعارفه في أحزانهم ونكباتهم. لم يكن ملاكاً بطبعه لكنه قاتل بضراوةٍ ليصنع من دائرة الأصدقاء أهلاً وعائلة. مرّ بصداقاتٍ وخصومات كثيرة، وظل ينشد ذلك الأمان في دوائر صغيرة من المحيطين، تتغير باستمرار لأن عالم رأسه كان في حالة فورانٍ دائم، يأخذه طبعه النزق إلى خصوماتٍ يحتكم خلالها إلى منظومةٍ أخلاقية صارمةٍ لا تغادر رأسه، ويُجنّ حين لا يراها في الآخرين كما يهوى أن يراها.

كاريزما هذا الرجل الجذّاب، الدائم الضحكة، الأنيق الهندام، البادي في حضوره الشخصيّ كما في صوره، في جلساتنا الخاصة وفي حياته العامة؛ هو نفسه الجسد الناطق كله دوماً ومعاً بكل تفصيلة فيه

في سنوات عملي الأولى كنت أشتغل عملية سرطانٍ في المبيض يملأ الحوض ويتغلغل في ثنياته، حالةٌ نادرةٌ وحرجةُ جداً. كان (عرقي مرقي) وأنا أستخرج كتلاً خلف كتلٍ، ولا أزال أعثر على أخرى في زاوية جديدة، وكان ممرّضٌ رائعٌ يقف مقابلي على طاولة العمليات كمساعد جرّاح. لا أعرف كيف رأيت الدكتور عاطف بالزي الجراحي الكامل يأخذ مكانه مقابلي على الطاولة بجانب الممرض المساعد ليقول: "أنا هنا فقط لأنفّذ ما تطلبين" وبقي معي، وهو الأستاذ والمعلم، يساعدني بصمتٍ ولا يتدخل ولا يفرض رأياً حتى آخر خياطة الجرح. من يومها أوصيتُ زوجي أنني إذا احتجتُ شخصياً إلى جراحةٍ ما، أن يكون الدكتور عاطف فقط، وحده فقط طبيبي، ولم أحتج إلى إعادة التفكير في وصيتي في السنوات التالية أبداً.

في حضرة الشعر

في صباح يومٍ شتائيّ كثير الثلج، كان الدكتور عاطف في غرفة العمليات يشتغل كما كل يوم، ويغني أو ينشد الشعر أيضاً كما عادته، بدا ملبّكاً في ترديد بيتٍ من الشعر يلح عليه بينما يداه تشتغلان برشاقتهما المعهودة. فجأةً صاح بالممرضة الجوالة: اتصلي بالدكتور عصام الزركلي ليأتي فوراً. وعصام الزركلي هو طبيب الجراحة العظمية الماهر والدائم الابتسام. بعد وقتٍ قصيرٍ كان الدكتور عصام زركلي يقف عند باب العمليات آتياً من بيته مستعداً للانضمام إلى طاقم الجراحة:

  • خير عاطف شو في؟
  • عصام ارجع ذكرني ببيت الشعر اللي بيقول هيك شي أقران الوغى، كواعب، سيوف رماح..

-نقارع أقران الوغى فنقدّهُم/ ويقدُّنا في السلم لحظُ الكواعب

وليست سهامُ الحرب تفني نفوسَنا/ ولكن سهامٌ فُوِّقَتْ بالحواجب

  • آها.. يا سلام.. جميل.. شكرا يا عصام.
  • بدك شي بعد؟!
  • أبداً.. شكراً..
  • يعني جبتني من البيت بالثلج وبنهار إجازتي منشان بيت شعر؟!

غادر الدكتور عصام وهو يضحك وتابع الدكتور عاطف عمليته مرتاحاً، يردّد بيت الشعر صحيحاً.

الدكتور عاطف كان أول من أدخل الكمبيوتر إلى عيادته، وأول من أتقن الجراحة التنظيرية بعد زمنٍ قليلٍ جدا من دخولها إلى سوريا. حاول تأمين منحةٍ ليدرس في الخارج وفشل، لم يكفّ عن المحاولة، سافر على حسابه الشخصي إلى فيتبسك في روسيا البيضاء، حيث درس فيها من قبل اختصاص الجراحة العامة، وهو الذي لم يكن يوماً ثرياً بالقدر الذي يكفي ليدرس اختصاصاً جديداً خارج سوريا على حسابه الشخصي، لكنه فعلها، وكان أول من أدخل الجراحة التنظيرية إلى مشفى السويداء الوطني ودرّب عليها أطباء الجراحة العامة والنسائية، وأول مَن يفكر زملاؤه باستدعائه لأخذ رأيه في القرار والفعل حيال كل جراحةٍ عسيرة أو حادث سيرٍ أو بعض الجراحات التصنيعية أو الإسعافية المصيرية أو..  وكان أول الفازعين إلى المشفى الوطني مع كل حادث سيرٍ كبير، وإن لم يكن هناك، فهو حتماً خارج البلد ولا احتمال آخر.

الثورة تقترب

وحين ضُرب الشباب بالأحجار والعصي العادية والكهربائية وسُحِلوا على الطرقات إثر المظاهرات السلمية في الشهور الأولى للثورة السورية، عرف الدكتور عاطف الطريق إليهم حيث تواروا في البيوت التي قبلت إيواءهم وعالجهم. وحين لاحقاً تعسكر كل شيء، كان الدكتور عاطف أيضاً أول المسعفين لمجموعات الجرحى المسعَفين إلى المشفى، سواء من المدنيين أو من جنود الجيش.

في الأول من تشرين الثاني 2015، انقضتْ دورية أمنٍ على الدكتور عاطف في الشارع المكتظّ في وسط مدينة السويداء. قيل لم يتقدم أحدٌ حين استنجد: وين راحووو؟ وقيل أن أفراداً قلائل تقدموا، فجوبهوا بفوهات الرشاش. كان يمكن للأمن أن يأخذوه ليلاً أو خلسةً كما عادتهم، لكنهم أرادوه درساً لكل "مواطن" يحاول رفع رأسه أو قول: "لا".

في الأول من تشرين الثاني 2015، انقضتْ دورية أمنٍ على الدكتور عاطف في الشارع المكتظّ في وسط مدينة السويداء. كان يمكن للأمن أن يأخذوه ليلاً أو خلسةً كما عادتهم، لكنهم أرادوه درساً لكل "مواطن" يحاول رفع رأسه أو قول: "لا".

لم تكن تلك محاولة الاعتداء الشخصي الأولى عليه، فقد سبقها في عام 2012 ملاحقته ومحاولة اختطافه في شارع الشعراني حيث كان يسير لولا أنه التجأ إلى استوديو تصويرٍ في ذلك الشارع، فقد كان مستهدفاً بشخصه منذ أيام الثورة الأولى حين أبدى موقفه الوطني السياسي الأخلاقي مما جرى ويجري في سوريا، مناصراً لكرامة وحرية الإنسان. فهو طبيب، وكان النظام يعتقد أنّ الأطباء عموماً طبقة (يظنّها كما التجار) لا تتبع سوى مصالحها، وبالتالي فولاؤهم الخالص مسألةٌ مفروغٌ منها. يضاف إلى ذلك أن الدكتور عاطف ابنُ ضابطٍ في الجيش، وينتمي إلى حزب البعث، وكان درس الطب في الاتحاد السوفييتي بمنحةٍ حكومية. هو ابن النظامِ إذا ومحسوبٌ عليه، وعقابه يجب أن يكون أشدّ إيلاماً، وكان هذا حقاً حال الكثيرين ممن حازوا تاريخاً شبيهاً من الضباط وأساتذة الجامعات والأطباء وسواهم.

اعتراف تحت الترعيب

بعد أيامٍ من اختطافه أٌحضِر الدكتور عاطف معصوب العينين إلى صالة مبنى المحافظة ليعترف بجريمةٍ ملفّقة. أدلى باعترافاته في صالة المحافظة أمام مشايخ العقل ووجهاء العائلات والمحافظ ومجلس المحافظة والبلدية ونقباء النقابات جميعها، ومدراء الدوائر الحكومية، وليشهد هؤلاء بما سمعوا ويخبروا الأهالي بجريمة الطبيب الذي حنث بقسم أبقراط وأهان شرف المهنة.

مرّتْ أعوامٌ أربعة على ذلك اليوم، لم يثبت خلالها أي دليلٍ على تلك الجريمة سوى اعترافه ذاك تحت التهديد. إلا أن الدكتور عاطف كان مستهدفا كشخصٍ وكرمزٍ، كان يراد من خلاله التشهير بأخلاقيات النخبة المعارضة في محافظة السويداء التي كان انخراط أهلها في الثورة السورية نخبوياً لا جماهيرياً. كان ملحوظاً على النظام في محافظة السويداء، أنه كان يحيد عن إيذاء عائلة أي شخصٍ يعتقله لأنه يعرف أن المجتمع المحليّ سوف يتكفل بمقاطعة هذه العائلة كأذىً اجتماعيّ أكثر من كافٍ، وقد دفعت عائلة الدكتور عاطف ثمناً باهظاً تحمّلته زوجته النبيلة بحكمةٍ وصبر، وتحمّله ابنه الدكتور رسلان ملّاك بكل المسؤوليات الطارئة والأليمة التي تنهال على عائلةٍ غّيّب راعيها لدى الأمن، إذ كان رسلان ما يزال يدرس، لم يتخرج بعد.

(قضى الدكتور عاطف سنة بالتمام والكمال في السجن، وخرج في ذات التاريخ من العام التالي، الأول من تشرين الثاني 2016، بقرار "ترك" التي تعني: (لا حكم عليه، غير محكوم، بريء)! وتعني فيما تعنيه: لا تؤاخذنا على استضافتنا إياك في السجن لمدة سنة!/ والصورة مأخوذة من وسائل التواصل الاجتماعي وهي تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

كما أذى أطفالُ المدرسة الابتدائية ابنتَه (7 سنوات) وعيروها همساً أو صراخاً أنّ أباها مجرم يقبع في السجن أو أنهم قتلوه. بين ليلةٍ وضحاها، أصبحت العائلة المنكوبة بسمعتها وبمعيلها تعيش رعباً مستمراً من مداهمة الأمن للبيت، قاطعها معظم الأقارب والأطباء والجيران، وقلةٌ منهم قدّمت العون الذي يسدّ قليلاً لكنه أبداً لن يكفي (قد لا يصدّق كثيرون أنّ شريحةً كبرى من فئة الأطباء ليست بالمكتفية ولا الوارثة أرزاقاً ولا دخل لها سوى ما يأتيها يوماً بيومٍ من دخل العيادة الذي يُدخِل الأسرة في فاقةٍ إذا انقطع). كذلك صدر قرارٌ وزاريّ بفصل الدكتور عاطف من وظيفته في المشفى، فحملت زوجته أولادها وغادرت بيتها في المدينة إلى أهلها في القرية.

خارج المعتقل: "لا تؤاخذنا على استضافتنا إياك"

قضى الدكتور عاطف سنة بالتمام والكمال في السجن، وخرج في ذات التاريخ من العام التالي، الأول من تشرين الثاني 2016، بقرار "ترك" التي تعني: (لا حكم عليه، غير محكوم، بريء)! وتعني فيما تعنيه: لا تؤاخذنا على استضافتنا إياك في السجن لمدة سنة!

كان هذا أيضاً درساً آخر للجميع: ألّا حصانة لأحد، ولا شفاعة لأحدٍ، حتى وإن كان شخصاً اعتبارياً بمقياسٍ ما، وليس شرطاً أيضاً أن يكون المواطن مذنباً حتى يقرر الأمن اعتقاله.

كان اعتقال الدكتور عاطف درساً آخر للجميع: ألّا حصانة لأحد، ولا شفاعة لأحدٍ، حتى وإن كان شخصاً اعتبارياً بمقياسٍ ما، وليس شرطاً أيضاً أن يكون المواطن مذنباً حتى يقرر الأمن اعتقاله.

بعد الإفراج عنه، أعيد إلى عمله الوظيفي السابق طبيباً جراحاً في مشفى السويداء الوطني، وأعطي مستحقاته المالية كاملةً عن فترة السجن. ومن مفارقات الزمن أن بعض موظفي الأمن الذين عرفوه في السجن، صاروا يأتون إلى عيادته ليعالجهم هم وعائلاتهم، ويشيعون أنهم أصدقاؤه!

روى الدكتور عاطف نتفاً من أحداث سجنه: "كان عاماً دهراً؛ كنتُ أحتال على عتمة المنفردة بترتيل القصائد المحفوظة في رأسي". قال أنه لم يتلقَّ تعذيباً باستثناء حفلة أول الوصول معصوب العينين إلى فرع الأمن العسكري كتقليد ضيافةٍ يحرص الأمن على تقديمه لكل وافدٍ جديد، والتي كلّفتْه اثنين من أسنانه الأمامية. أربعةُ شهورٍ من سنته قضاها في المنفردة، وفي رمضان نقلوه إلى العنبر ليعيش طقوس شهر الصوم بين باقي السجناء، لكنه طلب أن يعيدوه إلى المنفردة بعد يومين حين لم يحتمل منطق السجناء الإسلاميين. كان قد اعتاد العتمة والوحدة يرافقه فيها القرآن، وذاكرته يغذيها بترتيل أشعار قباني ودرويش بينه وبين نفسه كي يمر الوقت، وكي لا تموت ذاكرته أو تخذله كحصنٍ أخير حين كان لا يأمل أن يخرج حيّاً.

لم يروِ باقي التفاصيل لأحدٍ ولا حتى لرفاقه المقربين، كان يتهرب من الإجابة. ربما كان مهدّداً بكل شيء إذا لم يصمت عن تلك السنة جملةً وتفصيلا. ربما أنقذه من الإعدام، أنه يحمل جواز سفرٍ روسي، فقد أخبره القنصل الروسي الذي قابله لاحقاً أنه كان محوّلاً إلى محكمة ميدانية لا تكلف النظام سوى رصاصة، لكن تدخل القنصلية شفع له بتحويله إلى القضاء ليخرج بعد سنة بقرار ترك!

في مواجهة المرض

عاد إلى عيادته وعمله لكن شيئاً كثيراً كان قد تغيّر، فقد حمل وجهه وسلوكه أثقال عشر سنين أليمة لا سنة واحدة، ولم يطل ذلك القهر الخزين في صدره حتى استحال سرطاناً جعله يذوي يوماً بيوم.

حين أصابه مرض السرطان، كان ما يزال يريد أن يحيا ويحيا ولو يوماً إضافياً ويقهر المرض في عقر داره، إلى يوم السابع من تموز 2019 حين ضيّعتْ أجهزةُ الرصد صوتَ نبضه وفاز فيه الموت، غريمنا اليابس المغرور.

وحتى في شهر حياته الأخير، حين أسعفوه إلى المشفى الذي كان إحدى زيناته، وكان حوله مجموعة الأطباء الشباب الذين كان بعض تدريبهم على يديه، وبدا أنه قد يحتاج إلى عمليةٍ جراحية، والوقت يمضي والأطباء يتشاورون ويترددون، فعسيرٌ على الطبيب أن يعالج أستاذه، أمّا أن يفتح له بطنه الذي غزاه السرطان ولم يبقِ له منفذاً؛ فقلةٌ من يستطيعون! ضعافٌ نحن في علاج من نحب ونحترم.. وكم سألوا أنفسهم: أية جدوى من هذه الجراحة؟ هل ستطيل عمره وعذابه لأيامٍ معدودة لا أكثر؟

كان مبعث حيرتهم، ليس قلة الخبرة بل كان مبعثها الحب والمعرفة! وكان الدكتور عاطف، الطبيبُ الجرّاحُ المريضٌ، يصغي إلى نقاشهم صامتاً إلى أن سألوه:  "ساعدنا يا معلم لو كنت مكاننا ماذا كنتَ ستفعل؟" فأجابهم بسرعةٍ واختصارٍ ووضوح: "كنت فوراً عملت العملية وهلق صرت ع بسكر الجرح..".

كان ما يزال يريد أن يحيا ويحيا ولو يوماً إضافياً ويقهر المرض في عقر داره، إلى يوم السابع من تموز 2019  حين ضيّعتْ أجهزةُ الرصد صوتَ نبضه وفاز فيه الموت، غريمنا اليابس المغرور.

من ينصف الرجل؟

ربما أٌنصِف هذا الرجل إنسانياً ومهنياً واجتماعياً في يوم جنازته، وعلى أمل أن يأتي وقتٌ يُنصَف فيه وطنياً وأخلاقياً حين تنتهي هذه الحرب العمياء البصيرة.

كنت أكتب إليه وهو حيّ، أو أسجل له يوميا رسائل مضادة للمرض واليأس ولم يكن يجيب، فلا يعود أمامي سوى أن أطيل النظر إلى صوره الأخيرة بوزن تشظى منه الكثير، وبقيت منه اتقادة العينين.

بعد موته أخبرتني زوجته أنه استمع إليها كلها، وكان يفرح ثم يتحسر: ترى هل يعطيني الله عمرا لأرى نجاة من جديد وتخبرني عن مغامرتها في ألمانيا؟

عني أنا لم أخرج من حزني عليك بعد ولا أظنّ قريبا سأخرج. بعضُ عزائي يا صديقي أنك الآن لا تتألم، وأنني أخبرتك مراراً في حياتك كم أنت عزيزٌ علي.

ومثلما بكل الحب، وببعض إنصافٍ، أكتب الآن شهادتي عنك وفيك؛ فيوماً ما سنلتقي وأخبرك عن مغامرتي.

أعدك..

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد