العالم كبنية سياسية نافية

مفهوم ياسين الحاج صالح عن المنفى


تُناقـشُ هذه الورقة البحثية فَهمَ الكاتب، ياسين الحاج صالح، لظاهرة المنفى التي صاحبت الانتفاضات العربية على اختلافها وتشعبها. حيث . يضعُ الحاج صالح تجارب السجن والاغتصاب والتغييب القسري و"المَـنْسى" بموازاة تجربة المنفى، لـيُـصبح معنى المنفى متصلًا بمعاني الوطن والحرية والنفس؛ وهي أركانٌ هامةٌ لتوضيح ما يعنيه الحاج صالح في كتاباته عن المنفى.

06 شباط 2020

السيد السحيمي

يدرُس بقسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة أوروبا الوسطى ببودابست. تركيزه البحثي سياسات المنفى والتّهجير والأمننة والعسكرة والسياسة الحيوية. تخرّج من جامعة الأزهر بالقاهرة ودرَس بمعهد القاهرة للعلوم والآداب الحرة (سيلاس) وعمل لاحقًا كزميل أكاديمي مساعد بالمعهد. يعمل السيد حاليا كباحث مساعد في مشروع حلب حيث يدور بحثه حول السوريين اللاجئين في أوروبا وعلاقتهم بسوريا.

(ينشر هذا البحث بالتعاون والشراكة بين حكاية ما انحكت ومشروع حلب)

ملخص[1]

تُناقـشُ هذه الورقة البحثية فَهمَ الكاتب، ياسين الحاج صالح، لظاهرة المنفى التي صاحبت الانتفاضات العربية على اختلافها وتشعبها، رجاءَ أن تُضيفَ إلى المحصول الأكاديمي الذي يُناقش مساهماته في المجالات الثقافية والسياسية العربية. في اللغة العربية، نفيُ الشيء: سلبه. ولطالما استخدم الحاج صالح كلمة "المنفى" بِناءً على هذا التصور اللُّغوي للـكلمة، ليقصدَ بها أيَّ فعلٍ ينفي فعلًا آخر: قَسرًا ودون وجه حق. يضعُ الحاج صالح تجارب السجن والاغتصاب والتغييب القسري و"المَـنْسى" بموازاة تجربة المنفى، لـيُـصبح معنى المنفى متصلًا بمعاني الوطن والحرية والنفس؛ وهي أركانٌ هامةٌ لتوضيح ما يعنيه الحاج صالح في كتاباته عن المنفى. من خلالِ هذه الورقة، أُركّز على فَهم الحاج صالح لمصطلح "المنفى"، مُستعرضًا فَهمي لآرائه عن المنفى كفعل يسلبُ التاريخَ والحريةَ والوطنَ بواسطة سلطة نافية. بناءً على ذلك، أوضِّح كيف يمكن سلب ما قد سُلب سلفًا خلال عمليتَي الاستحباس والاستنفاء كمحاولات لـ"نفي المنفى". واستنادًا إلى ذلك، أستعرضُ كيف يوضح الحاج صالح استقلالية تجربة المنفى وتبعيتها لغيرها من المُجريات في آنٍ، وكيف يُميّز بين اللاجئ والمنفي. أختم الورقة ببيان كيف يُجادل الحاج صالح عن نهاية المنفى وكيف يفكر في "العالم" كمنفى من جهة، وكيف أصبح المنفى عالميًا من جهةٍ أخرى.

"طوال أكثر من عامين ونصف أردنا، سميرة وأنا، أن نتجنبَ المنفى والسجن معًا. بعد أكثر من ثلاثين شهرًا على بداية الثورة صرتُ أنا في المنفى، وبعد ثلاثة وثلاثين شهرًا صارت هي سجينة"[2].

مقدمة: محطات عن الحاج صالح

أدَّى نزوح ملايين السوريين بُعَيد الانتفاضات العربية إلى بروز ظاهرة المنافي الجماعية السورية. رأينا مِصداق ذلك في بلاد الجِوار: الأردن ولُـبنان وتـركيا وصولًا لألمانيا. وإذا أردنا تَـتـبّع معالم هذه الرحلة، فإننا سنصادف لا محالة كتابات ياسين الحاج صالح الذي شهـدَ اندلاع الثورة السورية شهودًا خاصًا. لذا يعتبر ما يكتبه جامعًا لمشاهد كثيرة ذاق بنفـسِـه مرارة أكثرها، وخصوصًا تناوله لظاهرة المنفى في ضوء ما تعـرَّض له هو والمحيطين به.

تُعدُّ كتابات ياسين الحاج صالح الآخذة في الظهور عن المنفى من أولى الكتابات التي تناولت مناقشة هذا الموضوع في ضوء تلك الانتفاضات العربية، فتصدّرت كتاباته مترجمةً تجربة السجن جنبًا إلى جنبٍ مع عدة تجارب (سورية) أخرى كالتغييب القسري والاغتصاب بموازاة تجربة المنفى، ليصبح معنى المنفى متصلا بمعاني النفس والوطن والحرية[3]. قضى ياسين ستة عشر عامًا في السجون السورية من عام 1980 إلى 1996، بين سجن حلب المركزي وسجن عدرا وسجن تدمر المعروف بوحشيته. ومع بداية هذا القرن، لعب الحاج صالح دورًا نَشطًا في إعادة تعريف دور "المثقف العام" خلال عمله في الصحافة والترجمة[4].

(تُعدُّ كتابات ياسين الحاج صالح الآخذة في الظهور عن المنفى من أولى الكتابات التي تناولت مناقشة هذا الموضوع في ضوء تلك الانتفاضات العربية، فتصدّرت كتاباته مترجمةً تجربة السجن جنبًا إلى جنبٍ مع عدة تجارب (سورية) أخرى كالتغييب القسري والاغتصاب بموازاة تجربة المنفى، ليصبح معنى المنفى متصلا بمعاني النفس والوطن والحرية/ ياسين الحاج صالح، والصورة تنشر بأذن خاص من الكاتب)

ممَن اعتنى بحياة الحاج صالح وإنتاجاته الفكرية المتعلقة بالمسألة السورية فراس مسوح في رسالة الماجستير الخاصة به، حيث يعطي نظرةً عامة عن حياة ياسين الحاج صالح وإنتاجاته الفكرية المتعلقة بالمسألة السورية، واضعًا مساهماته الثقافية في إطار أكبر داخل الفكر العربي المعاصر[5]. ويبرهن مسوح على أن الحاج صالح لديه نقدٌ إنسانيٌّ ونموذجيٌّ كسبيلٍ لممارسة فاعليته ومسؤوليته الاجتماعية[6]، فهو يسعى لعدم تطبيع الافتراضات المتفشية في المجتمع حول السلطوية والطائفية في تاريخ سوريا المعاصر من خلال أعماله الثقافية والخطابية "في سبيل توسيع آفاقِ ما هو مُتخيَّلٌ وما هو حقيقيّ"[7]. كما ناقشَ مسوح الانتاجات الفكرية والأعمال العامة التي قام بها الحاج صالح في المنفى، لكنه لم يُوضّح مفهومَ المنفى لدى الحاج صالح.

على صعـيـدٍ آخر، يُحلِّل سون هاوبوله الفيلم الوثائقي "بـلدنا الرهيب" ليناقش قضايا الثورة والمنفى ومِحور التمثيلات البصرية في سوريا والشرق الأوسط[8]. ويختبر هاوبوله دور المثقفين كَـ "رموزٍ ثورية" وأعمالهم خلال الثورات والثورات المضادة، ليُوضح دور الحاج صالح في الثورة السورية كقيادةٍ فكريـةٍ نابعة من تاريخه النِّضالي وإنـتاجـاتـه العِـلمية التي تُشجِّـع "العملَ الجمعي والتأمل، والذي يهدف بدوره إلى تغيير الخيال الاجتماعي وتجهيز الظروف الاجتماعية للثـورة"[9]. كما يُجادل هاوبوله حول كون المنفى يدفع الأفراد إلىأؤب نقد الذات ويُبـــيّن كيف أنَّ المنفى والهزيمة دفعا الحاج صالح لإنتاجِ انتقاداتٍ اجتماعيةٍ راديكاليةٍ للدولة والإسلاموية والحداثة[10]، لكـنه كسابقه أيضًا لم يُوضح فهم الحاج صالح للمنفى بعينه.

(تريلر فلم "بلدنا الرهيب" لعلي الأتاسي وزياد حمصي)

فلم تزل الأدبيات الأكاديمية مفتقدةً مفهومًا واضحًا للحاج صالح عن المنفى. ومِـن تلك الجهة، تُساهمُ هذه الورقة البحثية بإبراز فَهم الحاج صالح لظاهرة المنفى التي لاحقت الانتفاضات العربية، لتضيفَ إلى المحصول الأكاديمي الذي يُنـاقش مساهمـاته في المجالات الثقافية والسياسية العربية.

تُمـثِّل تجربة المنفى جزءًا من النّسيجِ الاجتماعي والحياة السياسية في سوريا، مما يجعل عملية النفي (exilement) جديرة بأن تُعطي نظرةً تحليليةً بُنيويةً حول الثورة السورية. ومن هذا ينبغي أن نعرِّجَ أولًا على فَهم الحاج صالح للمنفى من خلال كتاباته، والذي كان من أول معطياته هو عدم الاكتفاء بالتنـبُّـه إلى مكان المنفيين، بل يُصبح سؤالنا: من أين أتوا وكيف أصبحوا كذلك ضمن الأسئلة الجديرة بالأخذ في الاعتبار. في الحقيقة، للمنفى عند الحاج صالح تجليّات عدّة. ففي اللغة العربية، المنفى: هو اسم مكانٍ من الفعل "نفى". وبنظرةٍ أشمل، فإن دلالة تلك الكلمة هي "سلب شيءٍ ما". ولطالما استخدمَ الحاج صالح كلمة "منفى" بناءً على هذا التصور اللغوي ليقصد بها أيَّ فعلٍ ينفي فعلًا آخر، مع وجود عَلاقة قسرٍ وإجبارٍ أو إبعادٍ وعزلٍ تُصاحب فعلَ النفي المُشار إليه. فالنفيُّ بالنسبة للحاج صالح هو فعلُ عنفٍ ينتج عن بنيةٍ سياسيةٍ نافية.

وفي مصطلحات الحاج صالح، نفيُ الشخصِ يعني سلبه حريته وحقوقه. بناءً على ذلك التصور، يُمكن القول أنَّ المنفى ليس فقدان الوطن والابتعاد عنه، وإنما اندثار مرجعيات شخصٍ ما تندرج أيضًا في مدلولات "المنفى"، وكذلك العيشُ كـــ"أسمر" في مجتمع يُهيمن عليه الفكر الأبيض الكولونيالي يعدُّ نفيًا لهذا الشخص، وكونكَ مُجبرًا لتؤدي خدمةً عسكرية إلزامية هو نفي لحريتك، ونحن بالكتابة عن المنفى نُحاول أن نلتمسَ سبيلًا لنفي هذا المنفى. ومثلما كان الوطن مُسبِّــبًا للمنفى، كون الشيءِ يُعرف بضِدِّه ونقيضه، فنـفيُ المنفى إذن يستوجب إعادة خلقٍ لما قد يكونُ "وطنًا" بشكلٍ أو بآخر.

تُمـثِّل تجربة المنفى جزءًا من النّسيجِ الاجتماعي والحياة السياسية في سوريا، مما يجعل عملية النفي (exilement) جديرة بأن تُعطي نظرةً تحليليةً بُنيويةً حول الثورة السورية

من خلالِ هذه الورقة، أُركّز على فَهم الحاج صالح لمصطلح "المنفى"، مُستعرضًا فَهمي لآرائه عن المنفى كفعل يسلب، أولًا، التاريخ عن طريق الأبد السياسي، ويسلب، ثانيًا، الحرية بطغيان السجن، ويسلب، ثالثًا، الوطن بالعزل والإبعاد بل وبالإرجاء للفراق والترحال، بواسطة سلطة نافية، حتى يصل بنا إلى أن يسلب، رابعًا، ما قد سُلب سلفًا، أي السلب ذاته، خلال عمليتي الاستحباس والاستنفاء كمحاولات لـ"نفي المنفى". واستنادًا إلى ذلك، أستعرضُ كيف يوضح الحاج صالح استقلالية تجربة المنفى وتبعيتها لغيرها من المُجريات في آنٍ، وكيف يفرّق بين اللاجئ والمنفي. أختم الورقة ببيان كيف يُجادل الحاج صالح عن نهاية المنفى وكيف يفكر في "العالم" كمنفى من جهة وكيف أصبح المنفى عالميًا من جهة أخرى.

أهدف بهذه الورقة إلى المساهمة في تمثيل تجربة المنفى من خلال تسليطَ الضوءِ على مفهوم ياسين الحاج صالح للمنفى، بإلقاء النظر على معالجة نظرية ومقاربة عملية لتجربة لا تقتصر فقط على السوريين بل يعيشها الكثيرون الآن عقب الثورات العربية. تلك المفاهيم التي استوحاها الحاج صالح من الحالة السورية مُمتدَّةً ومطَّردةً على بُلدان "العالم الثالث" بصورٍ متفاوتة وإسقاطاتٍ مُتباينة، وخصوصًا البلاد العربية التي أخرجت انتفاضاتُها وثوراتُها مكنونات حالتها الاجتماعية والسياسية وفضحتْ سياسات حكوماتها في تصيير الوطن منفَى ومنسَى ومَخْـفَى كما سأوضِّح.

الأبدُ السياسي كمنفى: نفيُ التاريخ عن طريق الأبديّة الأسدية

يعني الحاج صالح بالأبدِ السياسي في سوريا أنه بقاء حكم الأسد في السلطة مَدى الحياة عن طريقِ الطائفـيَّـة والسُّلالة والــتَّــوريث[11]. إذن فالأبـدية السياسية في سوريا هي محاولة فرض حكم السُّلالة الأسدية إلى الأبد[12]. ولذلك، فهي تُمثل منفًى من التاريخ والتغيـير الاجتماعي والسياسي (أي سلبًـا لهما) لفرض حاضرٍ "سياسيٍّ" اجتماعيٍ دائم لا يتغـيّر[13]. ففي هذا السياق يكون العنف السياسي وسيلة ضرورية للحرب على المستقبل وأيِّ تغيير سياسي محتمل في سوريا[14].

فالأبدية إذًا هي إلغاءٌ للزمن ومحاولةٌ لهروب من المستقبل بتـثـبـيـت الحاضر والتخلص من كل مَن يسعى للتغيير، سواءً كانوا أفرادًا أو حركاتٍ سياسية أو مؤسسات. ومن هنا، فالموت نفسه لا ينفي تلك الأبدية السياسية؛ لأن النظام السياسي يحاول إنتاج نفسه بأيِّة حال. "يموت الأب، فيرثه الابن، فتدوم السلالة، ويسود الأبد"[15]. طبقًا لهذا النمط من الحكم، تُنفى السياسة وتَمتنع ممارستها، فتصبح الأعمالُ السياسيةُ ممتنعةً وممنوعةً أيضًا[16]. في هذا المجتمع، تُجمّد الديمومة اللازمة لأيِّ حياةٍ سياسية، مما يعني نَفيها، ويهيمن الروتينُ السياسي على الواقع وتفقد السياسةُ معانيها، فَـــ"سوريا الأخرى، اللاأسدية، غير موجودة وغير ممكنة الوجود"[17]. من هذه الناحية، فالسوريُّــون منفيون سياسيًا، بمَن فيهم مؤيدو النظام الأسدي لأنهم نفوا فاعلـيَّـتهم الأخلاقية إضافةً إلى منفاهم السياسي[18].

لذلك تمثل الثورة السورية انقطاعًا للأبدية وتَـفـكُـكًـا لمنفى التاريخ، وتُعدُّ محاولةً لدخول التاريخ بعد أكثر من أربعةِ عقودٍ من انتفائه. وستحقق الثورة أهدافها، إن خلقت ضميرًا سياسيًا ووضعت حدودًا وفرضت ضوابطًا على الحاكمين. فالسياسة غير ممكنة في الحكم الأبدي صاحب السلطة المطلقة[19]. فبانْـدلاع الثورة التي كان رهانها تفكيك سلطة النظام المطلقة، يصيرُ نظامُ النفي ذاته منفـيًا وتفقد الدولة الأسدية استقلالها وتوحّدها بالتاريخ، ساعيةً للبقاء كطرفٍ سياسي، ليس الوحيد، على الساحة السورية التابعة للثورة[20].

الأبـدية السياسية في سوريا هي محاولة فرض حكم السُّلالة الأسدية إلى الأبد[12]. ولذلك، فهي تُمثل منفًى من التاريخ والتغيـير الاجتماعي والسياسي (أي سلبًـا لهما) لفرض حاضرٍ "سياسيٍّ" اجتماعيٍ دائم لا يتغـيّر

رغم ذلك، فمنفى النظام المذكور سابقًا يُغاير منفى أغلبية السوريين بعد الثورة ولا يمكن مقارنتهما. فلم تعد الحرية المطلقة لتشكيل "السياسة" في سوريا بأيدي النظام الأسدي وحده، فـ "دولة الأسديين صارت في منفًى من التاريخ هي ذاتها"، من تاريخها الأبدي[21]. يُحتّمُ فقدان الدولة الأسدية سيادتها ودخولها إطارًا تاريخيًا تغييرها سياسيًا واجتماعيًا مع الوقت؛ وهو ما جعلَ الثورة تاريخية لأنها كسرت الأبدية الأسدية وأرغمتها أن تكون مؤقتة[22].

يربط الحاج صالح بين الأبدية السياسية والإبادة الجماعية (الجينوسايد)؛ فلا أبَـدَ سياسيّ بلا إبادة للمعارضين وخلق "مجتمع متجانس" لا تحكمه السياسة[23]. فكما أن الأبدَ السياسيَّ هو حرب على المستقبل، فالإبادة هي حرب على تغــيير الحاضر ومن يحاول التغيير في "أرض المباد". فهي تأبيدٌ للحاضر بمعنىً أو بآخر[24]. ساهم في نفي السياسة، مع الأبد والإبادة، طائفية النظام. فالإبادة "هي استمرار للطائفية كصناعة أوابد [أي طوائف] بوسائل قاتلة جمعيًا"، والطوائف تشكيلات إبادية من صنع النظام الأسدي ليست سابقة عليه[25]. جاء ذلك عبر خصخصة الدولة وتطييف شديد لأجهزتها الأمنية[26]. جاءت الثورة السورية في هذا السياق لتكون من أجل الجمهورية، ضد الدولة المُخَصخَصة التي تأخذ من نفي السياسة قاعدةً للحكم ومن نفي التاريخ مبدأ عامًا[27]. ربما سيطفى تحليل فوكو لعلاقات القوى في عصر النازية واتخاذ العنصرية كمنطقٍ للسلطة بُعدًا آخر لتحليل الحاج صالح للطائفية والأبدية والإبادة في سوريا كمنفًى من السياسة[28]. فالعنصرية، كما يراها فوكو، لا تقتصر فقط على العرق الاجتماعي (ethnicity) أو حكم السلالة، إنما هي منطقٌ تعمل السلطة من خلاله لتُشـكّـل المجتمع وتهـيِّــئه ليكون مبنيًا على الفوارق الاجتماعية الأبَـدية "المصطنعة"[29]. في الفقرات القادمة أناقش بُعدًا آخر للمنفى في فكر الحاج صالح ببيان كيف يمثل المعتقل السياسي والعزل الاجتماعي أبعادًا في "مُركَّب نفيٍ" ترأسه "سلطةٌ نافية".

المعتقل السياسي والنفي: العزل والإبعاد بواسطة سلطةٍ نافية

قبل أن أناقش كيف يضعُ الحاج صالح تجربة السجن بموازاة تجربة المنفى لأوضّح مفهومه للمنفى داخل سوريا وخارجها، أُبيّنُ جزئيًا فهمه للحرية أولًا لارتباطه بفهمه العام للمنفى والاستنفاء. يرى الحاج صالح أنّ الحرية تحيلُ إلى التغيير الدائم والخروج المستمر والحركة الدَّائبة. فالحرية هي "موقفٌ نشطٌ يجنح إلى الخروج من كل وضع أو نظام، وإلى الخروج بصورٍ مختلفة، الخروج على الخروج"[30]. فالحرية بالتالي مضادة للاستقرار والتوقف والثبات والجمود. فالخروج من الوطن أو التقاليد أو النفس أو الدين قد تكون أفعالًا في سبيل الحرية التي تتحقق بشرط أن يكون لهذه الأفعال تأثير على النفس لتغييرها مستقبلًا؛ فليس أي خروج هو فعل حرية، فَـــ "في النهاية نحن لا نخرج من نفوسنا إلى نفوسٍ غيرها (ذاكرتنا ومخيلاتنا ورضّاتنا المُكوِّنة...)، لكننا نغيّر نفوسنا ذاتها، نظامها، فكأنه صارت لنا نفوس جديدة، بهياكلٍ جديدة للذاكرة والتخيل والحساسية، وبسِجلِّ خبرات ممكن جديد"[31].

ولهذا، فالخروج من النفس بتغـييرها هو فعلٌ تَحرُّري وشرطٌ للحرية. فـ"الخروج بعيدًا عن النفس وكسر الإيقاع المعتاد... يمكن أن يكون تجربة مُغيِّرة ومحرِّرة جدًا بقدر ما يمكن لمطابقة النفس [أي عدم تغييرها أو توافقها مع التقاليد الاجتماعية] أن يكون سجنًا خانقًا"[32]. بالنسبة للحاج صالح، قد تصبح النفسُ الإنسانية سجنًا لأصحابها؛ فنحن دائمًا ما نحملُ سجونًا بدواخلنا. يُحتمل أن تكون العادات والتقاليد والمعتقدات سبلَ تقييدٍ واحتجازٍ بشكلٍ أو بآخر. تبعًا لذلك، تغيير النفس هو طريق للمعايشة والتوسع والترحاب بأفكار وعادات غريبة عنّا، والترحاب بالآخرين على الأخص. وكما أنّ النفسَ وثيقة الصلة بالبيت والسجن والحرية، فأن تكونَ النّفسُ بيتًا يعني أن تحتوي الآخرين المختلفين عنها بداخلها، فـ"البيتــيَّـة المفتوحة تعني أن نذهب إلى الغير ويأتي إلينا الغير، فيلتقي توسُّع بيتنا بتوسّع بيتهم، وتتكوّن لنا بيوت مشتركة، ولا يبقى الغيرُ غَـيرًا"[33]. هذا كله يستدعي الحركة والتنقل وتغيير الأماكن. فكما تحيلُ الحرية إلي التغيير، تكفُّ الحركة عن كونها فعلَ حرية حين تكون حركة تكرارية" على الدروب ذاتها إلى الأماكن ذاتها، وبخاصة حين يكون ذلك مسلكًا إكراهـيًـا"[34]. وعندما نكون مُرغَمين على خوض غِمار مسلكٍ ما، نحتاج أن نواكِـبـه لنحيا. هذا النوع من المواكبة يكونُ تَحرُّريـًا بطريقة تدريجية، كاغتنام كوننا منفيين من أوطاننا أو معتقلين بداخلها واتخاذها سُبلًا للحرية والعيش باختلاف.

(يربط الحاج صالح بين الأبدية السياسية والإبادة الجماعية (الجينوسايد)؛ فلا أبَـدَ سياسيّ بلا إبادة للمعارضين وخلق "مجتمع متجانس" لا تحكمه السياسة/ ياسين الحاج صالح والصورة تنشر بإذن خاص من الكاتب)

السجن هو مساحة للنّـفي الحقوقيِّ والسياسي[35]. هو وسيلة عزل وإبعاد "النفاوة" من البشر، أي النِّفايات، الخارجين على المعايير السياسية والاجتماعية والدينية السائدة في المجتمع إثر تمرُّدهم وخروجهم الفوضويّ على النظام القائم داخل البلد[36]. المنفى قرين السجن، فيه يُعزل المتمردون ويُنفون خارج البلد. فعل النفي هذا، في السجن والمنفى، هو فعل عنف بالأساس[37].

يصبحُ الوطن (أي البيت السياسي) سجنًا استنادًا إلى الحاج صالح إذا كنا ممنوعين من الخروج منه ومقيمين به جبرًا، ولذلك نُسمى سجناء[38]. وإذا كنًا محبوسين خارج هذا البيت وممنوعين من العودة إليه، فهو يصبح سجن في هيئة منفى ومنفًى في هيئة سجن. فـ"الحبس خارج البيت هو التشريد... ومنع العودة إليه هو النفي"[39]. المنفى هو سلبٌ للحرية وفقدانٌ للبيت ونفيٌ لخروجٍ نعرف أننا يمكن أن نعود منه[40]. فسلب الحرية في المعتقل هو نفيها، والطرد خارج البلد وسلب حرية العودة هو النفي كذلك. اقترن فعل النفي بإبعاد الخارجين على المعايير السائدة بوجود سلطات احتلال تنفي المتمردين خارج البلاد المحتلة. ولذلك، يستبطن فعل النفي صعوبة تذليل المسافات وعسر التواصل بين "الداخل" و"الخارج"[41]. ما هو "داخل" وما هو "خارج" هو صنع السلطة ونتاجها وليس سابق عليها[42]. فالسجن هو محصلة قرب المسافة والنفي. هو داخل الداخل، بينما المنفى هو خارج هذا الداخل. "السجن نفي إلى داخل معزول يمنع الخروج منه، مثلما المنفى سجن في خارج يمنع الرجوع منه"[43]. بعد زوال النفي كإجراء عقابي إبَّان قيام الدولة القومية الحديثة، صار السجن هو الإجراء العقابي بديل المنفى ومعادله[44]. يجمع كلا التجربتين نفي الحرية والعزل الاجتماعي والحجر السياسي.

الدولة السورية الحديثة دولة نافية بما أنها دولة حرب، أي تستقي من الحرب والإبادة سياسةً لها. دولةُ حربٍ على السياسة والمستقبل[45]. فعل النفي ليسَ فقط هو فعلَ عنفٍ وإكراهٍ كما تقدَّم الذكر، بل هو جزء في ’مُركّب نفي‘. مركب النفي هذا هو جزءٌ من ’بنية سياسية نافية‘. تقبع الدولة على رأس هذه البنية النافية. تمارس الدولة فاعليتها النافية ليس فقط بنفي التاريخ، بل بالاعتقال والمنفى وخلق ظروف التهجير الجماعي والإبادة[46]. ولذلك، بالنسبة للحاج صالح، تشتمل تجربة المنفى في السياق السوري على عدة تجارب مثل الاعتقال والتغييب القسري والنفي خارجًا والاغتصاب و"المنسى".

التهميش كمنفى: سوريا كمنفى ومنسى ومخفى ومغتصِب

كما يضع الحاج صالح المنفى بموازاة السجن، يضعه أيضًا بموازاة عدة تجارب سورية مجاورة مثل التغييب القسري والاغتصاب و"المَـنْـسَى"[47]. تتواتر هذه التجارب وتتوالد، ويربطهم التهميش السياسي والاجتماعي.

المنسى هو العيش مَنسيًـا لا شأنَ لك ولا يذكركَ أحد[48]. ھو "وﺿﻊ اﻟﻣﺣروﻣﯾن ﻣن اﻟذﻛر اﻟﻌﺎم، ﻣن ﻻ ﯾﺗﻛلم ﻋﻧﮭم أﺣد أو ﯾﺷﻌر ﺑﮭم أﺣد، ﺑﯾﻧﻣﺎ ھم ﯾﺗﺄﻟَّﻣون أو ﯾﻣوﺗون. المنسى، بالخصوص، ﺣﺎل ﻣن ﯾﮭﺎﻧون وﯾﻌذﺑون وﯾﻘﺗﻠون ﻓﻲ ﺳﯾﺎﻗﺎت ﻋﺎﻣﺔ، دون ﺷﮭود ودون رواﯾﺔ ودون ﺗﻛرﯾم"[49]. كما أن السجن والمنفى هما نتاج علاقاتٍ سياسية بالأساس، فالمنسى هو وﺿﻊ ﺳﯾﺎﺳﻲ ﻧﺎتج عن "ﺳﯾﺎﺳﺔ إﻧﺳﺎء وﺣرﻣﺎن ﻣن اﻟﻘول واﻟﺣﺿور، أو ﻓرض اﻟﻣﺟﮭوﻟﯾﺔ ﻋﻠﻰ ﻗطﺎع ﻣن اﻟﺳﻛﺎن أو ﻋﻠﻰ ﺟﻣﯾﻌﮭم"[50]. المنسيُّون هم المنفيون "داخل بلدانهم، خارج الذكر العام والمجال العام، لا يُعترف بهم ولا يُرَوْن، ولا يفكر بهم أحد، ولا تُسجَّل سيرهم ولا تُروى قصصهم، ولا تُسمع أصواتهم، ولا تُحفظ صورهم"، هم المُهمّشون نتاج أنظمة التجاهل والمهانة والإذلال[51]. سوريا هو موطن وبلاد نسيان، فهي منسى. يضرب الحاج صالح بضحايا مجزرة حماة عام 1982 مثالًا للمنسيين؛ فهم قُتِلوا مرتين، مرة في المجزرة والأخرى عبر نسيانهم من الذاكرة السورية ومن الذكر العام، فلا شهادات ولا تأريخ ولا ذكر لهم[52]. فالنسيان، كالنفي، فعل عنف منظّم وسياسي.

الاغتصاب أقسى من التعذيب، هو تعذيبٌ فوق تعذيب وإذلالٌ محض. الاغتصاب يمثل نفـيًا لذات المغتصَبة ونفيًا لها من أسرتها وجماعتها، فهو انهيارٌ لحدودها وانتهاكٌ لخصوصيتها بالإقامة داخل جسدها واحتلاله

الاغتصاب أقسى من التعذيب، هو تعذيبٌ فوق تعذيب وإذلالٌ محض. الاغتصاب يمثل نفـيًا لذات المغتصَبة ونفيًا لها من أسرتها وجماعتها، فهو انهيارٌ لحدودها وانتهاكٌ لخصوصيتها بالإقامة داخل جسدها واحتلاله[53]. هو فعلُ قتلٍ وجزءٌ من مُركّبِ إبادة، يماثله التغييب[54].

التغييب هو نفي الناس بالخطف "واغتيال حضورهم وعلاقتهم بعالمهم واتصالهم به، وتعزيز ذلك بالإنكار أو بتغييب... المعلومات عن المغتابين"[55]. التغييب ليس فقط نفيًا للـمُـغـيَّبن، بل هو أيضًا نفيٌ لمجتمعهم وجماعتهم؛ وإنكارُ تـغـييــبـهم ليس فقط نفيُ حقيقة خطفهم ومعرفة مصائرهم بل هو نفيٌ لذكرهم وجعلهم جزءًا من الغيب، من المجهول، فلا يُعرف إن كانوا أحياءًا أم أمواتًا[56]. المُغيَّبون في مَـخْـفَـى، في منفى، في سوريا.

ربما يمكن إدراك تجربة "التواري" لعائلة التجارب السورية المماثلة للمنفى. تماثل تجربة التواري تجربة السجن، وهي العيش في مخبئٍ سريٍّ متواريًا بعيدًا عن الأنظار[57]. لذا يمكن اعتبار التواري جزءًا من "مركّب النفي". عاش الحاج صالح متواريًا لمدة تزيد عن عامين بقليل، وكتبَ من مَخـبـئـه وتنقّل مُتخـفّـيًا بين دوما والغوطة والرقة منتهيًا إلى إسطنبول.

كانت سوريا منفًى لجميع الســوريِّـين كونهم عاشوا مباحينَ بلا حماياتٍ ولا حقوق، على الأقل منفى سياسي لغير حاكميها القابعين فوق القانون[58]. سوريا منفى ومنسى ومخفى ومعتقل ومُغتصِب إذا صح التعبير. ولهذا يشير الحاج صالح بقوله أنّـه كان منفيًا داخل "وطنه". كلمة "منفى" بالنسبة له لا تصور الحالة السورية باقتدار؛ فكان ينظر للمنفى "بعين السجين ثم بعين المقيم في البلد"[59]. يشيرُ كونه سوريًا إلى منفًى ما!

عنصر النفي هو مُـكـوّنٌ أساسيٌّ للنظام في سوريا، دونه فناء النظام. فَـــ"المنفى عنصر في تركيبة نافية، المنفيون شهود عليها بقدر ما هم نتاجها النوعي. جوهر هذه التركيبة هو الإبادة السياسية، وغايتها هي "التجانس""[60]. وخلاصة القول أنّ السجن والمنفى لا ينفصلان في فكر الحاج صالح، ويتقاطعان ليٌكَمّل أحدهما الآخر مع تجارب مماثلة لهما، كالتغييب والاغتصاب والنسيان. يمكن اتخاذ المنفى والمعتقل كمساحاتٍ للتحرر من قيود داخلية وخارجية. أستعرضُ في الفقرات التالية بإيضاح ما يعنيه الحاج صالح بعمليتي الاسْتحبَـاس والاسْـتِـنْـفَـاء. خلال عملية الاستحباس وقرينتها اللغوية الاستنفاء يحاول أن ينفي المنفيُّ منفاه ويسلبَ السَّـلبَ بمحاولاتٍ عدة لخلق مجالاتِ حرية، حتى ولو صغيرة بالدرجة، في سياقاتٍ هي أصلًا تُمثّــل مَعانٍ لسلبِ الحرية بطرقٍ مُـتـفـاوتـة. فسلبُ السلبِ هو نقيضٌ للسلبِ قبل أنْ يكونَ إيجـابًـا.

الاستِـحْـباسُ والاسـتِـنْـفاءُ: تَـوطِـينُ الأنْـفسِ وتَـوَطُّـنُ الأمـاكِـن

عندما يعـيـشُ السجـين في السجن كأنَّه بـيـته ويتخـذه فرصةً للتَّـنمية الذاتـيَّة والتحرر من سجونٍ أخرى داخلـية فإنه يَستَحْـبِس[61]. عبر عملية الاسْتِحْـباس، يُحاول السجـين أن يُطبِّع وقـتَه في الحـبس بالقيام بأعمالٍ إنـتاجيةٍ باتخاذ السجنِ مساحةً لتغـيِـير النفس والتطوُّر الذاتي[62].

فتجربة الاستِحْـباس تُحِدُّ مِن أذى السجن وتُـبطل بعضًا مِن مفعوله وتُساعد السجينَ على التحرر[63]. يكون هذا التحرر مِن سجونٍ داخلية نَحملها معنا أيـنما ذهـبنا؛ كالتَّـقاليد والعادات والأعراف الاجتماعِـية المُهَـيْمِنة على أفكارنا الشخصية[64]. هذا التحرُّرُ هو "تحـرُّرٌ داخليّ، انعتاق، يُـقوينا في مواجهة الحـبس كـتـقـيِـيدٍ خارجي"[65]. ولذلك يفـتح السجن مجالًا لإعادة التـفكـيرِ في ما نحن عليه وما نُريد أن نكون، فالاستِحْـباس هو "صراعٌ نخوضه في السجن ضد السجن" وما يحويه مِن ظروفٍ لتحدِّيها والبحث من خلالها على أنوارِ الحرية[66]. فالحاج صالح نفسه تغـيَّـرَ في السجن وأعاد التـفكـير في أفكاره السياسية، بالأخص في الشيوعية: "تخلـيَّتُ عن الشيوعية في وقت ما من ثمانِـيـنِـيَّات القرن العشرين... صرتُ على نفورٍ عميق من كل مذهـبِـيَّة مغلقة ومِن كل مَنزع يقـينيٍّ ودوغمائيّ، ومنِ انتهازية أصحاب العقائد ولاأخْلاقِـيَّـتِهمِ العميقة"[67]. كان الحاج صالح يستحْـبِـسُ بالقراءة، ومشاهدة التلفاز ولعب الورق والنوم إن أمكن[68]. أسوأ المعـتـقلين السياسيِّـين في وجهة نظره هم مَن لم يغـيروا أنفسهم، أو بالأحرى مَن لم يغـتـنموا من السجن فرصةً لإعادة تشكيل مَن هم وما هم عليه من أفكارٍ ومعتـقدات. فالحاج صالح تحرَّرَ وفي السجن كانت ثورته، حسبما يُكرِّر[69].

يخطو المنفيُّ خـطوَ السجـين، فيفعل مثله قدر المستطاع إن أُتـيحتِ الظروف. فعندما يتخذ المنفيُّ مَـنْـفـاهُ كـبَـيتٍ من نوعٍ آخر ويجعله فرصةً لبدايةٍ مخـتلفةٍ ليست مُقـيَّدةً بشرطِ العودة، فإنه ’يسْـتَـلْجِئُ‘ أي يتحول مِن كونه لاجـئًا ناجِـيًا فـارًّا من بلده مُـنـتظرًا عودةً ما لـيكون في حكم "اللاجئ المستـقر"[70]. الاستِـنْـفاءُ شبـيه الاستِـلْجاء[71]، فهو أهم ما يواجه المنفيَّ في بـيـئـته الجديدة ويكون عبارةً عن "وصلِ ما انقـطعَ من الحياة، أو استـئـنافِ الحياة، أو ربما العمل على أن يكون اللجـوء فرصةً لـبدايةٍ مخـتلفة"[72].

(يخطو المنفيُّ خـطوَ السجـين، فيفعل مثله قدر المستطاع إن أُتـيحتِ الظروف. فعندما يتخذ المنفيُّ مَـنْـفـاهُ كـبَـيتٍ من نوعٍ آخر ويجعله فرصةً لبدايةٍ مخـتلفةٍ ليست مُقـيَّدةً بشرطِ العودة، فإنه ’يسْـتَـلْجِئُ‘ أي يتحول مِن كونه لاجـئًا ناجِـيًا فـارًّا من بلده مُـنـتظرًا عودةً ما لـيكون في حكم "اللاجئ المستـقر")

بكـلمات الحاج صالح، الاستِـنْـفاء هو "التمكُّـن بصورةٍ ما من جعل ديارِ اللجوء وطنًا والمَـلْجَأ بـيـتًا"[73]. الاستِـنْـفاء يُـبطل مفعول المنفَى كغربةٍ ويجعلنا نافعـين للـبلدان الجديدة التي قـدِمنا إليها[74]. ولـذلك، باتِّخاذ المنـفَى كفرصة جديدة، يخوض المنفيُّ صراعًا جديدًا بالإضافة إلى الصراعِ "القـديمِ" الذي تركه خلفه في وطنه ليسْـتَأْنِس البلد المضِيف ولا يجعل نفسه عُرضةَ انـتظارِ العودة للبيت أو للوطن لسنواتٍ غير معـدودة[75]. إضافةً إلى ذلك، فـللمَنْـفِـيِّـين، مثل المعـتـقـلين، نظامٌ زمَنيٌّ خاصٌّ يغاير المجرَى "الطبيعيَّ" للأحداث؛ حتى أن اللاجئ، حسبما يُجادل الحاج صالح، يعـيشُ في المؤقَّـت من الزمن، بعد انخلاعه من المكان وأصبح "خارج المكان": "لـنا في المنفَى ماضيان نـتعـثَّر في التحرك بـينهما. ماضِينا قبل المنفى، وماضِينا في المنفَى"[76]. فالماضي قبل المنفى يظهر كأنه زمن الحرية، ويكون الحاضر (أي حاضر المنفى وماضيه) حِـيرةً وقَـلَـقًا ويبدو المستـقـبل عودةً مأمولةً أو ضَياعًا مستمرًّا وانخلاعًا تامًّا[77]. وتجربة المنفى هي ليست فـقط الإقامة في مكانٍ غريب (ليس فقط مخـتلف) بل أيضًا "إقامةٌ في الزمن الفاصِل بين ما قـبل وما بعد، في المؤقَّـت"[78]. هذا المؤقَّـت يتمثَّـل في عَـيش الانـتـظار، انـتـظارُ عودةٍ ما والعـيش على أمل هذه العودة التي قد لا تأتي أبدًا. في هذا السياق، ينفي المنـفِيُّ منْـفَاه بعملية الاستِـنْـفاء.

قبل الخوضِ باستِـفاضةٍ في مَاهية عملية الاستِـنْـفاء وأمثـلـتها، بالأحْرى لـفهمها، نُـكملُ الحديث عن معنى الحرية في فـكر الحاج صالح، الذي على صلةٍ وثـيقةٍ بمعاني النفس والسجن والعالم والمنفَى وبالطبع الاستِـنْـفاء. فالخروج من البـيت من أجل الحرية هو فِعلُ حريَّة رغم قـسوته. فالمنفَى في حد ذاته قد يكون نواةً للحرية مثل ما كان أثرًا للسعي إليها، شريطةَ أن يصحَبه تغيِـيرٌ في النفس وتطوُّرٌ في الفكر وتنميةٌ للذات. فالحركة إحدى تمثـيلات الحرية "من حيث أنها خروجٌ على (مِنْوال)، وليس خروجًا من (مَكَانٍ) فقط... لا نكون أحرارًا حين نخرج، إلا حين لا نخرج بالصورة ذاتها في كل مرة، أيّ حين نخرج على خروجِـنا أيضًا". فالحركة لابدَّ أن تكون متحركةً في حد ذاتها، أي متغَـيِّرة، ليست حركةً من روتـينٍ إلى روتـين، فمن "يخرجُ ويخرجُ على خروجه... يتحرَّر"[79]. هذا الخروج قبل أن يكون خروجًا من البيتِ (مِن مكانٍ ما) يكونُ خُـروجًا من النفسِ ذاتها، مِن عاداتها ومألوفـاتها[80]. بهذا يكون الخروج خروجَ تحررٍ وتغـيِـير.

جديرٌ بالذكر أنَّ هذا النوع من الحرية الذي دائمًا ما يرنو إليه الحاج صالح يُخالف الحرية الكولونـيَالِيَّة، والتي لا تَتحـقَّـقُ إلا بالتوسع على حساب الغـير أو مصحُوبةٍ بالفردانِـيَّة التامَّة وإهمال حق الغَـير[81]. وعلى العكس من ذلك، نجد أنّ إحدى مكـوِّنات هذه الحرية في رؤية الحاج صالح هي العمل على اتِّـساع أنفسنا لـتسع الآخرين وتَـقْـبلهم. بهذا يكون البيت الواحد بـيوتًا للآخرين، ويـتَـأتَّى من النفـس الواحدة تِرحابٌ ليَسَعَ آخرين مخـتلفـين[82].

في هذا الإطار، ينفي المنفيُّ مَنْـفَاه بالاعتراف به وقـبوله كمنفًى أولًا ثم التـفـكر في كيفية التعامل معه والبناء عليه والحركة مِـن خلاله. فَـ "إنكارُ المنفى يُمكن أن يأخذ شكل انعزالٍ عن المجتمع الجديد في انـتـظار "عودةٍ إلى البيت"، قد تـتأخر كثيرًا أو لا تأتي أبدًا. لكنه يمكن أن يأخذ شكل "ذَوَبانٍ" في المجتمع الجديد، ومحوٍ تامٍ للماضي" وكـلًّا منهما لا يمكن أن يكونا تجربةً مُحرِّرة، بل هي "تجربةُ تبعـيَّةٍ والْـتحاق"[83]. ويبقى السؤال إذن، كيف يمكن للمنفَى أن يكونَ تجربةَ حريةٍ وتحرُّر؟[84] وما دور الاستِـنْـفاء في تمهيد الطريق لهذا النوع من التجارب؟

الاستِـنْـفاءُ هو دربُ حرية. يكون المنفى تجربةً تحرُّرِيَّة إذَا اتَّخذه المنفيُّ فرصةً للتعلم ولرَتْـقِ إخْفاقاتٍ قديمة. ولا يحصلُ هذا ابتـداءً إلا بمقاومةِ نظام المنفى ذاته (الزَمَنِي والمَكَانِي) الذي هو نِـتاج ما سُـلِبَ مِن حريةِ اخـتـيارِ البقاء، وبالتـبَعِـيَّة فهو نِـتاج ما فُرضَ قـسْـرًا بالخروج والحرمان من العودة. في المنفَى، نخرجُ على خروجنا هذا بالانخراط في المجتمع الجديد وبناء "تـقالـيدَ" جديدة، والمساهمة في خلق بيوتٍ مغايرة تُعوِّضنا عمَّا فـقـدناه وأخيرًا توسيع آفاق تـفكيرنا واهتماماتـنا السياسية[85]. فكما كانت ثورة الحاج صالح في السجن وبه حصل تحرُّره، كـذلك المنفى يكون مكانًا للثورةِ فوقَ الثورة واسْتِـيـزاد نوع تحرُّرٍ نفسيٍّ وفِكريٍّ يفُوق أقصى ما يؤمله المعتَـنِـين بهذا الفعل المسمَّى "تحرُّر". هذا التحرُّر إذن يكون بالانفـصال نسبـيًّا عن النفس القديمة ومحاولة الارتـقاء أخلاقـيًّا، فَـ"التمسك بالنفس القديمة وفاءًا للوطن هو الخيانة الحقـيقية. نحتاج في المنفَى، كما في السجن، إلى أن نغـيِّر أنفسنا، كي نتحرر"[86]. وهكذا يحدث الاستِـنْفاء، فقط عندما نعطي معانٍ جـديدةٍ للمنفَى.

يعطي الحاج صالح كذلك أمثـلةً شخصية للاستِـنْـفاء تعمل كمضادَّاتٍ نوعـية ضدّ سُـمّ تجربة المنفى[87]. منها على سبيل المثال: تكوين صداقاتٍ جديدة أو استِرجاع صداقاتٍ قـديمة في البلد المُضيف. فالصّداقات تُـقَـلِّـلُ مِن أعجمية المكان وغربَـته وتمحو بعضًا من وحشته، كما أنها تُساعد على استِـيطان الأماكن الجديدة وتكوين هواياتٍ ضمن هذه السياقات[88]. وينفي الحاج صالح منفاهُ أيضًا عن طريق العمل، فالكتابة بمثابة جِسرٍ يصله بسوريا وبالسوريِّـين. لأن كِـتاباته بمَثَابة وطنه المُختار، يحمله على ظهره أينما حلّ، إليه يـنـتمي ومنه يكون[89]. وثمَّةَ تِـرياقٌ آخر وهو تعلم لغة بلد المنفَى. فـتعلُّم لغة المكان يُخفِّـف وحشته وينزع بعضًا من صفاته كـ"منفَى"[90]. مثالٌ آخر هو محاولة تملُّـك "منزل"؛ ليكون بـيئةً خاصَّةً يرجع إليها الفرد لتستـقرّ نفسه وتطمئن. إنه هذا الفضاء الشخصيُّ الصغير جدًّا الذي يذهب إليه الشخص ويخلو به مع ذاته، ليألفها وتألفه، ويكون نقطةَ مرجعه وحيِّزِه الخاص الذي به يبني (ويستـرجع) ذكرياته ويـلم شمل نفسه فيه[91]. يمدُّنا المنفى أيضًا بمساحةٍ لإعادة التفكـير في معـتـقـداتـنا السياسية ونظرتـنا للأحداث الجارية عن بعدٍ بطريقة شاملة نسبـيًّا. المنفى أيضًا قد يكون بابًا لتـفكـيك أفكارٍ متعلقة بالتاريخ والسياسية والتـقـدم[92].

جديرٌ بالذكر أن عملـيتَيِ "الاستحباس" و"الاستِـنْـفاء" بالنسبة للحاج صالح ليسَتَا مجرد آلياتِ تكـيُّـف (coping mechanisms) مع الوضع السائد، بل أداتَـين يتعرف بهما المرء على وضعه الجديد ويستخدمهما لإعادة تـشكيل مَن هو وما يحب أن يرى نفسه عليه. هما أيضًا غير محدَّدتَيِ العوالم، فكل شخصٍ يستَحـبـس ويسـتَـنْـفِي على طريقـته الخاصة. يجب التـنويه أيضًا أن عمليتَيِ الاستِحـباس والاستـنـفاء هما رهـنًا لبنـيتهم الاجتماعية؛ فـمن موانِعِ الاستحـباس النفي لسجونٍ مثل تـدمر وصيـدنايا وغيرهما، لشدة قـسوتهم. كذلك في ظروفِ اللُّجوء بالغة القسوة، كالعيش في خَـيمةٍ أو معسكرِ لجُوء لا يُعطي للمساحة الشخصية أي فرصة، فيكون بذلك المنفى استمرارًا لتجربة "الاقـتلاع والنفي"[93].

العيش "حول" المنفَي لـيس فيه: استـقـلالية المنفى وتبعـيَّـته في آنٍ واحد

كلمة "منفى" غير كافـية لتصف حال الأغلبية من اللاجئين السوريِّـين[94]. فالمنفى، مثلما السجن، لا يمكن حَصْر مدلوله على مكانٍ ما بزمنٍ معين، فـتجسيد تجربة المنفى تعيد تشكيل رابطة الزمان والمكان عندما تتراكم تواريخ من الخوفِ والقمع على جسدِ شخصٍ ما أينما يغدو ويروح. لا أعني بهذا القول أنّ "المنفى" له استقلاليته وأنظمته الوقْـتِـية والمكانية المختلفة وهو منعزل عن السياق الاجتماعي المنبثق منه، بل على العكس، فكـتابات الحاج صالح تُسيِّـس (politicizes) وتؤرِّخ (historicizes) تجربة المنفى. نعم، هو يدّعي خصوصية التجربة وأثرها الشخصي، لكنه لا يؤصّلها؛ ولذلك، فالمنفى هو تجربة –مهما تفاوت معيار دقـتها– تعـتري الشخص فيُعرِّف نفسَه بها. هي حالة منعٍ وحرمان، لا يمكن اقـتصارها على المستوى الشخصي، بل هي متعددة الجوانب يلعب السياق السياسيُّ والاجتماعيُّ دورًا أساسيًّا في إنـتاجها، وهي متمَركِـزة في وقتٍ ومكانٍ معين.

عبر تحليل الهَـيْكـلية الاجتماعية للانـتـفاضة السوريَّة التي أَنـتجتِ المنافي، لا يجعل الحاج صالح المنفى أو الوطن الأصلي تجربةً رومانسية أو مثالية[95]، فطريقة تحليله للمنفى تجعله ينظر إلى أسبابه وعواقـبه في هيكلٍ واحد على حدٍّ سواء. ورغم أنه يركز على تجربته الشخصية والحسية، فهو يجعلها في إطارٍ عامٍّ للنسيج الاجتماعي المُكوّن لها.

المنفى، أي الغربة القسرية، في وجهة نظر الحاج صالح هو حالة تمزق بَـينية، تتلاقى بين طيّاتها حالة المنفى والبلد المحطَّم سويًّا[96]. فداخل سوريا وخارجها متماهيان، "نعيش في "الخارج"، لكن لنا في "الداخل" أحباء يعانون أوضاعًا أقسى من وضعنا: الخطف والاعتقال، وانقطاع الأثر"[97]. فبينما يعيش المنفيون خارج سوريا، فـتجاربهم الشخصية متمركزةً حول العيش خارجها بالنظر للخلف وبالداخل السوري، أي "حول" منفاهم وليس "فيه"[98]. هذا يجعل استـقلالية المنفى شبه مستحيلة. وكذلك لا يقتصر على جَعْـل المنفيِّـين فقط منفـيُّون وحسب، بل هم جزءًا لا يتجزأ من الحياة السياسية السورية. فـبينَ هنا وهناك، لا ينفصلُ السوريون عن الأحداث السياسية داخل بلدهم، إضافة إلى الحال السياسية في المجتمع المُضيف. فصراع السوريين مزدوج ومُركَّبٌ من الصراع في المجتمع الجديد التاريخي وصراعٌ في المجتمع القديم الأبدي، في سوريا. رغم ذلك، فالمنفى "تجربة مستقلة... ﺑﺣﻛم ﻛوﻧﮭﺎ ﺗﺟرﺑﺔَ اﻧﻔﺻﺎلٍ وفَـكَّ ارﺗﺑﺎطٍ ﻣﻊ ﺣﯾﺎة ﺳﺎﺑﻘﺔ"[99].

لكن هذا المزيج من استقلال تجربة المنفى عن الوطن النافي وتعذر استقلالها في نفس الوقت "ﯾُﺷﻛّـل ﺟوھر اﻟﺗﺟرﺑﺔ وھو ﻣﻧﺑﻊ ﻗـﻠﻘﮭﺎ وﻋدم اﺳﺗﻘرارھﺎ"[100]. إذا الْـتـفـتْـنا على سبيل المثال لـإدوارد سعيد فسوف نُصادف تـقْريره لكونِ المنفيُّ يظـلُّ غريبًا على الدوام من محيطه[101] والمنفـيُّون يشعرون باختلافاتهم مهما حققوا من نجاحات[102]. فالعيش في المنفى يجمع المتناقضين: الارتباط بالوطن والاستقلال عنه معًا؛ مما يجعل هذه التجربة مليئة بعدم الاستقرار واللَّايَـقِـين.

اللاجئُ والمنفي: أهـليَّةُ المنفيِّـين وفاعـلِـيَّتهم

قبل الخوض في تمييز الحاج صالح بين اللاجئ والمنفِي، نعرِّج على سؤال الفاعلية الإنسانية. يُنظَر إلى الفاعلية ليس أنها معاكسة للـبنية، بل مُكونة لها. فـ"وجود البِـنَى ينطوي على الفاعلية" ولا ينفـيها[103]. ولا يمكن النظر إلى الفاعلية كونها متشابهة في كل وقت وحين، بل تخـتـلف حسب بنيتها الاجتماعية ونطاقها السياسي. لذلك فالتركيز على الفاعلية يجعل التغيـيرَ الاجتماعيَّ ممكنًا[104]، ونفيها المستمر يعني تأبيد الحاضر. ومن هنا فسؤال الفاعلية محوري وأساسي في كتابات الحاج صالح، وهو واضح في تـفريقه بين اللاجئ والمنفِي.

ارتبط مصطلح "النـفي" قـديمًا بالاحتلال، وكان يقـدّمُ كعقوبة قانونية لعزل المتمردين على الأحوال السائدة خارج بلدانهم. وإبَّان قيام الدولة الحديثة، انْـتَـفى النـفي كعقوبة قانونية وصار السجن بديلًا عنه[105]. ثم آل الأمر عقب الحرب العالمية الثانية إلى أخْذِ مصطلح اللجوء في الظهور بشدة كمصطلح قانوني لحماية المُشرَّدين والمطرودين، وصار "المنفى" حقلًا للأدب والشعر لأولئك المطرودين[106]. فالتميز الأساس، يمكن القول، بين اللاجئ والمنفي في دراسات اللجوء هو أن اللجوء مصطلح قانوني مؤصل في الدولة القومية الحديثة في أوروبا، فهو نتاج دولة القرن العشرين، بينما المنفى فلا أساس قانوني له.

كون اللجوء مصطلح قانوني يجعل له بنية قانونية وسياسية واجتماعية وحقوقية تخص قوانين وواجبات اللجوء والحماية وغيرهم[107]. وبالطبع ليس هذا للقول أن قبل الحرب العالمية الثانية لم يكن هناك "لاجئين"، بل إنّ البـنية القانونية للجوء كما هي الآن لم تكن موجودة قبل ذلك الوقت[108]. إضافة إلى ذلك، اكـتسب اللجوء دلالة سياسية تـقـترن بحاجة المشردين من بلادهم إلى المساعدات الإنسانية العاجلة مما صاحبه نشوء بعض المؤسسات التي تعمل على قضايا اللاجئين إلى الآن، أبرزها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وغيرها[109].

يضيف الحاج صالح إلى ذلك شرطَيِ المكان والزمان والاخـتـيار، للتفريق بين اللاجئ والمنفى[110]. إذ كلما ابتعدت المسافة وطالت المدة بعيدًا عن الوطن، كلما صار اللاجئ منفيًّا أكثر، والعكس صحيح. فاللُّجوء "هو الطورُ الباكرُ من تجربة المنفَى"[111]. وكل منفى يبدأ بلجوءٍ لكن ليس كل لجوءٍ ينتهي بمنفَى. فاللاجئ، بالنسبة للحاج صالح، يبحث عن أقرب المناطق أمانًا له ويتحيَّن فرص العودة، بينما المنفي يختار منفاه الذي يرى به حياةً أفضل ومستقبلًا أكثر استقرارًا ويقـينًا، فكل الملاجئ التي لا تنالها الدولة النافية تلبي مطلب النجاة[112].

شرط النفي هو صعوبة تـذليل المسافات، أي البعد. فطالما اقترن المنفى بالخارج الذي تصعب الرجعة منه. "المرء يلجأ إلى أقرب ملجأ آمن، إلى تركيا: لسكان المناطق الشمالية من سوريا، وإلى الأردن: لسكان المناطق الجنوبية، وإلى لبنان: لسكان حمص ودمشق، وحين يذهب إلى أبعد فإنه يتجاوز وضع اللاجئ المضطر الذي يتحين فرص العودة إلى وضع المنفي الذي يخطط لحياته حيث يفضل أن يكون. فكلما طال بنا الأمد بعيدًا عن مواطننا، أو كلما أزْمن الاقـتلاع... وبعُدتِ المسافة، انقلب حالنا من لاجئين إلى منفيِّـين"[113]. إذن، بالنسبة للحاج صالح، في المنفى اختيار وتفضيل بين قريب وبعيد؛ "المنفى اخـتـياري بقدر ما، اختياري ضمن شرط الإكراه إن جاز التعبير. تركيا ملجأ، ألمانيا منفى. لا نأتي إلى ألمانيا بحثًا عن أمان، بل عما يتجاوز ذلك من حياة يمكن التخطيط لها والإمساك بها"[114]. وعليه، يمكن القول أنّ في المنفى فاعلية أكثر منه في اللجوء. هذا التمييز بين المنفي واللاجئ غرضه عَـقْـلَـنَة الظروف وتملُّك التجارب التي يمر بها المَطرودون (السوريون) من بلادهم[115].

لأول وهلة، قد يبدو من الغريب القول أنّ المنفى اخـتـياريًّا متضمنًا شرط الإكراه، كالقول أنَّـه مستقلًّا متضمنًا شرط التـبعية كما تقدم. فنحن أمام تجربةٍ تجمع التناقضين. على أيِّ حال، ستختلف المفردات والتحاليل بناءً على موضعنا وإلى أيِّ الأطراف ننظر ومن أيهم نبدأ التحليل. في تناولِي لكتابات الحاج صالح، هَـدَفي ليس فقط الاشتباك مع المفردات وكَوْنها تصف التجربة، بل كيف يصل الحاج صالح إلى هذه المفردات وإلى أين توصلنا إن اتخذناها كلمات مفتاحية لفهم الوضع الحالي وعقْـلَـنَته.

إعادة صياغة من هو اللاجئ وربطه بالمنفي هو استحداث سردية تخالف السرديات "الدولية" المتناوِلة لقضايا اللاجئين[116] التي طالما انطوت على الأمننة والمساعدات الإنسانية وحوكمة الحدود، مما يمثل ليس فقط انحيازًا لصراعهم بل محاولة لتطويع الأدوات المعرفية لعقلنة تجاربهم من وجهة نظرهم. فمنظوره هذا يُعَـدُّ خروجًا عن "المنظور القومي"، أي رؤية الظواهر الاجتماعية من وجهة نظر الدولة القومية، التي اعتادت العلومُ الاجتماعية تناول قضايا اللاجئين من خلاله[117].

والأهم، هذا المنظور الذي يطرحه الحاج صالح هو بمثابة كسر صورة المنفي أو اللاجئ كضحية. عمل الحاج صالح على إنشاء البيت الثـقافي السوري "هامش" في اسطنبول، وكان أحد أهداف "هامش" كسر صورة السوري كضحية في المجتمع التركي والمساهمة ﻓﻲ ﺟﻌل اﻟﺳورﯾِّـﯾن ﻣرﺋِـﯾِّـﯾن ﻓﻲ اﻟﻣﺟﺗﻣﻊ اﻟﺗرﻛﻲ[118]. الاستِـنْـفاء كتجربة هي من وجهة نظر المنفـيِّـين، كما الاستِحْـباس من وجهة نظر المعتقلين. وتكفي الاتفاقِـية الأوربية التركية في شباط 2016 لمواجهة أزمة اللاجئين مِصداقا لتمثيل الخطاب الذي ينظر للَّاجئين كخطرٍ وكضحايا مسلوبِي الفاعلية. فالاتـفاقية الأوربية تلك حدّتْ من حركة اللاجئين داخل تركيا وقطعت طريق لجوئهم في أوروبا[119]. معاملة اللاجئين كضحايا منزوعي الذاتية ومفقودي الأهلية يماثله أيضًا استخدامهم كتهديد للدول المجاورة لإبرام اتفاقاتٍ جِـيُوسياسية. إضافةً إلى الاتفاقية التركية-الأوربية، طلب أردوغان من أوروبا الدعم قُـبَيْل عملية "نبع السلام" بحُـجّةِ خلق منطقة حُـدوديَّة آمنة مع سوريا، وأيضًا لمواجهة الانتقادات الدولية لعمليته المنشودة مهدِّدًا أنه سيفتح على أوروبا أبواب اللاجئين[120].

وعلى ذلك، فـتـفريق الحاج صالح بين اللجوء والمنفى هو من وجهة نظر المنفـيِّـين واللاجئين أنفسهم، من موضعهم، كسبيلٍ لإبراز فاعليتهم وبيان أهليتهم التي "تـنفـيها" ظروف تهجـيرهم من جهة، وظروف المجتمع المضِيف والخطاب الدولي المنوط بالمساعدات الإنسانية والإغاثة تجاههم من جهة أخرى. إضافةً إلى ذلك، هذا ليس فقط موقف نظري يساعد الحاج صالح في عـقْـلَـنة حال المنفـيِّـين، بل موقف تكويني عن النَّـظر للمنفى وكيف يمكن التأمل في أعماله.

نَـفيُ المنفَى بنفـيِ الوطن:

يطور الحاج صالح مساعي "نفي المنفى" ليُبرْهن على أن القومية ليست حلًا لتجربة المنفى. فـ"إسرائيل التي نفت المنفى اليهودي نفت الفلسطينيِّـين من أرضهم وعملت على نفيهم من التاريخ. ودُوَلنا الركيكة تنفي قطاعات من سكانها فتحرمهم من الجنسية"[121]. فالصهيونية التي نفت المنفى اليهودي أوجبت المنفى الفلسطيني، فنفت نفي منفاها بإيجادها منفًى آخر[122]. لكن يمكن نفي المنفى نفيًا غير وطني بالنسبة للحاج صالح عن طريق نفي الوطن نفسه والاستِـنْـفاء "يمكن أن يجري "نفي المنفى" عبر نفي الوطن، أو نفي التمركز حول الوطن الذي هو السمة المعرِّفة للتـفكير في المنفى"[123]. فالنفي الجِذري للمنفى يشترط نفي الوطن.

الاستـنفاء هو نفيٌ غير وطنيٍّ للمنفى، ولنا أن نقول: هو نفي للمنفى في المنفى وهو نفيٌ للوطن كـذلك. ولهذا النوع من النفي غير الوطنيِّ أمثلة عدة: فيُمكن نفي الوطن عن طريق نفي القومية بعدم اعتبارها الكيان المُعرِّف للأماكن والبشر، كما في "المنهجية القومية" التي تأخذ من الدولة القومية الحديثة نظامًا طبيعيًّا حول العالم لا يرقى إليه الشك لتفسير الظواهر الاجتماعية وإنتاج المعرفة[124]. أدورنو على سبيل المثال اتخذ من الكتابة وطنًا له، فنفى موطنه الأصلي وحـيّـده[125].

دعا الحاج صالح إلى إعادة التفكير في الثورة السورية؛ فبدلًا من أن تكون فقط عبارة عن مراحل زمنية بانتهائها تنتهي الثورة، يمكن فهمها كطبقةٍ من الممارسات والتجارب الشخصية، وتـقـليدٍ يبقى حيًّا ومتجددًا، وتـراثٍ ذو معنى ممتـدٍّ عبر أجيال وحياةٍ مُعاشة

دعا الحاج صالح إلى إعادة التفكير في الثورة السورية؛ فبدلًا من أن تكون فقط عبارة عن مراحل زمنية بانتهائها تنتهي الثورة، يمكن فهمها كطبقةٍ من الممارسات والتجارب الشخصية، وتـقـليدٍ يبقى حيًّا ومتجددًا، وتـراثٍ ذو معنى ممتـدٍّ عبر أجيال وحياةٍ مُعاشة[126]. بنفس المنطق، يحدث النفي غير الوطني للمنفي بإعادة التفكير في ماهية الوطن. فقد ظهرت بعض الدراسات عن أن الوطن هو عبارة عن ممارسات، فأينما حللت صنعتَ وطنًا إن أردت[127]. هذا واضح في بعض الدراسات الفلسطينية التي تتجاوز الأسر النظري المنوط بـِ"حق العودة" لتـنظر كيف يصنع المهجَّرون الفلسطينيُّون أوطانَهم في بيئاتهم، وكيف يخلقون "فلسطين" صغيرة بالخارج[128]. في الدراسات الخاصة بالبيئة الحضرية في الحقل الأكاديمي الخاص بدراسات الهجرة، ظهرت دراسات تدعو إلى محاولة فهم أفعال المهاجرين بجميع أطيافهم جنبًا إلى جنب مع سكان البلد الأصليين وتشكيلهم للمكان المتواجدين فيه، وبهذا لا يتم أخذ العِرق أو القوميَّة كـنقطة انطلاقٍ، وإنما تكُونُ البيئة الحضرية التي نتشاركها جميعًا هي مركز البحث[129].

ويمكن التفكير، نظريًّا، بأن الوطن بدايةً هو افتراضٌ يسبق واقعه الاجتماعي، وأن إعادة تعريف "الوطن" على المستوى الشخصي تُسائـل السرديات القومية والهويات الجامدة مما يجعلها أيضًا إحدى طرق الاستِـنْفاء[130]. وتظل ماهية الوطن رهنًا للسياق الاجتماعي له وكيف يُعرِّفُ مجموعةٌ ما وطنَهم، لاجئون كانوا أم مهاجرون أم حتى سكانًا أصليِّـين لم يُجـبروا على مغادرة بلدانهم، وكيف يصنعوه في حياتهم اليومية[131].

نهاية المنفى: عالم المنفى ومنفى العالم

جديرٌ بالذكر أنّه بالنسبة للحاج صالح ما يَشهده السوريون ليسَ فقط مقتصرًا عليهم؛ فالمسألة السورية مسألةٌ عالمية حيث أنّ "الديمقراطية في أزمةٍ في مخـتلف أنحاء العالم، وسوريا هي ضحية هذه الأزمة"[132]. بكلماتٍ أخرى، الصراع السوري هو خير دليل على أن العالم برمته يتم ’سَرْيَـنَـتَـه‘: "فالعالم سوريا كبيرة... وتغيره يعني تعميم [المصير] الرهيب الذي أصابنا، أي في سوريا، في العالم كله"[133]. في سوريا "أربعة من دول مجلس الأمن الخمسة تُـشارك بقوات عسكرية... وسبقـتْها إليها إيران ولبنان والعراق، ولحقـتها تركيا بعد التدخُّلَين الأميركي والروسي. وإسرائيل دومًا في ضربات مباشرة أو بتأثير غير مباشر... وشاركت الجِهادية السُّنِّـيَّة العالمية في الصراع بمجاهدِين قـدِموا من 80 بلدًا، أو من 100 بلد بحسب تقديرات أخرى... وجاء الجهاديون الشيعة من بلدان أقل عددًا، لكن بمشاركة مباشرة وتنسيق من قبل المركز الشيعي العالمي، إيران"[134].

قد تكون الحرب في سوريا عالمية، لكن بالتأكيد ظهر العالم هناك بشكل حربي. الحربية في سوريا عالمية لأنها لا تقتصر على دول فقط بل مليشِيَّات ومجموعات مدعومة من دول خارجية ومنظمات ما دون الدولة، بطريقة متـشابكة ومعقّدة[135]. انخرط العالم بأشكالٍ مختلفة في الصراع السوري وتجزّأت سوريا وصار بها خمس احتلالات[136]. "كثيرٌ من داخل سوريا خارجها، وكثير من خارج سوريا داخلها. هناك سوريا اليوم في تركيا (فوق 12% من السوريِّـين)، في لبنان والأردن (البلدان الشقيقان الجاران الذَّيْن يُعامل فيهما اللاجئون السوريون أسوأ معاملة)، في ألمانيا، وفي كل مكان. وهناك روسيا في سوريا، وإيران في سوريا، والأمَمِية الجهادية العالمية في سوريا، وتركيا، وحزب البي كي كي، وحتى بشار الأسد"[137]. الدولة الخاصة ونظامها الإبَـادي مَحْمِيٌّ بحِراب أجنبية ويعاد تأهيلها لإطفاء الشرعية على نظامها الأسدي مجددًا، فالصراع ليس محليًّا بل عالميًّا، ومحاولات إعادة الشرعية لنظام الأسد تمر أمام أنظار العالم[138]. والنظام الدولي شريك في جعل سوريا كـ"مَـنْسَى" قبل أن تكونَ مَيدانًا لهذه المعركة الحربية التي مَسرحها في الأساس العالم، وسوريا إحدى تمثـيلاتها[139]. فتحوّل الصراع السوري إلى "صراع فوق وتحت سوري، إقليمي وطائفي" وعالمي[140].

قُـتلتِ الثورة وقُـتّـلتْ. هذا كله، جعل المشكلة السورية قضيةً عالمية اسمها "القضية السورية"[141]. التفكـير في عالمية سوريا أدى بالحاج صالح إلى إعادة التفكير في "الشمال"، أي غرب أوروبا، حيث بِيئات الاستقبال التي يلجأ إليها السوريون كمنفى وجعله جزءًا هامًا في "مُرَكَّبِ المنفى" إلى جانب الدولة النافية والمنفيِّـين أنفسهم. فـ"الشمال" هو ما شكّل العالم في صورته اليوم، عبر تجارب منها الاستعمار وبناء المؤسسات الدولية "والقانون الدولي الحالي الذي ينظم علاقات بين دول... تعرض استعدادات نفـيِـيَّة وإباديَّة تبدو متأصلة فيها جوهريًّا، ومنها فيما يخصنا رعاية الاستـثـناء الإسرائيلي واستـثـناءات أخرى"[142]. هذا الجفاء في التعامل مع قضايا اللاجئين تـنصُّلٌ من مسؤولية تشكيل العالم كما هو عليه الآن، فالسماء لا تُمطر لاجئين! كان هذا مُحفِّزًا لإعادة النظر في النظام العالمي كَكُل، في العالم أجمع[143].

هذا الربط وثـيق الصلة بين العالمي والمحلي عند الحاج صالح لا يتوقف فقط عند المستوى السياسي، بل نراه أيضًا واضحًا في تصوراته لما هو "شخصي" وتناوله إياه[144]: "يرتبط خطف سميرة وفراس[145]، و"اخـتـفاؤهما"... بثلاثة قوى وحشية: نظام الأسد الفاشي، والتنظيمات الإسلامية العدَمية، والنظام العالمي الأوليغارشي [أي حكم الأقلية]. حرية أحبابي ومستقبل العالم أمران مترابطان. علينا أن نروِّض وحوش الدولة والدين والعالم، أو نؤنْسِنَها، إذا كنّا نتطلع إلى مستقبل أقل قسوة"[146]. لذلك فإن رسائل الحاج صالح لزوجته سميرة الخليل المخطوفة في دوما منذ ديسمبر 2013، تُـبرز جزءًا لا يُستهانُ به من فكره الحالي، وهي دليلٌ على تقاطع السياسي مع الشخصي في الحديث عن الثورة السورية[147]. وبالعودة إلى الباحث مسوح، فإن كتابات الحاج صالح عن السجن والمنفى (أو بالأحرى السجن/المنفى) لا تُقرأ ككتابات شخصية[148]، بل هي "دعوة للسوريِّـين لمحاكات بعضهم الآخر وإعادة كتابة تاريخهم جماعيًّا واستعادة ما يعنيه أن تكونَ جزءًا من مُواطَنة عالمية حديثة"[149].

ربط القضية السورية بالعالم وبمصيره من جهة، وتقرير العالم كمنفى من جهة أخرى للسوريِّـين وغيرهم بطرق متفاوتة يجعلنا جميعًا في منفى، في منفًى لا يَفْـنَى

في تحليله، يستعمل الحاج صالح "العالَم" كوحدة تحليل متخيلة تُساوي وحدات "المنفى" و"الوطن"[150]. فتصوُّر العالم كمَنْفَى كـبير يُحتم علينا التفكير في أوجه الظلم المختلفة حول العالم بأسْره، التي تـنـبثق منها سوريا كمجرد مثال. أوجُه الظلم هذه من منظور الحاج صالح متصلة بل ومعتمدة على بعضها بعض. فلذلك يمكن القول أنَّ عالم المنفيِّـين هو جزءٌ من منفَى العالم وشبيه به [151]. بكلماتٍ أخرى، الأشخاص المنفيُّون موجودون في العالم الذي هو منفاهم أيضًا. فعالَمنا الحالي هو منفًى، سُلِبَ الجميع فيه حرِّيَّته بطرق نسبية ومتمايزة. يطابقُ هذا المنطق الوطنَ والمنفى على حدٍّ سواء: "الوطن هو العالم الذي هو المنفى أيضًا"[152]. فنحنُ "بلا وطن في العالم، وبلا منفًى لأننا في العالم"[153]. فـ"مركب المنفى هو عالم اليوم" ووطننا هو العالم الذي هو منفانا أيضًا[154].

ربط القضية السورية بالعالم وبمصيره من جهة، وتقرير العالم كمنفى من جهة أخرى للسوريِّـين وغيرهم بطرق متفاوتة يجعلنا جميعًا في منفى، في منفًى لا يَفْـنَى إذا صح القول. شريطة فـنائه هي تغيره ككل، أو تغير جزءًا منه سعيا لتغيُّره ككل (إن جاز لنا تقطيعه من الأساس). فناؤه هذا كامن وحّـيثي، منطبق بداخله، مصيريٌّ بمصير ذواته وفاعليتهم. ولذلك، لا حلول محلية لمشكلات عالمية، وواجب على تفكيرنا وسياستـنا أن يلاقيا عالمية العالم[155]. مصير العالم كامن بداخله وليس خارجه، وطوباه مصاحبة له وكامنة وواقعية، ليست منفصلة ولا متعالية ولا خارجة عنه[156]. إنه هنا والآن، ونحنُ جميعًا نُشكّله بأفعالنا اليومية: فَـ"لا بد من تغـيـير العالم في العالم"[157]. يماثلُ هذا أيضًا قول الحاج صالح بأن تغـيِـير سوريا يبدأ بتغيير العالم أجمع[158]. باختصار، يرى الحاج صالح أن عملية التحرر متصلة ومتشابكة؛ العالمي يتداخل مع المحلي والمجتمعي يصاحبه الذاتي. هذا كله يجعل المنفى، كما يراه الحاج صالح، عالمي، حيث تنخرط قوى عالمية في تشكيله واستمراره.

خاتمة: المنفى كإقصاءٍ وتهميش

يأخذ الحاج صالح على عاتـقه تطوير نقد جذري تحرُّرِي منحاز سياسيًّا وثقافيًّا، فهو يأخذ من قضايا الكرامة والعدالة مُنطلـقه الأساس ويمركز أصحاب تلك القضايا خلال تمثـيلهم ويبدأ بما قد يكون من وجهة نظرهم (وهو واحد منهم) [159]. هذا واضح على سبيل المثال في شرحه للثورة السورية وبِنيتها وما آلت إليه ونقده لأنواع معينة من التضامن معها إلى غير ذلك. ويظهر هذا بوضوح في فهمه للمنفى كبنية سياسية كما وضّحت، ليس مجرد تجربة، مما يجعلنا عندما نتكلم عن المنفى السوري، خارج البلد، فنحن نتحدَّث عن نواة البلد ودواخلها، وعندما نتكلم عن سوريا فنحن نتكلم عن العالم.

كتابات الحاج صالح متشابكة ومتعددة الأوجه وأحيانًا مفتوحة المعاني. لذا يمكن استخلاص تعريف الحاج صالح للمنفى بصفة عامة أنه محاولات عدة للإقصاء والتهميش

أخْـذًا في الحسبان ما سلف ذكره، من أن كتابات الحاج صالح متشابكة ومتعددة الأوجه وأحيانًا مفتوحة المعاني. لذا يمكن استخلاص تعريف الحاج صالح للمنفى بصفة عامة أنه محاولات عدة للإقصاء والتهميش. هذه المحاولات هي نتاج "بنية سياسية نافية". في السياق السوري، هذه البنية ليست فقط إقصائية، بل إبادية. فعل النفي هو فعل عنفٍ بالأساس، سياسيُّ الجوهر. يشتمل مُركَّب النفي هذا على البنية النافـية والمنفيون ذاتهم وبيئات استقبالهم. والخلاصة أنَّ للمنفَى أشكالًا عدة في فَهم الحاج صالح، تـتـشارك هذه الأشكال في أن سلب الحقوق والحريات قسرًا هو شيءٌ من منفًى ما. نفي التاريخ عن طريق "الأبد السياسي" يسبب نفيًا لحيوات الأشخاص السياسية والأخلاقية والحقوقية، والذي بدوره ينتهي إلى سلب الحريات والحقوق الأساسية والعزل الاجتماعي والحجر السياسي. يمكن التعامل مع هذه الحالة من النفي خلال عملـيتَيِ الاسـتحـباس والاستـنـفاء. المنفَى ليس استـثـناءً، بل واقعًا "طبيعيًّا" لملايين البشر حول العالم. ونفي هذا المنفى يكون في نفي عالم اليوم.

 مراجع البحث:

[1] نُشرت النسخة الإنكليزية من هذه الورقة في مشروع حلب، أيلول 2019: https://bit.ly/38sneaz. تتضمن هذه النسخة العربية بعض الإضافات والتوسعات. نـقـلها إلى اللغة العربية الكاتب نفـسه. خالص الشكر لياسين الحاج صالح على استجابته لتساؤلاتي عن موضوع الورقة، والحَكم شعار لمراجعته وتحريره، وصديقي صلاح الچيلاني للتدقيق اللغوي والاقتراحات الصّائبة.

[2] ياسين الحاج صالح، "درب إلى المنفى"، الحوار المتمدن، 7/2/2014، شوهد في 11/12/2019، في:https://bit.ly/36louKw

[3] ياسين الحاج صالح، "الحرية: البيت، السجن، المنفى... العالم"، أوراق، الجمهورية، 25/3/2016، شوهد في 11/12/2019، في: https://bit.ly/2LKKIOx

[4] Firas Massouh, “Searching for Salvation: Yassin al-Haj Saleh and the Writing of Modern Syria” (MA, Australia, The University of Melbourne, 2015), 10.

[5] Massouh, “Searching for Salvation: Yassin al-Haj Saleh and the Writing of Modern Syria.”

[6] Massouh, 10.

[7] Massouh, 96.

[8] Sune Haugbolle, “Moving through the Interregnum: Yassin al-Haj Saleh in the Syrian Revolution,” Middle East Journal of Culture and Communication 8, no. 1 (2015): 13–36.

[9] Haugbolle, 18.

[10] Haugbolle, 30.

يجادل إدوارد سعيد أن تجربة المنفى تدفع المرء إلى التفكر فيها مما يؤدي إلى نقد الذات، انظر:

إدوارد سعيد، تأمُّلات حول المنفى ومقالات أخرى 1، ترجمة ثائر ديب (بيروت: دار الآداب، 2004)، ص 117.

[11] ياسين الحاج صالح، الثورة المستحيلة: الثورة، الحرب الأهلية، والحرب العامة في سوريّة، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2017)، ص 85.

[12] المرجع نفسه، ص 87.

[13] ياسين الحاج صالح، "الأبد كمنفى من التاريخ"، أفكار، الجمهورية، 16/4/2018، شوهد في 11/12/2019، في: https://bit.ly/348Lc7q

[14] المرجع نفسه، ص 89؛ انظر:

Salwa Ismail, The Rule of Violence Subjectivity, Memory and Government in Syria (Cambridge, United Kingdom: Cambridge University Press, 2018).

[15] الحاج صالح، "الأبد".

[16] مايكل يونغ وياسين الحاج صالح، "انتصار نظام الإبادة السياسية"، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 21/8/2017، شوهد في12/12/2019، في: https://bit.ly/2Pd84hQ

[17] الحاج صالح، الثورة، ص 87.

[18] الحاج صالح، "الأبد".

[19] الحاج صالح، الثورة، ص 61.

[20] الحاج صالح، "الأبد"؛ انظر:

Simon Mabon, “Sovereignty, Bare Life and the Arab Uprisings,” Third World Quarterly 38, no. 8 (August 3, 2017): 1782–99.

[21] الحاج صالح، "الأبد".

[22] المرجع نفسه؛ لم تفقد الدولة الأسدية سيادتها مع الثورة بل فقدت القدرة على إعادة إنتاج نفسها ودخلت تحت الحماية الروسية والإيرانية.

[23] ياسين الحاج صالح، "الأبد، الطوائف كأوابد، والإبادة"، أفكار، الجمهورية، 10/10/2019، شوهد في 16/1/2020، في: https://bit.ly/2Tr9SpX

[24] ياسين الحاج صالح، "أرض المباد: حيث لا صفح ولا وعد"، أفكار، الجمهورية،  9/1/2020، شوهد في 16/1/2020، في:https://bit.ly/2teqwP2

[25] الحاج صالح، "الأبد، الطوائف كأوابد".

[26] انظر: ياسين الحاج صالح، "القصة السورية: حقائق واقعية"، الحوار المتمدن، 26/4/2019، شوهد في 16/1/2020، في:  https://bit.ly/2tnwvAY

[27] المرجع نفسه؛ انظر أيضًا: ياسين الحاج صالح، "الفكرة الجمهورية والثورة السورية"، أفكار، الجمهورية، 25/2/2014، شوهد في 16/1/2020، في:  https://bit.ly/2Nws1il

[28] Michel Foucault, Society Must Be Defended: Lectures at the College de France, 1975-76 (Picador, 2005).

[29] Foucault, 254.

[30] الحاج صالح، "الحرية".

[31] المرجع نفسه.

[32] المرجع نفسه.

[33] المرجع نفسه.

[34] المرجع نفسه.

[35] ياسين الحاج صالح، "في المنفى والوطن والعالم، والكتابة"، أفكار، الجمهورية، 19/12/2019، شوهد في 16/1/2020، في: https://bit.ly/30p7Vvw

[36] المرجع نفسه.

[37] المرجع نفسه.

[38] الحاج صالح، "الحرية".

[39] المرجع نفسه.

[40] المرجع نفسه.

[41] الحاج صالح، "في المنفى".

[42] المرجع نفسه؛ انظر أيضًا:

Timothy Mitchell, “The Limits of the State: Beyond Statist Approaches and Their Critics,” American Political Science Review 85, no. 1 (1991): 77–96.

[43] الحاج صالح، "في المنفى".

[44] المرجع نفسه.

[45] المرجع نفسه؛ الحاج صالح، الثورة، ص 89.

[46] الحاج صالح، "في المنفى".

[47] المرجع نفسه.

[48] ياسين الحاج صالح، "المنسى السوري... المنساة السورية"، الحوار المتمدن،  20/1/2013، شوهد في 16/1/2020، في: https://bit.ly/2FXdZlw

[49] المرجع نفسه.

[50] المرجع نفسه.

[51] المرجع نفسه.

[52] المرجع نفسه.

[53] ياسين الحاج صالح، "الحب والتعذيب والاغتصاب، والإبادة"، أفكار، الجمهورية، 28/4/2018، شوهد في 61/1/2020، في: https://bit.ly/2u8HMoA

[54] الحاج صالح، "في المنفى".

[55] الحاج صالح، "الحب".

[56] المرجع نفسه؛ لفهم كيف يربط الحاج صالح بين التغييب القسري والاغتياب والغيب انظر: ياسين الحاج صالح، "الاغتياب والتغييب والغيب: نظرات في الديني السياسي"، الحوار المتمدن، 15/7/2019، شوهد في 19/1/2020، في: https://bit.ly/2NFKyIV

[57] "الكاتب والناشط السياسي ياسين الحاج صالح في المشهد"، بي بي سي عربي، 24/1/2017، شوهد في 16/1/2020، في: https://bit.ly/2RjlFUy

[58] الحاج صالح، "في المنفى".

[59] ياسين الحاج صالح، "عن منافي السورين، عن سوريا كمنفى"، حبر، 13/5/2019، شوهد في 11/12/2019، في: https://bit.ly/2YAUSX8

[60] الحاج صالح، "في المنفى".

[61] ياسين الحاج صالح، "العيش في المؤقت"، أفكار، الجمهورية، 29/3/2018، شوهد في 12/12/2019، في: https://bit.ly/2Pc5Or4

[62] المرجع نفسه.

[63] الحاج صالح، "في المنفى".

[64] الحاج صالح، "الحرية".

[65] الحاج صالح، "في المنفى".

[66] Yassin al-Haj Saleh, “Freedom: Home, Prison, Exile…and the World,” trans. Rana Issa, Yassin al-Haj Saleh, April 3, 2017.

[67] ياسين الحاج صالح، بالخلاص، يا شباب! 16 عامًا في السجون السورية، (بيروت: دار الساقي، 2012)، ص 210.

[68] المرجع نفسه، ص 204.

[69] المرجع نفسه، ص 85.

[70] الحاج صالح، "العيش".

[71] أُوضّح كيف يفرق الحاج صالح بين اللاجئ والمنفي لاحقًا، وبناءً على هذا التصور يتم التفريق بين الاستلجاء والاستنفاء.

[72] الحاج صالح، "العيش".

[73] المرجع نفسه.

[74] الحاج صالح، "في المنفى".

[75] المرجع نفسه.

[76] المرجع نفسه؛ الحاج صالح، "الحرية".

[77] المرجع نفسه.

[78] الحاج صالح، "العيش".

[79] الحاج صالح، "الحرية".

[80] المرجع نفسه.

[81] المرجع نفسه.

[82] المرجع نفسه.

[83] المرجع نفسه.

[84] للقراءة عن احتمالية أن تكون المساحات المهمشة سياسيًا كالمنفى بوتقة لتحرر سياسي انظر:

Joe Turner, “(En)Gendering the Political: Citizenship from Marginal Spaces,” Citizenship Studies 20, no. 2 (February 17, 2016): 141–55, https://doi.org/10.1080/13621025.2015.1132569.

[85] الحاج صالح، "الحرية".

[86] المرجع نفسه.

[87] الحاج صالح، "عن منافي السورين".

[88] المرجع نفسه.

[89] المرجع نفسه.

[90] المرجع نفسه.

[91] المرجع نفسه.

[92] الحاج صالح، "الأبد".

[93] الحاج صالح، "العيش".

[94] الحاج صالح، "عن منافي السوريين".

[95] Liisa H. Malkki, “Refugees and Exile: From ‘Refugee Studies’ to the National Order of Things,” Annual Review of Anthropology 24, no. 1 (October 1, 1995): 495–523, https://doi.org/10.1146/annurev.an.24.100195.002431.

[96] الحاج صالح، "عن منافي السورين".

[97] المرجع نفسه.

[98] المرجع نفسه.

[99] ياسين الحاج صالح، "في المنفى التركي: مفارقات وسوء تفاهم"، ورقة غير منشورة.

[100] المرجع نفسه.

[101] سعيد، تأملات حول المنفى ومقالات أخرى 1، ص 126.

[102] المرجع نفسه، ص 127.

[103] وليم هـ. سيول الابن، "نظرية في البنية: الثنائية والفاعلية والتحول"، ترجمة ثائر ديب، عمران، المجلد 7، العدد 28 (2019)، ص 136.

[104] سيول الابن، "نظرية في البنية: الثنائية والفاعلية والتحول"؛ للمزيد انظر:

Mustafa Emirbayer and Ann Mische, “What Is Agency?,” American Journal of Sociology 103, no. 4 (January 1, 1998): 962–1023, https://doi.org/10.1086/231294.

[105] الحاج صالح، "في المنفى".

[106] انظر: سعيد، تأملات حول المنفى ومقالات أخرى 1، ص 117؛

Malkki, “Refugees and Exile.”

[107] Malkki, 497.

[108]Malkki, 498; Rieko Karatani, “How History Separated Refugee and Migrant Regimes: In Search of Their Institutional Origins,” International Journal of Refugee Law 17, no. 3 (January 1, 2005): 517–41, https://doi.org/10.1093/ijrl/eei019.

[109] للمزيد عن كيف ارتبط اللجوء بوسائل عدة للتحكم في المجتمع ككل وليس فقط اللاجئين وكيف اقترنت كلمة اللجوء بدلالات عسكرية قبل الخمسينات من القرن المنصرم قبل أن ترتبط لاحقًا بخطابات المساعدات الإنسانية والتنمية و’دول العالم الثالث‘، انظر:

Malkki, “Refugees and Exile.”

[110] الحاج صالح، "في المنفى".

[111] المرجع نفسه.

[112] المرجع نفسه.

[113] المرجع نفسه (التوكيد في الأصل).

[114] المرجع نفسه.

[115] المرجع نفسه.

[116] Malkki, “Refugees and Exile.”

[117] Malkki; Andreas Wimmer and Nina Glick Schiller, “Methodological Nationalism and beyond: Nation–State Building, Migration and the Social Sciences,” Global Networks 2, no. 4 (2002): 301–34.

[118] الحاج صالح، "المنفى التركي".

[119] للمزيد عن الاتفاقية التركية الأوربية وكيف أنها تسلب السوريين فاعليتهم السياسية، انظر:

Feyzi Baban Rygiel Suzan Ilcan, Kim, “Playing Border Politics with Urban Syrian Refugees. Legal Ambiguities, Insecurities, and Humanitarian Assistance in Turkey,” movements. Journal for Critical Migration and Border Regime Studies 3, no. 2 (November 3, 2017).

[120] "اردوغان محذرًا الأوروبيين: لن نتحمل عبء المهاجريين السوريين وحدنا"، يورونيوز، 23/12/2019، شوهد في 17/1/2020، في: https://bit.ly/30taLQ8؛ "اردوغان يهدد أوروبا مجددًا بـ"فتح الأبواب" أمام اللاجئين السورين"، دويتشه فيله عربي، 13/9/2019، شوهد في 17/1/2020، في: https://bit.ly/3agb5pX؛ هذا ليس مقتصرًا فقط على النظام التركي، بل يبدوا خطابًا مماثلا لأنظمة شمال أفريقيا عمومًا نظرًا للاتفاقات الأوروبية المتعلقة بالهجرة والتحكم بشواطئ المتوسط، مما يعزز حجة الحاج صالح بأن العالم بيئة نافية، انظر:

Anne Koch, Annette Weber, and Isabelle Werenfels, “Profiteers of Migration? Authoritarian States in Africa and European Migration Management,” Research Paper (Berlin: German Institute for International and Security Affairs, July 2018).

[121] الحاج صالح، "في المنفى".

[122] المرجع نفسه.

[123] المرجع نفسه.

[124] المرجع نفسه؛ سعيد، تأملات حول المنفى ومقالات أخرى 1، ص -22121.

Wimmer and Glick Schiller, “Methodological Nationalism and beyond: Nation–State Building, Migration and the Social Sciences.”

[125] الحاج صالح، "في المنفى"؛ سعيد، تأملات حول المنفى ومقالات أخرى 1، ص 131.

[126] ياسين الحاج صالح، "ما هي الثورة السورية"، أفكار، الجمهورية، 14/11/2019، شوهد في 17/1/2020، في:  https://bit.ly/2RDUJPJ

[127] Michael Jackson, At Home in the World (Duke University Press, 2000).

[128] Michelle Obeid, “Home-Making in the Diaspora Bringing Palestine to London,” in A Companion to Diaspora and Transnationalism (Blackwell Publishers, 2013).

[129] Nina Glick Schiller, Ayşe Çağlar, and Thaddeus C. Guldbrandsen, “Beyond the Ethnic Lens: Locality, Globality, and Born-Again Incorporation,” American Ethnologist 33, no. 4 (2006): 612–33; Ayse Çaglar and Nina Glick Schiller, Migrants and City-Making: Dispossession, Displacement, and Urban Regeneration. (Durham: Duke University Press, 2018).

[130] Sara Ahmed, Claudia Castañeda, and Anne-Marie Fortie, Uprootings Regroundings: Questions of Home and Migration, 1st ed. (Berg Publishers).

[131] Sara Ahmed, “Home and Away: Narratives of Migration and Estrangement,” International Journal of Cultural Studies 2, no. 3 (December 1, 1999): 329–47.

[132] يونغ والحاج صالح، "انتصار".

[133] ياسين الحاج صالح، "رسائل إلى سميرة 5"، أفكار، الجمهورية، 13/8/2017، شوهد في 12/12/2019، في: https://bit.ly/34dosmA

[134] ياسين الحاج صالح، "سورية والعالمية الحربية الأولى"، أفكار، الجمهورية، 5/9/2018، شوهد في 17/1/2020، في: https://bit.ly/30wvsLl

[135] المصدر نفسه.

[136]المصدر نفسه؛ الحاج صالح، "ما هي الثورة السورية".

[137] ياسين الحاج صالح، "رسائل إلى سميرة 4"، أفكار، الجمهورية، 6/8/2017، شوهد في 17/1/2020، في: https://bit.ly/38i0J7o

[138] الحاج صالح، "ما هي الثورة السورية".

[139] الحاج صالح، "سوريا والعالمية"؛ الحاج صالح، "المنسى السوري".

[140] الحاج صالح، "ما هي الثورة السورية".

[141] المرجع نفسه.

[142] الحاج صالح، "في المنفى".

[143] المرجع نفسه؛ الحاج صالح، "الأبد".

[144] بينما يوظف الحاج صالح الشعار النسوي القائل بأن "الشخصي سياسي والسياسي شخصي" كأداة تحليل في معظم كتاباته، نجد آثارًأ لهذا النوع من التحليل في متبني الفكر الماركسي كأداة تحليل مثل جون كلارك فيما يسميه ’التحليل الهيكلي‘ ‘conjunctural analysis’، وأيضًا في الكتابات التي تعالج تشكيل المكان والهوية في سياق الهجرة بما يُعرف بالدراسات العابرة للقوميات ‘transnational studies’ والفكر ’المتعدد المستويات‘ ’multiscalar thinking’ . يتقاطع منطق الحاج صالح، برأيي، مع كلًا منهم. للمزيد انظر:

John Clarke, “Conjunctures, Crises, and Cultures: Valuing Stuart Hall,” Focaal 70 (December 1, 2014): 113–22; Çaglar and Glick Schiller, Migrants and City-Making; Thomas Faist, “Transnationalization in International Migration: Implications for the Study of Citizenship and Culture,” Ethnic and Racial Studies 23, no. 2 (January 1, 2000): 189–222; Faranak Miraftab, “Displacement: Framing the Global Relationally,” Framing the Global: Entry Points for Research, January 1, 2014, 37–50.

[145]  أقدم ملثمون من تنظيم "جيش الإسلام" على خطف الناشطون السوريون الأربعة، رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي، في دوما عام 2013. للمزيد من التفاصيل حول خطفهم وغيرهم، انظر على سبيل المثال: ياسين السويحة، "عام الخطف"، عيون، الجمهورية، 22/8/2019، شوهد في 15/12/2019، في: https://bit.ly/2YPYLr5

[146] يونغ والحاج صالح، "انتصار".

[147] ياسين الحاج صالح، "رسائل إلى سميرة"، الجمهورية، شوهد في 12/12/2019، في: https://bit.ly/38utheF؛ مثال آخر يبرهن كيف يُحلل الحاج صالح تقاطعية السياسي والشخصي هو تعليقه على استشهاد عبد الباسط الساروت، انظر: ياسين الحاج صالح، "عبد الباسط الساروت: مسار ثورة في مسار ثائر"، أفكار، الجمهورية، 18/7/2019، شوهد في 12/12/2019، في: https://bit.ly/2EbCE54؛ "زمان عبد الباسط"، عيون، الجمهورية، 13/6/2019، شوهد في: 12/12/2019، في: https://bit.ly/2E9RMjl.

[148] لمثال آخر، انظر:

Ismail, The Rule of Violence Subjectivity, Memory and Government in Syria.

[149] Massouh, “Searching for Salvation: Yassin al-Haj Saleh and the Writing of Modern Syria,” 97.

[150] الحاج صالح، "الأبد".

[151] المرجع نفسه.

[152] المرجع نفسه.

[153] المرجع نفسه.

[154] الحاج صالح، "في المنفى".

[155] المرجع نفسه.

[156] الحاج صالح، "الحرية".

[157] المرجع نفسه.

[158] الحاج صالح، "رسائل إلى سميرة 5".

[159] سامر مختار وياسين الحاج صالح، "ياسين الحاج صالح: ’نحن السوريين في موقع يتيح لنا النقد الجذري للعالم‘"، رصيف، 10/9/2016، شوهد في 17/1/2020، في:  https://bit.ly/2NA9Eco؛ انظر: ياسين الحاج صالح، الثقافة كسياسة: المثقفون ومسؤوليتهم الاجتماعية في زمن الغليان، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2016).

مراجع أخرى استند عليها البحث:

العربية:

"اردوغان محذرًا الأوروبيين: لن نتحمل عبء المهاجريين السوريين وحدنا"، يورونيوز، 23/12/2019، شوهد في 17/1/2020، في:  https://bit.ly/30taLQ8

"اردوغان يهدد أوروبا مجددًا بـ"فتح الأبواب" أمام اللاجئين السورين"، دويتشه فيله عربي، 13/9/2019، شوهد في 17/1/2020، في:  https://bit.ly/3agb5pX

"الكاتب والناشط السياسي ياسين الحاج صالح في المشهد"، بي بي سي عربي، 24/1/2017، شوهد في 16/1/2020، في: https://bit.ly/2RjlFUy

"زمان عبد الباسط"، عيون، الجمهورية، 13/6/2019، شوهد في: 12/12/2019، في: https://bit.ly/2E9RMjl

الحاج صالح، ياسين. "أرض المباد: حيث لا صفح ولا وعد"، أفكار، الجمهورية،  9/1/2020، شوهد في 16/1/2020، في:https://bit.ly/2teqwP2

___________. "الأبد كمنفى من التاريخ"، أفكار، الجمهورية، 16/4/2018، شوهد في 11/12/2019، في: https://bit.ly/348Lc7q

_____________. "الأبد، الطوائف كأوابد، والإبادة"، أفكار، الجمهورية، 10/10/2019، شوهد في 16/1/2020، في: https://bit.ly/2Tr9SpX

___________. "الاغتياب والتغييب والغيب: نظرات في الديني السياسي"، الحوار المتمدن، 15/7/2019، شوهد في 19/1/2020، في: https://bit.ly/2NFKyIV

___________. "الحب والتعذيب والاغتصاب، والإبادة"، أفكار، الجمهورية، 28/4/2018، شوهد في 61/1/2020، في:  https://bit.ly/2u8HMoA

_____________. "الحرية: البيت، السجن، المنفى... العالم"، أوراق، الجمهورية، 25/3/2016، شوهد في  11/12/2019، في: https://bit.ly/2LKKIOx

_____________. "العيش في المؤقت"، أفكار، الجمهورية، 29/3/2018، شوهد في 12/12/2019، في: https://bit.ly/2Pc5Or4

___________. "الفكرة الجمهورية والثورة السورية"، أفكار، الجمهورية، 25/2/2014، شوهد في 16/1/2020، في:  https://bit.ly/2Nws1il

___________. "القصة السورية: حقائق واقعية"، الحوار المتمدن، 26/4/2019، شوهد في 16/1/2020، في:  https://bit.ly/2tnwvAY

_____________. "المنسى السوري... المنساة السورية"، الحوار المتمدن،  20/1/2013، شوهد في 16/1/2020، في: https://bit.ly/2FXdZlw

___________. "درب إلى المنفى"، الحوار المتمدن، 7/2/2014، شوهد في 11/12/2019، في: https://bit.ly/36louKw

_____________. "رسائل إلى سميرة 4"، أفكار، الجمهورية، 6/8/2017، شوهد في 17/1/2020، في: https://bit.ly/38i0J7o

_____________. "رسائل إلى سميرة 5"، أفكار، الجمهورية، 13/8/2017، شوهد في 12/12/2019، في: https://bit.ly/34dosmA

_____________. "رسائل إلى سميرة 5"، أفكار، الجمهورية، 13/8/2017، شوهد في 12/12/2019، في: https://bit.ly/34dosmA

_____________. "رسائل إلى سميرة"، الجمهورية، شوهد في 12/12/2019، في: https://bit.ly/38utheF

_____________. "سورية والعالمية الحربية الأولى"، أفكار، الجمهورية، 5/9/2018، شوهد في 17/1/2020، في: https://bit.ly/30wvsLl

___________. "عبد الباسط الساروت: مسار ثورة في مسار ثائر"، أفكار، الجمهورية، 18/7/2019، شوهد في 12/12/2019، في: https://bit.ly/2EbCE54

_____________. "عن منافي السورين، عن سوريا كمنفى"، حبر، 13/5/2019، شوهد في 11/12/2019، في: https://bit.ly/2YAUSX8

_____________. "في المنفى التركي: مفارقات وسوء تفاهم"، ورقة غير منشورة.

_____________. "في المنفى والوطن والعالم، والكتابة"، أفكار، الجمهورية، 19/12/2019، شوهد في 16/1/2020، في:  https://bit.ly/30p7Vvw

___________. "ما هي الثورة السورية"، أفكار، الجمهورية، 14/11/2019، شوهد في 17/1/2020، في: https://bit.ly/2RDUJPJ

___________. الثقافة كسياسة: المثقفون ومسؤوليتهم الاجتماعية في زمن الغليان، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2016.

___________. الثورة المستحيلة: الثورة، الحرب الأهلية، والحرب العامة في سوريّة، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2017.

___________. بالخلاص، يا شباب! 16 عامًا في السجون السورية، بيروت: دار الساقي، 2012.

سعيد، إدوارد. تأمُّلات حول المنفى ومقالات أخرى 1، ترجمة ثائر ديب. بيروت: دار الآداب، 2004.

السويحة، ياسين. "عام الخطف"، عيون، الجمهورية، 22/8/2019، شوهد في 15/12/2019، في: https://bit.ly/2YPYLr5

____________. "عام الخطف"، عيون، الجمهورية، 22/8/2019، شوهد في 15/12/2019، في: https://bit.ly/2YPYLr5

سيول الابن، وليم هـ.، "نظرية في البنية: الثنائية والفاعلية والتحول"، ترجمة ثائر ديب، عمران، المجلد 7، العدد 28 (2019).

مختار، سامر وياسين الحاج صالح. "ياسين الحاج صالح: ’نحن السوريين في موقع يتيح لنا النقد الجذري للعالم‘"، رصيف، 10/9/2016، شوهد في 17/1/2020، في: https://bit.ly/2NA9Eco

يونغ، مايكل وياسين الحاج صالح. "انتصار نظام الإبادة السياسية"، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 21/8/2017، شوهد في12/12/2019، في: https://bit.ly/2Pd84hQ

الأجنبية:

Ahmed, Sara. “Home and Away: Narratives of Migration and Estrangement.” International Journal of Cultural Studies 2, no. 3 (December 1, 1999): 329–47.

Ahmed, Sara, Claudia Castañeda, and Anne-Marie Fortie. Uprootings Regroundings: Questions of Home and Migration. 1st ed. Berg Publishers, 2004.

Çaglar, Ayse, and Nina Glick Schiller. Migrants and City-Making: Dispossession, Displacement, and Urban Regeneration. Durham: Duke University Press, 2018.

Clarke, John. “Conjunctures, Crises, and Cultures: Valuing Stuart Hall.” Focaal 70 (December 1, 2014): 113–22.

Emirbayer, Mustafa, and Ann Mische. “What Is Agency?” American Journal of Sociology 103, no. 4 (January 1, 1998): 962–1023.

Faist, Thomas. “Transnationalization in International Migration: Implications for the Study of Citizenship and Culture.” Ethnic and Racial Studies 23, no. 2 (January 1, 2000): 189–222.

Foucault, Michel. Society Must Be Defended: Lectures at the College de France, 1975-76. Picador, 2005.

Haugbolle, Sune. “Moving through the Interregnum: Yassin al-Haj Saleh in the Syrian Revolution.” Middle East Journal of Culture and Communication 8, no. 1 (2015): 13–36.

Ismail, Salwa. The Rule of Violence Subjectivity, Memory and Government in Syria. Cambridge, United Kingdom: Cambridge University Press, 2018.

Jackson, Michael. At Home in the World. Duke University Press, 2000.

Karatani, Rieko. “How History Separated Refugee and Migrant Regimes: In Search of Their Institutional Origins.” International Journal of Refugee Law 17, no. 3 (January 1, 2005): 517–41.

Koch, Anne, Annette Weber, and Isabelle Werenfels. “Profiteers of Migration? Authoritarian States in Africa and European Migration Management.” Research Paper. Berlin: German Institute for International and Security Affairs, July 2018.

Mabon, Simon. “Sovereignty, Bare Life and the Arab Uprisings.” Third World Quarterly 38, no. 8 (August 3, 2017): 1782–99.

Malkki, Liisa H. “Refugees and Exile: From ‘Refugee Studies’ to the National Order of Things.” Annual Review of Anthropology 24, no. 1 (October 1, 1995): 495–523.

Massouh, Firas. “Searching for Salvation: Yassin al-Haj Saleh and the Writing of Modern Syria.” MA, The University of Melbourne, 2015.

Miraftab, Faranak. “Displacement: Framing the Global Relationally.” Framing the Global: Entry Points for Research, January 1, 2014, 37–50.

Mitchell, Timothy. “The Limits of the State: Beyond Statist Approaches and Their Critics.” American Political Science Review 85, no. 1 (1991): 77–96.

Obeid, Michelle. “Home-Making in the Diaspora Bringing Palestine to London.” In A Companion to Diaspora and Transnationalism. Blackwell Publishers, 2013.

Rygiel, Feyzi Baban, Suzan Ilcan, Kim. “Playing Border Politics with Urban Syrian Refugees. Legal Ambiguities, Insecurities, and Humanitarian Assistance in Turkey.” movements. Journal for Critical Migration and Border Regime Studies 3, no. 2 (November 3, 2017).

Saleh, Yassin al-Haj. “Freedom: Home, Prison, Exile…and the World.” Translated by Rana Issa. Yassin al-Haj Saleh, April 3, 2017.

Schiller, Nina Glick, Ayşe Çağlar, and Thaddeus C. Guldbrandsen. “Beyond the Ethnic Lens: Locality, Globality, and Born-Again Incorporation.” American Ethnologist 33, no. 4 (2006): 612–33.

Turner, Joe. “(En)Gendering the Political: Citizenship from Marginal Spaces.” Citizenship Studies 20, no. 2 (February 17, 2016): 141–55.

Wimmer, Andreas, and Nina Glick Schiller. “Methodological Nationalism and beyond: Nation–State Building, Migration and the Social Sciences.” Global Networks 2, no. 4 (2002): 301–34.

مقالات متعلقة

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد