تمتد حكايات مكتومي القيد لعقود، جرحاً مفتوحاً لعدد كبير من السوريين والسوريات، لا يندمل بالحلول المتاحة، التي غالباً ما تكون ملتوية وأبعد ما تكون عن حقوق الإنسان وكرامته. معاناتهم التي تبدأ مع الولادة وتحفر مصاعب في حياتهم كل يوم لا تزال غير مرئية لمن يعيش خارج شمال شرق سوريا، مكتومة، كالعبء الذي يتحملونه بمشقة.
في مدينة القامشلي، ولدت الشابة الكوردية هلبست محمد، ٢٨ عاماً، مكتومة القيد لأب مكتوم القيد. هي اليوم خريجة كلية الطب في جامعة دمشق، لكنها لا تحمل الجنسية السورية، ولا تملك أية أوراق ثبوتية، مما يعني أنها محرومة من معظم الحقوق المدنية التي يعتبرها مواطنو سورية من البديهيات.
عندما حان موعد التحاقها بالمدرسة، كانت أصغر من أن تعي المصاعب التي توجّب على عائلتها تجاوزها والمحاولات العديدة المتكررة التي قاموا بها لإصدار شهادة تعريفها لدى مختار الحي. باتت معالم المشكلة أكثر وضوحاً في مرحلة الشهادة الإعدادية، عندما لم تحصل على شهادتها رغم نجاحها في الإمتحانات، وتكرر معها الموقف نفسه عندما حصلت على مجموع عالٍ في امتحانات الشهادة الثانوية يخولها الدراسة في كلية الطب.
وولدت مأساة مئات الآلاف من الكورد السوريين، عندما أصدرت حكومة الانفصال في العام 1962 مرسوماً يقضي بإجراء إحصاء على عجل في محافظة الحسكة وحدها، خلال يوم واحد فحسب. نقلت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” في العام ٢٠١٨، عن مصادر رسمية داخل مديرية النفوس في محافظة الحسكة قولها أن عدد المجردين/المحرومين من الجنسية منذ عام 1962 إلى العام 2011 وصل إلى أكثر من 517 ألفاً من الكرد السوريين. بعد اندلاع الثورة في العام 2011، أصدر نظام الأسد المرسوم التشريعي رقم 49 القاضي بمنح الجنسية العربية السورية للمسجلين في سجلات أجانب الحسكة، دون مكتومي القيد.
خارج كفة الميزان: حكاية كردية عن غياب العدالة
21 كانون الثاني 2026
"كان كتم القيد حديثاً يومياً في منزلنا. عندما صدر قرار تجنيس أجانب الحسكة في العام 2011، لم يشمل فئة مكتومي القيد، إذ يحمل الأجانب إخراج قيد ذو لون أحمر، فيما كنا نحمل شهادة تعريف من مختار الحي، توضح مكان إقامتنا. رغبنا حينها أن نصبح (أجانب)، أملاً في أن نتحول إلى مواطنين يوماً، لكن ملاحقة والدي أمنياً حال دون ذلك. لم نقدم على أية خطوة لتغيير حالتنا القانونية."
وفقاً لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، وصل عدد مكتومي القيد في الحسكة حتى العام 2011 لأكثر من 171300 شخصاً، حصل حوالي 50400 منهم على الجنسية، بحلول العام 2018، بعد تحويل وضعهم القانوني من فئة المكتومين إلى فئة الأجانب، ومن ثم إلى فئة المواطنين السوريين، لكن قرابة 41000 شخصاً منهم، لم يستطع تغيير وضعه بسبب مشاكل صادفتها مديرية النفوس أثناء إدخال ملفاتهم إلى قيود فئة أجانب الحسكة، فيما لم يحضر 5000 منهم للمديرية لتصحيح وضعهم القانوني. بحلول 2018، كانت غالبية أجانب الحسكة قد حصلوا على الجنسية 326489 من أصل 346242 شخص، وفقاً لنفس المصدر.
"مذ كنت صغيرة، كنت أطمح بشدة لاكمال تعليمي والحصول على أعلى الشهادات. كانت عائلتي تدعمني بكل ما تملك من قوة، ولم يثبطني وضعنا كمكتومي قيد يوماً عن إكمال رحلتي التعليمية، حتى من قاموا بتدريسي، كانوا يجدون فيّ الفتاة الطموحة. وفي العام 2016، توجهت لدمشق دون وثيقة نجاح، لكنني تحديت الواقع، وذهبت إلى كلية الطب البشري لأسجّل فيها، رغم عدم امتلاكي لأي إثبات على حصولي على مجموع عال، يخوّلني لدراسة الطب، طلبوا مني أن أراجع وزارة التربية، لأحصل على كشف العلامات، لكنه لم يكن كافياً لأتم تسجيلي الجامعي، لذا قدمت طلباً لوزارة التعليم العالي، وهنا بدأت معاناتي الحقيقية، أتنقل بين الوزارتين، في مدينة لا أعرفها، بعيدة عن أهلي، بمصير مجهول. في النهاية، تمكنت من تحقيق الحلم بتسجيل مشروط بعدم منحي مصدقة تخرج بعد إتمام الدراسة."
كانت هلبست تعي أنها لن تحصل على وثيقة تخرج لكنها أصرت على إتمام الدراسة. كانت تتعرض لمضايقات على الحواجز العسكرية، وفي المطار عند سفرها إلى دمشق، ورغم حصولها على استثناءات نظراً لكونها طالبة جامعة، لكنها كانت مضطرة لشرح وضعها مطولاً لأي موظف تضطر لطلب خدمة منه. كانت تستعين بإحدى صديقاتها لاستلام مصروفها الذي يصل كحوالة مالية من أهلها، كما اضطرت لتسجيل خط الهاتف الذي تستخدمه باسم شخصٍ يحمل الهوية السورية، إذ كان تسجيله باسمها يحرمها من معظم امتيازات الاتصال المتاحة للطلاب السوريين.
"كنت واعية بمصيري الدراسي، لكني كنت آمل أن يتغير واقعنا المعاش، الذي كنا نتحاشى فيه الاقتراب من أي فرع أمني أو مؤسسة حكومية، نظراً لوضع والدي الأمني. حين تخرجت في أواخر العام 2021، لم أستلم أي ورقة تثبت تخرجي. سيطر علي شعور عظيم بالألم، وكذلك كان حال أهلي حين رأوا تعبي يذهب سُدىً، ولم أتمكن من أن أتخصص بعد التخرج. عملنا بجدية على إيجاد حل، وقررت عائلتي الاستعانة بمحامٍ ليستخرج لنا أوراقاً بطريقة أو أخرى، رغم وضع والدي."
سري كانيه/ رأس العين.. مدينة فقدت ألوانها وتنوّعها
09 أيلول 2025
حين قررت عائلة هلبست المكونة من خمسة أشخاص، المضي قدماً في إجراءات التسجيل المدني في العام 2022، صدمتها التكاليف المالية المطلوبة لتصحيح أوضاعهم بالاستعانة بمحامٍ، والتي قاربت أربعة آلاف دولار أمريكي، في فترة كان الجميع فيها يعاني من أوضاع معيشية صعبة، "رغم ذلك قررنا تحمّل هذه التكلفة من أجلي، لأحصل على شهادة تمكنني من إتمام الاختصاص."
"كان من المفترض أن أكون في السنة الثالثة من الاختصاص اليوم، لكن الإجراءات كانت بطيئة جداً، فقدت بسببها فرصة بدء التخصص. حصلت على موافقة الأمن السياسي، قبل سقوط النظام بفترة قصيرة، وبعد انتظار طويل، إلا أن المؤسسات الحكومية في منطقتنا أغلقت أبوابها بعد السقوط، وما زالت الشبكة الخاصة بالمكتومين مغلقة أيضاً. فقدت كل أمل في المضي بالإجراءات."
قررت هلبست التوجه إلى دمشق، بعد سقوط نظام الأسد، ومعها الأوراق والموافقة الحديثة، فكان الرد " ما من قرار خاص بالمكتومين إلى الآن، لذا لا يمكن تفعيل الشبكة للعمل على ملفات المكتومين".
"أتمنى أن يتم انصافنا، وتعويضنا على ما فقدناه من فرص طيلة عمرنا .. حياة كاملة عشناها في معاناة" تقول هلبست.
في 16 كانون الثاني/يناير أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع المرسوم رقم (13) لعام 2026، المتعلق بالكورد السوريين، ونصت المادة الرابعة منه على أنه: " يُلغى العمل بالقوانين والتدابير الاستثنائية كافّة التي ترتبت على إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، وتُمنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية جميعهم، بمن فيهم مكتوم القيد، مع مساواتهم التامة في الحقوق والواجبات".
قبيل نشر هذا النص، أكدت هلبست أنها حصلت على الجنسية مؤخراً.






