قُدّم عرض "الظلّ الطويل لألويس برونر" لتجمّع "مقلوبة" في مهرجان دي-كاف/ مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة في القاهرة، في نسخته الأخيرة، أكتوبر/تشرين الثاني الماضي، على خشبة مسرح الجيزويت. وهو تجربة مسرحية سياسية في جوهرها، تحفر في جسد الذاكرة السورية من باب غير مباشر: كيف تستمر النازية حيّة في دمشق، لا عبر الخطاب الأيديولوجي، بل داخل بنى القمع التي ورثت "مدرسة" الجلاد النازي الهارب ألويس برونر.
برونر ليس شخصية تاريخية عابرة، بل جزء عضوي من جينات التعذيب السورية. الرجل الذي لجأ إلى دمشق بعد سقوط النازية، وتحوّل إلى خبير لدى الأجهزة الأمنية، لا يعود إلى الخشبة في 2023 بوصفه "مجرم الماضي" (افتُتح العرض عام 2023 على مسرح شاوشبيل لايبزغ ضمن مهرجان المشهد الأوروبي)، بل بوصفه ظلّاً يعمل الآن. ظلًّا يُخضع ويشرّع، ويمتدّ على وجوه ناجين ما تزال تجاربهم مفتوحة على الألم.
لكن المفارقة أن العرض لا يظهر فيه برونر إلا كحضور سياسي كثيف عبر الغياب. غيابٌ يصفه العرض بأنه "ظلّ طويل" يتجاوز سيرة رجل، ليغدو نظرية حكم في سوريا. فالسؤال الذي يطرحه العمل منذ بدايته: من يحاكم من صنع السجّان؟ وهل نال الناجون عدالةً تليق بذاكرتهم وندوبهم؟
على الخشبة، الممثلان محمد آل رشي ووائل قدّور لا يجسّدان شخصيات متخيلة بل يؤديان نفسيهما كمسرحيَّين يحاولان الاشتغال على نص غير مكتمل للكاتب مضر الحجي. الكاتب غائب، لكن غيابه يتحوّل إلى قوة تدفع البحث إلى الأمام. ومع تقدّم العرض، ينقلب العمل من محاولة لكتابة مسرحية "عن الماضي" إلى مواجهة مباشرة مع حاضر لم ينتهِ بعد.
المسرح هنا لا يستعيد التاريخ، بل يكشف آلية دفنه وإخفائه. ولا يصنع شخصية شرّيرة، بل يعرّي الأنظمة التي تبنّت الشرّ كسياسة حكم. بهذا المعنى، "الظلّ الطويل لألويس برونر" ليس عرضاً يروي ما حدث، بل عرضٌ يكشف ما لا يزال يحدث.
مسرح عن المسرح: حين يصبح البحث هو العرض
يشتغل "الظلّ الطويل لألويس برونر" على منطقة شائكة في المسرح المعاصر: مسرح عن المسرح نفسه. فالنص الذي وضع خطوطه الأولى مضر الحجي غير مكتمل، والكاتب غائب عن الخشبة ومختف عن الأنظار لعدم قدرته على إتمام كتابة النص. على الجانب الآخر، يقف محمد آل رشي ووائل قدّور في مواجهة هذا الغياب، يحاولان إيجاد الأدلة المكتوبة على قصاصات ملونة خبأها مضر، بناء النص وفهمه، تفكيكه، وإعادة تركيبه أمام أعين الجمهور.
العملية الإبداعية — التي تتم عادةً في كواليس مغلقة — تُعرَض هنا كموضوع للعرض نفسه. فالسؤال لا يصبح "كيف نمثّل برونر؟"، بل: كيف يمكن تمثيل العنف السوري؟ من يملك حق الكلام؟ ومن يملك حق الصمت؟ وهكذا ينتمي العرض إلى صميم تقاليد المسرح ما بعد الدرامي: لا مركزية للنص الجاهز، المعنى يُصنع لحظة بلحظة، الممثل باحث وشاهد ووسيط في آن.
وتتعزز هذه الرؤية عبر بنية أداء متعددة الطبقات، تنكسر فيها الحدود بين التمثيل والواقع، بحيث تتجاور على الخشبة ثلاثة مستويات وجودية للممثل: الممثل كذات حقيقية حيث يناقش محمد ووائل البروفات والصناعة المسرحية، كاشفين هشاشتهما الشخصية أمام الجمهور. والممثل داخل الشخصية حيث يتحوّل الجسد إلى حامل لذكريات ليست ذكرياته، لكنه يعرّيها، حين يجسد خطوط الحكاية المتخيّلة عن برونر. والممثل كوسيط للكاتب الغائب، ففي لحظات يصبحان صوت مضر الحجي نفسه، المستمر في مساءلة التاريخ حتى وهو خارج المسرح.
هذا اللعب المتداخل لا يهدف إلى تجسيد برونر، بل إلى كشف المنهج الذي خلّفه وراءه. فالمعنى لا يستقرّ في الشخصية الغائبة، بل في المنظومة الحاضرة التي جعلت ظله طويلاً إلى هذا الحد.
دمشق المفقودة: الهوية كمنفى ممتد
في أحد مساراته الخفية، يقدّم "الظل الطويل لألويس برونر" صورة أخرى لدمشق—لا مدينة السجّان فقط، بل مدينة الذاكرة التي حملها الممثلون معهم إلى المنافي. عبر استدعاءات شخصية لزمن ما قبل 2011، يترك العرض للجمهور شذرات من مدينة كانوا يسكنونها ذات يوم: مقهى في الشام القديمة، شارع يفضي إلى المسرح القومي، المعهد العالي للفنون المسرحية، أصوات آذان الفجر المنساب من مآذنها وتفاصيل الحياة اليومية التي سبقت لحظة الانهيار. تتحوّل الذكرى هنا إلى وثيقة مقاومة؛ فدمشق الحقيقية لم تعد متاحة، لكن سردها على الخشبة يصبح طريقة لإبقائها حيّة.
هذه العودة المسرحية إلى المدينة ليست حنيناً بسيطاً، بل سؤالاً مؤرقاً عن الهوية: هل يبقى السوري سورياً وهو بعيد عن بلده؟ وماذا تعني سوريا حين تصبح مكاناً لا يُمكن العودة إليه؟
العرض يطرح معضلة الوجود نفسها، سوريا التي تربّينا عليها—سوريا الفن والصداقات والمستقبل—لم تعد موجودة. والسوري الذي غادرها حمل معه وطناً آخر، وطناً ممزقاً بين الذاكرة والواقع، بين عشق المكان وخوف العودة إليه، بين انتماء لا يريد أن يموت وكيان سياسي يواصل طرد أبنائه.
هكذا، يصبح حضور دمشق على الخشبة أرشيفاً للكينونة السورية، المدينة التي لم تعد كما كانت، والمواطن الذي لم يعد يعرف إن كانت بلاده تعترف به بعد. هو وطنٌ يُستعاد بالكلام فقط— وبالمسرح، حين يتحوّل الجرح إلى سرد، والمنفى إلى هوية معلّقة.
المسرح كاستجواب… والذاكرة كدليل إدانة: الأداء والسينوغرافيا والإيقاع
يصوغ "الظل الطويل لألويس برونر" لغته المسرحية من اقتصاد بصري صارم: طاولةٌ و خمس كراسٍ وأوراق مبعثرة في المكان، طابعة، سلة مهملات وستارة خلفية تستخدم كشاشة إسقاط، تتوضع كلها على منصة منخفضة الارتفاع لتحدد فضاء الغرفة، وممثلان يبدوان كأنهما في غرفة تحقيق أكثر من كونها خشبة مسرح أو.. الغرفة التي كان يكتب فيها مضر. هذا الاختزال ليس تقنياً، بل خيار دلالي: السينوغرافيا هنا هي "الجهاز الأمني" نفسه؛ فضاء ضيّق يشبه أقبية دمشق ومكاتب مخابراتها حيث الضوء لا يكشف بل يطارد.
الإضاءة ــ بتدرجاتها الحادّة والملساء ــ تخلق مناخاً مستمراً من الرقابة. بقعة ضوء مسلطة بدقة على وجه الممثل تكفي كي يشعر المتفرّج أن أحداً ما يستجوب هذا الجسد، حتى وهو يحكي بصدق شديد. الظلال ليست مؤثراً بصرياً: إنها الظلّ الطويل لبرونر الذي يخنق كل مشهد.
الأداء هنا هو مركز الثقل. محمد آل رشي ووائل قدّور لا يقومان بأدوار، بل يتنقّلان بين ذوات متراكبة، ذات الممثل أمامنا مباشرة، ذات الشخصية التي تحاول تمثيل الصدمة، وذات الضحية أو الشاهد الذي يُستدعى من الذاكرة.
هذا الانزلاق بين طبقات الأداء يتم بسلاسة لافتة: نظرة قصيرة تكفي للانتقال من مستوى إلى آخر. القدرة على الإصغاء، وارتجاف الجسد عند ذكر حقيقة ما، تمنح اللحظة صدقاً يتجاوز التمثيل ويصل حدّ الاعتراف.
الإيقاع مدروس بعناية: يبدأ العرض كلعبة بحثية عن نص غائب، ثم يتدرّج نحو مواجهة حيّة مع عنف غير قابل للتمثيل. القطوع المفاجئة بين المشاهد لا تعكس ضعفاً بنيوياً، بل بنية ذاكرة صادمة—ذاكرة لا تروي الأحداث بترتيب منطقي، بل تقذفنا داخل الهاوية بلا مقدّمات.
حتى الشاشة الخلفية—بما تحمله من أسماء وجهاز أرشيفي ثقيل—لا تؤدي وظيفة خلفية تجميلية، بل هي منصّة اتهام تلاحق الجميع: من برونر، إلى من تبنّى إرثه الأمني في سوريا. وكأن المسرح هنا يحاول أن يعيد كتابة المحضر، بعدما ظلّ الجاني خارج الكادر لعقود.
إنّ هذا الاتساق بين الأداء والفضاء والضوء والتقطيع يجعل العرض يشتغل داخل أعصاب المتفرّج لا على بصره فقط.
الختام بوصفه فعل مقاومة: شهادة لا تسمح للنسيان أن ينتصر
يبلغ "الظل الطويل لألويس برونر" ذروته حين يتشظّى الختام إلى مستويين متوازيين، يمنعان الحدث من أن يُطوى ببساطة داخل "نهاية مسرحية". على الشاشة، تُعرض أسماء مسؤولين سياسيين وأمنيين سوريين بوصفهم امتداداً مباشراً لإرث برونر؛ تاريخ لا يزال قيد العمل، لا يمكن تهذيبه داخل الماضي. إنها نهاية "تُشهِر" الحقيقة بدل أن تكتفي بتلميحها.
لكن ما يحدث بعدها أكثر جذرية: محمد آل رشي يسقط عن التمثيل، ويتقدّم بشهادته الشخصية بوصفه معتقلاً سابقاً وكأننا أمام بداية أخرى لعرض انتهى منذ لحظات. هنا لا نتلقى أداءً، بل أثراً. الجسد يتحوّل إلى وثيقة لا يمكن التشكيك بها؛ صوت يرتعش، جملة تُقطع خوفاً من اكتمالها، وانحناءة غير إرادية أمام ذاكرة لا تسمح للعمود الفقري أن ينتصب. ليست هذه عناصر تقنية، بل ندوب تُعرَض كحقيقة.
وهنا تتجلّى المفارقة القاسية التي يضعها العرض في وجهنا: برونر، النازي الذي لجأ إلى سوريا واستُقبل كخبير في بناء أجهزتها الأمنية، بات ظلاً فوق كل من لجأ لاحقاً هرباً من هذه الأجهزة ذاتها. من بقي من "المدرسة"، ومن نفذ إلى أوروبا محمولاً على ملفات اللجوء؟ أصبح الضحايا — مثل محمد — لاجئين يروون حكايات جلّاد كان هو نفسه لاجئاً في وطنهم. وما حدث مع أنور رسلان الذي حقّق مع محمد، ثم أصبح هو اللاجئ الذي يُحاكَم في أوروبا، يكشف انقلاب الأدوار: من كان يحاكم في الأقبية، بات شاهداً في المحاكم؛ ومن كان فوق القانون، صار مطارداً به.
بهذا التوازي بين التسمية العلنية للجلّاد وشهادة الناجي، يصوغ العرض خاتمة لا يمكن أن تُغلق. فالعدالة لم تتحقّق بعد… لذلك تُؤجَّل النهاية. وبرونر، الغائب جسدياً، يعود حضوراً سياسياً لا ينطفئ لأن نتائجه لا تزال تتوالد. يستعير العرض من القضاء منطقه الأخلاقي: إن لم يُحاكَم الماضي، فسوف يواصل الحكم على الحاضر. هكذا يصبح الختام فعل مقاومة؛ مقاومة ضد النسيان، ضد التجميل، ضد الخضوع لفكرة أن الزمن وحده يمكن أن يعالج الجراح. فالجرح هنا لا يزال على قيد الذاكرة— والشهادة ليست ختاماً… بل مطالبة مؤجلة بالعدالة.
بطاقة العمل:
الكاتب: مضر الحجي، المخرج: عمر العريان، الممثلان: وائل قدّور، محمد آل رشي، الدراماتورجيا والبحث: إريك ألتوفرر، التصميم: يوناس فوغت، الصوت والموسيقى: فنسنت كوماريه، المنتج الدولي: إيكهارد تيمن
عن تجمع مقلوبة:
تأسس في عام 2016، ويجمع تجمع مقلوبة فنانين سوريين ودوليين لصناعة مسرح سياسي باللغة العربية. يقع مقره في ألمانيا ويعمل في جميع أنحاء أوروبا، ويستكشف قضايا الهجرة واللجوء والهوية من خلال تجريب مسرحي جريء.











