شباب السويداء والخدمة العسكرية

حكايات درامية يكتبها الحصار


تختلف محافظة السويداء عن باقي المحافظات بأن معظم شبابها امتنعوا عن الالتحاق بالخدمة العسكرية واتخذوا موقفاً رافضاً لها خلال سنوات الحرب. إلا أن هذا فرض عليهم حصارا جسديا من جهة، اقتصاديا من جهة أخرى، ناهيك عن مضاعفات أخرى كثيرة تبدأ من صعوبة الحصول على الوثائق الرسمية ولا تنتهي عند الخوف الذي يقاسمهم أيامهم وشبابهم الذي سرقت أجمل لحظاته. هنا تحقيق من مراسلنا في دمشق والسويداء عن هذا الحصار.

07 كانون الأول 2019

عامر محمود

(اسم مستعار لكاتب وصحفي سوري مقيم في دمشق)

(السويداء، دمشق)، "الاحتياط، الجيش، التفييش، الحواجز، الموت المجاني....". تلك كلمات ستبقى محفورة في ذاكرة أغلب الشباب في سوريا، وسيبقى وقعها على الآذان يثير الرعب في القلوب. سنوات وكابوس السوق للخدمة العسكرية، الذي أعادنا إلى أيام "السفر برلك"، يدمِّر حياة الشباب وأحلامهم ومستقبلهم، فلا أمل بالنجاة إلا لمن كان وحيداً أو معفى من الخدمة. هذا ما يعبر عنه وسام (34 عام)، الذي طلب للخدمة الاحتياطية قبل سنوات، إذ يقول لحكاية ما انحكت: "خمس سنوات من الإقامة الجبرية في مدينة جرمانا، أعيش في خوف دائم، وتداهمني الكوابيس خلال نومي، أتجول بحذرٍ وكأنني فريسة قد تقع في المصيدة في أي لحظة، محروم من دخول المقاهي وزيارة الأهل والأصدقاء".

صدفة سيئة قد تغيّر حياتك

واقع أفرغ البلاد من شبابها الذين لا يريدون حمل السلاح، وأبقى من في داخلها أسير القلق والخوف والترقب لسنوات، كان يموت فيها كل يومٍ آلاف المرات. أن تكون شاباً فأنت مهدد في أي لحظة، فقد تعبر الحاجز وأنت مدني لتصبح خلال لحظاتٍ عسكرياً مقاتلاً، وتتحول وجهتك، بدلاً من ذهابك للعمل أو لزيارة ما، إلى الثكنات العسكرية وجبهات القتال، إذ يمكن لأي موقفٍ أو صدفةٍ أن يغيرا مسار حياتك ومصيرك بشكل كامل، حيث كانت قوائم المطلوبين للخدمة العسكرية الاحتياطية تتجدد كل يوم طيلة السنوات الماضية، حتى وصل عددهم إلى نحو مليون مطلوب في سورية. هذا ما حصل مع مؤنس (34 عام) الذي عاد بعد إقامته في الإمارات لنحو ثلاثة سنوات ونصف، بعد مرسوم العفو ليقع في الفخ :"كنت أحلم طوال سنوات غربتي بزيارة عائلتي وأصدقائي وبلدتي، وحين صدر المرسوم، كانت سعادتي لا توصف، فحزمت حقائبي وحصلت على إجازة طويلة وطرت إلى بلادي، تسبقني إليها فرحتي الغامرة... لم تدم فرحتي تلك سوى أسبوع، حيث فوجئت، باتصال هاتفي من مخفر البلدة، يبلغ عائلتي بإعادة طلبي مجدداً للخدمة الاحتياطية، وبذلك خسرت عملي وإقامتي وتأشيرة دخولي، وأصبحت فجأة رجلاً محاصراً يأكله الندم واليأس كل يوم، بعد أن كنت أعيش حياة مرفهة ورغيدة".

تختلف محافظة السويداء عن باقي المحافظات بأن معظم شبابها امتنعوا عن الالتحاق بالخدمة العسكرية واتخذوا موقفاً رافضاً لها خلال سنوات الحرب، وساعدهم على ذلك ظهور حركة رجال الكرامة، التي وقف زعيمها الشيخ، وحيد البلعوس، إلى جانبهم ودعم قرارهم برفض الالتحاق بالخدمة العسكرية وضمن لهم الحماية في حال تعرضهم للسوق التعسفي إليها، وقد تمكنت الحركة في أكثر من مناسبة من تحرير بعض الشبان الذين تم اعتقالهم لسوقهم إلى الجيش. ومنذ ذلك الحين لم تعد الحواجز داخل المحافظة تشكل أي خطرٍ على الشباب وامتنعت عن توقيفهم، كما أن وجودها انحسر بشكل كبير، مقارنة مع بعض المحافظات التي تنتشر فيها بكثرة، خاصة الحواجز الطيارة، التي غالباً ما تباغت الشباب لتوقعهم في مصيدتها. وقد بقيت السويداء حتى اليوم ملاذاً آمناً لشبابها الذين، رغم حرمانهم من مغادرتها، ينعمون بشيء من الأمان وحرية التنقل داخلها، في ظل استمرار رفض فصائلها المحلية لإعادة تموضع أي حاجزٍ يمكن أن يشكل خطراً عليهم، وهو ما حولها إلى خزان بشري للمتخلفين عن الخدمتين الالزامية والاحتياطية، والذين وصل عددهم إلى نحو خمسين ألف مطلوب.

السويداء.. سجن كبير

"تسافر عائلتي إلى لبنان كل شهر. يذهب أصدقائي إلى دمشق متى يشاؤون، يزورون البحر كل حين، يتنقلون برفقة فريقٍ لرواد الطبيعة، يزور مختلف المحافظات السورية. كل من حولي يتمتع بحياته وحريته في التنقل، بينما أبقى أنا في ذات المكان الذي لم أغادره منذ ست سنوات". هذا ما يقوله الشاب وديع (32 عام) المتخلف عن الخدمة الاحتياطية التي طلب إليها عام 2013. ويضيف بحسرة وألم "تجمدت حياتي بالكامل، سنوات وأنا محروم من أبسط حقوق الحياة، قتلت جميع أحلامي وأنا سجينٌ أمارس الروتين ذاته في قريتي التي تنعدم فيها الحياة الاجتماعية وفرص العمل".

معاناة أخرى يعيشها باسل (31 عام)، يرويها لحكاية ما انحكت: "بعد إنهائي للخدمة العسكرية عام 2010، عدت إلى مقاعد الدراسة التي انقطعت عنها لسنوات، لأحقق حلمي وحلم عائلتي بنيل شهادة جامعية، فحصلت على شهادة الثانوية العامة، ودخلت إلى كلية الحقوق، لكن طلبي للخدمة الاحتياطية قتل حلمي وأنا على أبواب التخرج". يتابع بقهر ومرارة "تبلغت بطلب الالتحاق للخدمة أواخر عام 2015، وأنا في السنة الدراسية الرابعة، وهو ما حرمني من الذهاب إلى دمشق لتقديم امتحانات الفصل الأخير، ليضيع تعب سنوات دراستي هدراً، وها أنا محاصر في مدينتي منذ أربع سنوات أنتظر فرجاً ما".

(معاناة أخرى يعيشها باسل (31 عام)، يرويها لحكاية ما انحكت: "بعد إنهائي للخدمة العسكرية عام 2010، عدت إلى مقاعد الدراسة التي انقطعت عنها لسنوات، لأحقق حلمي وحلم عائلتي بنيل شهادة جامعية، فحصلت على شهادة الثانوية العامة، ودخلت إلى كلية الحقوق، لكن طلبي للخدمة الاحتياطية قتل حلمي وأنا على أبواب التخرج... تبلغت بطلب الالتحاق للخدمة أواخر عام 2015، وأنا في السنة الدراسية الرابعة، وهو ما حرمني من الذهاب إلى دمشق لتقديم امتحانات الفصل الأخير، ليضيع تعب سنوات دراستي هدراً، وها أنا محاصر في مدينتي منذ أربع سنوات أنتظر فرجاً ما")

الواقع الذي جمّد حياة وديع وباسل وأطبق الخناق على أنفاسهما، حرم عمر (33 عام) من حضور زفاف أخته الوحيدة التي تزوجت في دمشق. يقول عمر "ذهب جميع أفراد العائلة والأقارب لحضور زفافها بينما حُرمت من مرافقتهم كي لا أحوّل العرس إلى مأتم إذا ما وقعت في قبضة الحواجز المنتشرة على طول الطريق، بقيت وحدي في المنزل أبكي بحرقة وألم". يضيف عمر "حتى اليوم لا أعرف شكل منزلها الكائن في مدينة صحنايا. وكم أشعر بالغصة حين أشاهد صور عرسها التي خلت من حضوري".

حصار يشمل الفنانين

الحصار الطويل الذي شلَّ حركة شباب المحافظة، حطم مشاريع وأحلام الكثير من فنانيها الشباب. ويتحدث الفنان التشكيلي ربيع (34 عام) المحاصر في المحافظة منذ 5 سنوات، عن أثر الحصار على فنه: "دعيت أكثر من مرة للمشاركة في معارض فنية مختلفة في صالات وغاليريهات العاصمة، لكن واقع حالي حرمني من المشاركة، وأكثر من مرة أرسلتُ لوحاتي لتشارك في المعارض دون وجودي معها وكم أحزنني هذا الأمر وأشعرني بالاضطهاد والقهر".

ويضيف ربيع "أشعر أنني أراوح في مكاني، فرغم الإنتاج والتعب الكبير الذي أقدمه مازلت حتى اليوم مغموراً ولا ضوء يسلّط على أعمالي، فحصاري يمنعني من تحقيق حلمي الذي أصبو إليه، وأشعر أنني سأجتاز مرحلة الشباب دون أن يكون لي موقعاً في مسيرة الفن".

(الحصار الطويل الذي شلَّ حركة شباب المحافظة، حطم مشاريع وأحلام الكثير من فنانيها الشباب)

واقع مشابه يعيشه الفنان المسرحي أمجد (31 عام)، يحدثنا عنه: "كم تعبت واجتهدت لأقف على خشبة المسرح كممثل ناجح، وحين تحقق حلمي وشاركت في عدة عروض مسرحية داخل المحافظة، اصطدمت بواقع طلبي للخدمة الاحتياطية الذي أجهض حلمي في الظهور على أي  خشبة مسرحٍ خارج المحافظة".

ويضيف بقهر ومرارة "بعد النجاح الذي حظي به أحد عروضنا المسرحية في السويداء، دعينا لتقديمه في دمشق، ولأنني لا أستطيع عبور الحواجز، تعذَّر تقديم العرض. وكم شعرت بتأنيب الضمير لأنني كنت السبب في تضييع تلك الفرصة على زملائي، وكم شعرت بالقهر وحزنت على نفسي وأنا أرى حلمي يتبخر أمام عيني".

الحصار يفرض واقعاً اقتصادياً متردياً

تعتمد معظم عائلات السويداء في معيشتها على المساعدات التي تأتيها من عمل أبنائها في لبنان، ودول الخليج وفنزويلا وغيرها. إذ تكاد تنعدم فرص العمل داخل المحافظة الفقيرة، وقد اعتاد معظم شبابها على السفر بعد إنهائهم لخدمة العلم أو تخرجهم من الجامعة ليتمكنوا من جمع بعض المال لبناء مستقبلهم، فمن النادر أن نجد شاباً تمكن من امتلاك منزلٍ أو سيارة أو تجميع ثروة ما دون أن يغترب لعدة سنوات. ونتيجة الحصار الذي فرضته الخدمة العسكرية على شباب المحافظة، بات الآلاف منهم عاطلين عن العمل، ومحرومين من فرص السفر وتأمين متطلبات المستقبل وباتت عوائلهم وأسرهم تعاني من الفقر والحاجة، كما بات بعضهم يعتاش على مساعدات أقاربه وأصدقائه المقيمين في الخارج.

لنحو خمسة أعوامٍ اعتاد يامن (35 عام) على العمل في لبنان، ومن خلال عمله هذا كان يعيل زوجته وأطفاله وعائلته. ومنذ أربع سنوات، خلال فترة إجازته، تم طلبه للخدمة الاحتياطية، ليبقى عالقاً في قريته حتى اليوم وليتدهور وضعه الاقتصادي نتيجة خسارته لعمله، حيث يقول "بعد أن كان دخلي يصل إلى 1000 دولار، أصبح اليوم لا يتجاوز 130 دولاراً في أحسن الأحوال، حيث أعمل حالياً سائق سيارة أجرة، تمكنت من شرائها بفضل المال الذي جمعته من عملي في لبنان". يطلق تنهيدة طويلة ويضيف "كنت أسعى لجمع المال بغرض افتتاح مشروع تجاري لأعمل به أنا وأخوتي، لكن الواقع حولني إلى سائق سيارة أجرة، أجاهد طوال اليوم خلف مقودها لتأمين لقمة عيش متواضعة".

رغم ما عاشه الشباب في سوريا من خسائر وفقد وضياع، عبر سنواتٍ مريرة فرضتها ويلات ومآسي الحرب التي لا تحصى، جاء شبح الخدمة العسكرية ليجهز على ما تبقى من بصيص حياةٍ أو أملٍ بالنجاة وليحول حياتهم إلى سجنٍ بآلاف الجدران

وفي عام 2014 سافر مجدي (33 عام) ليعمل في دولة الإمارات، ساعياً نحو تحقيق أحلامه التي تحتاج إلى المال الوفير، ولكن تلك الأحلام تلاشت بمجرد زيارته الأولى لبلده، بعد نحو عام من سفره، حيث وصله تبليغ الالتحاق بالخدمة الاحتياطية بعد شهر من إجازته. يقول مجدي  "كنت قد بدأت ببناء بيتي الكبير الذي حلمت به، لكنني لم أنجز منه سوى قواعده وأعمدته، وبدلاً من استكمال بناءه، ها أنا أعيش اليوم في غرفة صغيرة مستأجرة. وبدلاً من جمع المال، اضطررت لاستدانته لأتمكن من افتتاح مقهى صغير لم تمكنني عوائده حتى اليوم من تسديد رأس المال الذي استدنته".

ولعازف العود فادي (32 عام) معاناة أخرى يرويها لحكاية ما انحكت: "لنحو عامين كنت أعزف في بعض المقاهي والبارات في دمشق، وأحقق دخلاً جيداً يتجاوز 300 دولار، من مهنتي التي أحبها وأسعد في ممارستها، ورغم ظروف الحرب كنت أعيش حياة جميلة ورغيدة، أسكن في بابا توما وأبذخ المال على التسكع والسهر في البارات والمقاهي". وعن انتقاله للسويداء يقول بحزن "كان أشبه بخروجي من النعيم نحو الجحيم، فها أنا اليوم أعمل بائعاً في سوبر ماركت بدخل لا يتجاوز أربعين ألف ليرة/ 65 دولار (أنفق نصفه ثمناً للسجائر) في قريتي النائية، التي لجأت إليها قبل أربع سنوات هرباً من سوقي للخدمة العسكرية"

أما الشاب وسيم (30 عام) فقد تحطمت أحلامه قبل أن يبدأ في تحقيقها، حيث يقول: "قبل أربعة أعوام كنت أجهز نفسي للسفر إلى قطر حيث يعمل أخي الكبير، لأفاجأ بطلبي للخدمة الاحتياطية، ومنذ ذلك الحين وأنا أراوح في مكاني، لا أجد عملاً ثابتاً ودائماً، حيث أمارس أعمالاً متفرقة كقطاف محاصيل العنب والتفاح، وأحياناً أعمل مع بعض أصحاب المهن في ورش البناء، وفي الصيف أعمل في الحصاد لبضعة أسابيع". يضيف وسيم "لولا الحوالات المالية التي يرسلها أخي المقيم في قطر لكنت عجزت عن تأمين مصاريفي اليومية، حيث تنعدم فرص العمل في المحافظة".

معاناة أخرى.. الحرمان من الحقوق المدنية والقانونية

يحرم من كان متخلفاً عن الخدمة العسكرية من كامل حقوقه المدنية والقانونية، إذ لا يمكنه التقدم لأي وظيفة حكومية، أو استخراج أي ورقة رسمية قانونية، أو القيام بأي عملية بيع أو شراء، إذ لا يمكنه التصرف بممتلكاته، كما يخشى من دخول أي دائرة رسمية أو مستشفى حكومي.

"حتى اليوم لم أتمكن من تثبيت زواجي الذي مضى عليه ثلاثة سنوات. زوجتي حامل وستضع جنينها بعد شهرين، وحين ستلد لن أتمكن من تسجيل طفلي في دائرة النفوس طالما أن زواجي غير مثبتٍ في المحكمة". هذا ما يقوله عمران (35 عام) المتخلف عن أداء الخدمة العسكرية منذ 6 سنوات. ويتحدث عن معاناة أخرى: "كنت عازماً على بيع عقار ورثته عن أبي لأتمكن من إكساء بيتي، الذي بدأت ببنائه منذ سنوات، لكن وضعي القانوني لم يمكنني من استخراج أي ورقة رسمية تتعلق بصكوك الملكية والبيع والشراء أو إجراء أي معاملة قانونية داخل دوائر الدولة، وها أنا أعيش في بيت مستأجر أتدبر إيجاره بشق الأنفس".

ويروي لنا حادثة مشابهة يعيشها أخاه الذي يصغره بعامين: "يريد بيع أرضه ليفتتح مشروعاً تجارياً يعمل به, وقد أتاه عدة عروض للشراء لكن وضعه القانوني الذي يشبه وضعي (متخلف عن أداء الخدمة العسكرية) حرمه من بيعها أو التصرف بملكيتها، ومازالت عملية بيعها متجمدة منذ ثلاثة سنوات بانتظار فرجٍ ما".

ورغم تخرجه من كلية الفنون الجميلة في جامعة السويداء حرم تمّام (32 عام) من الحصول على شهادة التخرج. ويحدثنا عن ذلك قائلاً: "طلبت للخدمة الاحتياطية عام 2015 وقد كنت في السنة الدراسية الثالثة، ولأنني كنت أتمتع بحرية التنقل داخل المحافظة تابعت دراستي بشكل شبه طبيعي، ولكن بعد أن أنهيت جميع موادي وقدمت مشروع التخرج، وبدأت بمعاملة الحصول على وثيقة التخرج، فوجئت بأن الأمر يحتاج لورقة "غير محكوم"، ولأنني مطلوب للخدمة الاحتياطية، فأنا لا أستطيع استخراج تلك الورقة، وهو ما حرمني من نيل شهادة التخرج".

هذا الواقع لم يضرّ بالشاب فراس (29 عام) وأخيه مهند، بل أضر بأختهما. ويحدثنا فراس عن ذلك: "أرادت أختي تثبيت زواجها في المحكمة، وبحسب القانون تحتاج لوجود ولي أمرها لإتمام الأمر، ولأن أبي متوفي فقد انتقل أمر الولاية لي ولأخي، لكننا لم نتمكن من مساعدتها، كوننا مطلوبان للخدمة العسكرية، ومحرومان من دخول المحكمة أو أي دائرة حكومية أخرى، لذا اضطررنا إلى الاستعانة بعمي الذي يعمل في لبنان، ليكون ولي أمرها، لكنه لم يتمكن من القدوم قبل شهرين، فتأجل تثبيت زواجها وموعد زفافها إلى حين قدومه".

خارج السويداء... حصار آخر ومعاناة أخرى

خلال العقود الأخيرة اعتاد الكثير من شباب المحافظة على العمل والإقامة في دمشق، وبعد تفاقم ظاهرة الطلب على الخدمة العسكرية، عاد معظمهم إلى السويداء كونها تشكل ملجأً أكثر أماناً من غيرها، فيما بقي بعضهم عالقاً في دمشق، إذ وصلهم تبليغ الالتحاق وأُدرجت أسمائهم على الحواجز قبل أن يتمكنوا من مغادرتها، ليبقوا مسجونين في أماكن سكنهم ويعيشوا ظروف حصارٍ أكثر خوفاً ومعاناة، ويحرموا من زيارة عائلاتهم، التي باتت مشتتة كغيرها من العائلات بين السويداء وخارجها.

هذا الحصار دفع وسام (34 عام)، الذي طلب للخدمة الاحتياطية قبل سنوات، إلى أن يعيش كالمحاصر في منزله، إذ يقول "هذا الواقع حرمني من رؤية حبيبتي ومن الزواج وتكوين أسرة، فأنا لا أستطيع حتى الذهاب لمنزل حبيبتي، التي تعيش في السويداء، لكي أخطبها".

قبل أربع سنوات قدم كفاح (36 عام) للعمل في دمشق، وبعد شهر من قدومه أخبرته زوجته بأنه طُلب للخدمة الاحتياطية. ويروي لنا الظروف التي عاشها بعد ذلك: "ابتعدت عن زوجتي وأطفالي، لم يتمكنوا من الانتقال للعيش معي، فزوجتي موظفة ولا تستطيع نقل وظيفتها إلى دمشق، وطوال تلك السنوات كانوا يزورونني مرتين أو ثلاث مرات في الشهر وهو ما وضعني في حالة دائمة من انعدام التوازن والاستقرار". ويتذكر الحدث المؤلم الذي وقع قبل سنتين ونصف: "مرضت أمي حينها مرضاً خطيراً، استمر لشهر وقد حرمني حصاري من زيارتها ودعمها خلال مرضها، ثم فارقت الحياة دون أن أودعها، ولن أنسى ما حييت ذلك اليوم الذي ترك في قلبي طعنة لن أشفى منها أبداً".

لم يتوقع حسام (37 عام) أن زيارته القصيرة لدمشق، ستطول وتغير حياته بشكل كامل: "قبل سبعة أشهر أتيت لزيارة أصدقائي وكنت أظن أنني نجوت من الخدمة الاحتياطية، كوني لم أبلغ للالتحاق بها طيلة السنوات الماضية. وبعد ثلاثة أيام من زيارتي علمت عن طريق الصدفة بأني مطلوب للخدمة منذ بداية العام الحالي وأن اسمي مدرج على الحواجز والمنافذ الحدودية". ويضيف حسام "لقد حالفني الحظ لأنني نجوت مصادفة من قبضة الحواجز خلال قدومي لدمشق، لكنني دخلت في نفقٍ مظلم يصعب الخروج منه، حيث خسرت عملي في السويداء وابتعدت عن منزلي الذي أحبه، وها أنا الآن لا أتمكن من استئجار منزلٍ هنا، فعقد الإيجار يحتاج لموافقة أمنية، تظهر إذا ما كان الشخص مطلوباً،  لذا أتنقل بين منازل أصدقائي طوال تلك الشهور في انتظار فرجٍ يحررني من سجني الذي طال مكوثي به".

الوقوع في فخ مرسوم العفو

بعد صدور مرسوم العفو في 9/10/2018. عاد الأمل والتفاؤل إلى نفوس الشباب وبدأت الأحلام تعود إلى حياتهم، حيث أقر المرسوم بإعفاء المكلفين بالخدمة الاحتياطية من جميع العقوبات، وبموجبه تتوقف ملاحقتهم وتشطب أسمائهم من المنافذ الحدودية وجميع الحواجز. وما أن حاول الشباب النهوض من سباتهم الطويل واستنشاق هواء الحرية حتى عادوا إلى نقطة الصفر مرة أخرى، حيث لم تدم أفراحهم سوى أيام معدودة، إذ عادت قوائم الاحتياط للصدور مجدداً، بعد أيام من إلغائها، مع إضافة قوائم جديدة لمطلوبين جدد، وهو ما بدد أحلام الكثيرين الذين أعدّوا أنفسهم للسفر أو الذين عادوا إلى سوريا بعد غياب طويل ليتم منعهم من السفر، بعد أن وقعوا في مصيدة مرسوم العفو.

(يقول شادي لحكاية ما اتحكت: "أخبرني الموظف بقرار عدم منح الجوازات قبل صدور قوائم الاحتياط الجديدة، وبأنه علي مراجعة شعبة التجنيد لأنها أوقفت منح موافقة السفر إلى حين صدور قوائم الاحتياط، وعند مراجعتها تفاجأت بأن اسمي أدرج مجدداً بتلك القوائم)

صدمة كبيرة تعرض لها شادي (37 عام) أدخلته في حالة اكتئاب شديد وعزلة استمرت لعدة أشهر.. ويتحدث لحكاية ما انحكت عن سبب ذلك "بعد قرار العفو عادت إلي الحياة فحصلت على موافقة سفر من شعبة التجنيد ثم قدمت طلباً للحصول على جواز سفر، وقد استدنت مبلغ 200 دولار من أحد أقربائي لدفع الرسوم المتعلقة بذلك، وعند ذهابي لاستلام جواز السفر، بعد أيام من تقديم الطلب، أخبرني الموظف بقرار عدم منح الجوازات قبل صدور قوائم الاحتياط الجديدة، وبأنه علي مراجعة شعبة التجنيد لأنها أوقفت منح موافقة السفر إلى حين صدور قوائم الاحتياط، وعند مراجعتها تفاجأت بأن اسمي أدرج مجدداً بتلك القوائم وبأن الموافقة التي منحتني إياها ألغيت، ولم أتمكن من استرجاع المبلغ الذي دفعته للحصول على ورقة لا مانع من السفر".

رغم ما عاشه الشباب في سوريا من خسائر وفقد وضياع، عبر سنواتٍ مريرة فرضتها ويلات ومآسي الحرب التي لا تحصى، جاء شبح الخدمة العسكرية ليجهز على ما تبقى من بصيص حياةٍ أو أملٍ بالنجاة وليحول حياتهم إلى سجنٍ بآلاف الجدران، يحاصرهم في كل لحظة، ويسدّ جميع الطرق أمامهم، مطبقاً الخناق على أنفاسهم وأحلامهم.

ولعل شادي يلخص بقصته واقع آلاف الشباب: "طلبت للخدمة الاحتياطية بعمر الثلاثين، وقد أصبح عمري الآن 37 عام، ضاعت أجمل أيام الشباب وأنا غارق في مستنقع الخوف والانتظار والضياع، والبحث عن أفق ابتلعه المجهول. المرحلة العمرية الذهبية لتحقيق الأحلام وبناء المستقبل ذهبت أدراج الرياح، الأمكنة التي حلمت بزيارتها ماتت في ذاكرتي وبات جل حلمي أن أزور دمشق، المغامرات التي خططت لكي أعيشها نسيت التفكير بها، وها أنا أتساءل كل يوم: هل يمكن أن تعود الحياة إلى شكلها الطبيعي ومتى؟. وإن عادت، فهل سأعود شخصاً طبيعياً، بعد أن نسيت كيف تعاش تلك الحياة وقد كنت أعيش خارجها، بصحبة اليأس والإحباط، طيلة تلك السنوات؟".

(الأسماء الواردة في التحقيق اكتفت بذكر اسمها الأول لأسباب شخصية وأمنية)

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد