المسرح داخل سورية بعد الثورة

أيديولوجيات مفروضة ومحاولات لكسر الهيمنة


إذا كانت القنوات الإعلامية تصف الحرب، بأنها مسرح كبير لعرض مشاهد الرعب القذرة التي حلت بالإنسان السوري، فإن المسرح السوري، مسرحاً داخل مسرح، تفاعل مع المسرحية الكبرى وقدم من خلال الفن أو ما يشبه بشكله فن المسرح، حيث تُقدّم اليوم في سورية/ دمشق، عروض مسرحية في أماكن محددة للغاية. ولكن لكل مكان من هذه الأمكنة خصوصيته في العرض المسرحي من ناحية الشكل والمضمون والتوجه الفكري، فكيف تتجلى هذه الخصوصية؟ وما هو واقع العروض المسرحية اليوم في الداخل السوري؟

05 أيلول 2019

(من عرض مسرحية "الخزان" 2017، إخراج يزن الداهوك، على المسرح الدائري في المعهد العالي للفنون المسرحية/ خاص بموقع بحكاية ما انحكت)
أليسار علي

اسم مستعار لكاتبة مسرحية مقيمة في دمشق، خريجة المعهد العالي للفنون المسرحية - قسم الدراسات. ولها مقالات حول الجندر

(دمشق)، "قدمت ذات النص مرتين للمديرية، وفي كل مرة كان يُرفض بحجة مختلفة؛ لديهم مخرجيهم الذين لا يخرجون عن الخط الفني والفكري الركيك الذي بات معروفاً للجميع، يخيفهم أي تجديد ويهدد فسادهم".

هذا ما يقوله لحكاية ما انحكت المخرج (ز،ع)، عاكسا بصورة جلية الواقع الصعب الذي يعيشه المسرحيون السوريون في الداخل اليوم.

فإذا كانت القنوات الإعلامية تصف الحرب، بأنها مسرح كبير لعرض مشاهد الرعب القذرة التي حلت بالإنسان السوري، فإن المسرح السوري، مسرحاً داخل مسرح، تفاعل مع المسرحية الكبرى وقدم من خلال الفن أو ما يشبه بشكله فن المسرح، رؤيته عما يدور في الواقع السياسي تحديداً، أو ما يمت لهذا الواقع بصلة ما. إذ ساهمت حركة التغيير التي سعى إليها السوريون في 2011م إلى فرض معايير مختلفة في التعاطي مع الوضع الجديد في مختلف المجالات، أحدها بشكل بديهي الفن، حيث شغل حيزاً خاصاً للتعبير عن كل ما حدث ويحدث من جميع الأطراف، وشكل صورة (شكل، مضمون) لكل ما يجري في الداخل السوري من تناقضات للحياة السورية من أبسط تفاصيلها إلى عوالمها السياسية المعقدة.

تُقدم اليوم في سورية/ دمشق، عروض مسرحية في أماكن محددة للغاية، (مسرح العلبة الإيطالية والمسرح الدائري) في المعهد العالي للفنون المسرحية، (مسرح الأوبرا، مسرح الدراما، والقاعة متعددة الاستعمالات) في دار الأسد للثقافة والفنون، مسرح الحمراء، مسرح القباني، وفي أماكن بديلة متعددة، أغلبها غاليرات. وإلى جانب ذلك، تتشظى، أحيانا ونادراً، عروضا مسرحية في المحافظات كحمص وطرطوس، تقتصر على المراكز الثقافية. ولكل مكان من هذه الأمكنة خصوصيته في العرض المسرحي من ناحية الشكل والمضمون والتوجه الفكري، وهو موضوع هذا التحقيق.

المعهد العالي للفنون المسرحية.. أثر الحرب

شهد المعهد العالي للفنون المسرحية قبل 2011م العديد من الفرص البحثية والمختبرات المسرحية مع خبراء من الخارج، قاموا بزيارة المعهد وإقامة ورشات مسرحية (كتابة، ارتجال، تمثيل، دراماتورجيا مؤخراً)، فتبادل المشرفون والطلاب في المعهد الخبرات واستمر اطلاعهم على ما توصل إليه المسرح في مسارح عديدة من العالم، كالورشة المسرحية التي أقامها المخرج السويسري (آلان كناب Alain Knapp) المدرس والمسؤول عن المناهج في مدرسة ستراسبورغ، والمخرج الفرنسي (جاك لاسال Jacques Lassalle) مدير مسرح ستراسبورغ القومي ومدير المدرسة العليا للفن الدرامي الملحقة بذات المسرح، عام 1987 في دمشق، إذ تقول الدكتورة ماري الياس في مقدمة كتاب "تمارين في القراءة الدراماتورجية والارتجال" الذي نتج عن هذه الورشة بقلم طلاب قسم النقد (قسم الدراسات المسرحية الآن) "لقد أثارت جلسات العمل هذه تساؤلات هامة وعديدة حول الإخراج والدراماتورجية وإعداد الممثل والعمل الجماعي في المسرح من جهة وحول معاهد المسرح ومناهج التدريس في مدرسة ستراسبورغ العليا للفن الدرامي من جهة أخرى".

كما حصل العديد من طلاب المعهد على فرص للسفر والعمل مع مسارح مهمة في الغرب خلال دراستهم، على سبيل المثال لا الحصر "مسرح الشمس" للمخرجة (آريان مونشكين) 2004-2005. قال الممثل (م،ز): "كنا طلاب حديثي التخرج، وكانت تجربة عظيمة ومختلفة عن كل ما يتم تدريسه في المعهد، إن فرصة خوض تجربة مع مسرح محترف يمكن أن تعلمك الكثير مما لا تستطيع تعلمه نظرياً أو عن بعد"، كما كان هناك مجال لسفر الأوائل في بعض الأقسام لإكمال دراستهم في الخارج والعودة بخبرات معرفية مغايرة تغني الوسط المسرحي السوري.

(العرض الراقص "المعطف" 2019 من إخراج حسين خضور في المسرح متعدد الاستعمالات في دار الاوبرا، تصوير علاء ابو فراج)

كل ما تم ذكره من هذه الفرص اختفى مع حلول الحرب، وبالتالي فإن المعهد انقطع عملياً عن مواكبة ما يحصل في مسارح العالم من مختبرات ومحترفات مسرحية بشكل كلي تقريباً. أما نظرياً، فسعى بعض المدرسين في المعهد بشكل فردي إلى مواكبة التنظيرات والكتب الصادرة حول المسرح في العالم، وخاصة المترجمة للعربية منها، ومشاركتها مع الطلاب، كما قاموا بمواكبة بعض العروض العالمية المصوّرة والمنتشرة عبر اليوتيوب، فبالرغم من أن ذلك لا يغني عن الفرصة العملية لأن المسرح فن حي مباشر، إلا أنّ الحاجة للتواصل فرضت هذه الأساليب.

هجرة الكفاءات المسرحية

من بين هؤلاء المدرسين زياد عدوان قبل سفره حيث يدرس اليوم في برلين، والدكتور أسامه غنم الباقي حتى اليوم في دمشق، مدرّساً في المعهد. من جهة أخرى، وكما حال كفاءات سورية في مختلف الاختصاصات، هاجرت بعض الكفاءات المسرحية بعد الحرب لأسباب تخص الأمان بالدرجة الأولى، وانعدام مقومات الحياة الأساسية بدرجة ثانية و....الخ. فأدى غياب الكوادر التدريسية وسفرها إلى انضمام من لا يمتلكون الكفاءة للتدريس في المعهد، فأغلب المعيدين (المدرسين المساعدين) هم من حديثي التخرج، وهناك مدرسين أساسيين لمواد اختصاصية، خريجين منذ فترة ليست بطويلة وخبرتهم لا يمكن أن تؤهلهم للتدريس أو الإشراف في المعهد، فالمعدل العالي لبعضهم أو علاقات بعضهم الجيدة مع المسؤولين، ليست معايير كافية لتحمل مسؤولية التدريس في المعهد وتخريج أجيال مبدعة، يقول الممثل والمخرج (ج . ش): "من هي كوادرنا التدريسية في المعهد اليوم؟ أنا خريج تمثيل ولدي خبرتي الطويلة في الخارج مع مخرجين من بلدان مختلفة، يمكنني أن أقوم بورشة مسرحية واختبارات خاصة مع مجموعة من المسرحيين خارج نطاق التدريس، إلا أنني لا أصلح للتدريس في المعهد، لا أنا ولا أصدقائي ولا الخريجين الجدد الغير حاصلين على خبرة تدريسية أكاديمية تؤهلهم لذلك! سيعود ذلك على خريجي المعهد الجدد بالسوء".

حول عمادة المعهد

من ناحية أخرى، كان لعمادة المعهد دوراً أساسياً في حرية البحث المعرفي وحرية التعبير والتجريب، فكان من العمداء من يساعد في تسهيل قيام بعض الطلاب بعروض مسرحية كتجارب خلال الدراسة أو بعدها بقليل، خاصة أن التجارب الأولى معروفة بصعوبتها. يقول خريج قسم الدراسات (ع.ب): "في عهد أحد العمداء، كان يسمح للطلاب بالتجريب وهم في سنوات الدراسة، وهذا ما اختبرته أنا شخصياً. أما في عهد عميد آخر، فإن هذا النوع من التجريب أصبح محدوداً للغاية ومحدد باعتبارات ربما شخصية أو ربما إدارية، فطبيعي ألا يكون كل مسرحي أكاديمي مديراً جيداً وهذا بالطبع يشكل ارباكاً أمام الشباب المسرحي".

كما باتت المعايير في اختيار العمداء مؤخراً مخزية، فبعد أن كان أغلب العمداء ممن يحملون شهادات الدكتوراه في المسرح، أصبحت هذه الشروط غائبة رويداً رويداً، وأدار هذا المكان الذي من المفترض أن يكون إبداعياً، شخصيات لا تمت للإبداع بأي صلة، كتامر العربيد تلته الممثلة جيانا عيد، حيث أصبح في عهدهما، الحال أكثر سوءاً من ذي قبل، وبات المعهد الذي كان ملجأ لكل مبدع يحاول التشكيك بأي تابوهات في العالم، كأي دائرة حكومية منقادة تنفذ ما يريده النظام الحاكم، وتزين بناءها بأعلام النظام وصور الديكتاتور. تقول خريجة قسم الدراسات: (ل.ا) "لم نكن نلحظ أية صور أو أعلام في المعهد، ولم يكن يسمح لأي سلاح بدخول حرم المعهد، إلا أنه في عهد تامر العربيد ظهرت كل هذه المظاهر، بالإضافة إلى مظاهر دخول سيارات خاصة لطلاب لديهم نفوذهم لا تليق بالمعهد، بالإضافة لتشديدات في عدّة قضايا لم نكن نراها سابقاً"، بينما تقول الممثلة (إ.ر) عن فترة إدارة جيانا عيد: "مر علينا 4 مشرفين على مشروع التخرج، وحدثت إشكالية كبيرة بين بعض الطلاب، فأدى ذلك إلى حرماننا جميعاً من مشروع التخرج الذي هو حقنا الطبيعي وحلمنا منذ السنة الأولى، وأنا أرى أنه كان بالإمكان تجنب ذلك إدارياً".

المسرح والسياسة

"كل مسرح هو بالنهاية، مسرح سياسي.. والمهم أية "سياسة" يخدمها هذا النص المسرحي أو ذاك؟ باتجاه تكريس الوضع القائم أم باتجاه التغيير لمصلحة التقدم الاجتماعي؟".

(المسرحي الرحل سعد الله ونوس/ الصورة مأخوذة من الأنترنت وهي تنشر موجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

إن مقولة كهذه للمسرحي الكبير، سعد الله ونوس، والتي قيلت في حوار أجراه معه الدكتور نبيل حفار، في مجلة الطريق عام 1986م، من شأنها أن تعبّر بدقة عن وعيه لماهية عروض المسرح السوري في الثمانينات، والتي استمرت بوضوح أكبر دون أي خجل بعد ثورة 2011، فالعروض، إما كرّست ومجدت بطولات ومقاومة نظام استمر بالحكم الديكتاتوري لأكثر من 40 عام، كعرض "الوصية" 2017 من إخراج ممدوح الأطرش، وعرض "تصحيح ألوان" 2017 لسامر محمد اسماعيل.....الخ، أو عروض حاولت بتأن التشكيك بكل ما تمّ تكريسه من قبل هذا النظام من أبديات ومقدسات لا يمكن المساس بها كعرض القراءات "على الطريق" 2014 لوسيم الشرقي وعرض "من أجل نعم من أجل لا" لمجد فضة.....الخ، وبين هذين النقيضين من العروض تتراوح عروض كثيرة لها رؤاها بين هاتين الضفتين.

عروض دار الأسد للثقافة والفنون: أدلجة مفضوحة

لم يكن من السهل قبل 2011 تقديم المخرجين السوريين لعروضهم على خشبات دار الأوبرا، خاصة أنها كانت حديثة الافتتاح بعد انتظار دام 30 عام، بل كان الروتين يعيق العروض المسرحية المحلية في كثير من الأحيان أمام العروض الأجنبية القادمة من الخارج الناتجة عن الاتفاقات الثقافية مع البلدان الأجنبية. بعد الثورة أدى اسم الدار الرسمي "دار الأسد للثقافة والفنون" بحد ذاته إلى رفض كم من المسرحيين المعارضين محاولة العمل مع هذه المؤسسة.

تقول الدراماتورج (ل.أ) لحكاية ما انحكت "إنه لمقزّز للغاية عرض مسرح جدي يحاول أن يحاكي الواقع في كل تغييراته في دار تسبقه سمعته التشبيحية، بالإضافة إلى أنّ هناك من يخوّنك، وهناك من يتهمك من قبل الأطراف المتضررة من هذا النظام".

بالفعل فقد تم استخدام قاعات هذا البناء في إقامة عروض فنية وحوارات وممارسات نظرية تكرس أدلجة النظام وتوجهه كإقامة حفل لتخريج طلاب المدرسة التي يدرس بها أبناء الرئيس في مايو 2019، وتنظيم ندوة حوارية بعنوان "سورية العالم.. هل بدأ الأوربيون يتذمرون من السيطرة الصهيوأطلسية" 2019، وملتقى "الثقافة وطن ومقاومة" 2017، والعمل الاستعراضي الراقص "درب المجد" 2015 ....والخ. وهذا ما جعل من الأمر مربكاً للمسرحيين الهادفين للتغيير.

شهدت مسارح دار الأوبرا بدمشق منذ عام 2011 حتى الآن الكثير من العروض الراقصة الشعبية (فرقة آرام للمسرح الراقص، يارمركا للموسيقى والرقص الشعبي، فرقة آشتي للفلكلور الكوردي، فرقة الرقة للفنون المسرحية.....الخ)، بينما بدت العروض الأكثر حظوة وتمويل في دار الأوبرا هي العروض التي تمجد نظام المقاومة وتخدم توجهاته بعلانية مفرطة، كعرض "الصبر ساعة النصر" 2017 من إخراج مأمون خطيب، وعرض "الطريق إلى الشمس" 2015 من إخراج ممدوح الأطرش، حيث تشترك نوعية هذه العروض الضخمة إنتاجياً ومثيلاتها، بارتفاع قيمة تمويلها من قبل النظام أو من تنظيمات موالية له، وبأنها تقوم على شكل عرض يخلط بين حوارات تمثيلية، وأغاني يؤديها مغنون معروفون بتأييدهم للنظام (شهد برمدا، نورا رحال)، وأداء جسدي، وفرق موسيقية حية على المسرح.

(بروشور العرض المسرحي "النصر ساعة صبر" لمأمون خطيب)

كل هذا الخلط بين الأنواع يمكن وصفه بالسطحي والغير مترابط لتقديم استعراض طويل المدة دون أي مستوى فني أو مضمون درامي يخدم فكرة إنسانية أعمق من توجهات مقرّرة مسبقاً، مكتوبة ضمن نص مخصّص للعرض فقط لتقديم أجندات باتت معروفة ومكرورة إعلامياً (استعطاف الشعب اتجاه الجيش وتمجيد انتصاراته عن طريق حكاية بسيطة تستجدي عواطف الجمهور تجاه الأمهات وأحزانهن ونواحهن، إسناد كل الفظائع للمعارضة ونسب التسليح لها بشكل اعتباطي واتهامها بالخيانة، ومن ثم الفخر بالانتصارات الوطنية وبزوال المؤامرة الكونية).

تقدم تلك العروض على خشبات مسارح دار الأوبرا المجهزة بأفضل التجهيزات للعروض المسرحية. إلا أننا إذا حللنا هذا النوع من العروض بشكلها ومضمونها المذكور سابقاً، فهل يمكن اعتبارها منضوية تحت فن المسرح أو فنون الأداء بمجرد تقديمها على خشبة مسرح؟

الاحتيال على الرقابة بالرقص!

وجد بعض الشباب متنفساً في منح دار الأوبرا الانتاجية ومنح العرض المجاني في مسارح الدار، ضمن اعتبارات (الدفاع عن الحق)، شكلت نفسها مع استمرار الأحداث والضغط الأمني في سورية، ومع ندرة الفرص للمسرحيين الجدد أو أصحاب التوجه غير المعروف مسبقاً.

هذه الآلية لجأ إليها المسرحيون كذلك مع سياسة "مديرية المسارح والموسيقى" كما سنرى لاحقاً، ولكن لم ينجح الأمر في مسارح دار الأوبرا إلا فيما العروض الراقصة (مسرح راقص / مسرح حركي) كعرض "زيارة ذاتية" 2015 للمخرج (حسين خضور) الذي تناول اغتراب السوريين في الداخل، وعرض "المعطف" 2019 للمخرج نفسه الذي قدم هيمنة سلطة المال بمساعدة السلطة السياسة في سورية على حقوق السوريين من الطبقة الوسطى التي تدنى وضعها الاقتصادي بعد الحرب، وعرض "معلق" 2019 للمخرج ميار ألكسان الذي تحدث عن فكرة الميلاد والموت، وغيرها من العروض الحركية الجادة من ناحية الشكل والمضمون التي قدمت في دار الأوبرا وسمح لها بذلك.

(العرض الحركي "زيارة ذاتية" 2015 . إخراج حسين خضور، المسرح متعدد الاستعمالات في دار الاوبرا، تصوير علاء ابو فراج)

يقول المخرج والراقص (ح،خ): "هناك توجه جديد في المنطقة، ألا وهو تنشيط العروض الجسدية من رقص معاصر ومسرح راقص وهذا ملحوظ بوضوح إذا ما تابعنا مواسم العروض جميعها، وأحصينا التوجه الواضح نحو هذه العروض، إذاً فلماذا لا نستغل هذه الفرصة؟ أنا أعلم كم هي الرقابة صعبة على العروض التي تحملها الكلمة، إلا أن الرقابة هذه لا يمكنها التحكم بالجسد ومنعه من قول ما يريد".

مديرية المسارح والموسيقى، دائرة حكومية روتينية

لا تختلف سياسة المديرية التي كانت خشباتها، ودعمها، الملجأ شبه الوحيد للمسرحيين (لعدم وجود مسارح خاصة) عن سياسة دار الأوبرا، إذ أن أي نقد أو اتجاه يعارض التوجه الفكري لها يلقى الرفض (توجه النظام). يقول المخرج "ج . ش" الذي قدم عرضه الأول في المديرية 2016، والذي يحضر لعرضه الثاني حالياً مستفيداً من منحة خارجية "هذا يحصل في كل مسارح العالم، عندما تكون توجهات النصوص متناقضة مع سياسة المسرح الفنية والفكرية".

وبالفعل، يحدث ذلك، إذ لكل مسرح موسمه المخطط له لمدة 6 أشهر أو سنة، ولكل موسم خطه الفني المعروف (مسرح كلاسيكي، مسرح إنكليزي، مسرح شرقي، مسرح معاصر....). وفي حال تعددت المسارح الخاصة والقومية، فإن المسرحي يستطيع التعبير عن نفسه في أي مسرح وموسم يقترب من توجهاته. لكنه من المفترض للمسارح القومية التي لا تتبنى تيار فني محدد، أن تستوعب أي تجربة مسرحية جدية، وخاصة إن كانت أكاديمية، لا أن تكون مؤسسة رديفة لنظام يمارس الهيمنة والديكتاتورية.

لذلك كان من البديهي أمام الوضع السوري الذي يهيمن على مؤسساته الحزب الواحد والرؤية الواحدة أن تشغله عروض متكررة لمخرجين يقدمون ما تريد هذه المؤسسة. ففي كل عام، هناك عرض لأيمن زيدان (دائرة الطباشير2015، اختطاف2017، فابريكا 2018، ثلاث حكايا 2019) ومأمون الخطيب (هدنة2015، زيتون2017، اعترافات زوجية2018) وزيناتي قدسية بالمشاركة مع ابنه قصي (غاندي2016) هي مثيلة لعروض دار الأوبرا التابعة للنظام وتحمل ذات الأهداف، لكنها أقل تمويلاً وأقل علنية في توجهاتها، بالإضافة لبعض العروض الذي يختلف مخرجيها بحسب تقديم نص يوالي النظام، أو عن طريق علاقات شخصية أو محسوبيات باتت معروفة.

ولا يستغرب المسرحيون في سورية، أن العديد من مدرسي وخريجي المعهد العالي للفنون المسرحية، قد حاولوا تقديم عروض في مسارح المديرية وقوبلوا بالرفض، بحجة أن الموسم يحتاج لموضوعات جديدة أو أي حجة واهية. يقول المخرج (م.ر): " قدمت نصي للمديرية وقوبل بالرفض، من ثم طلبت ميزانية بسيطة جداً وقوبل بالرفض أيضاً، وبعدها طلبت مسرحاً للبروفات بدون أيه أجور وتم قبول النص، إلا أنها كانت تجربة قاسية جداً، فلم تقدم المديرية أيه مساعدة بل أعاقت بعض الأمور، وانتهى العرض بمشاعر غير راضية من الجميع، خاصة عند المقارنة بعروض أخرى لم تكن أفضل إلا أنها نالت اهتمام المديرية".

استمرار تقديم المسرح مع بعض "التنازلات"

ولكن ومن ناحية أخرى، يبدو أن فكرة مقاطعة الفساد والروتين لم تنجح مع من قرر البقاء في سورية، فمن يريد أن يقاطع سيصعب عليه جداً أن يجد منفذاً لأي عمل فني أو غير فني يريد أن يقدمه، هذه فكرة البعض الآن والتي لم تكن عند جميعهم في بداية الثورة، لكنها وليدة ديمومة الواقع القاسي، لذا وجد البعض أنه وبرغم كل ما يحصل من سياسات قاسية وفساد، فلا بد من استمرار تقديم المسرح في دمشق مع بعض التنازلات، إذ أن هذه المؤسسات ليست حكراً شخصياً لأي حزب أو عائلة أو مجموعة، هي من حق أي مسرحي في هذا البلد، ومن حقه وواجبه العمل ضمن هذه المؤسسات التي هي ملك الشعب (الدفاع عن الحق)، لذلك يتجه المسرحيون الجادون، ومنهم من اختار البقاء في البلد والعمل في الداخل، إلى مسايرة كل السياسات الخانقة، وتقديم تجارب مسرحية تبتعد عن المباشرة في طرح الممنوع كي تستمر وتلجأ إلى الرمزية أحياناً لتعرض نتاجها في مسارح المعهد العالي للفنون المسرحية ومسرح الحمراء والقباني، كالمخرج أسامة غنم، والمخرج مجد فضة، والمخرج جمال شقير.....الخ.

ومع كل تلك التضييقات، بقى الأجر المسرحي سيء للغاية، وخاصة بعد التراجع الاقتصادي وتدهور الليرة السورية، وشكّل الأجر لأي عامل في المسرح (بدون مبالغة) أقل من أجر المواصلات التي من الممكن أن تصرف خلال البروفات، ناهيك عن واقع هيكلية المديرية. يضيف المخرج (ج. ش): "مديرية المسارح والموسيقى عبارة عن دائرة حكومية غير إبداعية في التعامل من قبل الموظفين، لا تراعي طبيعة العاملين في هذا المجال، ولا يراعي روتينها حاجات هذا النوع من الفنون، والأمور الادارية متعبة للغاية فيها".

المسرح المستقل، محاولات للتغيير

الأجر، الفساد، التضييق الأمني، الوقوف في وجه حرية التعبير، المستوى الفني والفكري، انعدام الهم الفني والابداعي والتجديدي عند مالكي القرار، كل ذلك أدى إلى إنتاج مسرحي مستقل غير حكومي، ليس وليد الثورة فقط، بل كان للسوريين تجربتهم المسرحية المستقلة البسيطة، منها عرض "الشريط الأخير" 2009م للمخرج أسامة غنم، وعرض "المرود والمكحلة" 2009م للمخرج عمر أبو سعدة، وعرض "قصة حديقة الحيوان" 2012م للمخرج رأفت الزاقوت. إلا أنها تكثفت بعد الأحداث في سورية، وزاد التوجه لها، عن طريق طلب الحصول على منح لدى منظمات تعنى بالفنون ومن ضمنها المسرح كتابة وإخراجا (فنانون مواطنون، اتجاهات ثقافة مستقلة، المورد الثقافي، آفاق ...)، حيث يتحكم المسرحي في هذه الحالة بالإنتاج كاملاً، وبحرية فكرية وإبداعية كبيرة.

(من عرض مسرحية "الخزان" 2017، إخراج يزن الداهوك، على المسرح الدائري في المعهد العالي للفنون المسرحية/ خاص بموقع بحكاية ما انحكت)

ولكن الخيار الأصعب يكون في خيار تقديمه على خشبات المسارح الحكومية كما فعل المخرج (مجد فضة) عندما عرض مسرحية "النافذه" 2016 في استيديو في المعهد العالي للفنون المسرحية ومسرح القباني، ويزن الداهوك عندما عرض "الخزان" 2017 في المسرح الدائري في المعهد ذاته، وكما عرض حسين خضور "زيارة ذاتية" 2015 في المسرح متعدد الاستعمالات في دار الأوبرا. ففي هذه الحالة ستخضع العروض لرقابة المسؤولين في هذه المسارح، التي لم يقبلها (علاء الدين العالم) في عرضه "لا مخرج" 2015، بل قدمه في غاليري نصار، وقدمت سوزان علي عرضها "كحل عربي "2018 في غاليري "مصطفى علي"، ولكن هذه العروض لا تترك أثرا كبيراً بسبب عدد أيام العرض القليلة على الأغلب، وبسبب عدم الإعلان الكافي عنها.

النص المسرحي، حيرة بين العالمي والمحلي

من ناحية النص، يتعامل المخرجون السوريون اليوم باختلاف مع هذه القضية، فبعضهم  يقوم بالاقتباس الحر من النصوص العالمية لدرجة كتابة نص خشبة مغاير تماماً، إذ يقول المخرج (ح.خ): "أين هو النص السوري المحكم مسرحياً ودرامياً كي نقدمه على المسرح؟ أنا لم أجد حتى الآن نصاُ سورياً قد مس حسّي الإخراجي لأقدمه على الخشبة، وعندما أجد لن أتوانى في العمل على إخراجه"، في حين قال المخرج (ج . ش): "عملت سابقاً على نص محلي لكاتب سوري، وبعد حوارات ونقاشات عديدة، استطعنا أن ننتج عرضاً يمس مأساتنا وواقعنا، وأنا أحضّر حالياً لعرض آخر، تتم كتابته من قبل دراماتورج خلال بروفات ارتجالية ستمكننا من كتابة نص غني بنا ويحاكي واقعنا الذي يجب أن يتوجه مسرحنا له، فلا أظن أن أي نص مهما كان عظيماً يستطيع أن يناسب أو يعبّر عن السوريين كما نستطيع نحن التعبير عنه".

أما الكاتبة (ل.ا) فقالت: "بعد كتابتي لنصي المسرحي الأول، حاولت العمل كدراماتورج على نص إيرلندي كان يعجبني كثيراً وشعرت أني من خلاله أستطيع قول ما أريد، إلا أنه عند مضي بعض الوقت على التبييء والتعديل على النص، شعرت وكأن النص الجديد ملكي، وكأنني أكتب نصاً جديداً بكل تفاصيله، ما عدا تأثري بواقع الشخصية النفسي والاجتماعي في النص الإيرلندي، والذي اختلف مع تقدم العمل، فانكفأت عن العملية الدراماتورجية التي كانت ستظلم تعبي ككاتبة، وأنا اليوم في المراحل الأخيرة من كتابة نصي الجديد".

لم يكن المسرح قبل 2011 مستكيناً لما يحدث في سورية من فساد سياسي وتجاهل إنساني، إنما كان ككل الفنون يعمل بالخفاء ويحاول إيصال الرسائل بطرق ملتوية. أما بعد الثورة فقد أصبح الطريق الملتوي شائكاً وطويلاً أكثر، إذ أن التعبير عن الواقع صار أصعب أمام التشديد الأمني والرقابة الصارمة في الداخل وبقيت محاولات التجريب المسرحي الجادة مستمرة. أما الهوية، فهل هناك هوية للمسرح السوري أمام كل ما ينتجه المسرح الحكومي من استعراضات ثابته لا ترغب في التغيير؟ وهل يمكن للتجارب الفردية النادرة، ومنها التجارب المستقلة أن تخلق هوية لا شذرات متناثرة هنا وهناك؟

مقالات متعلقة

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد