جورج عبد اللطيف.. خُطف أم اعتُقل؟

آمن بثورته، ودافع عنها حتى آخر رمق


دخل الغرفة مغلقًا الباب خلفه، ظننت أنه قد شعر بحرج من عائلتي في الغرفة المجاورة. جلس على كرسيه بعد أن أداره تجاهي، ثم سألني: "ما رأيك بثورة تونس؟". راح قلبي يخفق بسرعة، ورحت أشتم سرًا صديقي الذي عرّفني على هذا "المخبر".

14 أيلول 2019

فهد الحجازي

اسم مستعار لكاتب سوري، حائز على بكالوريوس في الاقتصاد، مقيم في حمص، ومهتم بالبحث في العلوم الإنسانية.

جورج عبد اللطيف (37 عامًا) هو أحد أوائل الناشطين في مدينة حمص، شارك في تنظيم أول مظاهرة رفعت شعار إسقاط النظام في حي باب السباع بتاريخ 1 نيسان/ أبريل 2011، والتي غلبت عليها الشعارات الوطنية. كان له دور في رفد الشباب المحتجّ فكريًا ورفع سويتهم الثقافية، فأصبح من الشخصيات المؤثرة في الحراك السلمي، تم اختطافه من حي النزهة بتاريخ 15 آذار/ مارس عام 2013 من قبل مجهولين، ولا يعرف مصيره حتى اليوم. أروي في هذا المقال كيف تعرفت عليه، وكيف تقابلنا في اعتصام الساعة، وتفاصيل لقائنا الأخير في نفس يوم اعتقاله.

انتظرت ريثما انتهت امرأة  من دفع ثمن مشترياتها، وإلقاء بعض عبارات الشكر والمجاملة الاجتماعية التي كان يكرهها، ومن ثم المغادرة، قبل أن أطل عليه برأسي من الباب، ثم أتقدم واقفًا ومسندًا ظهري على الحائط، مراقبًا إياه وهو يحاول عبثًا ترتيب مكتبه.

يبدو أن جسدي قد حجب نور الشمس، فرفع رأسه بلا مبالاة  نحوي. نفس العينين السوداوتين، نفس بريق الأمل ومسحة الذكاء. تسمّر جسدانا وضاقت حدقتانا، توقف الزمن دهرًا قبل أن ينهض بحماس لاهثًا باسمي. حضنني كابن بعد طول غياب، رغم الفارق البسيط عمريًّا، وفي هذه الدقائق القليلة التي ساد الصمت فيها، وبينما راح يتحسّس آثار التعذيب على ذراعي، فهمت الكثير.

حاولت استحضار الكلمات المناسبة لسرد آخر التطورات، لكن الانفعال العاطفي الذي ساد الموقف قد أذهب ذاكرتي، فأسعفني جورج في استكمال أفكاري، وأنقذني من حرج كشف الضعف الإنساني الذي اعتمر قلبي. تحدثنا لساعة دون أن يفكّر أحدنا بأن شرب ولو رشفة ماء قد يحلّ مشكلة جفاف حلقينا. ورغم إصرار أحدهم على قطع صفاء جلستنا هذه باتصالاته المزعجة، فلم يعر جورج له بالًا، ولم يحاول معرفة من ذلك المتطفّل.

في الوداع لم أحضنه، لم أتمنى له يومًا سعيدًا، لم أوصه بأن يكون أكثر حرصًا، رغم علمي بعدم جدوى هذه النصيحة. كانت السيارة تنتظرني في الخارج، صافحته على عجالة وخرجت. تبعني وكأنه أراد أن يعاتبني على هذا الوداع الذي لا يليق بكلينا. كان واقفًا عند الباب وقفة المستسلم، قدماه متباعدتان، ويداه منسدلتان، عندما ثبتّ عيني عليه في آخر مشهد أراه فيه قبل الاعتقال، ثم راحت السيارة تتحرك.

كان جورج بطلًا أسطوريًا بالنسبة لي ولكثير من الشباب المنخرط في العمل السياسي، كان من أوائل المبادرين في تنظيم الحراك السلمي في مدينة حمص. لم ترق له النقاشات الافتراضية، فعمل مع بعض رفاقه على تنظيم حلقات نقاش، كانت نواتها الأولى على هامش فعاليات اعتصام الساعة بحمص، ثم انتقلت إلى الغرف الموصدة؛ لقد أشهر العقلانية سلاحًا في وجه الديكتاتورية. لم تقتصر المواضيع التي تم نقاشها على التطورات الميدانية وآخر الأنباء، بل شملت مختلف القضايا الفكرية التي كان حماس الشباب ونهمهم للمعرفة يطالها. أما الكتب التي تمت مناقشتها في هذه الجلسات، فلم يكن أحد في الخارج يجرؤ على ذكر اسم مؤلفها. كان مؤمنًا بأن التغيير الديمقراطي سيتحقق طالما تمسكّنا بسلمية الحراك الذي حاولنا بناءه على أساس ثقافي متين ومبادئ راسخة، والأهم أنه لم يستطع النظر إلى أي إنسان إلا بكونه سوريًا.

(جورج عبد اللطيف. المصدر: فيسبوك، والصورة تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

كانت طريقة تعارفنا طريفة بقدر ما هي مرعبة بالنسبة لي، بدأ ذلك كله عندما تعطل حاسوبي، وحصلت على رقم هاتفه عن طريق صديق. اتصلت به لأعرف مكانه، لكنه أصر على المجيء إلى منزلي. كان لمظهره وقع في قلب عائلتي، شاب في عقده الثالث جميل طويل القامة ممتلئ ذو كتلة عضلية جيدة، يتمتع بنظرة حادة تنم عن ذكاء. وبعجالة ألقى التحية ودخل غرفتي، ليجلس على مكتبي ويحاول اكتشاف سبب العطل.

اعتقل جورج عدة مرات على مدى سنتين، وفي كل مرة كان يخرج بها ليعاود النشاط السياسي غير عابئ بالتعهدات التي وقع عليها، والتهديدات الأمنية

منذ اللحظة الأولى بدا لي كفؤًا وذو مهارة عالية في مجال الصيانة، لكن تلك النظرة راحت تضمحل تدريجيًا بعد نصف ساعة من العمل دون نتيجة. شعرت أنه مهتم بالتعرف علي والحديث معي أكثر من اهتمامه بعمله، وكان ذلك غريبًا؛ أليس لديه زبائن آخرون في انتظاره؟ لكن أسلوبه ورشاقته في صياغة أسئلته والتنقل بينها جعلتني أجيب دون اعتراض.

طلب الإذن لقضاء حاجة، وبعد عودته، دخل الغرفة مغلقًا الباب خلفه، ظننت أنه قد شعر بحرج من عائلتي في الغرفة المجاورة. جلس على كرسيه بعد أن أداره تجاهي، ثم سألني: "ما رأيك بثورة تونس؟". راح قلبي يخفق بسرعة، ورحت أشتم سرًا صديقي الذي عرّفني على هذا "المخبر".

لم أعرف ما هو الجواب الأسلم، لا شك أنه شعر بحرجي، لكنه أصر على الصمت، واكتفى بالنظر إلى عيني بشكل مباشر؛ فأجبته: "ثورة ماذا؟". وكأنه لم يستمع لإجابتي، أعاد سؤالي: "ألا تريد أن تكون بوعزيزي سوريا؟". وبعد هذا السؤال لم أنبس ببنت شفة، شعرت بثقل رأسي، وخدر في يدي وقدمي. أما هو فلم يتوقف عن الكلام إلا بعد أكثر من ساعة، عندما اقتحمت أمي الغرفة لتستعلم عن سبب هذا التأخير. أجابها بأنه سينتهي حالًا، ولكن هنالك مشكلة برمجية معقدة يحاول حلّها. وبعد خروج أمي، استدار نحو الحاسوب، لتتنقل أنامله فوق مفاتيحه بخفّة، وما هي إلا دقائق حتى دفع كرسيه ناهضًا، ثم نظر إلي لدقيقة واحدة في جلستي المشلولة تلك، وقال: "فكّر فيما قلته لك، وها هو رقمي قد أصبح لديك، اتصل بي حينما ترى نفسك مستعدًا لهكذا عمل، ولا تنسى إضافتي صديقًا على موقع فيسبوك". كنت سأجيبه بـ: "حاضر"، لكنني تداركت الأمر فقلت: "لا أعتقد هذا".

بعدما أغلقت الباب خلفه، شعرت بأنني قد نجوت من عاصفة مميتة، من كارثة طبيعية هزت المنزل وقلبته رأسًا على عقب؛ وأنني بعد هذه المقابلة لن أعود كما كنت قبلها. كان صوت قلبي يقول لي بأنك قد قابلت للتو أصدق إنسان على وجه الأرض، لكن صوت عقلي كان يقول لي ما هو إلا مخبر حاول استدراجك. أما وإن لم يكن هذا أو ذاك، فهو مجرد مختل عقلي. ثم عن أي ثورة يتحدث؟ هنا في سوريا؟!

ما هي إلا أسابيع عدة، حتى بدأت نشرات الأخبار تخصص جزءًا خاصًا من تغطيتها لسوريا والتطورات الاحتجاجية فيها، كنت أتابع بترقب، وأسجل الأخبار على حاسوبي، وأنسخ أهم ما قرأته في الصحف من آراء وتحليلات. تواصل معي الكثير ممن أصبحوا لاحقًا نشطاء يظهرون في نشرات الأخبار، دارت نقاشات فكرية جوهرية لم نحلم بأن نخوضها يومًا داخل سياج الحدود السورية، ثم اتفقنا على أن ننقلها لتصبح عامة، ونشرك بها مستخدمي تويتر، لتوسيع آفاق النقاش من جهة، وللمساهمة في نشر الفكر التحرري.

في تلك الفترة تحديدًا، ومع أفول شهر آذار/ مارس، بدأت الاحتجاجات في حمص، ورحنا نساهم بالتغطية الإخبارية، نرصد آخر المستجدات عبر شبكة من المواطنين القاطنين في أحياء متفرقة، وننقلها إلى صفحاتنا على موقع تويتر. ساهم الكثير منا في بناء المجال العام الافتراضي، ونقل الصورة الحقيقية لوسائل الإعلام، لكن ذلك جعلنا بعيدين عما يجري على الأرض، وأدركنا ذلك متأخرين حينما تمت الدعوة لاعتصام الساعة الجديدة بحمص.

مع تصاعد النزعة الطائفية كان يرسخ في عقول مريديه الشباب ثقافة وطنية خالصة، كان يرفض التأكيد على وحدة الشعب، فبنظره شعبٌ واحدٌ لن يحاول التأكيد على وحدته في كل مناسبة.

هناك التقيت مجددًا جورج، ذو الكاريزما الساحرة، والحضور القوي. كان يجتمع حوله عدد من الشبان الصغار، وكان يحاضر فيهم عن المجتمع المدني ودوره ومكانته في الدولة الحديثة، وقد خيّل إليّ أنّني أرى أمامي زرادشت –  نيتشه - السوري. وقفت شاهدًا على حلقات نقاش كانت تدور على هوامش التظاهرات، ولربما كان جورج يحتضن أكبرها. اقتربت منه، وصافحته. لم أكن بحاجة لأذكره بنفسي، فقد بادرني القول: "لقد أدركت أنك معنا".

كان جورج الأكثر حماسًا بيننا، ورغم حرصه الشديد على سلامة كل رفاقه، كان الأقل حرصًا على نفسه. كان يستغل كل فرصة للحديث عن الثورة، والترويج لأفكاره التحررية، غير عابئ بالمخاطر المترتبة على ذلك. ومع تصاعد النزعة الطائفية كان يرسخ في عقول مريديه الشباب ثقافة وطنية خالصة، كان يرفض التأكيد على وحدة الشعب، فبنظره شعبٌ واحدٌ لن يحاول التأكيد على وحدته في كل مناسبة. كان يرفض الإشارة إلى الانتماءات الدينية والطائفية لبعض المحتجين في محاولة للتأكيد على عدم طائفية الاحتجاج، وكان يرى ذلك انغماسًا في مشروع تفتيتي يعمل على تقسيم الشعب بحسب انتماءاتهم الفرعية والما قبل وطنية. وأهم ما يميزه أنه كان يثق ثقة عمياء في كل تكوينات الشعب السوري، حتى فيمن يعمل عنصرًا في أحد الأجهزة الأمنية؛ وهو ما سبب أخيرًا اعتقاله، لقد كان جورج بحق نبيّ الحرية في حمص والمبشّر بها.

اعتقل جورج عدة مرات على مدى سنتين، وفي كل مرة كان يخرج بها ليعاود النشاط السياسي غير عابئ بالتعهدات التي وقع عليها، والتهديدات الأمنية. لكنه في 15 آذار/ مارس عام 2013، حينما ودعته على عجالة، تحركت السيارة بعيدًا وأنا أراقبه في وقفته المستسلمة تلك. وفي المساء وردني خبر يفيد باعتقاله من محله، ربما بعد خروجي بساعات.

رغم بحثي المستمر، لا أحد يعرف حتى اليوم: هل تم خطفه من قبل مجموعة غير رسمية أم اعتقاله من قبل أحد الفروع الأمنية؟ وهل مازال حيًا أم قد تمت تصفيته؟ وهل تمت تصفيته عقب اختطافه مباشرة أم في مرحلة لاحقة؟

سيبقى في ذاكرتي جورج عبد اللطيف، ذلك الشيوعي العنيد، وأحد رموز الاحتجاج السلمي في حمص، ذلك البطل الذي لا يهادن، والذي آمن بثورته، ودافع عنها حتى آخر رمق. يومًا ما سألقاه وأضمهإ لى صدري، ليفهم ضمنًا: أنني لست سببًا فيما جرى، وأن شيئًا لم يكن بوسعي فعله.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد