بعد أشهر من الزلزال.. نجونا مع ندبات قاسية


"ربما تَمسّكُ ابنتي بي وخَنقي من شدّة خوفها، ثبتَ جذوري لأقاوم وأصمد قليلاً أمام اهتزاز الكون حولي، وصراخ الأرض التي أفرغت كلَّ ما عندها من ضغينة لمن يعيشون فوقها" هذا ما يقوله الكاتب والصحفي حسن عارفة في شهادته عن خمسة وسبعين ثانية هي مدّة الزلزال الأول الذي ضرب سورية وتركيا في السادس من شباط/ فبراير ٢٠٢٣، حيث وجد نفسه "حدثاً، بعد سنوات من اعتيادي على معالجة ونقل الأحداث كصحفي، فماتت غريزتي الصحفية مؤقتاً، في سبيل النجاة وإنقاذ من أحب".

18 آب 2023

(تصميم الفنانة ديمة نشاوي/ خاص حكاية ما انحكت)
حسن عارفة

صحافي سوري مستقل، وخريج كلية الإعلام بجامعة دمشق. عمل في الصحافة منذ عام 2008 ينشر في العديد من المواقع والصحف العربيّة والعالميّة.

(هذا المقال جزء من ملف بالشراكة بين "حكاية ما انحكت" و"أوريان ٢١"، يستكشف عواقب الزلزال المدمّر الذي ضرب تركيا وسوريا في فبراير 2023).

بعد ستة أشهر من كارثة الزلزال الذي ضرب سورية وتركيا في السادس من شباط/ فبراير ٢٠٢٣، ما زلت أواجه السؤال ذاته: كيف تصف الزلزال!؟

قد يكون أكثر سؤال طُرح عليّ في حياتي، بيد أنّ جوابي لم يتغيّر، فأجيب بالأسلوب الذي أكرهه، الإجابة بالسؤال، في مناورة متواضعة لتشغيل الخيال قليلاً لدى السائلين والسائلات، أو للاقتراب بقدر ما أمكن من التشبيه لأشرح ما عشته، فأجيب: هل سمعتَ أو سمعتِ صوتَ الأرض؟ وحين يأتيني النفي، أؤكد: أنا سمعته.

زلزال 6 شباط... كيف نرى؟ ما حصل؟ وأين أصبحنا اليوم؟

15 تموز 2023
اليوم، بعد مرور أكثر من 4 أشهر على كارثة الزلزال الذي ضرب سورية وتركيا ومناطق أخرى من المنطقة، لم تمح بعد الآثار الأكثر بروزًا للكارثة في مختلف المناطق السورية المتضرّرة...
الآثار الاجتماعية والاقتصادية للزلزال الذي وقع في سوريا في شباط 2023

21 تموز 2023
بينما يعتبر الزلازل من الكوارث الطبيعية، يمكن أن تُعزى وطأة هذه الكارثة البشرية الجديدة في سوريا بشكل أساسي إلى أفعال النظام السوري، لإرسائه أسس الدمار من خلال حربه الواسعة ضد...

لم تكن لحظة الزلزال إلا تمثيلاً لنهاية العالم بأقرب صورة واقعية ممكنة، لم تصفها أفلام السينما العالمية ولا ألعاب الفيديو باعتقادي وحسب تجاربي، فكانت الأرض هنا منافسةً حقيقيةً للمخرج السينمائي ألفريد هتشكوك (أبو السينما)، والمخرج الياباني هيديو كوجيما أحد أفضل مطوّري ألعاب الفيديو.

وفيما كانت الثلوج تحتل مدينة غازي عنتاب جنوبي تركيا، طامسة معالم الشوارع والأزقة والأبنية، تمادت درجة الحرارة إلى ما تحت الصفر بأربع خطوات، فارضة على سكان المدينة الاحتماء بمنازلهم، التي تحوّلت لاحقاً إلى خطرٍ قاتل. وكنتُ، كالكثير، نائماً وجنبي ابنتي "سلمى" التي تستعد لتُنهي آخر شهرين في سنتها الثالثة بهذه الحياة، لأصحو في الساعة 4.18 فجراً من يوم الاثنين السادس من شباط/ فبراير 2023، وكأنّي عود ثقاب يهتز في علبته من قبل مدخنٍ شره يريد توليع تبغه وحرقه!

صحوتْ، حاولتُ الوقوف، مشيتُ فسقطت، وحولي صوت حقد الأرض وكرهها، قاومتْ، وقفتُ.. ولكن سقطت مجدّداً، لأسمع بكاء ابنتي سلمى التي صحت على صوت سقوط والدها مراراً، وملامح خوفه وذعره غزت وجهه، لتجدني بحالة لم تعهدني عليها، فأنا، بالنسبة لها، موطن أمانها الذي تراه يسقط مراراً، وكأنه يتعرّض للكمات وضربات من كلّ جهة.

في هذه الأثناء، أنقذني ربّما بكاء سلمى، قوّاني، فحافزي الآن حمايتها، والبحث عن بقيتنا لحمايتهن، فأحتضنتُها، ولم أكن أتخيّل أنّ هذه الطفلة التي لا تستطيع بعد فهم كلمة زلزال، ووعيها لم يتكوّن لفهم معنى الموت والمخاطر، يمكن أن تُعينني على تثبيت أقدامي والوقوف!

هكذا إذاً، لم نسقط، ربما تَمسّكُ ابنتي بي وخَنقي من شدّة خوفها، ثبتَ جذوري لأقاوم وأصمد قليلاً أمام اهتزاز الكون حولي، وصراخ الأرض التي أفرغت كلَّ ما عندها من ضغينة لمن يعيشون فوقها.

لم تكن لحظة الزلزال إلا تمثيلاً لنهاية العالم بأقرب صورة واقعية ممكنة، لم تصفها أفلام السينما العالمية ولا ألعاب الفيديو بعد

75 ثانية كان عمر الزلزال المدمر الذي ضرب مناطق جنوبي تركيا، شمال وشمال غرب سوريا، حتى سمع صداه سكان بيروت في لبنان، والساحل السوري. عمرٌ كفيلٌ بأن يُنهي أعمار الكثيرين ويغيّر حيوات آخرين، ويمنحنا تجربة (نحن الناجين) أن يكون بيننا وبين الموت شعرة!

ولسوء حظنا كلّنا، الذين قضوا منّا والذين نجوا، اختار الزلزال وقت الذروة لقتل أكبر قدر ممكن، فالضحايا في بيوتهم/نّ نائمين/ات، ما خلّف أكثر من 50 ألف ضحية في تركيا، بينهم سوريين/ات ومئات الآلاف أصبحوا بلا مأوى، فيما قضى على حياة 4540 شخص في سورية وسبّب أكثر من 10000 إصابة، لتبدو هذه المشهدية أقرب لوصف كارثة العصر، ولكن بأداء حقيقي واقعي، لم يميّز بين أحد من جمهوره المستهدف.

توابع الزلزال في القرداحة وريفها

27 تموز 2023
لم تجذب مدينة القرداحة الواقعة في شمال غرب البلاد الكثير من الاهتمام الإعلامي في أعقاب كارثة الزلزال. المنطقة المعروفة بين السوريين على أنّها مسقط رأس النظام، بشار الأسد، ومعقل للموالين...
التضامن ما زال حيّاً بين السوريين...

04 آب 2023
في حادثة غير مسبوقة، تبادل سكان المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري النداءات لجمع التبرعات للخوذ البيضاء وفريق ملهم التطوعي (منظمتان غير حكوميتين لطالما اعتبرتا أنهما مرتبطتان بالمعارضة)، بعد الزلزال...

وفي وسط الزلزال، عندما ساعدتني سلمى (بحبّها وطفولتها وخوفها) على مقاومة هدير الأرض وزلزالها، كنّا قد وصلنا إلى الثانية الـ65 من عمر الكارثة، محتضنين بعضنا، ونبحث عن باقي عائلتنا: ابنتي "ليلى" التي لم تتجاوز السنة، وحبيبتي "عنفوان"، كانتا في آخر المنزل، وجميعنا نبحث عن بعضنا، وبين موجات الأرض ورعبها، التقينا أخيراً عند باب المنزل، وكأننا في حلم، التمّ شملنا مع شعورنا ببعدنا وابتعادها عن بعض ل65 شهراً، وكأنّ كلّ ثانية استحالت شهرا.

عند اللقاء، توّقف غضب الأرض، بينما المنزل الذي كان وطناً مؤقتاً، تغيّرت ملامحه، وكأنه كبر فجأةً! غزته التجاعيد والتشقّقات، تشوّه المكان الذي عشنا أول مشاعر الأبوة والأمومة فيه، تبدّل الدفء إلى برد، فتركنا المنزل ونزلنا إلى الشارع ناجين جميعنا، حاملين معنا ما بقي من طاقة وحظ، بأنّ منزلنا لفظنا وتغيّر، أو ربّما تقيأنا لينقذنا، ولم يسقط فوقنا ويقتلنا، واندمجنا مع باقي الناس الذين هربوا من بيوتهم، وسط أمطار غزيرة، ودرجة حرارة وصلت حدّ أربعة تحت الصفر، قاصّدين الطريق في الثلج الذي أصبح لونه أسوداً في عيوننا جميعاً، وبارداً لأقصى حد.

انتهت أصعب 75 ثانية في حياتي، نجوتُ جسدياً مع عائلتي الصغيرة، وكنَّسَنا الزلزالُ خارج بيوتنا دون أيّ شيء.

بعد نحو نصف ساعة من الانتظار تحت المطر، تجرأت على العودة إلى البناء وأخرجت السيارة لنأتوي بها، ونحمي سلمى وليلى، اللتين لم تعيا بعد ماذا يجري. هكذا، ببساطة، أصبحت السيارة بيتاً متنقلاً لعائلتنا عدّة أيام، وكم كنّا محظوظين، مقارنةً بما جرى في مدن مرعش وأنطاكية وغيرها... وهكذا صرت حدثاً، بعد سنوات من اعتيادي على معالجة ونقل الأحداث كصحفي، فماتت غريزتي الصحفية مؤقتاً، في سبيل النجاة وإنقاذ من أحب.

وفي هذه الأثناء، انقطعنا جميعاً عن الكوكب، وكأنّنا في عالمٍ آخر، لا أخبار مطمئنة، لا اتصالات، لا معلومات عن ما بعد الزلزال، هل هناك هزّات ارتدادية؟ كم هزّة؟ متى نعود إلى بيوتنا؟ كيف نطمئن على أحبابنا وأهلنا وأصدقائنا في هذه المنطقة المنكوبة؟ كان وقتها، كلّ إشارة صغيرة تأتي على خطوط الهاتف تمثّل أملاً كبيراً، كلّ اتصال نجريه أو نستقبله بغضّ النظر عن جودة الإشارة، يعني حياةً جديدة، فمن استطاع الاتصال بي أو الردّ على اتصالنا، سيكون ناجياً، ومن هاتفه خارج التغطية ولم يستجب لاتصالاتنا، وضعنا، مجبرين، احتمالية موته، وهكذا كانت ساعاتنا تمضي حتى نجاتنا مجدّداً من الزلزال الثاني الذي ضرب المنطقة ظهر يوم الاثنين ذاته. هنا، تأكدنا، أن لا مكان آمناً إلا الشارع، ولا حياة بعد الآن يمكن أن تُعاش تحت أيّ سقف، بغضّ النظر عن البرد الذي تجلّى بأقسى وأبشع حالاته هذا اليوم.

شعرت وكأنّي عود ثقاب يهتز في علبته من قبل مدخنٍ شره يريد توليع تبغه وحرقه!

نزحنا نحو سيارتنا، عشنا فيها كلّ تفاصيل الحياة المنزلية، وأؤكد مجدداً أنّنا كنّا محظوظين لأنّنا نملك سيارات تأوينا، هربنا بها خارج مناطق الزلزال لأيام، حتى عادت الحياة، قليلاً، لمدينة غازي عنتاب، فعدنا في ال20 من شباط/ فبراير إلى هذه المدينة، بعد الأخبار الإيجابية عن عودة الماء، الكهرباء والغاز لمعظم البيوت، وتقييمها من قبل البلديات، ولكن لم ننم في بيوتنا في هذا اليوم، حيث استقبلتنا هزة ثقيلة جديدة، فعدنا لخيامنا المتنقلة، وهكذا..

نجونا، نعم، ولكن جسدياً، أما ندبات الكارثة النفسية، فهي معنا حتى الآن، نحاول مداواتها، في طريقنا للشفاء، والنهوض مجدّداً لنكمل حياتنا، لكن متى نمحي صوت الأرض من الذاكرة؟ حتى اللحظة، لا أعرف، وقد تكون كتابة بعض التفاصيل من الـ75 ثانية تلك، بداية تعافٍ على طريقة المواجهة، فيما هناك الكثير من القصص التي لا نستطيع شرحها، أو ربما، حتى اللحظة، نعجز عن ذلك.

 

مقالات متعلقة

12 عاما من الاستجابة الطارئة قبل الزلزال

06 آب 2023
قبل الزلزال، وصفت الأمم المتحدة الاستجابة الإنسانية في سوريا بأنّها واحدة من أكثر الاستجابات الطارئة تعقيداً في العالم، وقد كان لاستمرار هذه الاستجابة لمدّة ١٢ عام تحت حالة الطوارئ أثر...
التعابير الفنية عن الزلزال

12 آب 2023
إنّ متابعة مضامين وأسلوبيات الأعمال الفنية السورية التي ارتبطت بحادثة الزلزال الذي وقع بتاريخ السادس من شباط/ فبراير العام 2023، وشملت أضراره مساحات واسعة من تركية وسورية، تمكننا من تلمّس...
الرواية السوريّة: أسئلة الضوء في مواجهة العتمة

23 شباط 2021
"التحدّي أمام الأدباء المناهضين للفساد والظلم والدكتاتوريّة والقمع والقهر تجسّد في سرد الحكاية المعتّم عليها؛ حكاية أريد تناسيها وتجاهلها، والالتزام بتعرية الخراب الذي يراد له أن يتشكّل كهوية رئيسة من...
أسئلة التوثيق وأشكاله في الرواية السوريّة المعاصرة

01 آذار 2021
ما الأسباب التي دفعت الفن الروائي السوري لغاية التوثيق؟ وما الأحداث السياسيّة والإجتماعيّة التي رغبت الرواية السوريّة في توثيقها؟ وما هي التقنيات السرديّة التي استعملت للقيام بمهمة التوثيق؟ أسئلة يحاول...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد