الثورة السوريّة بوصفها حدثًا


"لا يمكن القفز فوق حدث البدايات، في تقييمنا لما نتج لاحقًا؛ فكل ما حدث كان جزءًا من وعيد سلطةٍ بأن تهدَّ البلاد، ولا تدع حجرًا على حجرٍ؛ وقد نفذت السلطة وعيدها، في سياقٍ سياسيٍّ دوليٍّ سمح بذلك. وكان الحدث السوري، في بدايته، ثورةً شعبيةً، على سلطة مُذِلّةٍ فتحت في جدار الأبد فرصةً راهنةً للخلاص تم تفويتها" يكتب أحمد اليوسف ذلك ضمن مقالته في ملف ذكرى الثورة السوريّة العاشرة بعد أن يسرد أحداث وأسباب الثورة ويُعرّف الثورة السوريّة بصفتها حدثًا.

24 آذار 2021

أحمد اليوسف

باحث سوري مختص بالدراسات العربيّة الإسلاميّة، مقيم في كندا.

لم يسبق لحدثٍ سوريٍّ أن أثار جدالًا وسجالًا واسعًا كما فعلت ثورة 2011. وتبدو اختلافات السرد في تناول ما حدث، في كثيرٍ من الأحايين، جزءًا من الصراع، على مستوى الخطاب، بين من هم مع النظام وبين من هم مع الثائرين عليه. قد يتعلق الأمر، في شطرٍ كبيرٍ منه، بالصراع على الشرعية، شرعية النظام أو شرعية الثورة. ولا ننفي، طبعًا، إمكانية أن يكون تناول تلك الظاهرة/ الحدث، جزءًا من محاولة الفهم البعيدة عن التحيز. لكن محاولةً من هذا النوع تبقى صعبةً جدًّا وخصوصًا أننا جزءٌ من الحدث الذي لم يُنجز بعد. وقبل أن أدلو بدلوي في الإجابة عن أسئلةٍ من قبيل: "ماذا حدث فعلًا؟"، و"لماذا حدث؟"، أود أن أوضِّح معنىً كلمة "حدث" ودلالاتها المستخدمة في العنوان أعلاه.

الثورة ما بين حدثيّة الوقوع وحتميته

غالبًا ما تتم محاولة فهم الثورة السورية، بوصفها واقعةً تاريخيةً، عبر ردها إلى شروطها السياسية والاقتصادية السابقة عليها أو يتم فهمها، وكذلك محاكمتها، عبر ما انتهت إليه، أي وفق النتائج التي أفضت إليها. ونادرًا ما تم تناول الحدث ذاته، وتناول لحظة وقوعه. إن لحظة البدء، لحظة الوقوع، وما حملته من خطاب رُفع في الساحات العامة كمطالب جماهير، ومن سلوك رأت تلك الجماهير فيه سبيلًا لبلوغ الغاية، وآخر بوصفه استجابة أو ردًّا من قبل السلطة على ما رفعته وسلكته تلك الجماهير، يبدو مفصليًّا لأسبابٍ كثيرةٍ، منها، على سبيل المثال لا الحصر، أنّ كل الأسباب المذكورة، بوصفها شروطًا مقدمة لما حدث، من سياسية واقتصادية، كان يمكن أن تُقرأ على أنها أسباب غياب الثورة، وغياب الإرادة الشعبية. أي أن تلك الأسباب ذاتها تشرح استحالة الثورة لا إمكانيتها. حدوث الثورة كان مستبعدًا ومفاجئًا على الرغم من توفر كل الأسباب الوجيهة لذلك الحدوث. وليس من باب المجاز أن نقول إن حدوث الثورة جعل من الشروط السابقة أسبابًا ممهدةً؛ فلولا حدوثها لكانت تلك الشروط ذاتها شرحًا لأسباب غيابها. فوجود سلطةٍ دمويةٍ قد يكون سببًا للخنوع لها، كما قد يكون سببًا للانقلاب عليها. وغياب المجتمع المدني، واحتكار السلطة للمال، وجعلها من الفساد والإفساد نهج حكمٍ وتحكّمٍ، يشرح أسباب اليأس، وافتقاد المعنى، وانتشار الخوف المرافق بالخنوع، لا أسباب ثورة. لم تكن الثورة السورية، حقيقة، ضرورةً قبل وقوعها، إن لم نقل إنها لم تكن حتى ممكنةً. من هنا، فإن كلمة حدث تدل على فرادة الواقعة، وما تحمله من خواص كالصدفة والعفوية والمفاجأة والصدمة والزعزعة وخروجها عن المتوقع والمألوف والمخطّط له. وإننا اليوم نفكر في الحدث انطلاقًا منه، أي أن محاولة فهمنا له هي جزءٌ منه. إنه يحتوينا جميعًا على اختلافاتنا، فكلنا داخل الثورة/ الحدث، وهي فاعلةٌ فينا، ونحن فاعلين فيها، سواءٌ كنا ضدها أو معها.

في سرديّات الثورة السوريّة

15 آذار 2021
في مقدمة ملف الذكرى العاشرة للثورة السوريّة، يكتب د.حسام الدين درويش، المحرّر الضيف في حكاية ما انحكت، وهو مُعّد ومحرر هذا الملف، عن سرديات الثورة السوريّة ويستعرض المقالات التي سيتضمنها...

ينبغي ألا يُستنتج من كل ما قيل هنا أننا نفصِل بين ثورة شعبٍ، بوصفها حدثًا، وشروطها. فهذا الحدث ليس واقعًا في الغيب أو ظاهرةً معزولةً عن شروطها التاريخية. بالعكس، إنه اكتمالٌ مفاجئٌ لتراكماتٍ سابقةٍ. ولكن هذا الاكتمال ليس نتيجةً آليةً لما سبق، بقدر ما هو طفرةٌ مضافةٌ جاءت في غفلةٍ. إنها شرطٌ إضافيٌّ وُلِد في سياق ربيعٍ عربيٍّ، وليس مجرد نتيجةٍ لما تقدم. فحرق محمد البوعزيزي لنفسه هو حدثٌ إضافيٌّ فجَّر احتجاجاتٍ شعبيةً في تونس لم يكن متوقعًا لها أن تتحول إلى ثورةٍ تُسقِط نظام حكمٍ. إن رد فعل البوعزيزي غير المتوقع أدى إلى رد فعلٍ شعبيٍّ غير متوقعٍ أدى بدوره إلى ثورةٍ شعبيةٍ غير متوقعةٍ انتهت بسقوطٍ غير متوقعٍ لنظام الحكم.

 سلسلة اللا-متوقع هذه، وما أفضت إليه، قادت المصريين، بعدها، إلى خروجٍ سريعٍ مفاجئٍ ضد سلطتهم، فسقطت تلك السلطة حتى قبل أن تفهم ما حدث. إن المفاجأة لعبت هنا دورًا مفصليًّا، عبر خلقها للجدوى على مستوى ضمير الشعب، بعد عقودٍ من غيابها، فتحول اليأس فجأةً الى إيمانٍ صلبٍ بالتغيير، وبإرادة الشعوب، مقابل سطوة السلطة. وعلى الرغم من الاختلافات بين ثورات الربيع العربي وفرادة كل واحدةٍ منها، تبقى المفاجأة، وولادة الجدوى، وسقوط اليأس، أهم القواسم المشتركة فيما بينها، وهي قواسم وهبت معنىً لكل الأسباب السياسية والاقتصادية، الممهدة لثورة الشعب. وضمن هذا المعنى يمكننا الحديث عن أسباب الثورة.

الحدث على مستوى الخطاب

إن الثورة، بوصفها حدثًا، كانت، منذ البدء، صراع خطاباتٍ بين النظام والشعب. وأغلب الهتافات الشعبية كانت خطاب ردٍّ على خطاب النظام، عبر مهرجانات سخطٍ يختلط فيها شتم السلطة بتمجيد قيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية. وقدمت تلك المهرجانات، بصيغة المعاش والمعاناة، أسباب ثورتها ومطالبها معًا. فالمواجهات الأولى كانت بين حناجر تصدح بالحرية وبحب الوطن وسلطةٍ أفرطت بالعنف بأكثر أشكاله دمويةً وفجاجةً ووضوحًا، وكأنها تحاول أن تقنع الناس بجدية تهديداتها القائلة: "الأسد أو نحرق البلد". وخطاب الساحات العامة، ساحات المواجهة، كان واضحًا وصريحًا ومباشرًا، على عكس خطاب المنابر. فقد نزع النظام القشور الأيديولوجية وشعارات البعث بالوحدة والحرية والاشتراكية والعروبة ذات الرسالة الخالدة، وجاء يحمل هراوةً، ويدوس عسكره على أجساد الناس، وهم يصرخون: "بدك حرية! هي حرية". وما من لغةٍ يمكن أن تعبر عن ضيم الناس ومعاناتهم كلغة المعاناة ذاتها. وهكذا تكشف الشعارات عن أسباب الثورة، وعن طبيعة الثائرين، وعن الطبيعة التي انتهى إليها النظام، بعدما نزع أقنعته، وأعفى نفسه من لغة الأدلجة.

لا شك أن ثمة أسبابًا اقتصاديةً مهمةً خلف الحدث السوري، منها ما لعب دورًا تهميشيًّا لشرائح واسعةٍ من الشعب، وخصوصًا من كانت حياتهم معتمدةً على الزراعة.

لم تكن مطالب الناس اقتصاديةً، بل كان جلّها سياسيًّا، ويتمحور حول قيمٍ أساسيةٍ بديهيةٍ ووجوديةٍ من حريةٍ وكرامةٍ. وتستحق تلك الشعارات أن تكون موضوع دراسةٍ نفسيةٍ لفهم وعي الشعوب، عبر تحليل لغة سخطها. كيف يمكن أن تفهم لغة شعبٍ مقموعٍ مكبوتٍ مقهورٍ، لدرجة أنه يصرخ في مواجهة الموت أمام بنادق القناصة كلمةً واحدةً (حرية)، في تكرارٍ سريعٍ، وكأنه يحاول أن يقول ذاته قبل موته؟ وسبَّبت لغة الصراحة والوضوح حرجًا لكل من حاول الدفاع عن نظام شلح سترة الخطابات والأقنعة، وأصبح يكتب على الجدران تهديدات الحرق، مختصرًا البلاد كلها برأس السلطة. وأصبحت الموالاة تهتف، علنًا ودونما حرجٍ، لرئيس يخطب بهم في دار الأوبرا ﺑـ(شبيحة للأبد، لأجل عيونك يا أسد). وقد استخدم الناس في احتجاجاتهم الأولى قيمة الكرامة بصيغة الإيجاب وبصيغة السلب. وأول شعارٍ رُفع في أول مظاهرة كان: "الشعب السوري ما بينذل"، لتتبعه شعاراتٌ أخرى لاحقةٌ من نوع "الموت ولا المذلة".  

أسباب الحدث

لا شك أن ثمة أسبابًا اقتصاديةً مهمةً خلف الحدث السوري، منها ما لعب دورًا تهميشيًّا لشرائح واسعةٍ من الشعب، وخصوصًا من كانت حياتهم معتمدةً على الزراعة. فقد تعرضت الزراعة بين عامي 2006-2009 إلى أسوأ موجة جفافٍ مرت بها البلاد منذ عقودٍ طويلةٍ؛ وترافق ذلك مع عملية رفع الدعم الذي كانت تقدمه الدولة للمزارعين، كرفع الدعم عن المشتقات النفطية، عمومًا، وعن المازوت (الديزل) خصوصًا؛ مما ألحق أضرارًا كبيرةً بالقطاع الزراعي، وبالمشتغلين فيه(1)، وأفضى ذلك بالنتيجة إلى هجرة الكثير من السكان بحثاً عن لقمة العيش. وقد تراوحت نسبة الهجرة في القرى المنكوبة بين 50-75%(2). وأدى ذلك إلى انخفاض عدد المنخرطين في القطاع الزراعي من 1.4 مليون شخص إلى حوالي 800 ألف، في أثناء الفترة من 2002 إلى 2008، أي بنسبة 44%(3). وأدى ذلك إلى زيادة أعداد الفقراء وتدهور أوضاعهم المعيشية بشدةٍ، فأصبح أكثر من 7 ملايين شخص، أي نسبة 34.3% من سكان سوريا، تحت خط الفقر. وبالنسبة إلى البطالة، تشير الدراسات غير الرسمية إلى أنَّ معدل البطالة في سنة 2009 تجاوز 16.2%، يمثلون 3.4 ملايين عاطل عن العمل(4). كما تدهورت نوعية رعاية الخدمات الصحية، وقامت الحكومة بتطبيق برنامج تحويل جزءٍ من خدمات المشافي العامة إلى خدماتٍ صحيةٍ مدفوعةٍ، مما أدى إلى تدهور الخدمات الصحية للفئات غير القادرة على الدفع(5).

التباس الثورة السوريّة

16 آذار 2021
في مقالته ضمن ملف الذكرى العاشرة للثورة السوريّة يكتب موريس عايق عن التباسات الثورة المتعددة فيقول إنّ الثورة السوريّة كانت مثار التباس عميق لدى العديد من الفئات الاجتماعيّة والتيارات السياسيّة...

وهكذا اجتمعت عدة عوامل وظروفٍ أدت إلى الحدث السوري، منها ارتفاع مستوى المهانة، وفقدان أفق الخلاص، وشيوع اليأس والتهميش الاجتماعي، وازدياد مشاعر العجز والازدراء والنبذ والاستبعاد، وتحوُّل اقتصاد البلاد إلى اقتصادٍ هشٍّ ينخره الفساد، مدارٍ بطريقةٍ سيئةٍ من قبل نظامٍ استبداديٍّ نكّارٍ نشالٍ أفرغ البلاد من ثرواتها المادية، وجعلها، وفق تعبير الكاتب البريطاني آلن جورج، "بلا خبز ولا حرية"؛ وعزَّز قيم الفساد والخواء الأخلاقي، وجعل من قيم الحداثة والمواطنة وسيادة القانون قيمًا مخوِّنةً، يحرَّم التفكير فيها. ومن المفيد التفصيل، في هذا السياق، في تناولنا لمشاعر الهوان والمذلة وافتقاد الكرامة، لأنه يجعلنا نفهم طبيعة التحدي الذي فرضه ذلك النظام المتعالي على إرادة شعبه، من جهةٍ، وطبيعة الاستجابة التي اضطرت تلك الشعوب إلى القيام بها، من جهةٍ أخرى. والسؤال هنا هو: لماذا خرج الناس إلى الساحات العامة، بدل اللجوء إلى مؤسسات الدولة؟ للحقيقة، يبدو مثل هذا السؤال، للعارفين بالشأن السوري، ساذجًا، لأسبابٍ كثيرةٍ، منها أن النظام القائم قد ألغى الدولة ومؤسساتها ونقاباتها ومجتمعها المدني بكل تفصيلاته، وألغى معها السياسة، وفرَّغ الوطنية السورية من رموزها، جاعلًا من شخص الحاكم الرمز الأوحد. والتفريغ الرمزي كان أخطر أشكال هدم الدولة، حيث أدى ذلك إلى هدم الروابط الجامعة للشعب ذاته، فما من دولةٍ يمكن أن تقوم بدون رموزٍ وطنيةٍ جامعةٍ. وعلى مستوى الثقافة، والتي يفترض لها أن تكون فضاءً ومنبرًا يناقش فيهما قضايا الكرامة والشرعية والحريات، نجد أن نظام القهر قد طوَّعها وأحالها إلى أداةٍ لنشر ما يسميه أركون بـ"الجهل الرسمي المعمم على الشعب مؤسساتيًّا من قبل السلطات التعسفية."(6) ونصَّب النظام نفسه حارسًا أمنيًّا على البرامج التعليمية، وحوَّلها إلى وسائل لتأبيد الجهل والخنوع، ولكسر روح المواطن، وربط ولائه للسلطة الحاكمة. لقد كانت مناهج التعليم عملية تربيةٍ للشعب، بالمعنى التأديبي. وتم ربط ذلك كله بمشروع تأبيدٍ السلطة الحاكمة. وقد يشرح لنا هذا لماذا خرجت الناس من ساحاتٍ عامةٍ، ومن المساجد، بدل خروجها من الجامعات. إن الجامعات ومنابر الثقافة كلها كانت جزءًا بنيويًّا من سلطة التأديب الأمنية.

بداية الحدث كانت عبر قيام مجموعةٍ من الأطفال بكتابة جملةٍ على جدار المدرسة تقول: "جاك الدور يا دكتور"؛ تلاها عملية اعتقال السلطة الأمنية في درعا لهؤلاء الأطفال.

أدت هيمنة النظام الاستبدادي المعادي للدولة، للأمة، وللقيم الإنسانية، وتأبيده كسلطةٍ مقدسةٍ فوق التاريخ، وفوق الأمة، وفوق القانون، إلى غياب احترام كرامة الإنسان، بوصفه مواطنًا في دولةٍ، وغياب دولة الحق والقانون التي ينبغي لها حماية المجتمع المدني الذي يرعى الفضاء المفتوح لمواطنيه، ويحدد حقوقهم وواجباتهم. وأدى هذا كله إلى غليانٍ مخفيٍّ تَحوَّل في لحظةٍ غير متوقعةٍ إلى انفجارٍ شعبيٍّ على شكل ثورةٍ رفعت شعار "الموت ولا المذلة".

ما الذي حدث؟

يعتبر هذا السؤال جوهريًّا في سردية الحدث السوري. فعلى أساس الإجابة عنه، يتم تقييم ما قد تلا ذلك من نتائج أقل ما يقال فيها إنها فاجعةٌ. وعلى الرغم من أن النتائج محتومة بأسبابها، نجد من تغويه فكرة تقويم الأسباب ذاتها عبر نتائجها. 

بداية الحدث كانت عبر قيام مجموعةٍ من الأطفال بكتابة جملةٍ على جدار المدرسة تقول: "جاك الدور يا دكتور"؛ تلاها عملية اعتقال السلطة الأمنية في درعا لهؤلاء الأطفال. فشل الأهالي في إخراج أطفالهم من المعتقلات مما قادهم إلى التظاهر لاحقًا. ثمة اختلافٌ حول البداية، إن كانت مظاهرةٍ الخامس عشر من آذار في دمشق، أم في الثامن عشر من الشهر نفسه في درعا. ردّ النظام على الاحتجاجات بما هو متوقعٌ منه، عبر إطلاق النار الحيّ على المتظاهرين، وإراقة الدماء في الشوارع، والدوس على أجساد الناس في الساحات العامة. وحدث أن فرَّغ عسكر النظام بلدةً كاملةً، اسمها البيضا، من أهلها، وراحوا يدوسون عليهم في مشهد يختصر العلاقة بين الشعب والسلطة. وهزت تلك المشاهد الضمير السوري، فامتدت المظاهرات إلى شرق البلاد وغربها وجنوبها وشمالها. 

لا يمكن القفز فوق حدث البدايات، في تقييمنا لما نتج لاحقًا؛ فكل ما حدث كان جزءًا من وعيد سلطةٍ بأن تهدَّ البلاد، ولا تدع حجرًا على حجرٍ؛ وقد نفذت السلطة وعيدها، في سياقٍ سياسيٍّ دوليٍّ سمح بذلك.

في مقابل شعارات الحرية، كشعار "الله سوريا حرية وبس"، أنزل النظام مؤيديه ليرفعوا شعاراتٍ من نوع "الله سوريا بشار وبس"، "الأسد أو نحرق البلد". وكانت البدايات تضج بالمهرجانات الغنائية، حيث كانت الثورة حناجر وأصوات، وكان النظام بنادق وقناصةً. كان هناك الكثير من القبح، من الدم والمجازر، والكثير من الجمال، في الوقت نفسه. وبدت سوريا وكأنها ارتدت إلى شعبها بعد أبدياتٍ من التغييب. ودامت المظاهرات الشعبية أشهرًا طويلةً، وهي تواجه الموت، دونما رادعٍ لسلطة القتل. وتحول الموت السوري إلى فظائع تنكيلٍ شملت ذبح الأطفال، وقتل الجرحى بالمشافي، وافتعال مجازر بالكيماوي، واغتصاب النساء. وكشفت الشبكة الأوروبية-المتوسطية لحقوق الإنسان عن أرقامٍ مذهلةٍ لحالات الاغتصاب، حيث إن ما يقارب الستة آلاف امرأة قد تعرضت للاغتصاب، بالإضافة إلى استخدامهن مع أطفالهن كدروعٍ بشريةٍ، وتعرضهن للتعذيب أثناء اعتقالهن(7). وقد تمّ استهداف المدارس أيضًا، بوصفها ملجأً للخارجين عن سلطة النظام؛ وتم تدمير أكثر من 450 مدرسةً تمامًا، يقع أغلبها في حمص وريف دمشق وحلب، كما تعرّضت أكثر من 3423 مدرسةٍ لتدميرٍ جزئيٍّ(8). وارتفعت وتيرة القتل تدريجيًّا، وارتفع معها عدد الجرحى؛ فأخذ الناس ينزحون من أماكن التدمير إلى أماكن أكثر أمنًا. وبلغ عدد النازحين داخل البلاد نفسها، سنة 2013، أكثر من 4.25 مليون مواطن(9). وقد ترافق ذلك مع حركة نزوحٍ خارجيةٍ أغلبها إلى دول الجوار. وفي سنة 2013 تعدّى عدد الضحايا المئة ألف قتيلٍ، إذ وصل، وفقًا لوكالة رويترز، في شهر ديسمبر، إلى 125,835 قتيلًا(10)، وأعلنت المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أنها أوقفت عمليات حصر قتلى الحرب في سوريا حتى إشعارٍ آخر، وذلك بسبب كثرة الضحايا. وكانت آخر إحصائيةٍ قدمتها المفوضية تعود إلى شهر يوليو/تموز 2013. ويقدر عدد الجرحى بثلاثة إلى أربعة أضعاف عدد القتلى(11)، حيث تقدر الهيئة الطبية التابعة للائتلاف الوطني السوري عدد القتلى بنصف مليون شخصٍ(12)، كما ازدادت عمليات القتل والاعتقال والتعذيب الممنهج لآلاف الاشخاص(13) وتدمير البيوت.

ماذا حصل منذ عشر سنوات في سوريا؟

22 آذار 2021
تكتب ناهد بدر في مقالتها ضمن ملف “الذكرى العاشرة للثورة السوريّة” عن تصادم الشعارات في الثورة وعن السوريون في الطرف الآخر، محاولة البحث عن الأجوبة المتعلقة بسوريا والسوريين بهدف مقاربة...

تحولت سوريا إلى مجرد ورقةٍ في صراعات دوليةٍ وإقليميةٍ تتزاحم وتتسابق على احتلال بلدٍ تم تفريغه من دواخله عبر تهجير الشعب واعتقال ضمائره ممن باتوا يعرفون بمعتقلي الرأي. وأُفرِج عن إسلامياتٍ جهاديةٍ كانت مخبأةً في سجون النظام، لتبدأ سلسلةً من صراعات ملء الوقت عنفًا في زمن الركود السياسي على المستوى الإقليمي، وليتم لاحقًا تصدير جهادياتٍ داعشيةٍ من العراق، رافقتها جهادياتٌ شيعيةٌ. وغابت صيغ الحل لدى المعارضات السورية التي يعود أغلبها إلى ما قبل الثورة في زمن الأبد، وإلى حقبة الإيديولوجيات فوق الوطنية، من يسارياتٍ تؤمن بولاءٍ لمنظومةٍ دفنها التاريخ، وأخرى إسلاميةٌ تؤمن بأبديةٍ مدفونةٍ في الغيب. وللحقيقة، صادرت الظروف الدولية على ولادة أي معارضةٍ وطنيةٍ، أي أنها أكملت شروطًا فرضها نظام الأسد. ومع ذلك، لا يمكن لتلك الظروف أن تعفيها من مسؤولية ما حدث من تخبطٍ وإطالةٍ للمحنة.  

لا يمكن القفز فوق حدث البدايات، في تقييمنا لما نتج لاحقًا؛ فكل ما حدث كان جزءًا من وعيد سلطةٍ بأن تهدَّ البلاد، ولا تدع حجرًا على حجرٍ؛ وقد نفذت السلطة وعيدها، في سياقٍ سياسيٍّ دوليٍّ سمح بذلك. وكان الحدث السوري، في بدايته، ثورةً شعبيةً، على سلطة مُذِلّةٍ فتحت في جدار الأبد فرصةً راهنةً للخلاص تم تفويتها؛ وفشلت النخب المعارضة في تحويل ثورةٍ من أجل الكرامة إلى نضالٍ سياسيٍّ لأجل الديمقراطية، وبناء نظامٍ بديلٍ يقوم على سيادة القانون، ويربط مطلب الكرامة لدى الشعب الثائر على الاستبداد ونظام الذل بمطلب الديمقراطية ودولة المواطنة.

 

الهوامش

(1) محمد جمال باروت، العقد الاخير في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصلاح (3ـ5)، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2011)، ص43.
(2) المصدر السابق، ص 44.
(3) المصدر السابق (5ـ5ـ4)، ص 4.
(4) المصدر السابق (1ـ5)، ص 12.
(5) سمير سعيفان وآخرون، خلفيات الثورة: دراسات سورية، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص 129.
(6) محمّد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السّياقات الإسلاميّة، ترجمة هاشم صالح، (بيروت: دار السّاقي، 2001)، ص 34-35.
(7) سيما ناصر وآخرون، "العنف تجاه النساء جرح مفتوح في النزاع السوري"، (كوبنهاغن: الشبكة الأوروبية-المتوسطية لحقوق الإنسان، نوفمبر 2013)، ص11. http://www.euromedrights.org/ara/wp-content/uploads/2013/11/Report-VAW-Syria_FINAL_AR.pdf
(8)  هيومن رايتس ووتش، لم تعد أمنة، الاعتداءات على الطلاب والمدارس في سورية، يونيو/حزيران 2013، ص 13. http://www.hrw.org/sites/default/files/reports/syria0613ar_ForUpload.pdf 
(9)  C. Quosh, L. Eloul and R. Ajlani, ‘Mental health of refugees and displaced persons in Syria and surrounding countries: a systematic review’, 11:3 Intervention, (2013), 276-294, at 276.
(10)  E. Solomon, ‘Syria death toll hits nearly 126,000: monitoring group’, Reuters, December 2, 2013, available online at http://www.reuters.com/article/2013/12/02/us-syria-crisis-toll-idUSBRE9B10ES20131202.
(11)  A. H. Cordesman, ‘The Human cost of the Syrian Civil War’, Center for Strategic & International Studies, September 3, 2013, available online at http://csis.org/publication/human-cost-syrian-civil-war.
(12)  موقع الجزيرة، أطراف صناعية لجرحى سوريا المحظوظين، الأحد 23/6/2013. http://aljazeera.net/news/pages/29895feb-3e85-4782-aa2d-d8193c0ac2ef 
(13) CNN, ‘Syria’s alleged "Killing machine"’,  available online at https://www.cnn.com/videos/world/2014/01/20/amanpour-syrian-war-torture-a.cnn

مقالات متعلقة

الثورة والصراع على السرد

18 آذار 2021
ضمن مقالته في ملف الذكرى العاشرة للثورة السوريّة يكتب معتز الخطيب عن سرديات الثورة السوريّة المختلفة ويصنفها في فئات مختلفة ذاكرًا أهمية هذه السرديّات ونقاط الاختلاف فيما بينها.
مقاربة أوليّة لسردياتنا حول الانفجار السوريّ

19 آذار 2021
"تبقى السردية المأمولة هي السردية غير المحكومة برؤانا الذاتية ومواقفنا السياسية، السردية التي تكون رهينة منطق التاريخ وعقلانيته ومساراته وتحولاته وحصائله" يكتب حازم نهار ضمن مقالته في ملف الذكرى العاشرة...
الوطنيّة "الممكنة": هل كانت هزيمة الثورة السوريّة محتومة؟

23 آذار 2021
"إنّ تلك الوقائع معروفة ويمكن التحقّق منها بسهولة عبر الأرشيف الصحفي، لكن قراءة تلك الوقائع ووضعها في سياق قصة متكاملة، أو ما نسميه فعل "السرد"، هو ما يبقى مثار جدل...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد