المدرسون والطلاب في دمشق

تحت وطأة الحرب وظروفها الاقتصادية


"كثيراً ما يأتي طلابي ليشتروا من دكاني وهناك من يأتي من حارة أخرى متقصداً رؤيتي بشكل مغاير لشكلي في المدرسة. بعض المشاغبين منهم يتمشّون مساءاً أمامي ويدخلون كل حين ليشتروا شيئاً، محاولين التعامل معي كمجرد بائع". هذا ما يقوله أحد المدرسين، ما يعكس بعض الواقع الذي يعيش في ظله الطلاب والمدرسون في دمشق. عن هذا الواقع وشروطه، يتحدث تحقيق حكاية ما انحكت.

23 تشرين الثاني 2019

عامر محمود

(اسم مستعار لكاتب وصحفي سوري مقيم في دمشق)

(دمشق)، "كيف سأهتم بطلابي وأقدم لهم أفضل ما لدي وأنا مضطر يومياً للعمل خارج دوامي المدرسي لثمانية ساعات، تسلبني طاقتي وقواي وتؤثر على أدائي كمعلم؟".

هو سؤال يطرحه المدرس محمود (مستعار/ 42 عام) الذي اضطر للعمل محاسباً في مطعم، بدخلٍ يقدر بـ 130 دولار، يعينه على أعباء الحياة، بعد أن بات دخله المدرسي، وهو 42 ألف ليرة (ما يعادل 70 دولاراً)، لا يكفي ربع متطلبات المعيشة اليومية.

"كيف سأتمكن من النجاح ولا أجد وقتاً للدراسة؟، كيف سأتعلم وأنا مهدد وعائلتي بالفقر والجوع كل يوم؟".

سؤال آخر يطرحه الطالب عبدالرحمن (مستعار/ 15 عام)، عامل توصيل الطلبات (ديلفري) في مطعم للوجبات السريعة، والذي يعمل فيه نحو 9 ساعات مقابل دخلٍ لا يتعدى 45 ألف ليرة (75 دولاراً)، وذلك ليعين عائلته التي فقدت المعيل.

مرّبي الأجيال بين السخرية والشفقة

واقع المدرس محمود يشبه واقع معظم المدرسين، الذين يزاولون عملهم اليوم، فهم يعيشون في ظل واقع اقتصادي متردٍ، أفرزته ظروف الحرب، يُجبِر معظمهم على العمل خارج أوقات الدوام في أعمال مختلفة، تلاقي كثيراً من الاستهجان ونظرات السخرية والشفقة في بعض الأحيان، كالعمل في المعامل والبقاليات والمطاعم أو كسائقي سيارات أجرة، وذلك ليتمكنوا من تأمين لقمة عيشهم، إذ أن دخل "مربي الأجيال" اليوم أصبح يتراوح ما بين 70 و80 دولار، وفي أفضل الحالات لا يصل إلى 100 دولار، وهو مبلغ لا يكفي لدفع إيجار منزل مناسب للعيش.

ويحاكي واقع الطالب عبد الرحمن واقع الكثيرين من الطلاب النازحين وفقراء الحال، الذين أجبرهم تردي الواقع المعيشي على العمل والتسول خلال فترة الدراسة، ليتمكنوا من تأمين مصاريف المدرسة ومساعدة أفراد عائلاتهم في الحصول على ما يسد الرمق، حيث يعيش اليوم أكثر من 80% من السوريين تحت خط الفقر .

عمل المدرسين يضعهم في مواقف محرجة

خارج أوقات دوامه المدرسي يعمل المدرس سليم (45 عام، مدرس في مدرسة ثانوية بدمشق) بائعاً في دكان. عمله هذا يضعه في مواقف محرجة أمام بعض طلابه، إذ يقول لحكاية ما انحكت "كثيراً ما يأتي طلابي ليشتروا من دكاني وهناك من يأتي من حارة أخرى متقصداً رؤيتي بشكل مغاير لشكلي في المدرسة. بعض المشاغبين منهم يتمشّون مساءاً أمامي ويدخلون كل حين ليشتروا شيئاً، محاولين التعامل معي كمجرد بائع".

ويضيف "في المدرسة أشعر أحياناً ببعض الخجل إذ أرى بعضهم يتغامزون ويتهامسون ساخرين مني أنا "الرجل ذو الشخصيتين"، وذات مرة أحرجني أحد الطلاب بسؤاله: استاذ بقديش عم تبيع علبة العصير بدكانتك؟ سعرك أرخص من سعر دكانة المدرسة، فيما علق طالب آخر: والله يا استاذ بضاعتك أفضل من بضاعة المدرسة".

ويحدثنا المدرس غسان (44 عام)، والذي يعمل سائق سيارة أجرة خلال ساعات المساء، عن بعض المواقف التي صادفته: "خلال عملي كسائق كثيراً ما أصادف طلاباً درَّستهم في السنوات الماضية، فيشعرني ذلك بشيءٍ من الخجل، ولكن الموقف الأكثر خجلاً، والذي لن أنساه، حصل معي حين أوقفتني امرأة وفتاة، لأتفاجأ بأن الأخيرة طالبة من طالباتي في صف الحادي عشر، فكان موقفاً لا أحسد عليه، حيث كانت نظرات الدهشة والتفحص تطل كالسهام من عيون تلك الطالبة لتمطرني بالتساؤلات المحرجة، حتى احمرَّ وجهي من شدة الخجل وارتبكت وبدأ العرق يتصبب من جسدي".

ويضيف المدرس "بعد عدة أيام اتصلت بي الأم، التي أخذت رقم هاتفي لتطلبني إذا ما احتاجت لوسيلة نقل، لأفاجئ بطالبتي تلك وثلاثة طالبات أخريات ينتظرنني أمام البيت لأوصلهن لحضور عيد ميلاد زميلتهن".

يتابع بقهر ووجع: "لا يمكن وصف شعوري يومها وأنا أقود السيارة المكتظة بضحكاتهن، كم تمنيت أن تبتلعني الأرض، وما فاقم الأمر سوءاً هو انتشار خبر عملي هذا بين معظم الطلاب، فأصبحت أخجل من النظر في عيونهم التي تحمل نظراتها الكثير من الاستهجان والسخرية".

"انت شقفة مدرس ما خرج تفتح بيوت"

بعد أن كان المعلم في الماضي يحظى بقيمةٍ اجتماعية كبيرة، تجعل منه ثروة وطنية، بات اليوم خارج أي مكانة مرموقة، يخجل من مهنته التي يستخف بها الجميع، في ظل انعدام أبسط مقومات الحياة التي  قد تمنحه شيئاً من التوازن النفسي، وهو ما جعله في حالة دائمة من الاستياء والشكوى والتذمر من واقعه المؤلم والمرير.

"انت شقفة مدرس ما خرج تفتح بيوت" يقول المدرس شادي (36عام) ناقلاً جملة خطيبته التي تردّدها على مسامعه في كل مناسبة، موضحاً: "دخلي كمدرس هو ما يؤجل زواجي منها، والذي طال انتظاره لأكثر من عامين". ويضيف المدرس شادي: "أصدقائي أيضاً يهزؤون من عملي عندما يقارنوني بأنفسهم، فمثلاً حين نسهر في المقاهي يعفونني من المساهمة معهم في دفع الفواتير ويرددون جملتهم الدائمة التي تحمل شيئاً من السخرية والشفقة المبطنة: "إنت مدرس مسكين بتحق عليك الحسنة".

وللمدرسة رشا (31 عام) قصة أخرى ترويها لحكاية ما انحكت: "قبل عام ونصف اشتريت براداً وغسالة من محل لبيع القطع الكهربائية وقد اتفقت مع صاحبه أن أسدد له ثمنهما بالتقسيط الشهري. وحين علم أنني أدفع له شهرياً نصف راتبي (الذي لا يتجاوز الأربعين ألفاً)، رأف بحالتي وأشفق علي، فعرض علي أن يعفني من دفع الأقساط مقابل تقديمي دروساً خصوصية لأولاده وأولاد أخيه وأخته، يخصم أجرها (1500 ليرة لكل درس) من قيمة تلك الأقساط، على أن تستمر الدروس حتى يستوفي المبلغ الكلي، وقد استمر الأمر نحو سنة دراسية كاملة أعطيت فيها نحو 180 درساً لسبعة أطفال".

تبتسم المدرسة ابتسامة صفراء وتتابع "رغم أن الأمر كان مفيداً بالنسبة لي مادياً، إلا أنه كان مؤذياً معنوياً، فلن أنسى نظرات الشفقة في عيون صاحب المحل، ولن أنسى الدفتر الذي خصصه لتسجيل عدد الدروس التي أُنجزها، وكأنني أعمل كموظفة عنده، أقدم العلم مقابل براد وغسالة".

واقع المعلم يؤثر على أدائه

كل ذلك ترك آثاره السلبية على أداء المدرس ليقتل شعوره بالمسؤولية تجاه الطلاب وشعوره بالانتماء للمؤسسة التعليمية، لذا بات مسلوب الطاقة، قليل العطاء، لا يبذل أي جهد فاعل ولا يسعى ليقدم أفضل مالديه (في ظل غياب أي حوافز مادية أو معنوية تدفعه لذلك). إنما يزاول عمله بلامبالاة ودون حماسةٍ أو رغبة، بل قد يقصِّر أحياناً في أداء واجبه ليتسنى له استقطاب الطلاب إلى منزله ليتلقوا الدروس الخصوصية التي قد تمنحه عيشاً كريماً، والخاسر الوحيد في كل الحالات هم الطلاب الذين قد يصبحون مدرسين في المستقبل!

"بكل بساطة، لم تمنحني المدرسة حقي لأفي العملية التعليمية حقها"، جملة يتحدث المدرس محمود من خلالها بلسان معظم المدرسين، موضحاً: "أعود من دوامي المدرسي ظهراً، أستريح قليلاً، أتناول طعامي ثم أنهض إلى عملي الذي يرهق ذهني وأعصابي لأعود في الحادية عشر ليلاً منهكاً خائر القوة، وبالكاد أتمكن من رؤية زوجتي وأطفالي، إذ يغالبني النعاس فأنام لأصحو صباحاً إلى المدرسة التي أشعر خلال دوامي فيها بالتعب والإرهاق ليتملكني الضجر والنزق الدائم، فتتداخل المعلومات في رأسي، وأشعر أن حاجزاً ما يقف بيني وبين طلابي".

التخلي عن المدرسة هو الحل

ولأن معظم المدرسين يشعرون اليوم بأن حقهم منتهك، وأن أتعابهم وجهودهم لا تقدر ولا تحترم، تخلى بعضهم عن وظيفته في قطاع التربية ليتوجه إلى المدارس والمعاهد الخاصة، فيما عزف آخرون عن فكرة التدريس ليدخلوا إلى ميادين أعمال أخرى تؤمن لهم دخلاً معيشياً أفضل.

وعن تجربتها، تتحدث المدرسة هيفاء (34 عام): "لم أعد مضطرة للعمل في مهنة لا تقدر حجم الجهود التي أبذلها. فدخلي في المعاهد الخاصة  يعادل ثلاثة أضعاف الدخل الذي كنت أتقاضاه من المدرسة، كما أنني أحظى باحترام وقيمة أفضل".

(مدرسة في دمشق بتاريخ تموز 2019/ خاص حكاية ما انحكت)

وتضيف المدرسة "إذا أجرينا أي مقارنة سريعة بين المدارس الحكومية والمعاهد الخاصة، سيظهر ببساطة تميز وتفوق تلك المعاهدعلى جميع الأصعدة، لذا نجدها تستقطب المدرسين يوماً بعد يوم لتسرقهم من المدارس الحكومية، وأتوقع أن تخسر الأخيرة الكثير من كوادرها مع قادم الأيام إن لم تحسّن لهم واقعهم".

هذا الواقع أجبر المدرس وائل (38 عام) على التخلي عن مهنة التدريس نهائياً ليتجه نحو العمل في التجارة، حيث يقول لحكاية ما انحكت: "أعمل اليوم كتاجر جملة، حيث أقوم بتوزيع بعض السلع الغذائية على عدد من البقاليات بمساعدة أخي الذي يمتلك سيارة للتوزيع".

وعن أسباب تخليه عن التدريس يقول لحكاية ما انحكت: "لم يعد هناك ما يحفزني على متابعة التدريس، الذي لم يعد له أي قيمة مادية أو معنوية بعد الحرب، فمجموع دخلي ودخل زوجتي (وهي مدرِّسة أيضاً) ما كان يكفي لدفع إيجار المنزل وفواتير الكهرباء والهاتف ومصاريف المواصلات، فكنا مهددين بالعوز كل يوم. إلى جانب ذلك شعرت بأنني فقدت قيمتي ومكانتي كمدرس وبأن مهنتي هذه لم تعد تستحق حجم الجهد والوقت الذي أقدمه لها ولا تستحق أن أهدر سنوات عمري لأجلها، كما أن كرهي لها جعلني استغني حتى عن الدروس الخصوصية والتدريس في المعاهد الخاصة". ويقارن المدرس بين عمله السابق  والحالي: "كان دخلي كمدرس لا يتجاوز 75 دولاراً شهريا، بينما يصل دخل عملي الحالي إلى نحو 350 دولاراً شهريا، وقد يزيد عن ذلك، وتلك مقارنة تفضح حجم الواقع المرير للمدرسين".

الطلاب النازحون يدفعون الثمن الأكبر

منذ سنوات والطلاب النازحون يعانون في مناطق نزوحهم من واقع يومي مؤلم وفقر مدقع وظروف معيشية واجتماعية متردية. وقد خلق كل هذا فروقاتٍ طبقيةٍ بينهم وبين أقرانهم المقيمين (الذين تتوفر لمعظمهم ظروف حياتية ومعيشية جيدة إلى حد ما)، وأظهر حالات التمايز الاجتماعي والتفاوت في مستوى المعيشة، إذ تكفي  نظرة عامة على طلاب المدارس ساعة انصرافهم، لتكشف حجم التفاوت في طبيعة اللباس والحقائب والأحذية.

طلاب نازحون لا تتوفر لهم أبسط مقومات ومستلزمات الدراسة، يرتدون ثياباً قديمة ومهترئة، ويحملون كتبهم في أكياس من النايلون أو في حقائب مرتجلة من أقمشة بالية، بينما نجد زملائهم المقيمين يحملون حقائبهم الثمينة ويرتدون ثياباً جديدة وأنيقة، ويشترون الأطعمة الشهية والعصائر والحلوى، فيما ينظر أقرانهم النازحين إليهم بحسرة وغيرة.

منذ سنوات والطلاب النازحون يعانون في مناطق نزوحهم من واقع يومي مؤلم وفقر مدقع وظروف معيشية واجتماعية متردية. وقد خلق كل هذا فروقاتٍ طبقيةٍ بينهم وبين أقرانهم المقيمين

المرشدة النفسية سوسن (40 عام، تعمل في مدرسة إعدادية في دمشق)، تروي لحكاية ما انحكت جانباً من المعاناة التي عاشها الطلاب النازحين: "معظمهم كان يشعر بالنقص والدونية تجاه من هم أفضل منه اجتماعياً ومعيشياً. فبعض الطلاب المقيمين كانوا يتباهون بنقودهم ولباسهم وحقائبهم، ينعتون أقرانهم النازحين بفقرهم ويسخرون من مظهرهم ومن لهجتهم وعاداتهم وأماكن سكنهم".

وتضيف: "والأسوء من ذلك أن بعضهم كانوا يسلكون مسلك آبائهم المتنفذين والعسكريين، فيمارسون التشبيح بحق زملائهم النازحين حيث يقومون بتهديدهم وتسخيرهم في القيام ببعض الأعمال أو يقومون بتهديدهم وبالاعتداء عليهم بالضرب والشتائم".

ولا تقتصر معاناة الطلاب النازحين على ما فعله أقرانهم المقيمين بل أن "بعض المعلمين كانوا ينظرون إليهم بازدراء ودونية ويمارسون التمييز ضدهم في قاعات الدراسة كالتقليل من شأنهم وتجاهلهم وعدم الاهتمام بهم مقابل امتداح أقرانهم المقيمين والتعامل معهم بحب ورعاية ومنحهم الكثير من العطاء. لكن أسوء ما في الأمر هو أن بعض المعلمين كانوا ينظرون إليهم على أنهم أبناء إرهابيين لا يستحقون أي اهتمام أو رعاية".

وترى المرشدة أن هذا الواقع "قد ترك آثاراً نفسية مدمرة لدى الكثيرين من الطلاب النازحين الذين كانوا يشعرون طوال الوقت بأنّهم غرباء غير مرحبٍ أو مرغوبٍ بهم، يتعاملون بعدائية وتمييز، وهو ما أثر بشكل كبير على سلوكهم وتركيزهم وتوازنهم النفسي، وبالتالي على تحصيلهم العلمي ونجاحهم وربما مستقبلهم، ما جعلهم يشعرون بكره وحقد تجاه العلم والمدرسة ويحاولون التسرب منها".

معاناة أخرى

وللطلاب النازحين معاناة أخرى خارج المدرسة، فبعضهم لا يتمكنون من الدراسة أو حل واجباتهم المنزلية في بيوتهم نتيجة اكتظاظها بأعدادٍ كبيرة من القاطنين، حيث تحتوي بعض البيوت المستأجرة من قبل النازحين على عائلتين أو ثلاثة وربما أكثر في بعض الأحيان، حيث تضطر بعض العائلات للسكن المشترك مع عائلات أخرى لتخفيف نفقات المعيشة وتقاسم إيجار المنزل.

الطالب أحمد (12 عام) المقيم في جرمانا في شقة صغيرة "على العظم" مع نحو عشرة أفراد، يضطر يوميا، ليتمكن من الدراسة، للهرب من ضوضاء وازدحام المنزل فيلجأ إلى فسحة ترابية في الحارة، حيث يجلس على قطعة قماشية يحملها مع حقيبته ليطالع دروسه ويحل واجباته المنزلية. يقول أحمد "لا مكان للهدوء في بيتنا المزدحم طوال الوقت، حيث الجميع يتحدث بصوت مرتفع وأخوتي الصغار يعبثون بكتبي ويتقافزون حولي، فلا أجد أي مساحة صالحة للدراسة". ويعاني أحمد في مكان دراسته هذا من تطفل أطفال الحي: "كثيراً ما يقومون بالتشويش علي ويحاولون الاحتكاك معي، وبعضهم يدعوني للهو واللعب".

حالة مشابهة تعيشها الطالبة غيداء (10 أعوام) حيث تلجأ إلى شقة، لم يتم إكسائها بعد، مقابلة لمنزلهم الذي يضم 13 فرداً، لتجلس، بين أكوام الرمل والحصى ومخلفات البناء، على قطعة (بلوك) واضعة أمامها صندوقاً خشبياً تستخدمه كطاولة للدراسة.

العمل ينافس الدراسة

وخلال السنوات الماضية، أصبح عمل الأطفال النازحين في دمشق والمحافظات المستضيفة لهم مشهداً مألوفاً واعتيادياً. وقد أثَّر هذا الواقع سلباً على مستواهم العلمي وجعلهم عرضة للرسوب والفشل الدراسي ليخسروا سنوات دراسية من أعمارهم، نتيجة عجزهم عن التوفيق بين الدراسة والعمل أو التسول. فبينما يتجه الطالب النازح محمد (13 عام) بعد انتهاء دوامه المدرسي إلى عمله في السوبر ماركت ليقوم بتوصيل الطلبات للمنازل حتى الساعة العاشرة ليلاً مقابل دخل لا يذكر. يتوجه زميله في المدرسة، الطالب المقيم رامي بسيارة أبيه إلى معهد تعليمي خاص ليتلقى دورات مكثفة لمتابعة المنهاج الدراسي.

(أصبح عمل الأطفال النازحين في دمشق والمحافظات المستضيفة لهم مشهداً مألوفاً واعتيادياً. وقد أثَّر هذا الواقع سلباً على مستواهم العلمي وجعلهم عرضة للرسوب والفشل الدراسي ليخسروا سنوات دراسية من أعمارهم)

وفي مكان آخر، يعيش طالب الصف السادس، النازح خالد، في شقة بائسة (على العظم). وفي البناية المقابلة، يسكن زميله في الصف، تيم، في منزل فاخر، خصص له فيه غرفة بجدران ملونة وسرير دافئ. يتجه خالد مساءاً إلى أبيه لينوب عنه في العمل في محل لبيع الخضار والفاكهة حيث يبقى حتى موعد إغلاق المحل في الحادية عشر ليلا، وخلال هذا الوقت يتلقى تيم الدروس الخصوصية لمعظم مواد المنهاج الدراسي حيث يزوره المدرسين الخصوصين وهو جالس في منزله ينعم بالرفاهية والدفء.

لن ينسى الطالب أيمن (16 عام) قصة رسوبه في امتحان الشهادة الاعدادية، ويتحدث لحكاية ما انحكت عن أسباب ذلك: "لم تسمح لي ظروف عائلتي بأخذ إجازة من عملي لأتفرغ للامتحان، فقد كنا مهددين بالخروج من المنزل (الذي ينقصه أغلب متطلبات العيش) مالم ندفع إيجاره، ولم تتمكن أمي التي تعيل (بمساعدتي) أخوتي الأربعة الصغار، من تحمل تلك الأعباء بمفردها، فعملها في معمل الخياطة بالكاد يؤمن نصف ما نحتاج، وقد كنت أساعدها بما أكسبه من عملي لاستكمال باقي المصاريف التي نحتاجها". يضيف بحزن، وكأنه رجل أتعبته السنين: "كنت أعمل منذ الصباح حتى الثامنة مساءاً فأعود إلى البيت لأدرس إلى أن يغلبني النعاس، وخلال فترة الامتحان كنت أذهب فور انتهائي من تقديم المواد إلى عملي، لأعود منه مرهقاً فأحاول ما استطعت أن أدرس لبضع ساعات ولكن بغير تركيز، حيث يتمايل رأسي فوق الكتاب لأغفو جالساً، لذا كان من الطبيعي أن لا يحالفني النجاح في نهاية المطاف".

لم يُنظر إلى المدرس كصاحب دورٍ رئيسي في بناء الأجيال ونشر المعرفة، ولم يُنظر إلى واقع الطلاب، خلال سنوات الحرب، بالمسؤولية المطلوبة، التي تليق بأجيال المستقبل، لتقديم الدعم المناسب لهم والحد من ظاهرة تسربهم من الدراسة.

يعتبر القطاع التربوي التعليمي من أهم  القطاعات التي تنهض بالمجتمع ومؤسسات الدولة، حيث يشكل الخطوة الأولى في طريق التقدم والتطوير، كونه المسؤول عن بناء الأجيال، فكرياً ومعرفياً ووطنياً وإنسانياً، والتي بدورها ستكون مسؤولة عن بناء المجتمع. ولكن رغم أهمية ذلك، بقي ذلك القطاع مجرد قطاع ثانوي، خارج جميع خطط التنمية، فلم يُنظر إلى المدرس كصاحب دورٍ رئيسي في بناء الأجيال ونشر المعرفة، ولم يُنظر إلى واقع الطلاب، خلال سنوات الحرب، بالمسؤولية المطلوبة، التي تليق بأجيال المستقبل، لتقديم الدعم المناسب لهم والحد من ظاهرة تسربهم من الدراسة.

وبالنظر لواقع المدرسين اليوم لا عجب أن يشعر المدرس شادي بالندم الشديد لأنه اختار تلك المهنة، حيث يقول: "حين كنت طالباً حلمت بأن أصبح مدرساً ذو دور فاعل ومؤثر في المجتمع وكنت أتصور أن شكل المدارس مستقبلاً سيكون مختلفاً ومتطوراً، لكن الواقع كان مخالفاً للحلم والتصورات، ثم جاءت الحرب لتفاقمه سوءاً وتجهز على أي أمل في النهوض به. ولو يعود بي الزمن لكنت سأتخلى عن حلمي ذاك، الذي أصبح اليوم كابوساً يؤرقني كل يوم".

الكابوس الذي يؤرق المدرس شادي يؤرق الطالب عبد الرحمن، الذي بات حلمه مهدداً بالقتل: "حين سألني مدرسي في الصف الأول عن حلمي المستقبلي، أجبته بأنني سأصبح طبيباً، واليوم بات جل حلمي أن أتمكن فقط من متابعة دراستي التي بتّ مهدداً بالتخلي عنها في أي لحظة بعد أن أصبحت لقمة العيش أهم من جميع الأحلام".

(الشخصيات الواردة في التحقيق اكتفت بذكر اسمها الأول لأسباب شخصية وأمنية)

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد