نُشر هذا النص بالأصل بالإنجليزية على المجلة الأخت أنتولدماغ.
تعيد الدراما التلفزيونية إنتاج مفاهيم الطهارة والرجولة والانتماء بوصفها طقوساً جماعية وأسطورة سياسية، فيما تُقصي التاريخ المتعدّد وتُخفي التصدّعات القائمة.
في 29 آذار/مارس 2025، اعتلى وزير الثقافة في الحكومة الانتقالية السورية محمد ياسين صالح المنصّة خلال حفل التعيين، وافتتح خطاب القسم بتلاوة آيات من القرآن، ثم أتبعها ببيتين من الشعر بدت كلماتهما وكأنها تختصر مزاجاً عاماً أكثر مما تعبّر عن مناسبة سياسية:
"لقد صمنا عن الأفراح دهراً
وأفطرنا على طبق الكرامة
فسجّل يا زمان النصر سجّل
دمشق لنا إلى يوم القيامة".
وسرعان ما أضاف توضيحاً، كأنه يتدارك ما قد تحمله العبارة من دلالة إقصائية:
"وعندما نقول لنا، فإننا نعني الجميع، بكل عرق ودين، ومبتدأ ومنتهى".
لكن التناقض كان حاضراً في اللحظة نفسها. فحتى وهو يؤكّد على الشمول، استدعى الخطاب صورة لدمشق مُطهَّرة ومُمجَّدة، مدينة نصر متخيَّل، متجذّر في مخيال عربي-سنّي يتعامل مع ذاته ككيان منفصل في واقعٍ سوريّ يتّسم بالتشظّي والانقسام.
عاصمة الأمويين
خلال ساعات قليلة، انتشر المقطع على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي. تحوّلت الأبيات إلى نشيد رقمي لـ"سوريا الجديدة"، وغالباً ما كانت تُرفَق بعبارة واحدة لامعة بدت وكأنها تختصر وعد الولادة من جديد: "دمشق عاصمة الأمويين".
كانت الخلافة الأموية، أو الدولة الأموية (661-750م)، ثاني خلافة في التاريخ الإسلامي، وواحدة من أوسع دول العصور الوسطى امتداداً خلال سنوات أوجها، فقد امتدت أراضيها من تخوم الصين غرباً إلى جنوب فرنسا، وشملت شمال إفريقيا والمغرب وإسبانيا والسند وما وراء النهر.
اتخذ الأمويون من دمشق عاصمةً لهم، وشهدت الحقبة الأموية تعريب الإدارة، وذلك في عهد عبد الملك بن مروان، تاركة إرثاً سياسياً وثقافياً طويل الأمد. غير أن هذه الحقبة لم تتصف بالانسجام أو الاستقرار، بل شهدت أيضاً صراعات عميقة على السلطة والشرعية، كان من أبرزها ترسّخ الانقسام السني-الشيعي بمقتل الحسين بن علي حفيد النبيّ محمد، إلى جانب تمرّدات سياسية ودينية متكرّرة داخل الدولة نفسها. مع ذلك، ما يزال هذا الإرث يُستدعى ويُرمَنَس في المخيالين السوري والعربي المعاصرين، كزمن مجدٍ مكتمل لا تشوبه تلك التوترات.
غير أن العبارة نفسها "دمشق عاصمة الأمويين" ليست جديدة. فقد استخدمها رئيس النظام المخلوع بشار الأسد قبل سنوات في سياق استمالة المخيال الحنيني، حين قدّم المدينة بوصفها "عاصمة الأمويين ومهد الحضارة العربية". إلا أن هذه العبارة اكتسبت دلالة مختلفة بعد سقوطه؛ إذ غدت حنينية وخلاصية في آنٍ معاً، حلماً بالأصالة بعد عقود من الإذلال والاستبداد.
في هذا الخطاب المتحوّل، لا تعود "دمشق عاصمة الأمويين" مجرد شعار؛ إنها أسطورة وجدانية، وعدٌ بالطهارة والبعث، في مخيال عربي-سنّي يسعى إلى استعادة تماسكه، عبر استدعاء زمنٍ متخيَّل كأصل نقي.
ولم يعد خطاب الحلم الأموي حكراً على السلطة أو المعارضة وحدهما، بل بدأ يتجذر في المخيال الأخلاقي والروحي الذي يرى من خلاله كثير من السوريين والسوريات، من أبناء المجتمع العربي-السنّي، موقعهم في التاريخ. وبعيداً عن كونه خطاباً عابراً ارتبط بسقوط الأسد أو جدلياً، بعودة "الأكثرية" إلى مفاصل الحكم، أصبح هذا الحلم إطاراً للتعرّف إلى الذات، وطريقةً لإعادة تشكيل "الأمة" بوصفها جماعة أخلاقية مُقدَّر لها أن تُستعاد.
الاستشراق من الداخل
في هذا المخيال، لا يُفصل بين النصر والفضيلة. حيث تتطابق مُثل الإيمان والرجولة والشرف، وتُستعاد من خلال ذلك صورة جماعةٍ يُنظر إليها بوصفها متماسكة وصحيحة أخلاقياً.
هذه اللغة ليست طارئة. فقد ظهرت سابقاً في أشكال ثقافية شعبية، أبرزها المسلسل المشهور "باب الحارة" وغيره من مسلسلات البيئة الشامية ذات الانتشار الواسع. عُرض باب الحارة للمرة الأولى في العام 2006، وتخيّل حيّاً دمشقياً في ثلاثينيات القرن الماضي بوصفه جماعة أبوية مغلقة من "رجال شرفاء" يحمون التقاليد والوطن. وعلى امتداد ثلاثة عشر موسماً، ومع بثّه المتواصل في مختلف أنحاء العالم العربي، تحوّل المسلسل إلى مرجعٍ رمزي عن سوريا، حتى بات كثيرون من العالم العربي يختزلون معرفتهم بسوريا ودمشق في هذه الصورة تحديداً.
لا تكمن أهمية "باب الحارة" في كونه عملاً درامياً شعبياً فحسب، بل في كونه أسّس لحنينٍ جماعي إلى ماضٍ يُقدَّم بوصفه نقياً ومتماسكاً، تُستبعَد منه الاختلافات الاجتماعية والتاريخية، ويُقدَّم فيه الانضباط الذكوري كشرط للاستقرار والفضيلة. هكذا يُعاد إنتاج الشوق إلى جماعة مثالية تُدار بالأبوية، وتُحرس بالرجولة، ويُنظر إلى أي خروج عنها بوصفه تهديداً أخلاقياً.
يُستخدم مفهوم الاستشراق عادةً لوصف الصور والأفكار التي أنتجها الغرب عن الشرق، والتي قدّمته بوصفه كياناً ثابتاً، تقليدياً، ومختلفاً جوهرياً، وغالباً أدنى حضارياً. غير أن الاستشراق لا يعمل فقط بوصفه نظرة خارجية مفروضة، بل يمكن أن يتحوّل إلى طريقة تفكير تتبنّاها المجتمعات عن نفسها، حين تعيد إنتاج هذه الصور وتتعامل معها بوصفها تعبيراً عن "الأصالة" و"الجوهر الحقيقي".
يُستخدم مفهوم الاستشراق عادةً لوصف الصور والأفكار التي أنتجها الغرب عن الشرق، والتي قدّمته بوصفه كياناً ثابتاً، تقليدياً، ومختلفاً جوهرياً، وغالباً أدنى حضارياً. غير أن الاستشراق لا يعمل فقط بوصفه نظرة خارجية مفروضة، بل يمكن أن يتحوّل إلى طريقة تفكير تتبنّاها المجتمعات عن نفسها، حين تعيد إنتاج هذه الصور وتتعامل معها بوصفها تعبيراً عن "الأصالة" و"الجوهر الحقيقي".
في هذا السياق، لا يعود الاستشراق وافداً من الخارج، بل ينبثق من الداخل، من رغبةٍ في تمجيد الذات عبر تخيّلها في صورة مُنقّاة ومثالية، تُعلي من الطهارة والأصالة، وتُقصي ما لا ينسجم مع هذه الصورة. هنا يصبح الاستشراق آلية تخيّل ذاتي، لا اتهاماً سياسياً ولا خطاباً استعمارياً مباشراً.
والحلم الأموي، بهذا المعنى، شكلٌ من الاستشراق الذاتي: نظرةٌ مُستبطَنة تبحث عن الخلاص لا عبر التحوّل، بل عبر التشابه مع "جوهر" متخيَّل للشرق ذاته، وإن تقاطع بنسب كبيرة مع مُثُل تلك الفترة من الذكورية والوصاية الدينية.
وإذا كان الحلم الأموي يشكّل المفردات الأيديولوجية للشكل السياسي الجديد في سوريا، فقد وجد أيضاً تعبيراً قوياً في الإعلام والفضاء الرقمي العام. منذ مطلع العام الماضي، بدأت بعض الوجوه في الإعلام المقرّب من الحكومة إلى جانب مؤثّرين على السوشال ميديا، في استدعاء رمزية "بني أمية" لا بوصفهم سلالة تاريخية فحسب، بل نسباً أخلاقياً، واستعارةً للشرف والاستمرارية والإيمان.
مئات الأمثلة، التي تحصد مئات آلاف المشاهدات وآلاف التفاعلات والتعليقات يمكن رصدها منذ العام الفائت وحتى اليوم، ومنها ما نشره ذات مرة قتيبة ياسين، المؤثّر المقرب من السلطة في دمشق، في فيديو انتشر واسعاً وحمل عنوان: "رجال الكرامة من السويداء يقفون جنباً إلى جنب مع أبناء بني أمية في دمشق". يُظهر المقطع مجموعةً من الرجال الدروز يحتفلون بما سمّاه ياسين "تحرير أرض الأمويين". ورغم أن التعليق ركّز على الوحدة والأخوّة، فإن اختيار التعبير ذاته يكشف مدى رسوخ هذه الجغرافيا الأخلاقية في تخيّل "سوريا الجديدة".
الأنماط البصرية لهذا الخطاب
انتشرت على فيسبوك وبقية وسائل التواصل الاجتماعي عشرات الصفحات والمجموعات التي تحمل أسماء مثل "سوريا الأموية" أو "بنو أمية". تمزج منشورات هذه الصفحات بين رموز وطنية ونبرات دينية، لتُنتج فضاءً رقمياً تُقدَّس فيه الذاكرة، ويُكسى التاريخ بطابع جمالي يخفي تعقيده، ويُعاد تقديمه بوصفه صورةً مثالية ومرجعيةً أخلاقية في آنٍ واحد.
حتى لحظات سوء الفهم تكشف حجم الشحنة الوجدانية التي باتت تحيط بهذه الرمزية. ففي أحداث العنف الطائفي التي شهدتها مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية في تموز/يوليو 2025 أُسيء تفسير لافتة كُتب عليها "السويداء بلا أُمّية" (أي بلا جهل بالقراءة والكتابة) على أنها "السويداء بلا بني أمية"، ما فجّر موجة غضب لدى مجموعة مسلّحة كانت موجودة في المكان وأنصارها.
لم تكن حدّة ردّ الفعل مجرّد نتيجة لالتباس لغوي، بل مؤشراً على الدرجة التي باتت فيها "الأموية" علامة رمزية غير قابلة للنقاش: رمزاً يختزل التاريخ والدين والشرعية الوطنية في معنى واحد.
وتتجلّى رمنسة الحلم الأموي بوضوح عبر صور مشبعة بالدلالات الجندرية/الجنسانية، تدمج الطهارة والبطولة والإيمان بشكل بصري واحد. ففي مقاطع مصوّرة واسعة الانتشار على أنغام أغنية "بنو أمية أصلهم ذهب"، يُقدَّم الرجال بوصفهم حرّاس نسبٍ متخيَّل يُمنح صفة القداسة.
يُظهر أحد هذه المقاطع واسعة الانتشار الرئيس الانتقالي أحمد الشرع ممتطياً جواداً في مشهد بطيء ذي طابع سينمائي، يُحاكي صورة الفضيلة الذكورية والاصطفاء الإلهي. ويُصوّر مقطع آخر، التُقط في ساحة الأمويين بدمشق، فارساً ملثّماً يحمل راية التوحيد على الإيقاع ذاته.
ورغم أن أشكالاً مختلفة من هذه الرايات وُجدت تاريخياً بوصفها رموزاً دينية عامة، فإن راية التوحيد السوداء تحديداً باتت في سوريا المعاصرة، وفي المنطقة الأوسع، مرتبطة بقوة بجماعات جهادية وسلفية جهادية - ولا سيما تنظيم "داعش" - ما يمنحها دلالات قتالية وطائفية واضحة، لا كونها مجرد رمز ديني محايد.
وتدفع هذه الصور إلى طرح سؤال: ماذا يعني أن يتخيّل مجتمعٌ بعثه من خلال هذه الرموز من الطهارة والفتوّة؟
ربما كان "الحلم الأموي" أقلّ ارتباطاً باستعادة السلطة السياسية بحد ذاتها، منه بإعادة تخيّل الذات، بوصفه جهداً جمعياً لاسترجاع التماسك عبر انعكاسٍ مثالي لما يعتقد أنه كان عليه يوماً.
خيال الماضي الأخلاقي
بالعودة إلى باب الحارة كشكل من أشكال التخيل والاستشراق الذاتي، فقد شيّد المسلسل أيضاً حلماً حوّل "دمشق القديمة" إلى وطنٍ أسطوري لمخيالٍ عربي واسع. لاحظت الجهات الإعلامية وحتى الأدبيات الانتشار الهائل والتأثير الواسع للمسلسل في العالم العربي. كُتب في صحيفة "الغارديان" مرة، أن المسلسل "ظاهرة استثنائية منذ لحظة انطلاقه"، يُشاهَد "من المغرب إلى الكويت"، ويغدو طقساً جماعياً لأمسيات رمضان.
تجاوز باب الحارة كونه مجرّد ترفيه، إذ بلور خيالاً جمعياً لما بدت عليه «الحياة العربية الأصيلة» يوماً: دمشق الشرف، والتقوى، والتضامن الذكوري. وما يميّزه عن غيره من الأعمال الدرامية ليس شعبيته وحدها، بل قدرته على التأثير في الذاكرة الجمعية. وفي مقالة أخرى، كتب الباحث داني مكي أن المسلسل «يسيء تمثيل تاريخ سوريا في زمن الانتداب»، لكنه، على نحوٍ مفارق، يحدّد كيف يُستشعَر ذلك التاريخ ويُتخيَّل.
والحلم الأموي، بهذا المعنى، شكلٌ من الاستشراق الذاتي: نظرةٌ مُستبطَنة تبحث عن الخلاص لا عبر التحوّل، بل عبر التشابه مع "جوهر" متخيَّل للشرق ذاته، وإن تقاطع بنسب كبيرة مع مُثُل تلك الفترة من الذكورية والوصاية الدينية.
بالنسبة إلى مشاهدين كُثر عبر العالم العربي، غدت "الحارة" اختزالاً للفضيلة والمقاومة والأصل، وطناً أخلاقياً يتجاوز الجغرافيا والطبقة. وبهذا المعنى، لم يكتفِ "باب الحارة" بتمثيل الحنين، بل أسهم في صناعته. فقد قدّم للعرب من الرباط إلى الرياض مرآةً يرون فيها نسخة نقية من ذواتهم، محوّلاً دمشق البعيدة، المعقّدة، والمتعدّدة إلى مركزٍ أخلاقي للعالم العربي.
في "باب الحارة"، لا تُقدَّم الطهارة بوصفها شأناً وطنياً أو وجدانياً فحسب، بل تُؤطَّر أيضًا كقيمة أُسرية ومجتمعية محلية. يتحوّل البيت والأسرة إلى وطنٍ مُصغّر تحكمه حكمةٌ أبوية وحياءٌ أنثوي، وتغدو الحارة عالماً أخلاقياً مغلقاً يهدّده كل انحراف، أكان تمرّد امرأة أو خيانة رجل، باعتباره خطراً على نظام الكلّ. ومن خلال ميلودراما الفضيلة والعار، يُحوِّل المسلسل التراتبية الاجتماعية التي يعتليها الرجال إلى حقيقة أخلاقية ثابتة.
الذكورية والانتماء
يجسّد رجال باب الحارة نموذجاً للرجولة المنضبطة، يظهر أيضاً، بصيغ أخرى، في الإحيائية الأموية بعد 2011: رجولة تقوم على اليقظة والحميّة والتشدّد الأخلاقي. وقد علّم المسلسل أجيالاً كاملة أن تنظر إلى الأصالة بوصفها شيئاً مفقوداً ومهدَّداً، أكثر من العامل الأجنبي الغريب عن الأمة، وأن تتخيّل استعادتها عبر الطاعة ونظام جندري هرمي واضح المعالم.
لا يكتفي باب الحارة بإعادة إنتاج صور نمطية عن "المجتمع العربي الأبوي، وإن كانت تتقاطع في مناح كثيرة مع الواقع، بل يعرضها ويُعيد تمثيلها باستمرار بوصفها رغبةً ثقافية، وكأنها الشكل الطبيعي والمرغوب للحياة الاجتماعية. فدمشق التي يتخيّلها، ليست سوى انعكاسٍ لما ترغب الذات أن تراه في نفسها: مدينة غير ملوّثة بالحداثة، ومنتصرة بفضيلتها.
يكشف كلٌّ من الحلم الأموي وباب الحارة عن طريقتين مختلفتين لكن متقاربتين في التعامل مع الزمن والماضي. فمن خلالهما، تبني الذات العربية–السنّية تصوراً خاصاً للطهارة، يقوم على اختزال التاريخ في لحظة أو نموذج يُقدَّم بوصفه الأصل الصحيح الذي ينبغي العودة إليه.
ويمكن فهم هذا النمط عبر ما يسمّيه الباحث غسّان موسوي "الاستشراق المتشظّي"، أي الآلية التي تعيد فيها المجتمعات إنتاج التقسيمات نفسها بين التقدّم والتخلّف، والطهارة والفساد، ولكن داخلها هي نفسها، لا في علاقتها بالغرب.
في هذا الإطار، لا يعود الشرق موضوعاً لنظرة خارجية، بل يصبح مجالاً لتصنيفات داخلية تُحدَّد من خلالها من يُعدّ أصيلاً وأخلاقياً، ومن يُنظر إليه بوصفه منحرفاً أو ملوِّثاً للنظام الأخلاقي. ويُعاد ترسيخ هذه التراتبية باستمرار عبر الإعلام والذاكرة والأداء الرمزي، بما يسمح للجماعات بتعريف ذاتها من خلال إعادة رسم حدود الانتماء والإقصاء.
في المخيال الأموي، يُختزل التاريخ في قرنٍ واحد يُمنَح صفة القداسة. فالدولة الأموية - وهي واحدة فقط من حضارات عديدة تعاقبت على المنطقة، يُعاد تخيّلها بوصفها جوهر الهوية السورية الدائم، فيما يتراجع ما سبقها وما تلاها، من الآراميين والبيزنطيين إلى العباسيين والعثمانيين وصولًا إلى الحداثة، إلى هامش الذاكرة الجمعية.
والمفارقة أن قِصر الحقبة الأموية يزيد من قوّتها الرمزية؛ إذ تتحوّل محدوديتها الزمنية إلى دليل على نقائها. وتغدو هذه الزمنية المؤدلجة ركيزة للخطاب السياسي والديني المعاصر، حيث لا يُطرح النداء لاستعادة "دمشق الأمويين" كمشروع تاريخي قابل للنقاش، بل كطقسٍ للانتماء وتأكيد الهوية.
التاريخ المُختلَق
يتلاعب باب الحارة بالزمن بشكل مشابه، لكن على المستويين المحلي والاجتماعي. فالمسلسل يختزل دمشق بأجزاء تقليدية، ويمحو حداثتها الفعلية في مطلع القرن العشرين. إن ثيمة "الأحياء المُبوّبة" في العمل، كما يرد في الأدبيات، اختلاقٌ تاريخي: "لم يكن الحال يوماً أن لأحياء دمشق بوّابات. لدمشق سبعة أبواب رئيسية معروفة حتى اليوم" حسب الباحث عمر الغزي. كما أن شخصية "العكيد"، الزعيم الأبوي الذي يحكم الحي، تقليدٌ مُخترَع لا يعرفه التنظيم الاجتماعي الدمشقي الواقعي. وقد لاحظ المؤرّخ سامي مروان المبيّض أن دمشق باب الحارة تمحو حداثة المدينة: التراموايات فيها، وصحفها، ونواديها الفكرية، ومسارحها، ودور نشرها، لتستبدلها بنماذج مبسّطة من "البيئة الشامية" الذي كرّسته أعمال أخرى سبقته: الحلاق، والخبّاز، وبائع الخضار، والشرطي.
في كلا المخيّلتين، يتم الانتقال من استعادة الماضي إلى إعادة بنائه وتجميله. فالماضي الأموي يُنقّى إلى إيمان وفتح، فيما يُنقّى ماضي باب الحارة إلى فضيلة أبوية ونظام اجتماعي. كلاهما يصوغ تسلسلاً زمنياً أخلاقياً مغلقاً يستبعد تعقيد التاريخ: الأول عبر السلطة الإلهية، والثاني عبر الهرمية المجتمعية.
في باب الحارة، ليست الأبوية بنيةً سردية فحسب، بل محور العالم الأخلاقي ذاته. فالعكيد و"العضاوات" يجسّدون الفضيلة الجمعية: القرار والتضحية والحكمة. ويعتمد استقرار الحي على قدرتهم على صون الشرف عبر الانضباط، ومعاقبة الانحراف بالعنف، واستعادة التوازن الأخلاقي بالطاعة.
يكشف كلٌّ من الحلم الأموي وباب الحارة عن طريقتين مختلفتين لكن متقاربتين في التعامل مع الزمن والماضي. فمن خلالهما، تبني الذات العربية–السنّية تصوراً خاصاً للطهارة، يقوم على اختزال التاريخ في لحظة أو نموذج يُقدَّم بوصفه الأصل الصحيح الذي ينبغي العودة إليه. ويمكن فهم هذا النمط عبر ما يسمّيه الباحث غسّان موسوي "الاستشراق المتشظّي"، أي الآلية التي تعيد فيها المجتمعات إنتاج التقسيمات نفسها بين التقدّم والتخلّف، والطهارة والفساد، ولكن داخلها هي نفسها، لا في علاقتها بالغرب.
أما الشخصيات النسائية فتمثل الدلالات الأخلاقية: إمّا تحفظ كرامة الجماعة بالحشمة، أو تهدّدها بالعصيان. ويصبح العنف طقساً، إذ يكون أداة العدالة، ولا سيما في جرائم الشرف أو "حفظ العَرض". هكذا يُختزل التعقيد الاجتماعي في ثنائية الانضباط والانحلال، بما يشبه "مسرحاً للفضيلة".
يذهب المخيال الأموي بهذا المنطق إلى مستوى أعلى. فأخلاقيات الرجولة في الحي، متمثلة بالرجل الذي يحمي حارته ويستعيد شرفها، يتحوّل إلى صورة "الرجل الصالح للأمة" اليوم. ما مثّله باب الحارة فضيلةً مجتمعية/محلية يعود هنا ببعد ديني: نداءً إلى الوصاية الأخلاقية على مستوى الدولة.
ولا يقتصر هذا التحوّل على مستوى الخطاب؛ بل يتم تأديته وتمثليه عملياً. "الرجل النقي" في الحي يغدو "حامي الأمة"، وصيَّ إيمانٍ متخيَّل بوصفه مظلوماً وسيّداً في آن. وضمن هذا الخطاب، يعني استرداد النظام الأخلاقي أيضاً استرداد الشرعية السياسية لفكرة أن الحكم "الحقّ" للأمة، المرتبط تاريخياً بالعرب السنّة، "سُلِب" في ظل "سلطة الأسد غير السنّية" ويجب أن يُستعاد.
وقد جُسدت هذه الأفكار أدائياً. فقبيل اشتباكات الساحل في آذار/مارس 2025، دعا خطباء وشخصيات محلية مقرّبة من سلطة دمشق إلى "النفير"، وهو مصطلح متجذّر في المعجم الجهادي، مُؤطِّرين التعبئة بوصفها واجباً مقدّساً للحماية والتطهير، وانتهت تلك التعبئات بمجازر من أبناء الطائفة العلوية هناك.
ومع الهجوم على السويداء في تموز/يوليو، استدعت شبكاتٌ عشائرية في سوريا "الفزعة"، التي استخدمت تقليدياً كنداء للتكافل والمساعدة، لكنها تحوّلت هنا إلى فعلٍ أدائيّ عدواني. في الحالتين، غادرت مفردات الطهارة والدفاع البيت إلى ساحة القتال، وغدت "مُثُل الحارة الأخلاقية" ترجمة وطنية للتعبئة.
من دولة البعث إلى الأمة
كان نظام حزب البعث نفسه من أوائل الذين استدعوا أساليب الاستشراقي الذاتي هذه. وكما يلاحظ الباحث حسام عيتاني، فإن "الإحيائية الأموية تنهل من المورد ذاته الذي نهلت منه الأيديولوجيا البعثية التي جعلت الماضي- أيضاً - حلماً يجب أن يكون الدليل إلى المستقبل". ليست الاستمرارية هنا رمزية فحسب؛ فالإطاران معاً أعادا تخيّل النظام الأخلاقي عبر الجسد الذكوري المنضبط وأسطورة البعث الحضاري.
وتُبيّن الباحثة رهف الدغلي في كتابها أن الخطاب البعثي أعاد تمركز صورة الرجل بوصفه "المواطن-الجندي"، الجسد الذكوري المنضبط والمضحي، الذي تُشكّل طاعته وولاؤه واستعداده لممارسة "العنف المشروع" جوهرَ الانتماء ذاته.
لن أنادي بعد اليوم على أحدٍ يا بن عمي
28 حزيران 2025
وما يزال هذا الإرث من الرجولة ذات الطابع الإيديولوجي حاضراً اليوم، سواء في خطاب الحوكمة الإسلامية أو في الثقافة الشعبية التي مهّدت له سابقاً. فالمخيال الأموي لا يأتي قطيعةً مع المخيال البعثي بقدر ما يبني عليه ويرث منطقه، مع إعادة صياغته بلغة دينية. في هذا التحوّل، يُعاد إنتاج نموذج "المواطن-الجندي" بوصفه "المؤمن المقاتل" أو "الرجل الصالح الحارس للجماعة"، وتتحوّل علاقة الولاء من القائد والدولة إلى الطاعة الدينية وتنفيذ ما يُقدَّم بوصفه أمراً إلهياً.
بهذا المعنى، فإن الاستشراق الاجتماعي والسياسي في سوريا ليس إرثاً فحسب، بل ممارسة فاعلة. يُستدام عبر الأداء الجندري والاستثمار العاطفي، عبر طقوس الولاء والخطاب الأخلاقي. كما أن السلطة هنا لا تُفرض من أعلى؛ بل تُعاش ويُؤمَن بها، وأدواتها الجموع الشعبية.
واليوم، يجد هذا المخيال أكثر تعبيراته وضوحاً في خطاب وأداء الحكومة، حيث يمتد نداء "التحرير" الأخلاقي والمناطقي ضمن المنطق نفسه الذي حكم الحارة يوماً: الدفاع عن طهارة الجماعة عبر الفضيلة الذكورية والنظام الإلهي.
كثيراً ما يُستَخدم الاستشراق بوصفه شماعةً جاهزة، وتفسيراً شمولياً يُرجِع كل تشوّهات المنطقة إلى الهيمنة الغربية، ويترك حيّزاً ضئيلاً لمساءلة الإخفاقات من الداخل. وبحصر السيطرة خارج الذات حصراً، يُبرّئ هذا المنظور التراتبيات والأساطير والرغبات الداخلية التي تُعيد إنتاج القمع من الداخل.
هنا تبدو فكرة "الاستشراق الداخلي" لحظة كشف: فهي تُظهر كيف تبني الجماعات "آخرها" الخاص، وتُعيد تمثيل المنطق ذاته من الإقصاء والتفوّق الأخلاقي الذي نُسب يوماً إلى الغرب. وبهذا المعنى، فإن ما يُؤدّى اليوم ليس مجرد مقاومة للاستشراق، بل تدجينه: إعادة إنتاج نظرته في مرآة الذات.











