البحث العلوي عن الهوية في سوريا ما بعد الأسد


17 كانون الأول 2025

كمال شاهين

صحفي وكاتب سوري

بينما استنفر جمهورٌ سوري واسع في دمشق ومدن عدة للاحتفال بعامٍ على التحرير في الثامن من كانون الأول الحالي، خيّم صمت إضرابٍ طوعيّ على قرى جبال الساحل السوري وعلى الأحياء ذات الأغلبية العلوية في مدنه.

لم تكن دعوة الشيخ غزال غزال، الرئيس الروحي للمجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر، لمقاطعة الاحتفالات والبقاء في البيوت لخمسة أيام ضمن ما سماه "إضراب الكرامة"، خطوةً احتجاجية عابرة، بل كانت حلقةً ثانية في مسارٍ احتجاجي متصاعد بدأ باعتصاماتٍ جماهيرية كثيفة نهاية تشرين الثاني الماضي، مطالبةً بوقف القتل والاختطاف والإفراج عن معتقلين وفيدرالية للساحل السوري وحمص.

أصدر المجلس إثرها بيانين يوجهان نقداً للسلطة الانتقالية، رافضاً بشكل قطعي ما تسعى إليه السلطة "عبر تشكيل وفدٍ من بعض الأشخاص بزعم تمثيل العلويين" لمقابلة الرئيس الانتقالي، معتبراً إياه محاولة "لانتزاع شرعيةٍ تمثيل العلويين عبر مجموعاتٍ تذهب للتفاوض على مطالب خدمية لا ترتقي إلى مستوى قضيتنا السياسية والحقوقية"، كما طالب الشيخ غزال في بيانٍ لاحق بحكمٍ فيدرالي في سوريا.

يطرح هذا الحراك العلوي، الذي يراوح بين اعتباره "غير مسبوق" حسب وصف المرصد السوري لحقوق الإنسان أو أقل أهمية مما يشاع حوله، سؤالاً محورياً يتجاوز المشهد الآني إلى المستقبل القريب: هل نحن إزاء عملية تشكّل/ ولادة هويةٍ علوية سياسية طائفية جديدة في سوريا ما بعد الأسد، أم هي إعادة إنتاجٍ لصراعٍ تاريخي بثوبٍ معاصر؟

طرح بيان المجلس الأخير إشكاليةً معلنة حول من يحق له التحدث باسم العلويين وحول اللغة التي تستخدم في هذا الحديث. هل هي لغة المطالب السياسية الجماعية أي الفيدرالية وإطلاق سراح 14 ألف معتقل، التي يصر عليها المجلس كـ"شرط لا يقبل التنازل" كما ورد في بيانه، أم لغة التفاوض الخدمي التي تروج لها السلطة عبر وفود موازية كما قال بيان المجلس، وهل يمكن لأشخاص أن يدعوا تمثيل الجماعة العلوية مثل محمد جابر من منفاه في موسكو  - الذي سبق وادعى المسؤولية عن تحريك فلول النظام السابق في آذار الماضي - وهو ما استدعى رداً قاسياً من مجموعة افتراضية تطلق على نفسها "أبناء الطائفة العلوية في الساحل السوري"؟ وإذ يرفض المجلس كلا الطرفين: الوفد الذي التقى السلطة ومحمد جابر، يحاول في الوقت نفسه رسم حدودٍ جماعية صلبة: "أي مجموعة تتحدث خارج إطار المجلس وطروحاته لا تمثل العلويين ولا تعبر عن إرادة شارعهم".

كيف تصنع الدولةُ الهوية

في كتابه "تاريخ العلويين من حلب القرون الوسطى إلى الجمهورية التركية" (2018)، يرصد الباحث الكندي ستيفن وينتر كيف تحوّلت الجماعة العلوية من "دعوة دينية شاملة" إلى "مجتمع مذهبي مغلق" بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر. لا يرى وينتر هذا التحول نتاجاً للتطور الداخلي فحسب، بل كردّ فعلٍ على سياسات الدولة المركزية السنية الناهضة (الأيوبية والمملوكية). فمن خلال تصنيفهم ووصمهم في السجلات الرسمية كجماعةٍ "مارقة" أو "منحرفة"، خلقت هذه الدول وعياً مميزاً بالعلويين كـ “آخر" منفصل. وكان فرض المماليك لـ “ضريبة القرش" على كل ذكرٍ علوي بالغ تعبيراً عملياً عن هذا التصنيف الإداري القسري. هكذا، صُنعت الهوية الجماعية من الخارج قبل أن تتبلور من الداخل.

يُطلق وينتر على هذه العملية اسم "لحظة التأسيس التاريخية" للهوية العلوية، ويرفض في الوقت ذاته الرواية الشائعة عن "الملاذ الجبلي"، مؤكداً أن الاستقرار في الجبال كان نتيجةً لعجز الدولة عن السيطرة عليها، وليس هروباً من اضطهادٍ منظّم في السهول. وإذا كانت الهوية العلوية قد تشكلت تاريخياً تحت ضغط دولةٍ مركزية صاعدة، فإن التحدي اليوم يأتي في ظل دولةٍ مركزية منهارة.

منع الأسد الأب والابن تشكّل مجلسٍ علوي بقوة القمع وراح ضحية هذه المحاولات الطبيب المهلب حسن قتلاً من قبل المخابرات السورية في ثمانينات القرن الماضي. ومع سقوط النظام انفرط العقد الاجتماعي الذي حكم علاقة العلويين، وسوريين آخرين، بالدولة. في هذا الفراغ القاتل، تبرز محاولة إنشاء مجلسٍ علوي لتكرار ما قام به المكزون السنجاري قبل قرون: توحيد الصف وتشكيل قيادة جماعية تمثّل الجماعة.

في شباط العام الحالي، أُعلن عن تشكيل "المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر"، مؤلفاً من مجلسين، أولهما ديني، يترأسه الشيخ غزال غزال، بوصفه “مفتي اللاذقية” مؤلفاً من 130 رجل دين علوي من المحافظات السورية المختلفة يهتمون بالأمور الدينية فقط. أما المجلس الثاني فهو "مجلس تنفيذي" يضم مكاتب مهنية مثل السياسة والعلاقات العامة والإعلام، ولفت بيان التأسيس وقتها إلى أن "المجلس سيكون فعّالاً حتى انتهاء المرحلة الانتقالية، وإنشاء دولةٍ يحكمها الدستور، وأهدافه تأكيد كون الطائفة العلوية جزءاً أصيلاً من نسيج سوريا، وأنّ أبناءها يعملون يداً بيد لبناء مستقبل أفضل للبلاد، من خلال تعزيز التآخي بين مكوّنات المجتمع السوري".

محاولة المجلس رسم حدود جماعةٍ صلبة وتبوّء تمثيلها السياسي والاجتماعي، اصطدمت بالسلطة التي اعتقلت أحد المؤسسين، فأعلن مجلس اللاذقية ثم طرطوس حل نفسيهما بالتتالي في ربيع العام الحالي. وكان السبب وفق حديثٍ مع أحد المراجع العلوية في اللاذقية - طلب عدم ذكر اسمه - هي أنّ معظم الشيوخ المشكّلين للمجلس موظفون في الدولة أو الأوقاف، ولا يجوز لهم تشكيل أجسامٍ سياسية أو نقابية، فهذا، قانوناً، يعتبر ازدواجاً وظيفياً. أعلن "المجلس الإسلامي العلوي في حمص" في العاشر من كانون الأول 2025 حلّ نفسه في بيانٍ أشار فيه رئيسه محيى الدين السلوم إلى "اختيار الضرر الأصغر لدفع الضرر الأكبر".

اليوم، يعمل المجلس العلوي من مكانٍ غير معلن، يرجح أنه خارج البلاد، ويوجه خطابه بقوة إلى الداخل، محاولاً تقديم نفسه كممثلٍ شرعي للإرادة الجماعية العلوية. تكشف هذه الديناميكية المتسارعة عن معادلةٍ صعبة، هناك خطابٌ سياسي صلب من الخارج، يقابله افتقارٌ إلى الحاضنة المؤسسية المحمية أو العاملة بقوة على الأرض. هذا الصراع بين سلطة دولةٍ تمتلك أدوات الضغط مقابل كيانٍ هشّ يعتمد على أفراد تحت رحمة السلطة في معاشهم وأمنهم، يوضح وجود فصلٍ بين "الهوية كخطاب" و"الهوية كمؤسسة" مما يضعف بشكلٍ كبير قدرة المشروع السياسي على التحول إلى واقعٍ دائم في غياب الربط بينهما ربطاً عضوياً.

الانقسام الداخلي

كيف نفهم العدالة في سوريا بعد عامٍ من سقوط نظام الأسد؟

06 كانون الأول 2025
شهدت سوريا في العام التالي لسقوط نظام الأسد غياباً لمسار عدالةٍ انتقالية طال انتظاره. بل وتشكلت طبقات جديدة من الجرائم، خاصة في منطقة الساحل والسويداء. الكاتبة ياسمين نايف مرعي، التي...

بدرجةٍ أدنى من المؤسسات وصراعاتها، هناك انقسامٌ أعمق وأكثر تعقيداً داخل النسيج العلوي الاجتماعي والسياسي يكاد يجعل هذه الجهود هباءً. وإذ يمكن أن تعتبر هذه الصراعات حالةً طبيعية لجماعةٍ لم تحصل يوماً على تمثيلٍ هوياتي في مؤسسات أو جمعيات أو أحزاب خاصة، فإنّ هذا مرجعه كون الجماعة العلوية كتلةً متنوعة وهي ساحةٌ لصراعٍ داخلي بين رواياتٍ مختلفة ومشاعر متضادة:

من جهةٍ أولى، هناك قاعدة جماهيرية غاضبة من السلطة، تجد في خطاب غزال والمجلس تعبيراً صادقاً عن إحساسها العميق بالمظلومية والخيانة. يتغذّى هذا الغضب من وقائع يومية: خطف النساء بهدف الابتزاز أو تشويه السمعة، والقتل على الهوية كما في جريمة قتل الشاب مراد محرز في اللاذقية مؤخراً، والذاكرة الحية لمجازر آذار. بالنسبة لهؤلاء، المطالب السياسية الكبرى مثل الفيدرالية ليست ترفاً، بقدر ما هي ضمانة وجودٍ في وجه مشروعٍ يستهدفهم جماعياً. جاءت قضية مقتل مراد في موسم احتفالات التحرير والإضراب لتشعل النار في هذه القاعدة بعد ثبوت أنّ من قام بالجريمة ليس من فلول النظام السابق.

في الجهة المقابلة، يقف علويون، بينهم أفراد ونخب سياسية واجتماعية، يتبنون عملياً ـ ولو بتردد ـ سياسة التعايش مع السلطة. دوافع هذا الموقف مركبة: أولها الخوف الوجودي من الفوضى، فما حدث في مجازر آذار 2025 دليلٌ قاطع على ما قد يحدث عند انهيار "حماية" الدولة، مع تداول كلامٍ شعبي أنّ من أوقف المجازر كان الرئيس الانتقالي، وعليه، يُرى النظام الجديد، رغم قسوته، كحاجزٍ أخير ضد فوضى يُعتقد أنها ستكون أكثر دمويةً وطائفية. ثانيها مرتبط بالمصلحة والتبعية، فهناك جزءٌ من النخب العسكرية والإدارية والاقتصادية العلوية مرتبطٌ عضوياً ببقاء الدولة بصورتها الحالية. هذه النخب التي باتت معروفةً للشارع العلوي تضخّ حضورها وأموالها بهدف تعزيز حضور الدولة الجديدة في المجتمع العلوي. الأسوأ من هذا أن هذه النخب أمثال فادي صقر لا تلقى قبولاً عند السوريين عموماً ولا عند العلويين وبذلك تستمر السلطة في تكريس صورةٍ نمطية عن العلويين الأشرار.

بعد عقودٍ من العيش في وعي جماعي بالمظلومية التاريخية والتهديد الخارجي، تطورت لدى جزءٍ من المجتمع غريزة القلعة، حيث يصبح الولاء لأية سلطةٍ مركزية قادرة على الحماية.ـ حتى لو كانت مصدر تهديد نفسها، غريزة بقاءٍ أولية. ويحول استمرار الانقسام الصراع الداخلي العلوي من معركةٍ خارجية إلى حربٍ نفسية داخلية يتصارع فيها الخوف من السلطة مع خوف أعمق من عنفٍ ما، قد يأتي بعده إنْ خرجت من مناطقهم.

يساعد هذا الانقسام السلطة على إدارة الملف العلوي عبر خطابٍ مزدوج: تستخدم خطاب المظلومية السنية المتراكم منذ عقود لتبرير سياساتها القمعية ضد العلويين وغيرهم، وتعبئة قاعدتها بهذه الطريقة، وفي الوقت نفسه تستخدم الخوف من انتقامٍ مشايعي هذا الخطاب كأداةٍ لترهيب العلويين داخلياً وتقديم نفسها كـ"حائطٍ وجوديّ" و"حامٍ أقل سوءاً".

الهوية في مواجهة الفراغ وسؤال التجديد الديني

مشروع الهوية العلوية سياسيّ بامتياز، وبينما تمتلك هوياتٌ سياسية أخرى في سوريا حلفاء إقليميين ودوليين، تواجه المحاولة العلوية عزلةً استراتيجية خانقة تعمق أزمتها:

روسيا، الشريك الأول لبشار الأسد، تحالفت من جديد مع السلطة الجديدة كاشفةً ببساطة عن أنّ أولوياتها حماية مصالحها الاقتصادية والعسكرية. هذا الأمر، بلغة الدول الكبرى، لا يدخل في السردية التي يتداولها المجتمع العلوي عن "خيانة روسية". الجار التركي يرفض بالمطلق أيّ اتجاهٍ نحو كياناتٍ ذاتية في سوريا خوفاً من تأثير الدومينو العلوي في تركيا نفسها أو حتى من وصولٍ إسرائيلي إلى الشمال. الذهاب نحو أوروبا هو عمليةٌ بطيئة جداً بسبب البيروقراطيات الغربية، وعلى الأرجح فإنّ الصورة الذهنية السائدة تربط العلويين بدعم نظام الأسد القمعي. هذا الإرث الثقيل يعيق تحويل قضيتهم الحالية إلى أولويةٍ دبلوماسية أو إنسانية جادة. من جهة الجنوب، الوعي الجمعي العلوي على أبسط مستوياته معادٍ لإسرائيل ويستمد جذوره من تاريخٍ طويل للقومية العربية في هذه الجبال، مع ذاكرة صراعٍ لم يتوقف حتى اليوم، وأية محاولة للبحث عن دعم إسرائيلي، حتى لو كانت افتراضية أو من مجموعة هامشية، تُعتبر انتحاراً سياسياً وتوفر ذريعةً مثالية لتشويه الحراك برمته.

هذه العزلة المركبة تُضعف الموقف التفاوضي لأيّة قيادة علوية وتجعلها أكثر اعتماداً على حسابات القوة المحلية الصرفة، مما يدفع نحو الخيارات الانكفائية. ويظهر استهداف المقدسات العلوية (المزارات) في ريف حماة وجبلة وحمص، تحوّل الأمر من مسألةٍ ثقافية هوياتية إلى ساحة صراع غير مفهوم لدى الجماعة العلوية، الهدف منه محو علامات الوجود التاريخي والديني للجماعة، ونزع شرعيتها من المكان. يعود أقدم المقامات العلوية إلى القرن الحادي عشر الميلادي.

راتب شعبو: مجازر الساحل أحدثت صدعاً مبكّراً في أسس بناء دولةٍ وطنية بعد نظام الأسد

02 نيسان 2025
"الرصاص التي قتل عائلاتٍ آمنةٍ وعزلاء في بيوتها، هو رصاصٌ مؤجّل، موجّه إلى صدر كلّ سوري مهما اعتقد هذا السوري الصامت أو (المتشفّي) إنه بعيدٌ عن الرصاص" هذا ما يقوله...

في خضم هذه الأزمة الوجودية، يطفو على سطح الفضاء الافتراضي نقاشٌ نخبوي محدود حول الجذور الدينية للعلويين. بعض المثقفين يناقشون الأصول الأفلاطونية المحدثة أو الامتزاج بين طبقاتٍ شيعية وغالية، بل وثمة دعواتٌ لـ"هجران" الربط مع الإسلام. لكن هذه الضجة الرقمية تصطدم بواقعٍ صلب: جمود العقيدة العلوية كنظامٍ مغلق من النصوص والطقوس، لم تشهد أيّة حركة إصلاحٍ أو تجديدٍ ديني داخلي جوهري. هي هويةٌ مكتملة ومستقرة في نظر الغالبية.

لكن "أولوية الوجود على الهوية المجردة" هي الأهم اليوم، كما يلاحظ الصحفي عبد الله علي في حديثٍ مع حكاية ما انحكت: "كيف نبقى؟ وليس من نكون فلسفياً.  النقاش حول نومينوس أو الخصيبي يبقى ترفاً فكرياً أمام أسئلة الموت والتهجير. هذا النقاش الافتراضي هو في جوهره بحثٌ عن مخزونٍ رمزي لصناعة سرديةٍ جماعية قوية. قد يكون محاولةً لرفض تعريفات الآخر كغلاةٍ أو منحرفين والإدعاء بأصالة تاريخية موازية، لكنه لا يغير العقيدة نفسها". الخطر هو أنّ أيّ انزياحٍ نحو خطاب "ما قبل الإسلام" قد يقطع الطريق على تحالفاتٍ إسلامية محتملة ويفقد الجماعة غطاءً دينياً قد تحتاجه.

الانكفاء والتحول والانفجار

على ضوء كل العوامل السابقة المتشابكة (الداخلية، الإقليمية، الاقتصادية، الرمزية)، يمكن استشراف عدة مساراتٍ لمستقبل الهوية العلوية. قد تتراجع المطالب السياسية الكبرى تحت وطأة التفكيك التنظيمي والعزلة والهيمنة الاقتصادية، وتتحول الهوية إلى هوية انكفائية طائفية تركز على البقاء الاجتماعي والديني الداخلي، وتقبل بـ “لامركزية إدارية" شكلية تمنحها السلطة. تصبح العلوية جماعةً تابعة وظيفياً، تُدار من خلال وساطاتٍ محلية - كما هو الحال اليوم - وفتاتٍ اقتصادي، بينما تُسيطر الدولة على موارد الساحل الإستراتيجية. تتحول الجبال العلوية إلى كانتونٍ فقيرٍ ومعزولٍ سياسياً، فيما يتم إدماج النخب الموالية في التحالف الاقتصادي الجديد.

إذا استمر العنف الطائفي وفشلت آليات الاحتواء، قد تتحرك القاعدة الغاضبة نحو عصيانٍ محلي غير منسق. قد يأخذ شكل عصيانٍ مدنيٍ حاد أو اشتباكاتٍ محدودة، خاصةً إذا تكررت المجازر. ورغم ضعف فرص نجاحه العسكري، إلا أن هذا السيناريو قد يفجّر الوضع برمته، ويفتح الباب أمام تدخلاتٍ إقليمية غير محسوبة. قد تكون نتيجته تدميراً أكبر للساحل وتشريداً أوسع. قد تبقى جذوة الوعي الجماعي الجديد الذي أطلقته الاعتصامات والإضراب، حيّةً تحت السطح. رغم تفكك المؤسسات، ويستمر السخط من التهميش الاقتصادي والسياسي على مدى سنوات. قد يبرز قادةٌ جدد أقلّ عرضةً للضغوط المباشرة من شباب، ومثقفين ووجهاء غير مرتبطين بالدولة. قد يتجسد هذا السيناريو من خلال تحالفاتٍ أفقية بطيئة مع جماعاتٍ سورية أخرى تعاني أيضاً من السياسات الحالية كالسنة الفقراء، مسيحيي حمص، دروز السويداء أو الكورد. لبناء ضغطٍ مدني مشترك من أجل دولة مواطنةٍ حقيقية، هذا المسار هو الأكثر تعقيداً ويتطلب وقتاً وصبراً ونضجاً سياسياً قد لا توفره ظروف المنطقة المتوترة دائماً.

ربما تحاول القيادة العلوية في المنفى (غزال) تشكيل هويةٍ سياسية طائفية فاعلة، ولكن الإطار الجغرافي- الاقتصادي - العسكري الذي تتحرك فيه، والمفروض من قبل السلطة والجغرافيا، مصممٌ خصيصاً لتحويلها إلى هوية تابعة. يمكن اعتبار الساحل السوري محل اختبارٍ حقيقي لمشروع "الدولة الجديدة"، هل ستكون إطاراً جامعاً لجميع مواطنيها، قادراً على احتواء هويات فرعية ومنحها حقوقاً خاصة وحماية ضمن عقدٍ اجتماعي جديد؟ أم أنها ستكون، إدارة جديدة لقوى منتصرة، تستخدم أدوات الدولة لتكريس هيمنتها وتبعية الآخرين؟ كل يوم من العنف والتهميش يزيد من اتساع هوة الانقسام، ويجعل إمكانية التدخل الإقليمي أكثر إغراءً وخطورة، ويقوّض أي أملٍ بسلامٍ حقيقي.

في جنازته، وقفت والدة الشهيد مراد محرز تودع ابنها قائلةّ: "سكر الباب وراك يا مراد.. حاجتنا دمّ يا أمي". لا تحتاج هذه الجملة لأيّ شرح. أن نغلق "باب الدم" أمرٌ لا يخص العلويين وحدهم، بل هو رهان مصير سوريا بأسرها.

مقالات متعلقة

من القمع إلى البلطجة الممنهجة المبرّرة في سوريا الجديدة

02 حزيران 2025
"نام أهلي تحت سقف البيت بعد عدّة ليالي من النوم في البراري. كيف يشعرون الآن؟ لا أعلم. كيف لهم أن يشعروا بعد اليوم تحت سماء سوريا؟ لا أستطيع تخيّل ذلك...
الساحل السوري... سقط النظام فتزايدت الهجرة!

22 أيار 2025
"لو بقينا هنا، سنكون إما جثثاً في أخبار عاجلة، أو أطباء بلا دوامٍ أو أدوية"، هذا ما يقوله الطالب في كليه الطب من مدينة بانياس، أحمد زاهر، في هذا التحقيق...
مآسي عاملات الريجي في الساحل السوري

22 تشرين الثاني 2025
"الراتب كان يردنا عن الشحادة، يعني بالكاد يكفي. السؤال الأهم: شو بدنا نعمل هلا؟" هذا ما تقوله إحدى العاملات اللواتي قضين أكثر من عقدٍ من الزمن بين جدران المعمل، يعالجن...
عن حال الإعلام السوري المستقلّ خلال عام ما بعد السقوط.. تغطية اختطاف النساء مثالاً

03 كانون الأول 2025
التحقيق الذي نشرته وكالة رويترز في ٢٧ يونيو/حزيران، عن اختطاف النساء في الساحل، دفع البعض من الجمهور السوري إلى طرح تساؤلاتٍ تحمل في طياتها انتقاداً وتوبيخاً، عمّا إذا كان عليهم...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد