"الموت قادم من الجهة اليسرى"

شهادة من حلب تحت الاشتباكات


في الأيام الأخيرة في حلب، يعاني السكان مرة أخرى من الخوف من الموت والتهجير، وسط المعركة الدائرة بين قوات السلطة الانتقالية وقوات الأمن الداخلي (الشرطة في الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا). وقعت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحكومة الانتقالية اتفاق ١ أبريل/نيسان ٢٠٢٥ متعلق بالأحياء ذات الغالبية الكوردية في حلب، يقضي بانسحاب مقاتلي قسد، وتولي قوات الأمن الداخلي الكوردية "الأسايش" إدارة هذه الأحياء بالتنسيق مع الحكومة المركزية. لكن اشتباكات نشبت بين الطرفين في الأشهر التالية. منذ أيام بدأت قوات السلطة الانتقالية هجوماً يهدف إلى السيطرة بالقوة على تلك الأحياء، مستخدمة مختلف أنماط الأسلحة، داعية المدنيين إلى إخلاء هذه الأحياء.

10 كانون الثاني 2026

كاترين ورد

كاترين ورد، عاملة في المجال الانساني، اخصائية صحة نفسية. مصورة هاوية وناشطة في الشأن العام.

في الصباح، كنت أحدّق في النافذة، على الجهة اليسرى من سريري خلال زيارتي حلب في عطلة الأعياد. أعيش في دمشق منذ عام 2016، وآتي إلى حلب كل شهرين أو ثلاثة، إلى بيتنا في حي السريان الجديدة، الواقع بجوار حي الأشرفية. لأربع سنوات متتالية سابقاً، كنت أنتظر أن يأتيني الموت من النافذة الواقعة على يساري. ليس انتظاراً بقدر ما كان توقعاً، كنت على يقين أن الموت قادم من هناك؛ لأكثر من ألف ليلة متتالية، كنت أخلد إلى النوم بشعور العارفة أني سأستيقظ وأنا أصارعه على الجهة اليسرى من سريري.

بينما كنت أحدّق في النافذة، بدأت أسمع أصوات اشتباكات. لا بد أنها ذاكرتي الحيّة — قلت لنفسي — لكن حين أصبح صوت الاشتباكات أعلى وأقرب، أدركت أن هذا يحدث من جديد.

عندما يبدأ القصف وتصطدم الرصاصات بالجدران حولك، وعندما تقصف الدبابات وتطلق الطائرات المسيّرة النار، أنت لا تبقى نفس الشخص، بل تصبح دون شخصية أو سمات مميزة، لا تعود إنساناً. أنت فقط كرة ضخمة من اللحم تحاول تفادي الموت.

اختبأت في الحمّام مع أمي: كنا نرتجف، لا نعرف إن كان ذلك بسبب برد كانون الثاني أم من الخوف. كنت أسمع صوت أطفال الجيران يبكون، والنساء يصرخن، والرجال أيضاً. كل الجيران اختبأوا في الحمّامات، وبدأنا نسمع أصوات بعضنا عبر النافذة المربعة الصغيرة التي تصل المبنى من الداخل (المنور).

مرّت اثنتا عشرة ساعة، ثم توقفت الاشتباكات. ذهبنا إلى النوم، متجمدين ومخدّرين. كيف يمكن للناس خارج حلب أن يتابعوا أيامهم كالمعتاد؟ الأرض توقفت عن الدوران هنا، الهواء شحيح، والدم متجمّد في عروقنا. الإنترنت بطيء، لكن بين الحين والآخر تصلني رسالة من أصدقاء مذعورين داخل حلب، وأصدقاء مصدومين يشاهدون الأخبار من خارجها. الخوف يربطنا، يخلق رابطاً لا يمكن لأحد سوانا فهمها. عدم معرفتك إن كنت ستبقى حياً في الدقيقة التالية يخلق رابطاً من نمط آخر. يحول كل مكالمة هاتفية إلى وداع، وكل كلمة لما قد تكون الكلمة الأخيرة.

في اليوم الثاني اضطررنا للإخلاء بطلب من القوات الحكومية: كان لدينا أقل من ساعة، نعيش ملاصقين مناطق القتال، ونتلقى القنابل والرصاص من الطرفين خطأً. حزمتُ كل الأشياء غير المهمة، لم أكن قادرة على التفكير. حين غادرت المنزل، فكرت أنه كان عليّ أن آخذ شيئاً يعني لي، شيئاً من طفولتي ربما. لكن لم يكن هناك وقت للعودة، ولا قدرة لي على اتخاذ قرار عمّا يجب أخذه وما يجب تركه خلفي.

كان علينا أن نمشي لمدة خمس عشرة دقيقة، أنا وأمي، مع حقيبتين كبيرتين وقدمي المكسورة، للوصول إلى الممر الإنساني المؤمّن لخروج المدنيين. لم أتعرف على الشارع، شارع بيتي. آلاف الناس كانوا يغادرون، متزاحمين، يبكون، ووجوههم تحمل الرعب ذاته الذي يسكن جسدي. كنا جميعاً واحداً، نشترك في شعور هائل واحد يلفّنا جميعاً. كان الناس يحاولون الدخول لإخلاء أطفالهم الصغار الذين كانوا وحدهم في المنازل، أو آبائهم المسنين. لم يُسمح لهم بالدخول.

كان الجرحى يفرضون الصمت حين يمرّون، كنا جميعاً ننظر برعب، نرى ما نخافه أكثر وقد أصاب الآخرين. طفل صغير لا يتجاوز عمره السنتين، بقدم مبتورة عند الكاحل، لفّ والده موضع البتر بشاش أبيض. لا بد أن طبيباً أو صيدلياً ساعده: كان الطفل نائماً، ربما تحت تأثير مهدئ. لم يُسمح لسيارات الإسعاف بالدخول في الليلة السابقة.

غادرنا، لكن آخرين لم يغادروا. نجونا، لكن كثيرين لم ينجوا. لدينا مكان نبيت فيه، لكن غيرنا لا يملك ذلك. أن تتركهم خلفك، أولئك الذين كانوا معك طوال خمس عشرة دقيقة طويلة، يعني أن تترك جزءاً من روحك، تتركه مع عيونهم وألمهم. هم، وهم وحدهم، من سيفهم يوماً كيف تشعر.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد