أنا ريما (اسم مستعار) من عفرين، أعيش في مدينة القامشلي بغرض العمل، أما عائلتي، فقد كانت تقطن حي الأشرفية بمدينة حلب، قبل أن تُهجَّر منه للمرة الثالثة حتى الآن. كانت المرة الأولى في العام 2013، حينما نال المبنى الذي نقيم فيه نصيبه من القصف المتبادل بين "الجيش الحر" وقوات النظام في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، ما ألحق أضراراً كبيرة بمنزلنا. بقينا محاصرين في القبو لأربعة أيام، إلى أن فُتح ممر آمن، خرجنا عبره متوجهين إلى مدينة عفرين.
تملك شريحة واسعة من أهالي عفرين منزلين، أحدهما في عفرين، والآخر في حلب، بغرض العمل والدراسة.
بعد النزوح الأول توجهنا إلى منزلنا في جنديرس بريف المدينة، وعشنا هناك حتى العام 2018، إلى أن بدأت عملية "غصن الزيتون" التركية، التي عشنا بسببها التهجير الثاني، وتقطعت بنا السبل، لا نملك منزلاً يؤوينا، فمنزلنا في الأشرفية مدمّر، ولا نملك المال الكافي لإصلاحه وترميمه. حينها قامت عائلتي باستئجار منزل في حي السريان، إلا أن تعلقنا الشديد بالأشرفية، دفعنا للعودة إلى الحي، واستئجار منزل آخر، قرب بيتنا المدمر.
في الوقت نفسه، تم الاستيلاء على منزلنا في عفرين. تلقى أبي اتصالاً في العام 2018، من أحد أهالي داريا، يخبره فيه أنه يقطن في منزلنا الذي أصابه بعض الضرر نتيجة سقوط القذائف بالقرب منه، ويطلب منه المال حتى يقوم بإصلاحه. رفض والدي طلبه، كما رفض مسامحته لإقامته في منزلنا.
"الموت قادم من الجهة اليسرى"
10 كانون الثاني 2026
استطاع أحد معارفنا استطلاع أحوال المنزل ويطمئننا بشأنه بعد وقوع زلزال العام 2023، الذي أصاب جنديرس بأضرار كبيرة، وجعل الحركة من وإلى عفرين تزداد. أخبرنا أن المنزل لم يتضرر فقد كان محاطاً بأشجار الزيتون، لكنه بات مسوّراً بالكامل، ومحاطاً بالكاميرات في كل زاوية منه، فقد سكن فيه قائد فصيل يتبع لـ "أحرار الشرقية".
بعد سقوط النظام في أواخر العام 2024، تمكن كثيرون من زيارة عفرين للاطمئنان على ممتلكاتهم، وكان والدي أحدهم. توجه إليها بعد مرور أشهر على سقوط النظام، برفقة أحد وجهاء المنطقة، وحين وصل لمنزلنا خرج قاطنه وتهجم لفظياً على والدي، واصفاً إياه بـ "الخنزير" والـ"قسدي"، وما كان من والدي إلا أن قام بتهدئته، موضحاً أنه مدني، لم يحمل سلاحاً يوماً، ويريد العودة لمنزله، بعد أن قضى سنوات في منزل بالأجرة. كان رد محتل المنزل طلب أكثر من 5000 دولار أمريكي مقابل الخروج من المنزل.
عائلتي ليست ميسورة الحال، ولا تستطيع دفع مبلغ ضخم جداً كهذا. بعد تدخّل الوجيه، قام محتل المنزل بخفض المبلغ إلى النصف، وهو ما لا طاقة لنا به أيضاً. استطعنا أنا وأخي تدبر أمر جمع قرابة 1000 دولار أمريكي، وطلبنا من والدي التوجه إليه في محاولةٍ أخرى لإقناعه بمغادرة المنزل، إلا أنه أخذ المبلغ ولم يخرج، وبات يتواصل مع والدي بين الفترة والأخرى، يسأله عما إذا قام باستكمال المبلغ المطلوب، حتى اضطر أبي لإقفال هاتف لمدة شهرين.
أخبر هذا الشخص، الذي ينحدر من مدينة دير الزور، أبي أنه لن يخرج من المنزل إلى أن تخرج قوات سوريا الديمقراطية من مدينته. وفي آخر تهديد له، لم ينفذه بعد، وهو المنتمي ل "الأمن العام" الآن، وضعنا أمام خيارين، إما دفع المبلغ، أو أنه سيخرج من المنزل، لكن بعد تفجيره.
في الهجوم الأخير على حيي الأشرفية والشيخ مقصود، خرجت عائلتي للمرة الثالثة من منزلهم، برفقة عائلة شقيقتي، وتوجهوا مضطرين هذه المرة أيضاً إلى عفرين، فقد كانت الطريق المؤدية لمنطقة الجزيرة مقطوعة حينها. كنت أنتظر بفارغ الصبر أن يصلوا إلى القامشلي، حتى أنني قمت بتجهيز منزلي المتواضع، استعداداً لاستقبالهم، إلا أن السائق أكد لي استحالة ذلك. كان الازدحام شديداً، واستغرقت الرحلة التي تدوم عادة أقل من ساعة، حوالي سبع ساعات.
أخبر هذا الشخص، الذي ينحدر من مدينة دير الزور، أبي أنه لن يخرج من المنزل إلى أن تخرج قوات سوريا الديمقراطية من مدينته. وفي آخر تهديد له، لم ينفذه بعد، وهو المنتمي ل "الأمن العام" الآن، وضعنا أمام خيارين، إما دفع المبلغ، أو أنه سيخرج من المنزل، لكن بعد تفجيره.
اليوم تعيش عائلتي في منزل شقيقتي؛ التي خسرت أيضاً أكثر من منزل، وتمكنت بصعوبة بالغة من استعادة أحدها،بعد دفع مئات من الدولارات. شقيقتي تلتقي من سلبها منازلها كل يوم.
تتوسل إلي والدتي بألا أكتب شيئاً عن معاناتهم على وسائل التواصل الاجتماعي خوفاً على شقيقيّ. أخبرتني في آخر محادثة بيننا أنهم حين خرجوا من الحي، أمسكت بيديهما طوال الطريق كمن يمسك يدي طفلٍ صغير خشيةً أن يتعرّض أحد لهما، لكنها سمعت أحد قاطني الحي من غير الكرد حين قالت "روحة بلا رجعة".
بقعة ضوء على المجتمع المدنيّ السوريّ : الحلقة الثانية عشرة
20 كانون الثاني 2026
اليوم عادت اثنتان من عائلتي إلى منزليهما في الأشرفية، أما والدتي فإنها ترفض قطعاً أن تعود خوفاً على شقيقيّ، وتعيش في حسرة أنها لا تستطيع السكن في منزلنا في عفرين، أما شقيقتاي فتخبراني أن الوضع في الحي لا بأس به، وأن وجوهاً غريبة كثيرة تتواجد فيه، إلى جانب الوضع الخدمي السيء، وأنقاض البنايات التي لا زالت على الأرض، يترافق ذلك بشعور خوف يخيم على الجميع، فمن يدخل الحي يتعرض لتدقيق شديد، وخاصةً الشباب في مقتبل العمر.
وسط كل ما يحدث، نشعر اليوم نحن أهالي عفرين أننا قد تحولنا لورقة ضغط في يد الجميع، وما يشعرنا بالخذلان هو خسارة الممتلكات في عفرين، فلا أحد يتعامل بجدية مع هذه القضية.
في فترة الهجوم على الحي، كنت أشعر أنني غائبة عن الوعي، ويصعب علي حتى الآن استيعاب ما حدث، كان الهاتف لا يفارقني، والخط مفتوح بيني وبين عائلتي. كنت أشعر بمسؤولية كبيرة، فقد كانوا ينتظرون مني أن أجلب لهم أخباراً جيدة وأطمئنهم بأنهم لن يجبروا على ترك منزلهم. أنبني ضميري لكوني بعيدة عنهم، حتى أنني تواصلت مع بعض الأطراف بغية مساعدتي في الوصول إلى حلب.
في آخر زيارة لي إلى حلب، رافقت شقيقتي إلى أعلى نقطة فيها، في الجزء الشرقي من حي الشيخ المقصود، لنشرب القهوة، ورغم أنه ليس من عادتي توثيق هذه اللحظات بالصور، إلا أن شعوراً داخلياً دفعني لالتقاط صورة للمشهد أمامي. اليوم أنظر لتلك الصورة، وأشعر أنه سيمر وقت طويل قبل أن أعود وأراه مجدداً، وسيكون شعوراً قاسياً. كفتاة كردية، سأعود مكسورة.






