الحكاية السوريّة: من الوحدة إلى التشظي

هل يمكن جمع مفرداتها من جديد؟


مع انكشاف كذبة الإصلاح عبر المراهنة على رأس النظام الذي توّسع عنفه وتمدّد طردًا مع توّسع الاحتجاجات وتمدّدها معتمدًا الحل الأمني نهجًا له، ومع بدء دخول القوى الخارجيّة على الخط (تلك التي مع النظام وتلك التي مع المعارضة) بدأت تظهر سرديّتان/ رؤيتان/ حكايتان، انقسم حولهما الطيف السوري المعارض والمطالب بالتغيير، ونعني بهما: التسليح والسلميّة.

12 نيسان 2021

محمد ديبو

رئيس تحرير موقع حكاية ما انحكت (النسخة العربية). باحث وشاعر سوري. آخر أعماله: كمن يشهد موته (بيت المواطن، ٢٠١٤)، خطأ انتخابي (دار الساقي، ٢٠٠٨). له أبحاث في الاقتصاد والطائفية وغيرها.

يتحدث الكاتب، يوفال نوح حراري، في كتابه "العاقل" عن قدرة "الخيال/ الحكاية" على فعل المستحيل حين يؤمن بها الناس، إذ يحوّل إيماننا بأيّ شيء (سواء كان وطنًا أو حجرًا أو دينًا أو فكرةً أو قومية) إلى "حقيقة" أكثر قوة وحضور مما نراه ونلمسه بأيدينا من حقائق، فمثلًا، من يجادل اليوم بحقيقة القومية أو الدين أو الدولار أو البنك أو القانون؟ كلّها أمور رمزيّة ومتخيلة ولكن إيماننا الجمعي بها حوّلها إلى حقيقة، وستبقى كذلك إلى أن يهتز إيماننا بها، فتعود وتتحول إلى سراب، وهذا أمر ممكن إذا نظرنا إلى التاريخ ضمن مدته الطويلة والموغلة في القدم والزمن.

هذه المقدمة، أو الفكرة، تصلح لمناقشة ما بات يعرف في الأدبيّات السوريّة "البديل السياسي الديمقراطي" عن نظام الاستبداد، هذا البديل الذي عجزنا جميعًا عن بنائه وتقديمه لأنفسنا أولًا وللمجتمع الدولي ثانيًا، ليكون مساعدًا لنا في إزاحة نظام الاستبداد وبديلًا عنه. قد يجادل البعض أيضًا بأنّ المناخات الدوليّة والإقليميّة السائدة، لم تكن تسمح بإسقاط النظام حتى لو تشكّل هذا البديل المعنيّ هنا، ودليل ذلك، هو رحيل عدد من المستبدين الطغاة دون تبلور البديل أو نضجه إلا بعد رحيل المستبدين، وهو أمر يمكن للمرء أن يناقشه كثيرًا، من حيث الاختلاف القائم بين بلد وآخر، خاصة لجهة قوة حضور المجتمع المدني والمعارضة الداخلية في بلدين مثل تونس ومصر وقوة المجتمع القبلي وتحالفاته في بلد مثل اليمن، فيما تكاد ليبيا تكون حالة قريبة من سوريا لجهة سيادة التصحّر السياسي الذي فرضة النظام الاستبدادي في البلدين. 

التباس الثورة السوريّة

16 آذار 2021
في مقالته ضمن ملف الذكرى العاشرة للثورة السوريّة يكتب موريس عايق عن التباسات الثورة المتعددة فيقول إنّ الثورة السوريّة كانت مثار التباس عميق لدى العديد من الفئات الاجتماعيّة والتيارات السياسيّة...

في العموم، لن يناقش هذا المقال، الآثار الإقليميّة والدوليّة وأثرها على الداخل السوري إلا بقدر يقتضيه الأمر، بل سيُركز على قراءة أسباب غياب الحكاية السوريّة الجامعة، وبالتالي غياب البديل والآثار التي ترتبت على غيابه داخليًا وخارجيًا.

حكاية واحدة وجامعة لزمن قصير

في بداية الثورة، وخصوصًا في عام 2011، انقسم السوريون ونخبهم بين من يرى أن الأولويّة تكمن في إسقاط النظام ومن ثمّ نسعى لإيجاد البديل، ومن رأى أنّه لا يمكن لمهمة إسقاط النظام أن تحصل قبل صناعة البديل السوري أو اختراعه، ولو بقوة الأمل. فإذا أخذنا بأهميّة دور الحكاية/ الخيال وفق قول "حراري"، فإنّ عدم قدرة النخب السوريّة على اختراع حكاية/ سرديّة يلتف حولها السوريون بعد اندلاع الثورة، ساهمت ولعبت دورًا في تأخر عملية سقوط النظام السوري، لأنّها ساهمت في تشرذم السوريين وتبعثر قواهم في حكايات/ سرديات متعددة ومتشظيّة بعيدًا عن حكاية مركزيّة ثابتة تجمع أكبر قدر منهم لتشكل حكاية قابلة للبناء عليها وتشكيل بديل محتمل. ولكن كيف حصل هذا؟ ومتى؟

عوامل جديدة بدأت بكسر السرديّة المركزيّة تدريجيًا بما ساهم في "تشظيّة" الإجماع حول الحكاية السوريّة التي ستبدأ منذ تلك اللحظة بالتشظي إلى حكايات متعددة.

يكاد يتفق أغلب الخبراء والخبيرات والفاعلين والفاعلات المختصين/ات في الشأن السوري أنّ الأشهر الأولى للثورة السوريّة شكّلت إجماعًا شبه كامل بين المؤيدين والمنخرطين في أنشطة الثورة السوريّة، وأولئك الذين ظلّوا على الحياد مترقبين الأحداث ووجهتها، نظرًا لأنّ مفرداتها وشعاراتها ومظاهراتها ونشاطاتها قدّمت، أو شكّلت، معالم "حكاية" يتفق حولها الكثيرون والكثيرات، والمتمثلة مفرداتها بالتخلص من الاستبداد ومكافحة الفساد وتحقيق الإصلاحات الجذريّة والحقيقيّة عبر المراهنة على رأس النظام (هذا حصل تقريبًا بين شهري آذار وحزيران 2011).

شكّل ما سبق معالم سرديّة واضحة المعالم، يتحد حولها أغلب المنخرطين/ات في نشاطات الثورة، وهذا ما كان يمكن أن يشكل أساسًا ليُبنى عليه البديل السوري المفترض، أي أن تعمل القوى السياسيّة على وضع هذه الشعارات في إطار خطة عمل والتفاوض حولها مع الدكتاتوريّة، لإيجاد طريق آمن وسلس نحو التغيير، وهو ما حاولت فعله تلك القوى (مؤتمر سميراميس، المخاضات المهيّأة لتشكل هيئة التنسيق الوطنيّة)، لولا دخول عوامل جديدة بدأت بكسر السرديّة المركزيّة تدريجيًا بما ساهم في "تشظيّة" الإجماع حول الحكاية السوريّة التي ستبدأ منذ تلك اللحظة بالتشظي إلى حكايات متعددة.

الثورة والصراع على السرد

18 آذار 2021
ضمن مقالته في ملف الذكرى العاشرة للثورة السوريّة يكتب معتز الخطيب عن سرديات الثورة السوريّة المختلفة ويصنفها في فئات مختلفة ذاكرًا أهمية هذه السرديّات ونقاط الاختلاف فيما بينها.

لكن، وقبل الانتقال إلى لحظة التشظّي تلك، لا بد من الانتباه إلى أنّه في الوقت الذي حافظت فيه الثورة على حكاية/ سرديّة تلقى إجماعًا واسعًا، تعرّضت سرديّة النظام للتشظي والارتباك خلال هذه الأشهر، وبدت ضائعة بين المؤامرة وضرورة الإصلاح والمطالب العادلة للمنتفضين والمنتفضات والإمارات السلفيّة، بما يعني أنّ النظام لم يكن يمتلك حكايته القابلة للإقناع في حين امتلكت قوى التغيير حكايتها وسرديتها الجامعة.

تشظي الحكاية السوريّة

مع انكشاف كذبة الإصلاح عبر المراهنة على رأس النظام الذي توّسع عنفه وتمدّد طردًا مع توّسع الاحتجاجات وتمدّدها معتمدًا الحل الأمني نهجًا له، ومع بدء دخول القوى الخارجيّة على الخط (تلك التي مع النظام وتلك التي مع المعارضة) بدأت تظهر سرديّتان/ رؤيتان/ حكايتان، انقسم حولهما الطيف السوري المعارض والمطالب بالتغيير، ونعني بهما: التسليح والسلميّة.

السرديّة التي قالت بإسقاط النظام فورًا والآن والذهاب إلى السلاح، أطلقت جدلًا بين أصحاب الحكاية التي كانت واحدة حتى الآن، مع من يقول بتغيير النظام بدلًا من إسقاطه لأنّ محصلة القوى القائمة اليوم (داخلًا وخارجًا) لا تسمح بذلك. وعلى موازاة هذه الحكاية، ظهرت سرديّة/ حكاية أخرى تقول بعجز المظاهرات والحراك السلمي وحده عن إسقاط النظام ولهذا لا بدّ من السلاح، لينقسم أصحاب السرديّة/ الحكاية الموحدة نحو أربع حكايات/ سرديّة تقريبًا، ولكلّ منها أنصارها ورؤاها.

دون الإيمان بحكاية مركزيّة تشكّل إجماع أكبر قدر ممكن من السوريين لا يمكن للقطار السوري أن ينطلق، وسيبقى مجرد حديث نخب معزولة تضع حلولها المبنيّة على أوهامها بعيدًا عن الشارع السوري المتشظّي

ثمّ عاد وانقسم أصحاب سرديّة السلاح وإسقاط النظام نحو مسألة التحالف مع الإسلاميين ثم عادوا وانقسموا حول مسألة مع أيّ إسلاميين نتحالف؟ وهل أحرار الشام وجيش الإسلام وجبهة النصرة إسلام معتدل يمكن التحالف معه أو لا؟ هل يمكن الاستفادة من هذا التحالف تكتيكيًا وعسكريًا في المعركة ضدّ نظام الاستبداد بعيدًا عن الجانب العقائدي الحاكم لعقول أنصار ومناصرات هذه الحركات؟

إلى جانب هذه السرديّات المختلف حولها بشدّة بين أنصار الصف الواحد، بدأت أيضًا تظهر سرديّات تتعلق بالموقف من الأقليّات الدينيّة والإثنيّة (الأكراد...)، والموقف من الريف والمدينة (حلب ودمشق) والتحالف مع الإسلام السياسي والموقف من القوى الداعمة للثورة... وهكذا مع كلّ انقسام واختلاف في الرؤى، كان يتناقص عدد المؤمنين بسرديّة/ حكاية واحدة يمكن أن تشكل إجماعًا عامًا للسوريين، بحيث يمكن البناء عليها وطنيًا لتشكل سرديّة/ حكاية وطنيّة يمكن أن نبني على قماشتها البديل المحتمل لسوريا جديدة، وذلك في الوقت الذي حافظ فيه النظام بعد أن خرج من ارتباكه خلال الأشهر الأولى على سرديّة محاربة الإرهاب والمؤامرة واستهداف محور "المقاومة والممانعة".

الثورة السوريّة بوصفها حدثًا

24 آذار 2021
"لا يمكن القفز فوق حدث البدايات، في تقييمنا لما نتج لاحقًا؛ فكل ما حدث كان جزءًا من وعيد سلطةٍ بأن تهدَّ البلاد، ولا تدع حجرًا على حجرٍ؛ وقد نفذت السلطة...

هكذا انتقلنا خلال عشر سنوات، من سرديّة/ حكاية موحدة للثورة وارتباك في سرديّة/ حكاية النظام إلى سرديّة موحدة للنظام مقابل تشظّي سرديّة/ حكاية الثورة إلى سرديّات متعددة، الأمر الذي أصبح من المتعذر معه جمع أكبر قدر ممكن من السوريين حول حكاية واحدة، فوصل الجميع إلى الحائط المسدود الذي نقف أمامه اليوم كسوريين.

لهذا، إذا أردنا اليوم أن نبدأ البناء من جديد والاستفادة من الأخطاء، وهي رغبة يلمسها ويدرك الحاجة لها معظمنا، فيتوجب على القوى والنخب والفاعلين والفاعلات، أن يبدؤوا عملية خياطة السجّادة السوريّة من خيوط الحكايات/ السجاجيد المتناثرة والمُمزّقة، عبر قراءة كلّ هذا الاختلاف والتشظّي واللقاء مع كافة أصحاب وممثلي الحكايات والسرديّات السابقة التي تشظّت عن الحكاية الأم والعمل على إمساك الخيوط التي تجمعها لإعادة نسجها في حكاية مركزيّة يتم إعادة تقديمها للسوريين كي "يؤمنوا بها"، ويجري العمل على وضع خطة عمل واحدة.

يجب أن يتم البدء من الأسفل إلى أعلى، أي أن نذهب إلى كافة أصحاب هذه الحكايات والسرديّات، مهما بلغت من الصغر والاستماع إليّها، لنعرف في النهاية ما الذي يجمع هذه الحكاية مع أصحاب الحكايات الأخرى، لنشكل حكاية سوريّة جديدة.

دون الإيمان بحكاية مركزيّة تشكّل إجماع أكبر قدر ممكن من السوريين لا يمكن للقطار السوري أن ينطلق، وسيبقى مجرد حديث نخب معزولة تضع حلولها المبنيّة على أوهامها بعيدًا عن الشارع السوري المتشظّي اليوم عبر جغرافيّات متعددة ومتنوعة داخلًا وخارجًا، بما يجعل مهمة الاستماع لحكاياته المتعددة ولملمتها في حكاية واحدة مسألة بالغة الصعوبة. هنا يكمن التحدي الصعب، ولكن من قال أن طريق التغيير سهل! المهم أن نبدأ.

مقالات متعلقة

ماذا حصل منذ عشر سنوات في سوريا؟

22 آذار 2021
تكتب ناهد بدر في مقالتها ضمن ملف “الذكرى العاشرة للثورة السوريّة” عن تصادم الشعارات في الثورة وعن السوريون في الطرف الآخر، محاولة البحث عن الأجوبة المتعلقة بسوريا والسوريين بهدف مقاربة...
مقاربة أوليّة لسردياتنا حول الانفجار السوريّ

19 آذار 2021
"تبقى السردية المأمولة هي السردية غير المحكومة برؤانا الذاتية ومواقفنا السياسية، السردية التي تكون رهينة منطق التاريخ وعقلانيته ومساراته وتحولاته وحصائله" يكتب حازم نهار ضمن مقالته في ملف الذكرى العاشرة...
جدليّة الثورة والحرب الأهليّة وإشكاليّة الكيان الوطني نفسه في سوريا

26 آذار 2021
يحلّل الكاتب والباحث وسام سعادة ضمن مقالته في ملف الذكرى العاشرة للثورة السوريّة هذه الثورة وأسبابها ويقارنها بغيرها من الثورات، ويقول في متن مقالته إنّ الثورة السوريّة "كانت ثورة يمكن...
الحدث السوري بوصفه ثورة سياسيّة

25 آذار 2021
ضمن مقالته في ملف الذكرى العاشرة للثورة السوريّة يكتب الكاتب المغربي لحسن أوزين عن الأسئلة التي فرضتها الثورة بوصفها جزءًا ضروريًا من أي مراجعة نقديّة لكلّ المقاربات السرديّة التي حاولت...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد