شهر توقف فيه الزمن

الخوف في ظلّ شبح الخدمة العسكرية


في مطلع عام 2019، كان حسان ذاهباً إلى موعد لمقابلة عمل، عندما أوقفه حاجز شرطة عسكرية وأبلغ أن اسمه قد أدرج من جديد في قوائم الاحتياط. أخبر زوجته وأخاه، وتم سوقه إلى فرع أمن المنطقة التابع للأمن العسكري، حيث أمضى عدة أيام، وذلك بعد أن قضى أشهرا طويلة حبيس البيت خوفا من السوق للخدمة. عن هذا السجن الاختياري وهاجس الإلتحاق بالخدمة العسكرية هذه الحكاية المأساوية

07 أيار 2019

(لوحة رسمت خصيصا لهذه الحكاية/ خاص حكاية ما انحكت)
أليس الشامي

كاتبة سورية (الاسم مستعار)

(دمشق)، لم يكن حسان، شاب في الثانية والثلاثين من عمره، من مدينة دمشق، مستبعداً أن يدرج اسمه في قوائم الاحتياط عام 2014، بعد سنتين من تسريحه.

التحق حسان بالخدمة العسكرية في أواخر عام 2010، كانت الخدمة في حينها شراً لا بد منه، لكنها لم تكن تعني أكثر من أن تضيع سنتان من عمر الشباب كان يمكن أن يستغلهما في الدراسة أو في بناء مستقبل مهني أو في تشكيل عائلة. في الحقيقة كان حسان لا يزال طالباً في السنة الرابعة في كلية الاقتصاد، زوّجه أهله التقليديون من فتاة لطيفة من عائلة محافظة، قبيل التحاقه بالعسكرية بأشهر قليلة. لم يقاوم حسان الأمر لكونه تقليدياً ومتديناً بنفسه. توقف عن تأجيل نفسه دراسياً لأن خدمة العلم ستحصل عاجلاً أم آجلاً، والانتهاء منها باكراً أفضل من تأجيلها إلى حين يرزق بأولاد أو يحصل على وظيفة ثابتة.

قتل مقابل خمسين دولار!

لكن الأمر لم يجر كما كان حسان يأمل، فبعد التحاقه بأشهر قليلة اندلعت الاحتجاجات في درعا وحمص ومناطق أخرى من سوريا. كان حسان لسوء حظه يخدم في مدينة حمص، واضطر عدّة مرات للمشاركة في قمع الاحتجاجات في عدّة قرى حمصية عام 2011. كان يتجنب إطلاق النار على المدنيين عبر إخطاء الهدف، لأنه كان يعرف جيداً أن عصيان الأوامر الواضح يقابل بالإعدام الميداني. يتذكر حسان حادثة قتل فيها زميل له أكثر من عشرين متظاهراً، وحصل على مكافأة مالية من إدارة الجيش قيمتها ثلاثة آلاف ليرة سورية، ما يقارب 50 دولاراً أمريكياً في ذلك الوقت.

"لم تروعني الأوامر العسكرية بقتل المدنيين بقدر ما روعني رد فعل الشاب عندما تلقى الجائزة المالية، لم يشعر بأي ذنب، وأصبح أشد شراسة وإقداماً على القتل، مع أنه لم يتلق مكافآت بعد ذلك، وقتل في إحدى المعارك مع الجيش الحر بعد سنة من تلك الحادثة".  قال حسان وهو يسترجع تلك الأيام التي كانت ميزتها الوحيدة أنها أصبحت من الماضي.

انتهت فترة خدمة حسان في بدايات عام 2012، عندما بدأت الظواهر المسلحة تتفشى بوضوح وبدأت المناطق تخرج عن سيطرة الدولة. وتفادى لحسن حظه الخدمة أثناء الحرب المفتوحة بين النظام والمعارضة، والتي بدأت مع سقوط نصف مدينة حلب بيد المعارضة المسلحة في أواخر عام 2012. استطاع حسان أن يتجنب موجة الاحتفاظات الطويلة بعد توسع رقعة الحرب لتشمل أكثر من نصف الأراضي السورية.

لكن حظوظه لم تكن كافية لتجنب النزوح. كان حسان يعيش مع زوجته في منزل صغير في ببيلا، في ريف دمشق. وفي النصف الثاني من عام 2012 كانت العائلة قد رزقت بمولودة. يعترف حسان بأنه لم يكن التوقيت الأفضل للإنجاب.

"بعد أن أتمت ابنتي شهرها الأول بأيام قليلة، اشتعلت المنطقة بالاشتباكات والقصف، هربنا من الحرب بثيابنا، أنقذت بعضاً من مدخراتي وصيغة زوجتي، وهي لم تكن بالشيء الكثير، لكنها كانت كافية لنستأجر بيتاً في العاصمة لبعض الوقت. استأجرنا في بلدة الدخانية في ريف دمشق، ومكثنا فيها حوالي سنة ونصف، قبل أن تتحول هي أيضاً في يوم وليلة إلى ساحة اشتباكات عنيفة في أيلول من عام 2014، فنزحنا للمرة الثانية، لكننا لم نأخذ شيئاً معنا هذه المرة، لم يكن هناك وقت حتى لنجمع أوراقنا الثبوتية. زوجتي أخذت معها مشطاً لتسرح به شعر ابنتنا على الطريق، لم أفهم كيف اختارت المشط من بين كل الأشياء التي كان يمكن أن تأخذها بيدها، كان الظرف قد شلّ تفكيرنا تماماً. ولم نشعر إلا ونحن في منزل أهل زوجتي في قلب دمشق".

شبح الاحتياط

انتهت معركة الدخانية بسرعة كبيرة، مخلفة دماراً لا يوصف في البلدة، التي خرجت بشكل شبه كامل عن الخدمة، في الوقت الذي كانت ببيلا، حيث منزل حسان، خاضعة لمصالحة بين النظام والمعارضة المسلحة. لكن حسان لم يكن ينوي العودة إلى ببيلا، فاستأجر منزلاً في جرمانا بريف دمشق. وفي أواخر عام 2014، ورد اسم حسان في قوائم الاحتياط.

(توقف حسان عن الذهاب إلى العمل، حيث كان يعمل مديراً ماليا في إحدى الشركات الصغيرة، وحاول العمل من المنزل، خوفا من أن يتم سوقه للخدمة العسكرية مجددا/ خاص حكاية ما انحكت)

توقف حسان عن الذهاب إلى العمل، حيث كان يعمل مديراً ماليا في إحدى الشركات الصغيرة، وحاول العمل من المنزل، كمحاسب يعمل لحسابه الخاص، كان يدقّق الحسابات والجداول والبيانات لزبائنه، وكان أخوه في دمشق يجمع له مستحقاته المالية ويعطيها لزوجته أو له عندما كان يزورهم. كان أخو حسان مدرس لغة عربية في الخمسين من عمره، لا يمكن أن تطاله دعوات الاحتياط، مما جعله يتحرّك بحرية في مدينة دمشق، ويمر على الخط العسكري لبعض الحواجز المتساهلة لأنه يحمل بطاقة موظف. بينما تجنب حسان ببراعة وهدوء الحواجز الثابتة والطيارة التي كانت تبحث عن الفارين من الخدمة العسكرية. ولم يستسلم في أشد لحظات الملل والضجر لرغبته في الخروج من المنزل والمشي في شوارع دمشق القديمة التي كان يعشقها. وجوده في المنزل زاد من شجاراته مع زوجته، وأصاب كليهما باكتئاب شديد. لكن ذلك كان أفضل بالنسبة لهما من انخراطه كجندي في حرب طاحنة يتضاءل احتمال العودة منها على قيد الحياة ودون إصابته بعاهة جسدية أو نفسية مستديمة.

العيش بين اليأس والإشاعات

لكن أربع سنوات كانت فترة طويلة جداً، تشبث خلالها حسان بكل إشاعة عن عفو محتمل عن المطلوبين للخدمة الاحتياطية، وبكل جولة مباحثات دولية قد تنهي الحرب وتنهي معها رغبة النظام الملحة في دفع جميع الشباب للتوّرط في الحرب في صفه.

"بعد قضاء أكثر من عامين في الاختباء، وفي لحظات اليأس الشديدة، راودتني نفسي أكثر من مرة كي أسلم نفسي. لكن دموع زوجتي وابنتي التي كانت قد بدأت تفهم ما يجري حولها أعادت بعض الصواب إلي".

(رسم يوضح وضع الشباب السوري مع دفتر الخدمة العسكرية، حيث يسعى أغلب الشباب للحصول على تأجيل من شعب التجنيد العسكرية كي لا يذهبوا إلى الخدمة العسكرية/ خاص حكاية ما انحكت)

تعتبر الأخصائية النفسية ليلى ناصح (اسم مستعار) أن حالة العجز والعطالة التي أصابت الكثير من الرجال بسبب صعوبة حركتهم لممارسة دورهم المتوقع كمعيلين للأسرة، سبّبت شرخاً كبيراً في النمط الاجتماعي التقليدي في المجتمع السوري، وتسببت في حالات انفصال الزوجين وفي بعض الحالات زيادة في العنف المنزلي الموجه للنساء. في أغلب المجتمعات التقليدية المحلية في سوريا، فكرة بقاء الزوج في المنزل والاعتماد على الزوجة في تأمين الاحتياجات فكرة غير مقبولة، ولم تأت بسبب التطور الطبيعي للمفاهيم والعادات، بل بسبب كون الرجال مستهدفين ويواجهون خيارات صعبة ومعقدة.

العيش في "الحرية"

مع تسارع الأحداث في أوائل عام 2018، وإعلان دمشق منطقة خالية من العمليات العسكرية بعد استعادة النظام السيطرة على كامل منطقة ريف دمشق، بما في ذلك ببيلا التي كانت تخضع لهدنة، تجدّد الأمل بالنسبة لعائلة حسان الصغيرة، أمل كان عليه أن ينتظر حتى نهاية عام 2018 تقريباً حتى يصبح واقعاً. شمل العفو الذي صدر بمرسوم رئاسي في تشرين الأول من ذلك العام جميع الفارين من خدمة العلم، بما في ذلك المطلوبين للخدمة الاحتياطية، مع إلغاء طلبهم للخدمة. تأكد حسان من أن اسمه قد ألغي فعلا من قوائم المطلوبين من أكثر من مصدر، توجس قليلاً من الأخبار التي كانت تصل من هنا وهناك عن أشخاص عادوا من الخارج ليتم إلقاء القبض عليهم على الحدود وفي المطار، وعن أشخاص ألغيت أسماؤهم لأيام قليلة ليعود طلبهم إلى الخدمة الاحتياطية. لكنه كان قد انتهى من حياة الاختباء والتواري. فقرر أن يعيش بضعة أيام طبيعية، يصطحب فيها زوجته وابنته إلى الشوارع التي كان يحبها، ويستقل فيها المواصلات العامة التي افتقدها على علّاتها، ويتبضع فيها حاجيات المنزل بدلاً من أن يرسل زوجته، ويذهب إلى زيارة أصدقائه وأقاربه الذين لم يرهم منذ سنوات. لم يكن مهتماً لما سيجري لاحقاً.

خلال شهر أو أكثر بقليل، عوّض حسان كل ما فاته من قصص الأصحاب والأصدقاء، ذهب إلى السينما التي يعشقها كل يومين تقريباً، وتمشّى في أسواق الحميدية وباب توما والقيمرية. هناك أكل مع ابنته الكرواسان الشهير وفتة الحمص واشترى لها كل ما تشتهي. أمسك بيد زوجته للمرة الأولى في الطريق واحتسى معها الشاي في مقهى النوفرة الذي يعج بالرجال. كان يحاول أن يستفيد من كل لحظة يمضيها متحررا من مخاوفه القديمة.

حرية لم تكتمل

وفي مطلع عام 2019، كان حسان ذاهباً إلى موعد لمقابلة عمل، عندما أوقفه حاجز شرطة عسكرية وأبلغ أن اسمه قد أدرج من جديد في قوائم الاحتياط. أخبر زوجته وأخاه، وتم سوقه إلى فرع أمن المنطقة التابع للأمن العسكري، حيث أمضى عدة أيام. كان الفرع يعج بشكل أساسي بمدمني ومروجي المخدرات، وبدرجة أقل بالفارين من الخدمة العسكرية، أو المطلوبين لها. ما من سبب واضح يفسر تدخل فرع الأمن العسكري أو غيره باختصاص فرع مكافحة المخدرات، سوى أنّ كثرة الجرائم الخاصة بتعاطي وتجارة المخدرات باتت تفوق استطاعة فرع واحد ربما. لم يجد حسان تفسيراً لحبسه مع المجرمين على الرغم من أنه لم يبلغ رسميا بأنه مطلوب للخدمة. لم يكن ثمة معنّى للبحث عن أي معنى فيما يجري.

يعتبر المحامي ع.س، المقيم في مدينة دمشق، أن "الخطوة التي قام بها النظام من خلال العفو عن الفارين من خدمة العلم هي لمنحهم شعوراً بالأمان الزائف، علماً بأن النظام لم يقم بخطوة مخالفة للقانون الذي يمسح له بطلبهم للاحتياط مرة ثانية في أية لحظة".

أغلب الشبان الذين كانوا متوارين في السنوات الماضية أنهكوا مادياً ونفسياً بدرجة كبيرة، إلى الحد الذي لم يبالوا باحتمالية أن يقوم النظام بالالتفاف عليهم من جديد، وفي الوقت نفسه استطاع بعضهم التحرك خلال فترة شطبهم القصيرة لاتخاذ إجراءات تحميهم من الطلب مجدداً، كدفع الرشاوى، أو التسجيل في الدراسات العليا.

احتفظ حسان بذكرياته عن الشهر الذي أمضاه حراً برفقة عائلته، ساعدته على التماسك خلال فترة بقائه في معتقل الأمن العسكري، وشعر بأنه لا يزال محظوظاً بعض الشيء عندما تم فرزه إلى ناحية هادئة في مدينة درعا التي عادت منذ تموز عام 2018 إلى القوات النظامية، على الرغم من حصول بعض التوترات أحياناً نتيجة استهدافات مجهولة لبعض الضباط والحواجز. لكن الوضع الآن لا يقارن بما سبق، فهو يستطيع الحصول على الإجازات متى أراد، ولم يضطر لحمل السلاح منذ فرزه.

" أشعر أن زوجتي الآن أكثر استرخاء من قبل، على الرغم من أنها لا تراني سوى مرتين في الشهر، بصراحة أعاد الوضع الجديد الشغف إلى علاقتنا، لسنا في أفضل حال، لكننا أقل توتراً من تلك الفترة التي كنت مختبئاً خلالها في المنزل ربما هذا هو الوقت الأفضل للخدمة الاحتياطية، فالأسوأ قد مضى، أو لنأمل ذلك أنا وعائلتي".

مقالات متعلقة

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد