مظاهرات ونساء

احتجاجات السويداء والمشاركة النسائية في الحيز العام


12 شباط 2024

لبانة غزلان

صحفية سورية مقيمة في بيروت.

نبيهة الطه

صحافيّة سوريّة.

"تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع «تمكين الجيل القادم من الصحفيات السوريات» بالشراكة بين مؤسستي «شبكة الصحفيات السوريات» و «حكاية ما انحكت». أُنتجت هذه المادة بإشراف الصحافية لمى راجح."

 

احتجاجات السويداء 

في منتصف شهر آب من العام ٢٠٢٣ انطلقت موجة احتجاجات جديدة في مدينة السوريّة، عدّه البعض إحياءً أو امتداداً لثورة السوريين والسوريات التي انطلقت في آذار ٢٠١١.  لاقى هذا الحراك صدىً في بعض المناطق، فخرجت بعض المظاهرات المؤيدة لها في شمال غرب البلاد، كما ظهرت أصوات محتجّة في مناطق ساحليّة مختلفة.

رفعت المظاهرات مطالب مشابهة لمطالب ثورة ٢٠١١، كشعارات الحريّة والعيش الكريم ومحاسبة كلّ من ساهم في تهجير وتغييب وقتل السوريات والسوريين. 

تحكي لنا السياسية سميرة المسالمة عن كون الحراك الممتد منذ آب ٢٠٢٣ هو امتداد لحراك العام ٢٠١١. 

تعتبر السويداء عاصمة لطائفة الدروز في سوريا، حيث تقطن المحافظة أغلبية درزيّة، لذلك يبرز السؤال الطائفي عند كلّ حدث. في حديثه معنا يحلّل الباحث جوزيف ضاهر علاقة الطائفيّة بالاحتجاجات، ويجب عن سؤال تشابه مطالب الاحتجاجات الحاليّة مع مطالب احتجاجات العام ٢٠١١. 

فيما تحدث لنا الباحث زيدون الزعبي عن رسائل حراك السويداء وعن تقاطعات الهويّة الوطنيّة والهويّة المحليّة. 

المشاركة النسائيّة في السويداء

منذ اليوم الأول لحراك السويداء، نزلت الكثير من النساء إلى الساحات، امتداداً واستمراراً للمشاركة النسائية والتي برزت منذ عام ٢٠١١. ومع تجدد الحراك الشعبي في السويداء توجهت أنظار الإعلام نحو الحراك النسائي، وسلّطت الضوء على مشاركة النساء وهن يحملن اللافتات، ويرددن الشعارات المناهضة للنظام السوري، بينما يمكن القول أنه لم يتم التركيز بالشكل المطلوب على مشاركة النساء السوريات في شمال غرب سوريا التي دعمت الحراك في السويداء. 

في هذا السياق تحكي الناشطة النسوية هبة محرز، عن السياقات الخاصة بكل منطقة وظروفها المختلفة. وتجيبنا عن مجموعة أسئلة تتعلق بسبب تشجيع المؤسسات الإعلامية لظهور النساء في بعض المناطق وتتجاهل حضورها في مناطق أخرى، مثلما حدث من كثافة إعلامية للحراك النسائي في السويداء بينما لم يكن بنفس الدرجة بمناطق أخرى. 

من جهتها تحكي الناشطة المشاركة في الحراك، لبنى الباسط، عن أهمية المشاركة النسائيّة في الحراك الشعبي، وتقول: "انطلقنا إلى الساحات من إيماننا الثوري بقضيتنا، وواجبنا نحو وطننا، نملك مبادئ لن نحيد عنها كرجال ونساء متواجدين في الساحات اليوم". لكن وعلى الرغم من الكثافة الإعلامية لتغطيات مشاركة النساء في حراك السويداء الشعبي، لكن ذلك لم ينفي وجود تحديات واجهتها العديد من النساء في السويداء أيضاً، وإن كانت بصيغة متخلفة وتتناسب مع طبيعة الظروف الأمنية والاجتماعية في المنطقة. 

المشاركة النسائية في شمال غرب البلاد

تحملنا التحديات الاجتماعية والعادات والتقاليد لسياقات مختلفة من التحيز الذي قد تواجهه النساء في مناطق مختلفة من سوريا، والتي تعتبر بالمجمل مؤثرة بشكل مباشر على مدى فاعلية النساء في الفضاء العام، أهمها السطوة الذكورية التي مازالت تتحكم بقرارات العديد منهن، ورغبتهن سواء في المشاركة السياسية أو الإعلامية. وفي هذا الصدد تقول هبة محرز: "النساء السوريات فاعلات وحاضرات منذ انطلاقة الثورة السورية، سواء في شمال البلاد أو جنوبها، رغم أن مشاركتهن خاضعة لنفس الضغوطات والتحديات التي تواجه النساء أثناء محاولاتهن كسر احتكار الفضاء العام من قبل الرجال، وهذه التحديات غالباً ما تكون مركبة، فيمكن النظر لها على أنها تهميش وتحيز جندري، وكذلك نمطية وهرمية، تدعي امتلاك الرجال للفضاء العام وانحسار حضور النساء في الفضاء الخاص، مترافقة بإشكالات بنيوية وقانونية تضع النساء تحت سلطة علاقات القوة غير المتكافئة".

أما في مناطق شمال غرب سوريا، يقول رئيس اتحاد الاعلاميين السوريين في شمال سوريا، جلال تلاوي، إنّ "منطقة شمال غرب ذات خصوصية، وعادات وتقاليد المنطقة صعبة جداً، وهناك تحفظ على خصوصية المرأة وبالتالي يصعب على الإعلامي/ة تصوير المرأة دون الحصول على موافقتها، كما أن الإعلاميات العاملات في الميدان ما زال لديهن تخوف ورهبة بسبب وجود الشرطة والرجال وكيفية التعامل بسلاسة مع هذه المؤسسات". 

فيما تخبرنا الناشطة روان رحمو، وهي ممن شاركن في المظاهرات التضامنية مع حراك السويداء، عن مجموعة تحديات قد تعيق تضمين أصوات العديد من النساء إعلامياً أهمها التحديات المجتمع ونظرته بالأصل لمشاركة النساء بالمظاهرات ما قد يسبب لها الإحراج الاجتماعي ويعمل على تغيب صوتها وقضيتها.

أصوات النساء في الإعلام 

يعتبر التحيز الذي تواجهه بعض النساء السوريات في مناطق مختلفة من سوريا متعدد المستويات، ولا يقتصر فقط على تحديات المتعلقة بالمنظومة الأبوية الاجتماعية أو الظروف الأمنية، بل يحدث أحياناً أن تقع العديد من المؤسسات الإعلامية في فخ العماء الجندري، وهو مصطلح ظهر في الدراسات الإعلامية والجندرية، بهدف "الدلالة على تحيز وسائل الإعلام والرسائل الإعلامية والقائمين عـلى مهنة الصحافة لصالح الرجال في التغطيات الإخبارية، وفــي كل فنون وقوالب الإنتاج الإخباري المكتوب، المرئي والمسـموع كما الرقمي وصفحات التواصل الاجتماعي، بحيث يظهر الرجال في التغطية كصُنّاع الأحداث وفاعلين فيها، ومعلقين على تداعياتهـا، فـي حين تختفي النساء من الأخبار والمعلومات حتى لو كان الخبر يتعلق بهن فإن مساحة حضورهن فـي المحتـوى الإعلامي تبقى قليلة إذا ما تمت مقارنتها بالحضـور الإعلامي للرجال".

من هنا تُعتبر بعض المؤسسات الإعلامية امتداداً للثقافة المجتمعية أو حاملة وعاكسة لها بشكل أو بآخر، حيث تعمق وتكرس التحديات الأمنية والاجتماعية من استسهال بعض المؤسسات الإعلامية في تضمين أصوات النساء ضمن التغطيات الإعلامية وتخصيص مساحات إعلامية لهن.

في هذا الصدد أشارت ميرا عبدلله مديرة التواصل لـ"برنامج النساء في الأخبار" في منظمة Wan IFRA لأرقام تعكس واقع حضور المرأة الضعيف في الإعلام "صوت واحد من بين كل خمسة أصوات في الأخبار لصالح المرأة، وأقل من ٢٠ في المئة هي النسبة المئوية لتمثيل المرأة في المحتوى الإخباري". وتؤكد أنه لا بد من تناول هذا الحضور الإعلامي من خلال شقين،  الأول حضور المرأة على مستوى صناعة القرار في وسائل الإعلام، أما الشق الثاني فيكمن في حضور قضايا المرأة في المحتوى الاخباري.

من جهتها علمت مؤسسة شبكة الصحفيات على رصد مشاركة النساء وظهورهن في التغطيات الإعلامية من خلال بحث  بعنوان "مش مسترجلة" نشر عام ٢٠١٦، ويعالج قضية المساواة الجندرية في "وسائل الإعلام الناشئة" في سوريا، ويحاول التحقق مما إذا كان الخطاب السائد فيها والعرف الاجتماعي يعززان التفاوت القائم أصلا أم لا. يغطي التقرير الفترة الواقعة بين عامي ٢٠١١ و٢٠١٥ ويعالج جانبين من جوانب "وسائل الإعلام الناشئة": النساء العاملات والخطاب المتعلق بهن. ويركز أساساً على الإعلام المطبوع "المجلات والجرائد، وعلى الإذاعات بدرجة أقل".

من المظاهرات النسائية في شمال غرب سوريا. تصوير نبيهة الطه.

قدم التقرير تحليلاً لخطاب "وسائل الإعلام الناشئة" من حيث النص والصورة، وتبنى في ذلك تقييماً مزدوجاً في تصوير هويات النساء وأفعالهن. إذ جرى تحديد أربعة اتجاهات رئيسية في الكيفية التي تصور بها "وسائل الإعلام الناشئة" عموماً النساء، فصورت النساء على أنهن: أ- لاعبات فاعلات في الفضاء العام، ويحظين بأعلى تقدير عندما يكن مشهورات؛ ب- غير موجودات أو محتجزات في الفضاء الخاص؛ ج- ينظر إليهن عموماً، ويستخدمن على أنهن ”ضحايا“ لترويج قضايا غير خاصة بالنساء؛ د- مواضيع جمال، غير قادرات على ممارسة العمل السياسي. وبالتوافق مع هذا الاتجاه تصور النساء، في بعض الحالات، على أنهن فاعلات وبحاجة إلى التضامن والشراكة، لكن في حالات أخرى كثيرة يصورن على أنهن بحاجة إلى الحماية والتعاطف والنصيحة والمساعدة.

حملنا هذا التقرير فيما يتضمنه من نتائج إلى التفكير وتشكيل فهم أعمق عن الأسباب المختلفة التي قد تعيق بعض المؤسسات الإعلامية من العمل على تغطيات إعلامية مكثفة للحراك النسائي في بعض المناطق السورية، منها نظرة البعض بالأصل لمدى فاعلية النساء، بحيث لا يمكن بأي شكل من الأشكال الوقوف خلف الأسباب الاجتماعية باعتبارها المعيق الأساسي في ظهور النساء الإعلامياً.

في هذا الصدد تقول روان رحمو: "شاركت في المظاهرات التضامنية نصرة لأهلنا في السويداء، كي نحيي الثورة من جديد، وهي ليست مشاركتي الأولى في الوقفات الاحتجاجية والتظاهرات، فأنا أؤمن أن الثورة للنساء والرجال معاً، وعلينا أن نكون يداً بيد وكتف بكتف نصرة لقضايانا".

تحديات عمل الصحفيات في تغطية الحراك الشعبي

كان من الملاحظ خلال العمل على هذه المادة، تعرّض العديد من الصحفيات الفاعلات في التظاهر للمضايقات، وذلك أثناء المشاركة وأداء عملهن الصحفي في مختلف المناطق السورية، وكذلك لدى عملهن في تصوير التظاهرات النسائية الداعمة للحراك في السويداء، ومن هنا حاولنا استعراض آراء البعض منهن بهدف الوقوف بشكل معمق عند التحديات التي قد تعيق بعضهن من تغطية الحراك النسائي في عدد من المناطق السورية، وتشكل عبء عليهن كونهن نساء وصحفيات وكذلك مشاركات في الحراكات الشعبية.

تؤكد المراسلة الحربية ميسا المحمود، والتي تعيش في مدينة إعزاز، على أهمية تعزيز عمل النساء الصحفيات مع النساء أنفسهن انطلاقاً من مبدأ التمييز الإيجابي للنساء بشكل عام، ومراعاة لطبيعة المناطق نفسها وخصوصيتها المحلية، ما يخلق سهولة في تعامل الصحفيات مع النساء أنفسهن، ويزيد من فاعلية أداء المؤسسات الإعلامية في تغطية الحراك النسائي.

تؤكد المحمود على التمييز الذي تتعرض له العديدات من النساء في الحصول على حقهن في التغطيات الإعلامية، بالإضافة لاستعراضها لمجموعة التحديات التي عادة ما توجه بعض الصحفيات عند عملهن في التغطيات الإعلامية للحراك النسائي. 

تحدثنا الصحفية السورية أريج نعيم، والتي تعيش في السويداء، وتغطي حراك السويداء منذ انطلاقه: "تميزت مشاركة الصحفيات في تغطية حراك السويداء بقدرتهن على بناء علاقات طيبة مع المتظاهرين/ات، وكسب ثقتهم/ن، مما سهل مهمة الحصول على المعلومات، إلا أن الأمر لم يخلو من التحديات، حيث وُوجِهَ عملنا بانتقادات المحيط من مبدأ شو رح تستفادوا؟ ولشو طالعين، كما أننا واجهنا حرباً إعلامية معادية شنها النظام، وصلت إلى حد تشويه سمعتنا والتشهير بنا كصحفيات نساء نقوم يتغطية الحراك، فعند نقل صوت الناس والأخبار التي لا تتوافق مع سياسة النظام تصبح المراسلة  محط اتهام له ويبدأ التضييق على عملها".

من جهتها تدرك الناشطة لبنى الباسط جهود زميلاتها النساء في الشمال وقدر الضغوط الواقعة عليهن، وتقول: "وجود المرأة في حراك السويداء اليوم هو امتداد لنضال النساء في إدلب والشمال منذ اثني عشر سنة، وإن لم يتم تسليط الضوء على مشاركاتهن كما يجب، بسبب الضغوطات الكبيرة سواء من المجتمع أو من النظام، الذي اعتقل أهاليهن… لكن وبرغم كل شيء لا يمكن إنكار ما قدمته النساء للثورة السورية في كلّ مكان".

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد