نيران الحرب غير المرئية

معاناة ذوي الاحتياجات الخاصة


تركت الحرب السورية آثارا غير مرئية، تجلت بعض أثارها في ولادة أطفال ذوي احتياجات خاصة، ناهيك عن معاناة هؤلاء أساسا في هذه الحرب، وفي ظل الحصار وارتفاع الأسعار وعدم وجود أماكن مخصصة لهم، ناهيك عن معاناة أهاليهم في رحلة البحث عن طبيب في ظل هجرة الأطباء، وفي خضم رحلة العلاج الطويلة. مراسلتنا في دمشق، زارت عيادة طبيب في دمشق ومركزا في مشفى ابن النفيس، لنكون على قرب من معاناتهم وحكاياتهم.

30 تشرين الثاني 2019

أليس الشامي

كاتبة سورية (الاسم مستعار)

(دمشق)، "أشد ما يخيفني أن نموت ونترك هذا الطفل وحده في هذا العالم، لا يوجد مجتمع يحتضنه، ولا بيئة آمنة تشرف على تحسنه".

"عندما زرت الطبيب لأول مرة، دفعت على المعاينة مبلغ عشرة آلاف ليرة سورية، (20 دولار تقريباً)، وكانت قيمة الوصفة الطبية ما يقارب الستين ألف ليرة سورية (حوالي المائة دولار). قمت بالاستدانة من جيراني لشراء الدواء، الذي لم يحسن من حالة ابني في شيء".

"لست أعرف ما هو الأصعب، هذا الانتظار القاتل في ظروف بالغة السوء أم الحصول على موعد أصلاً".

"نقطع من دير الزور مسافات طويلة، ونفترش الحدائق ريثما تفتح عيادة الطبيب. وغالباً ما ننتظر حتى اليوم التالي كي نستطيع العودة إلى الدير.. نحن متعودون على هذه الرحلات الطويلة لزيارة طبيب أو مشفى".

هذه أحاديث سيدات سوريات ورجال سوريين في عيادة أحد الأطباء الأخصائيين في الأمراض العصبية في منطقة الجسر الأبيض في مدينة دمشق، وفي مشفى ابن النفيس. لكل منها/هم معاناتها/ه مع ابنها/ ابنتها التي لاتنحصر بالمرض، بل تمتد إلى صعوبات الحياة التي بدورها تؤدي للإصابة بهذه الأمراض، ويسبّب ضغطها، بدءا من ارتفاع تكاليف المعيشة إلى ندرة الأطباء في دمشق اليوم، وغلاء أسعار الدواء، إلى صعوبة الشفاء منها... وكأن نيران الحرب لا تتجه نحو الانطفاء إلا لتشتعل نيران أخرى غير مرئية، تحرق أرواح السوريين بعد أن تكون كوت أجسادهم.

ميكرو باص، يوم كامل، ثلث ساعة "معاينة"

تجلس حنان على كرسي ضيق مع ابنها البالغ من العمر 7 سنوات، منتظرة دورها مع عشرات الأهالي والمرضى في قاعة الانتظار الصغيرة التي لا تتسع لهم فيفترشون مدخل البناء وبضع أمتار من الشارع.

يعاني ابن حنان من الشلل الدماغي، والذي سبب له إعاقة حركية وتأخراً في النمو العقلي. لا يتجاوز عمر الطفل العقلي أكثر من بضعة أشهر، وهو منفصل عن محيطه تماماً، تضع له مريلة لكي تمتص اللعاب الذي يسيل من فمه المفتوح بشكل دائم بسبب ارتخاء عضلات الفك لديه.

(تأخذ معاينة الطبيب ربع إلى ثلث ساعة لكن الانتظار حتى يحين دور المعاينة يمتد حتى 6 ساعات. لا مكان لقضاء الحاجة إلا في دورات مياه عمومية قريبة، لا توجد فيها أية مقومات للنظافة الشخصية عدا عن عدم ملاءمتها لأطفال ذوي احتياجات خاصة)

أتت حنان مع عدة نساء مع أطفالهن الذين يعانون من إصابات عصبية متفاوتة، سبّبت لهم إعاقات متنوعة، في ميكروباص واحد من منطقة قطنا. جميعهن نازحات من عدة مناطق كداريا وبساتين الرازي، يشتركن في مكان السكن الحالي، وفي المحنة التي سببتها لهن إصابات أطفالهن التي حصل أغلبها بسبب "أخطاء طبية" حسب تعبيرهن.

وبسبب مشقة الطريق تنسّق الأمهات مواعيد مراجعة الطبيب مع بعضهن البعض ويتفقن مع سائق ميكرو ليجلبهن إلى دمشق وينتظرهن حتى ينتهين من زيارة الطبيب، الأمر الذي قد يستغرق النهار كله، حتى يعيدهن إلى قطنا في وقت متأخر.

تأخذ معاينة الطبيب ربع إلى ثلث ساعة لكن الانتظار حتى يحين دور المعاينة يمتد حتى 6 ساعات. لا مكان لقضاء الحاجة إلا في دورات مياه عمومية قريبة، لا توجد فيها أية مقومات للنظافة الشخصية عدا عن عدم ملاءمتها لأطفال ذوي احتياجات خاصة. بعد المعاناة تدخل الأمهات إلى غرفة الطبيب الشديد الاختصار مع أطفالهن، ثم تخرجن بجيوب خاوية وبوصفة طبية لأدوية عصبية، بعضها مفقود وبعضها أجنبي وغالي الثمن.

ظروف استثنائية: أسباب ومعاناة

حنان أرملة فقدت زوجها خلال "الأحداث" على حد تعبيرها، دون أن تحدد كيف قتل، ولديها ثلاثة أطفال آخرين بصحة جيدة. ولد ابنها في ظروف سيئة، نزحت من داريا وهي حامل، وتعرضت للكثير من الصدمات والضغوط النفسية. ولدت ابنها في مشفى التوليد الحكومي عام 2012، وبسبب "الإهمال الطبي" على حد قولها، تعرض لنقص أكسجة ولادي أدى إلى تلف في الخلايا الدماغية.

تقول لحكاية ما انحكت "كان هناك عسر في الولادة، وكان في غرفة المخاض عدة نساء ولّادات، لم يلق أحد بالاً إلى عويلي وألمي، وعندما ولد ابني لم يصرخ مثل باقي الأولاد في الغرفة، عندها عرفت أن هناك مشكلة. كنا فاقدين لكل شيء، ولم أكن أستطيع أن ألد في مشفى خاص، دائماً أفكر في أن ابني كان ليولد سليما في ظرف آخر. ولكنه نصيبنا". تتنهد وتمسح على شعر ابنها الذي يحدق في الفراغ.

في العيادة أيضاً طفلة في السنة الأولى من عمرها، تسببت لها عدوى التهاب السحايا التي التقطتها من المشفى الذي ولدت فيه بتلف في الخلايا العصبية لا يمكن إصلاحه.

على مدخل البناء أيضاً، تجلس عائلة من دير الزور مع ابنتها المشلولة، تعاني الابنة وعمرها أربع سنوات أيضاً من الشلل الدماغي التشنجي، والذي سبب لها شللا في الأطراف السفلية واختلاجات متكررة.

يقول والد الطفلة لحكاية ما انحكت: "نقطع من دير الزور مسافات طويلة، ونفترش الحدائق ريثما تفتح عيادة الطبيب. وغالباً ما ننتظر حتى اليوم التالي كي نستطيع العودة إلى الدير. علماً بأن الشلل الدماغي منتشر بين الكثير من العائلات الديرية بسبب زواج الأقارب، والذي يعد من أحد أهم مسببات الإصابة. في عائلتي الكبيرة وحدها هناك خمس إصابات من هذا النوع، ولم أعرف في حياتي عن وجود مركز في دير الزور أو الرقة أو الحسكة لعلاج مثل هذه الإصابات"، مؤكدا أن "المرضى في تلك المدن من يوم يومهم يأتون إلى المدن الكبيرة كحلب أو دمشق للاستشفاء، ليس فقط من الشلل الدماغي، وإنما أيضا لإجراء العمليات الجراحية والعلاج من السرطان. لذلك فنحن متعودون على هذه الرحلات الطويلة لزيارة طبيب أو مشفى".

ويتابع قائلا: "المشكلة في هذا النوع من الإصابات، أنه بحاجة إلى المتابعة في العلاج الفيزيائي والأدوية والغذاء الجيد والتنمية الفكرية، وجميع هذه الخدمات غير متوفرة في مناطقنا، لذلك فحالة المريض لا تتقدم بل تظل على حالها أو تتراجع".
تدخل سيدة أخرى يعاني ابنها البالغ من العمر 10 سنوات من التوحد الشديد، والذي تسبب الازدحام في العيادة بإثارة نوبة من الغضب والبكاء لديه، تعطيه يدها كي يعض عليها علّه ينفّس من توتره قليلاً، وتقول لحكاية ما انحكت: "لست أعرف ما هو الأصعب، هذا الانتظار القاتل في ظروف بالغة السوء أم الحصول على موعد أصلاً. حاولت أن أذهب إلى طبيب أخر مشهور في دمشق، لكن الحصول على موعد كان مستحيلاً. هناك رقم هاتف وحيد يتم تفعيله لنصف ساعة من أول كل شهر، حاولت مراراً الاتصال لكن ضغط المتصلين جعل الأمر مستحيلاً".

هذا الأمر دفعها للذهاب شخصياً إلى العيادة ولكن "لم يتم استقبالي، وبعد جهد جهيد حصلت على موعد بعد عشرة أشهر، الأمر لا يطاق! وعلى الرغم من حنقي الشديد على الطبيب وعلى سوء التنظيم والمعاملة، لكن منظر العيادة كان لا يصدق، على الرغم من أن قاعة الانتظار أكبر بكثير من هذه القاعة، وأن هناك مدخلاً مستقلاً، كان الواقفون أكثر بكثير من الجالسين. كان هناك أكثر من خمسين مريضاً بدون مبالغة، من جميع المحافظات السورية، كان الجميع متوترين ويتشاجرون. عرفت عندها أن الحاجة أكبر من استيعاب أي طبيب بصراحة. سأذهب إلى موعدي بعد عشرة أشهر، لكنني قررت أن أزور هذا الطبيب وغيره ريثما يحين الموعد حتى لا أضيع الوقت على ابني، لربما أتى أحد الأطباء بمعجزة تحسّن من حالته".

رأي الأطباء: زيادة ملحوطة

الطبيب محمد خالد (اسم مستعار) أخصائي أطفال ويعمل في مدينة دمشق، تصادفه كل يوم حالة أو حالتان تحتاجان إلى تدخل وتشخيص طبيب اختصاصي بالأمراض العصبية عند الأطفال.

"في حقيقة الأمر يوجد طبيب واحد فقط بهذا الاختصاص في دمشق وربما في سوريا، وهناك بعض الأطباء الاختصاصيون بالأمراض العصبية الذين يستقبلون حالات الأطفال المرضى، ولكنهم لا يكفون أبداً. عداك عن أن الأمراض العصبية عند الأطفال كالشلل الدماغي والقيلة السحائية وغيرها من الأمراض التي تسبب تأخراً في التطور الروحي والحركي عند الاطفال صعبة التشخيص للغاية، وكثيراً ما يتأخر الأهل في الوصول إلى الطبيب المناسب. وهذا النوع من الإصابات بحاجة إلى تدخل مبكر لتلافي تفاقم العواقب من تشنجات عضلية وتشوهات وظيفية في الأطراف".

ويتابع الطبيب قائلا: "وفي السنوات الأخيرة لاحظت زيادة ملحوظة في عدد الأطفال المصابين بالشلل الدماغي تحديداً، على الرغم من أنني لا أستند إلى أحصائية واضحة في هذا الموضوع. لكنني بت أصادف هذه الحالات يومياً، بعد أن كنت أصادف حالة واحدة أو حالتين أسبوعياً. النسبة العالمية للاصابة بالشلل الدماغي هي طفل من أصل 400 طفل، لكنني اعتقد أننا في سوريا تجاوزنا هذه النسبة بكثير بسبب الظروف التي تعيشها البلاد".

أسباب المرض

في مركز علاج فيزيائي مجاني تابع لوزارة الصحة في مشفى ابن النفيس الحكومي في مدينة دمشق، متخصص بعلاج الأطفال ذوي الإعاقات الحركية، تكتظ الصالة المليئة بالفرشات والأسرة بالأهالي والمعالجين والأطفال. المكان معتدل الحرارة ومليء بالألعاب والأجهزة الحركية ونظيف نسبياً، لكن الازدحام والحاجة الكبيرة، جعلت حصة كل طفل من العلاج الفيزيائي نصف ساعة لمرتين أسبوعياً كحد أقصى.

والدة الطفلة ياسمين، التي تبلغ من العمر ثلاث سنوات، لكن حجمها وعملها العقلي لا يتجاوزان الستة أشهر، تقول لحكاية ما انحكت: "كنت مع عائلتي محاصرين في دوما عندما كنت حاملاً بياسمين، تعرضت لسوء تغذية ورعب شديد، ولم يكن هناك مكان أخرج إليه. ولدت ياسمين في هذا الظرف، وبقينا في دوما عامين بعدها. وعندما سيطر الجيش على المنطقة خرجت مع عائلتي إلى مركز إيواء في إحدى ضواحي دمشق. وعرضنا ياسمين على طبيب لأننا كنا نلاحظ أنها متأخرة بالنسبة لأقرانها لكن لم يكن بيدنا حيلة، فطلب لها صورة رنين مغناطيسي، وتبين أن لديها ضمور وتلف بالدماغ. نحن الآن ملتزمون بجلسات العلاج الفيزيائي في المركز، لكن الجلسات غير كافية، والوقت ضيق، والمعالجون مضغوطون كثيراً بعدد المرضى، مع ذلك نلاحظ تحسنا طفيفاً في حالة ياسمين، بعد عام كامل من العلاج الفيزيائي".

حالة ياسيمن، يدعمها كلام الطبيب، محمد خالد، الذي يقول عن أسباب هذه الإصابات: "فسوء التغذية والحالة النفسية والتعرض لصدمة خلال الحمل وظروف الولادة السيئة... جميعها عوامل فاقمت نسبة الإصابة. وطبعا وجود طفل ذي احتياجات خاصة بحاجة إلى ظروف مثالية ليتمكن من العلاج والتدخل المبكر من تحقيق نتائج جيدة، ويسبب ضغطاً اقتصادياً كبيراً على العائلة، التي غالباً ما يكون لديها أطفال آخرون، وربما تكون عائلات نازحة فقد معيلها عمله. لذلك فالعناية بطفلهم المعاق ليست بتلك البساطة".

رحلة العلاج الصعبة ومخاوف الأهل..

على طاولة علاج أخرى، يتابع والد ووالدة صلاح ابنهما وهو يبكي محتجاً على تمارين التمطيط التي قد تكون مؤلمة، والتي يقوم بها المعالج الفيزيائي دون أن ينظر إلى الطفل.

يقول والد صلاح، وهو موظف حكومي، لحكاية ما انحكت: "لا توجد هناك بيئة داعمة حقيقية للعائلات التي يعاني أحد أطفالها من الشلل الدماغي أو التوحد أو أي نوع من الاحتياجات الخاصة. يقوم هناك المعالجون بما هو مطلوب منهم، والمعدات جيدة، لكن الحاجة هائلة، وعدد المعالجين قليل، وبعضهم ليس ماهراً بما يكفي أو ليست لديه الخبرة. ولا يتواصلون مع الأهل أو الطفل كما يجب، وبعضهم يتعاملون مع الأهل، خاصة من قدم من بيئات ريفية ومدن وقرى نائية بفوقية ويمنون عليهم بالجلسات لأنها مجانية".

أما والدة صلاح فتتكلم عن مخاوفها من المستقبل: "أشد ما يخيفني أن نموت ونترك هذا الطفل وحده في هذا العالم، لا يوجد مجتمع يحتضنه، ولا بيئة آمنة تشرف على تحسنه، ولا عمل يناسبه، قد يستغله أحدهم جنسياً مثلا، أو يؤذيه بطريقة أخرى، هذا المجتمع لا يرحم الضعفاء ولا يحميهم. حتى المشي في الشارع يشكل لهم تحدياً".

يستعد والدا صلاح لإدراج ابنهم ذي الأربع سنوات في مركز تنمية فكرية لعلاج التأخر في الوعي والتواصل لديه. بعد المفاضلة بين عدة مراكز استقر الأهل على تسجيل ابنهم في مركز بقسط شهري يبلغ 30 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل خمسين دولار تقريباً. يبلغ راتب والد صلاح حوالي 80 ألف ليرة سورية، مائة وأربعين دولار تقريبا، يعمل بعض الظهر عدة ساعات على سيارة أجرة تؤمن له مبلغ 60 ألف ليرة أخرى، أما والدة صلاح، فهي متفرغة للعناية بابنهما الوحيد.

بعض الأمل

في المركز أيضاً، مراهق في السادسة عشرة من عمره، يعاني من تأخر ملحوظ في الوعي، ويمشي بصعوبة ويكاد يفقد توازنه عند كل خطوة، لكنه يمشي. يأتي إلى المركز أسبوعياً من أجل العلاج بالرياضة لتحسين توازنه وحركته. والد الطفل المرافق في الأربعين من عمره، ينظر إلى ابنه ببعض الارتياح، وتبعث هذه الحالة بعض الأمل في نفوس الأهالي المتواجدين في نفس الوقت، ربما يكون هناك هامش للتحسن والتكيف ولو بعد وقت طويل ورحلة مجهدة من العلاج والإحباط.

نسبة لا يستهان بها تلك التي تمثل الأطفال المصابين بإعاقات عصبية، خاصة في السنوات الأخيرة، تحتاج إلى إمكانيات كبيرة ووعي مجتمعي وخلق بيئة داعمة تكاد تكون معدومة للأطفال وأهلهم في سوريا.

مقالات متعلقة

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد