أثر اليراعة .. الفنانون السوريون بين الاختفاء، اللّامرئية، وعودة الظهور


27 شباط 2026

جمانة الياسري

جمانة الياسري مديرة وباحثة ثقافية، كاتبة ومترجمة مستقلة، وُلدت في دمشق وتقيم في باريس. صمّمت الياسري العديد من المهرجانات والإقامات الفنية وبرامج دعم الفنانين في المنطقة العربية وأوروبا والولايات المتحدة. بصفتها باحثة وكاتبة، تعمل على موضوعات الفن في أوقات الأزمات، والشتات الفني، وظروف عمل الفنانين في الجنوب العالمي. نشرت مقالات وأبحاثًا وحوارات في منصات عربية ودولية، وأدارت العديد من القاءات الفنية والمؤتمرات وبرامج التدريب الثقافية. تحمل الياسري إجازة في الدراسات المسرحية من المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، وماجستير في الأدب المقارن من جامعة باريس الثامنة، وقد شاركت في العديد من برامج الزمالة في الريادة الثقافية.

تم إعداد دراسة الحالة ضمن أعمال ملتقى “السرديات الملحّة: العنف غير المرئي في ظل النزاع السوري”، الذي نظمه عدد من المؤسسات السورية العاملة في الشأن العام، في برلين يومي 22 و23 كانون الثاني/ يناير 2025، وبهدف تسليط الضوء على مظاهر العنف البنيوي والرمزي في السياق السوري، وتحليل تجلياتها وتأثيراتها من منظور تقاطعي.

يتأمل هذا النص تمثيلات الحكاية السورية في مجموعة من الأفلام الروائية التي تناولت الحكاية السورية في السنوات الأخيرة (٢٠١٧–٢٠٢٤)، والتي أُنتجت في معظمها بكوادر غير سورية، ولا سيما على مستوى الإخراج والكتابة والتمثيل. كُتبت نسخته الأولى في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٤، وركَّزت بشكل أساسي على موقع الشخصية السورية، ولا سيما الممثلين والممثلات، في هذه الأعمال. كان سؤالنا في البداية: إلى أي مدى أنصفت هذه الأفلام المصنوعة خارج سوريا مختلف أشكال العنف التي عانى منها السوريون منذ ٢٠١١؟ لكن سقوط النظام في الثامن من كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٤ فرض إعادة النظر في النص، إذ بدا من الضروري أن يشمل سؤال اللامرئية الفضاء العام داخل سوريا أيضاً. وهكذا تأملنا أيضاً اللحظات الأولى من عودة الفنانين السوريين المنفيين إلى بلدهم، أي أولئك الذين كان غيابهم عن تجسيد الحكاية السورية أحد منطلقات هذا البحث.

تمَّ العمل على النسخة الثانية من النص، التي تشمل مرحلة ما بعد السقوط، في الأسابيع الأولى التي تزامنت مع مشاهد العودة الأولى، وهي النسخة التي قُدِّمت في ملتقى “العنف غير المرئي”. ويأتي نشره الآن بعد مضي أكثر من عام على السقوط. قررنا أن نُبقي الأسئلة كما طُرحت في لحظتها الأولى، بوصفها جزءاً من تلك المرحلة. فالغاية ليست تقديم خلاصات نهائية حول سؤال اللامرئية في سياق الفنون في سوريا اليوم، بل طرح مجموعة من الأسئلة عن تمثيل العنف الذي عاشه السوريون، ولا سيما مع بدء تمثيل قصص المعتقلين على الشاشات السورية للمرة الأولى داخل البلاد.

في مطلع الستينيات، وبسبب تلوّث الغلاف الجوي، ولا سيّما في المناطق الريفية، إضافةً إلى تلوّث المياه (الأنهار اللازوردية والقنوات الصافية)، بدأت اليراعات تختفي. كانت ظاهرة صادمة ومبهرة. وبعد بضع سنوات، لم تعد هناك أي يراعات. (اليوم، لم يبقَ منها سوى ذكرى مؤثرة؛ ومن يحمل هذه الذكرى لا يستطيع أن يرى نفسه شاباً بين الشباب الجدد، ولا أن يستعيد ذلك الندم الجميل كما كان يشعر به من قبل). هذا «الشيء» الذي حدث قبل نحو عشر سنوات يمكن أن نسمّيه «اختفاء اليراعات».

بيير باولو بازوليني (فراغ السلطة في إيطاليا، ١٩٧٥)

بالتأكيد، كما لاحظ بازوليني، فإن تلوث المياه في الريف أدى إلى اندثارها، وكذلك تلوث الهواء في المدينة. نعرف أيضاً أن الضوء الاصطناعي – المصابيح، البروجكتورات – يزعج حياة اليراعات إلى حد كبير، شأنها شأن غيرها من الكائنات الليلية. في بعض الحالات القصوى، يؤدي الأمر أحياناً إلى سلوك انتحاري، كما يحدث عندما تصعد يرقات اليراعات إلى أعلى الأعمدة الكهربائية وتتحوَّل إلى شرانق (...) معرضة نفسها لخطر التهامها من قبل الكائنات النهارية أو جفافها تحت أشعة الشمس حتى الموت. يجب أن نعرف أنه، رغم كل شيء، شكّلت اليراعات في أماكن أخرى مجتمعاتها الجميلة المضيئة.

جورج ديدي-أوبرمان (بقاء اليراعات، ٢٠٠٩)

التمثيلات السينمائية للحكاية السورية: الشخصية السورية بين التاريخ وإعادة تشكيل السردية (٢٠١١-٢٠٢٤)

منذ اندلاع الحراك السلمي في سوريا وانزلاقه نحو الحرب، تمَّ إنتاج عدد كبير من الأفلام الوثائقية والروائية التي تناولت جانباً من الحكاية السورية، بغض النظر عن موقفها المؤيد أو المعارض لسردية الثورة السورية كما انطلقت عام ٢٠١١. فرضت طبيعة الأحداث الفيلم الوثائقي كشكل التعبير الأساس عمَّا يحدث في سوريا منذ أكثر من ١٤ عاماً، ولا سيما الأفلام التي وثَّقت الانتهاكات والقمع والدمار التي تعرَّض لها الشعب السوري على يد النظام وحلفائه، كما في أفلام: "ماء الفضة" (أسامة محمد، ٢٠١٤)، "من أجل سما" (وعد الخطيب، ٢٠١٩)، "فلسطين الصغيرة: مذكرات حصار" (عبد الله الخطيب، ٢٠٢١)... في الوقت نفسه، ظهر نوع آخر من الأفلام الوثائقية يركز على الانتهاكات التي ارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية وغيره من الجماعات الإسلامية المتطرفة، وهو نوع من الأفلام يُخاطب ويُغذي رعب المتلقي الغربي من هذه الحركات التي باتت ترتكب هجمات على أراضيه أيضاً. يكفي إجراء بحث سريع عن كلمة "سوريا" على إحدى المنصات السائدة مثل نيتفلكس وأمازون پرايم للوصول إلى عشرات العناوين التي تندرج تحت هذه الفئة: "سوريا: أسطول الجهاد" (٢٠١٥)، "باسم الآب والابن والجهاد" (٢٠١٦)، "نساء داعش" (٢٠١٩)، "تسعة أيام في الرقة" (٢٠٢١)... وغيرها الكثير من الأفلام التي تعد بمشاهد مثيرة للهلع.

على صعيد السينما الروائية، ولأنها أكثر تعقيداً من حيث التطوير والتمويل والإنتاج، إذ قد تستغرق وقتاً طويلاً يصعِّب عليها مواكبة الحدث أثناء وقوعه، لم يُنتَج العدد نفسه من الأفلام الروائية التي تحكي عمَّا يجري في سوريا منذ عام ٢٠١١. كما أن هذه الأفلام لا يمكن أن ترى النور دون جهات إنتاج وتوزيع أجنبية، وبشكل خاص أوروبية وأمريكية، تدعمها من الفكرة حتى المهرجانات الدولية ودور ومنصات العرض. بالمقابل، أُنتجّت العديد من الأفلام الروائية الأوروبية والأمريكية – وكذلك المسلسلات – التي تناولت الجماعات الإسلامية المتطرفة في سوريا، دون الإشارة، لا من قريب ولا من بعيد، إلى الأسباب السياسية والتاريخية التي أدَّت إلى تشكُّلها. في هذا النوع من الأفلام والمسلسلات، من المرجح أن نجد شخصية أو شخصيات أوروبية أو أمريكية (بيضاء) تخوض "مغامرة" شديدة الخطورة في المناطق التي انتشر فيها تنظيم داعش، إما لمحاربته أو لتخليص شخصية "غُرِّر" بها للانضمام إليه. وهنا، الأمثلة كثيرة جداً، من أبرزها الفيلم الفرنسي "الهروب من الرقة، ٢٠١٩" ( Les Exfiltrés)، المسلسل الفرنسي "مكتب الأساطير، ٢٠١٥ - ٢٠٢٠" (Le Bureau des Légendes) الذي يظهر الممثل فارس الحلو في جزئه الأول في شخصية ابن عم بشار الأسد، والمسلسل الأمريكي "هوملاند، ٢٠١١ – ٢٠٢٠" (Homeland). كما ظهرت مع الوقت شخصية اللاجئ السوري (الرجل والمرأة والطفل)، غالباً بشكل نمطي، ودون الإشارة الواضحة إلى الأسباب التي دفعته إلى مغادرة بلده، وهذا أحد أبرز أشكال اللامرئية التي طالت السردية السورية المُعاصرة. نرى ذلك بشكل واضح في فيلم "الحدود الخضراء، 2023" (The Green Border) للمخرجة البولندية أنييشكا هولاند، وفيلم "البرابرة، 2024" (Les Barbares) للمخرجة الفرنسية جولي ديلپي. ندرك أن هناك فئة أخرى من الأفلام الروائية التي تمَّ إنتاجها داخل سوريا دعمت بروباغندا النظام، وأبرزها الأفلام التي أخرجها نجدت أنزور وهي أفلام "انتزعت عن المعارضين حسّهم الوطني، واختزلهم في صورة مجموعة من الوحوش"[1]، إلَّا أن هذا موضوع آخر لن نتوسع فيه هنا. كذلك، لم نتناول الأفلام غير العربية التي تناولت الحكاية السورية من وجهة نظرها الخاصة، كما في بعض الإنتاجات اللبنانية والتونسية، حيث ظهر هذا النوع من الأفلام في لبنان نتيجة كثرة اللاجئين السوريين، وفي تونس بسبب تورط عدد من التونسيين في القتال في سوريا.

اخترنا التركيز على مجموعة من الأفلام الروائية بناءً على معايير محددة: أن تكون أفلاماً مُنتَجة خارج سوريا أو مدعومة من جهات أجنبية؛ أن تكون روائية مبنية على سيناريو مؤلَّف؛ أن تضم في طاقمها سوريين في المنفى؛ أن تكون قد وصلت إلى جمهور واسع؛ وأن تتخذ موقفاً معارضاً للسردية الرسمية، حتى لو لم تُصرّح بذلك مباشرة. اعتبرنا أن هذه المعايير ستسمح لنا بصياغة أسئلة أساسية حول إعادة تمثيل الحكاية السورية في مجموعة من الأفلام الروائية التي لفتت الأنظار في السنوات الأخيرة (جماهيرياً و/أو نقدياً)، والبدء بتحليل موقع السوريين، وبشكل خاص الممثلين والممثلات، في تجسيد حكايتهم في منافيهم المختلفة. والتجسيد هنا هو إعطاء جسد للشخصية ولحكايتها، ومساهمة هذا التجسيد في تحقيق العدالة للسوريين والسوريات عبر السرد الروائي وإنتاج المُتخيَّل.

قد تكون أولى الأمثلة على هذا النوع من الأفلام التي تستعير الحكاية السورية في سياق غير سوري فيلم (Insyriated) الذي يمكن ترجمته بـ"داخل سوريا" أو كما في العنوان الفرنسي "عائلة سورية، ٢٠١٧" للمخرج البلجيكي فيليب فان لوف، والذي يُفترض أن أحداثه تدور داخل شقة في مدينة دمشق خلال الحرب. أدَّت دور البطولة فيه الممثلة الفلسطينية هيام عباس، إلى جانب الممثل السوري محسن عباس والممثلة اللبنانية دياموند أبو عبود. المثال الثاني اللافت للنظر هو فيلم الأشباح (Les Fantômes، ٢٠٢٤) للمخرج الفرنسي جوناتان مييه، الذي يتناول سؤال العدالة بشكل مباشر عبر حكاية لاجئ سوري ناجٍ من سجون النظام، يبحث في منفاه عن جلَّاده. لعب دور الناجي الممثل التونسي-الإيطالي أحمد بيسا، بينما لعب دور الجلَّاد الممثل الفلسطيني توفيق برهوم. انحسرت الأصوات السورية "الحقيقية" بشكل رئيسي في شخصية طبيبة شابة لاجئة (أدَّت دورها الممثلة السورية حلا رجب)، بالإضافة إلى محادثات تجري خلال لعبة فيديو تلتقي عبرها مجموعة تبحث عن الجلَّادين ومجرمي الحرب السوريين الذين لجؤوا بدورهم إلى أوروبا، وتسجيلات صوتية لشهادات معتقلين سابقين. خلال مشاهدتنا للفيلم، بدت لنا بعض الأصوات مألوفة، ولم يستغرق الأمر إلا دقائق حتى وضعنا وجوهاً على هذه الأصوات (من الممثلين السوريين وأفراد عاملين في الوسط الثقافي). في هذه اللحظة تحديداً، أخذ السؤال الذي نتأمل فيه شكله ومعناه: أليس من أشد أشكال العنف أن يتحوَّل السوري إلى مجرد صوت بلا وجه وبلا هوية؟ أليس عنيفاً أن تُحكى الحكاية السورية بلهجة فلسطينية أو لبنانية أو تونسية (لكل منها حكايا عنف تاريخي خاصة بها قد "تشوِّش" على الحكاية السورية)، بينما تبقى الأصوات السورية مقموعة أو مخفية في بلدها وغير مرئية في منافيها؟ لماذا أصبح من الشائع أن نرى السوريين يموتون ويُهجَّرون في الأفلام الوثائقية، لكننا لا نراهم يعيشون وينتصرون في الأفلام الروائية؟

الممثل الفلسطيني توفيق برهوم والممثل التونسي-الإيطالي أحمد بيسا في فيلم الأشباح (جوناتان مييه، ٢٠٢٤)

تشاركنا هذه الأسئلة مع بعض العاملين في هذه الأفلام، مثل الممثلة اللبنانية داليا نعوس التي لعبت أدواراً سورية في كلٍّ من "الهروب من الرقة"، و"الحدود الخضراء"، و"البرابرة"، وكذلك الممثلة السورية حلا رجب التي شاركت في اختيار الممثلين في فيلم "الأشباح"، وكانت مستشارة على السيناريو إضافة إلى لعبها دور الشخصية النسائية الأساسية في الفيلم. تقاطعت أجوبتهما إلى حد كبير، حيث أرجعتا غياب الممثلين السوريين عن أدوارهم إلى عدة أسباب، منها قرارات شركات الإنتاج الأوروبية، حسابات شباك التذاكر، رفض العديد من الممثلين السوريين إجراء تجارب أداء أمام المخرج وطاقم الإنتاج (audition)، طريقة التمثيل التي تُعتبَر أكثر ملائمة لجماليات وتقاليد السينما الأوروبية، وخوف بعض الممثلين السوريين من تأثير مشاركتهم في هذه الأفلام على فرصهم في الأعمال التلفزيونية المُنتجة من قبل المحطات العربية (الخليجية على وجه الخصوص). اكتشفنا أيضاً أن الممثلين السوريين يُعتبرون "مسرحيين" أكثر من اللازم في نظر المخرجين والمنتجين الأوروبيين الميَّالين إلى أداء أكثر تقشُّفًا.

هذا ما أكَّدته المخرجة السورية سؤدد كعدان، التي تعيش في لندن، في الحوار الذي أجريناه معها في ١٠ كانون الثاني/يناير ٢٠٢٥، بعد شهر من سقوط النظام: "الإنسان السوري، العربي، انفعالي بطبعه، ومن حقه أن يُعبِّر عن انفعالاته". جاء تعليقها رداً على الانتقادات التي وُجِّهت إلى أداء سامر المصري في فيلم نزوح (٢٠٢٢)، حيث لعب دور أب يصر على البقاء في منطقته المُدمَّرة رغم إلحاح زوجته (كندة علوش) على الرحيل حفاظاً على حياتهم وحياة ابنتهما التي بقيت معهما بعدما نزحت كل شقيقاتها. توضِّح كعدان في هذا السياق: "هناك مفارقة في تلقي الأداء بين الغرب والشرق، حيث يُطلب أحياناً من أفلامنا أن تُروى بأساليب أداء غربية لا تتطابق مع طبيعة الإنسان في منطقتنا. يُطالب الممثل العربي، مثلاً، بأن يعبِّر عن مشاعره وفق الأسلوب الاسكندنافي، حيث يتحدث قليلاً وبالكاد يرفع صوته. جسَّد سامر المصري بصدق شخصية الرجل السوري البسيط، ابن المدينة المحافظ الذي يرفض مغادرة بيته. ربما بدا للبعض مسرحياً، لكنه في الواقع كان أقرب إلى الحقيقة. كثيرون من الجمهور كتبوا لي قائلين: ’هذه أول مرة أرى والدي كما هو على الشاشة‘، وآخرون همسوا بعد العرض: ’هذا والدي‘. شعروا بأنهم مُمَثلون على الشاشة وأنه لم يتم إلغاؤهم لإرضاء الغرب".

سامر المصري وكندة علوش والطفلة هالة زين في فيلم نزوح (سؤدد كعدان، ٢٠٢٢)

تُصر كعدان إذاً على العمل مع ممثلين سوريين رغم تحفظات جهات الإنتاج الأوروبية، وتضيف حول هذا الموضوع: "تتردد العديد من الجهات الأجنبية في تقبُّل إصراري على اختيار ممثلين سوريين، لأسباب تتعلَّق أيضاً بصعوبة التنقل بالجواز السوري، أو تفضيل ممثلين أكثر طلاقة في اللغات الأجنبية، أو لضرورات تمويلية، حيث يشترط بعض الممولين أن يحمل الممثلون جنسيات الدول الممولة، مما يحد من خيارات الكاستينغ إلى أسماء قليلة قد لا تُناسب الدور المكتوب. أؤمن بأهمية أن تروى حكاياتنا بأصوات ممثلينا، وأن يكونوا معي على المنابر العالمية لعرض أفلامنا، رغم التحديات الإنتاجية. ليس فقط لأننا كشعب عاش الحرب نستحق أن نروي حكايتنا، بل لأنني مؤمنة بموهبة ممثلينا عالمياً. السينما ليست عملاً فردياً، بل تجربة جماعية، ولا يمكننا تغيير واقعنا السينمائي إلا معاً".

لا تدافع كعدان عن انفعالات شخصياتها فحسب، بل تحرص على أن يعكس اختيارها للممثلين موقف الفيلم السياسي: "اختياري لممثلات مثل سوسن أرشيد (يوم أضعت ظلي، ٢٠١٨) وكندة علوش (نزوح، ٢٠٢٢)، اللواتي وقفن بوضوح إلى جانب الحراك الشعبي، له معناه أيضاً. ركَّزت في أفلامي على الجانب الإنساني لما تعرّض له السوريون، حتى وإن لم تكن الطروحات مباشرة، لكن يكفي النظر إلى اختياراتي للممثلين لفهم موقفها السياسي المُعارض للنظام". تشغلها أيضاً مسألة تمثيل العنف سينمائياً في السياق السوري: "كيف نحكي عن العنف الذي تعرّّض له السوريون دون أن نُظهر هذا العنف على الشاشة؟ عندما يكون الدم والألم شخصيين إلى هذا الحد – ألم السوريين وأنا منهم – لا يمكنني بناء أفلامي على الجماليات البصرية لهذا العنف. اخترتُ التركيز على مدينتي التي أعرفها، دمشق، وعلى قصص النساء في مجتمعنا خلال السنوات الأخيرة".

سوسن أرشيد وسامر اسماعيل في فيلم يوم أضعت ظلي (سؤدد كعدان، ٢٠١٨)

هذا "المعنى" الذي تُشير إليه كعدان هو أبرز العناصر الغائبة مثلًا عن فيلم السبَّاحات ( The Swimmers، ٢٠٢٢)، الذي أنتجته منصة نيتفلكس وقامت بإخراجه البريطانية-المصرية، سالي الحسيني. يروي الفيلم قصة السبَّاحتين سارة ويسرى مارديني وهروبهما من سوريا وصولاً إلى الألعاب الأولمبية عام ٢٠١٦. صيغت "قصة النجاح" هذه بما لا يبدو موجهاً إلى الجمهور السوري، بقدر ما هو موجّه إلى جمهور تشدُّه قدرة الأختين على الصمود والتكيُّف، بمعزل عن الأسباب العميقة التي دفعتهما إلى الرحيل. أدَّت أدوار الأختين اللبنانيتان منال عيسى ونتالي عيسى، في فيلم يحكي قصة سورية ناطقة باللغة الإنكليزية بلكنة لبنانية. وعلى الرغم من قبولها أداء دور السباحة يسرى مارديني، وجَّهت الممثلة منال عيسى انتقادات عديدة لشركة الإنتاج البريطانية ومنصة العرض، نيتفليكس، لسطحية واستشراق - حسب تعبيرها - تعاطيهم مع هذه الحكاية. في تصريحاتها، تقول عيسى إنها رفضت الدور عدة مرات لاقتناعها بضرورة اختيار ممثلة سورية لأدائه. بالفعل، في هذه الحكاية السورية، توجد ممثلة سورية واحدة تؤدي دوراً فاعلاً، وهي كندة علوش، التي أدَّت دور أم السباحتين. لم يتوقف الأمر عند مجموعة من العناصر الحكائية غير القابلة للتصديق، أو عند الصور النمطية في التعاطي مع الشخصيات النسائية العربية، ففي هذا الفيلم، لا نفهم لماذا هناك حرب طاحنة في سوريا، وكأن السوريين قرروا أن يقتلوا بعضهم بلا سبب. تبدو لنا لامرئية القمع الذي واجهه الحراك الشعبي، وما نتج عنه من عنفٍ وتهجير، إضافةً إلى الدور الذي لعبه النظام في ظهور المجموعات المسلَّحة وممارستها أشكالاً أخرى من العنف، لا سيّما ذات الطابع الجهادي، من أبرز علامات المحو التي تعرّض لها السوريون في التمثيلات التي استعارت حكايتهم.

منال ونتالي عيسى في فيلم السبَّاحات (سالي الحسيني، ٢٠٢٢)

في فيلم "الحدود الخضراء"، على سبيل المثال، يبدأ الفيلم برحلة عائلة سورية مكوَّنة من أب (السوري جلال الطويل)، أم (اللبنانية داليا نعوس)، جد (السوري محمد آل رشي)، وطفلين. تصل العائلة بالطائرة إلى بيلاروسيا لتبدأ رحلتها مشياً نحو أوروبا. من مظهر هذه العائلة المتواضع، نتوقع أنها هربت من إحدى المناطق التي تعرَّضت للحصار والقصف من قبل النظام، وأن هذا ما دفعها إلى الفرار من سوريا والخوض في هذه الرحلة التراجيدية على أكثر من صعيد. في أحد المشاهد، يكشف الأب عن ظهره، فتظهر آثار الجلد واضحة. يُفترض أنه تعرّض للتعذيب في سجون النظام، قبل أن يتبيّن أنه جُلد على يد جماعات إسلامية لمجرّد كونه مدخّنًا. تتجلى هنا لامرئية الحقيقة السورية بكاملها، ولامرئية الجسد السوري المعذَّب، واختزال أسباب اللجوء في الهروب من الجماعات الإسلامية وحدها، في صورة سردية تختصر التاريخ السوري وتعقيداته.

جلال الطويل وداليا نعوس ومحمد آل رشي في فيلم الحدود الخضراء (أغنييشكا هولاند، ٢٠٢٣)

وهنا قد يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: لماذا تناول سؤال العنف غير المرئي في السياق السوري عبر الفيلم الروائي تحديداً؟ الحقيقة أن تجسيد الشخصية السورية، أي حكايتها والعنف المباشر وغير المباشر الذي تعرَّضت له على مدى ١٥ عاماً (بل وقبل ذلك أيضاً)، يبدو محورياً عند التفكير في العنف اللامرئي في سرديات ما بعد ٢٠١١. كما أن السينما الروائية تفتح باب المقارنة مع الأدب والمسرح والفن التشكيلي وغيرها من أشكال التعبير، مما يسمح بطرح أسئلة حول التنوع والاندماج والاستيلاء الثقافي والمصداقية في التمثيلات السورية اليوم. نستعير هذه الأسئلة من السياق الأوروبي والأمريكي، حيث بات تحقيق العدالة للشخصيات بتنوعها العرقي والتاريخي والجندري، مسألة سياسية وأخلاقية أيضاً.

من المنفى إلى الظهور: أسئلة أولى حول عودة الفنانين السوريين وأسئلة العدالة والتمثيل

انتهينا من العمل على الجزء الأول من البحث في ٢٣ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٤، أي قبل خمسة عشر يوماً من سقوط النظام. خلال متابعة تقدُّم الفصائل المسلحة نحو دمشق، بدأت أسئلة جديدة تظهر في سياق هذا البحث: كيف سنقرأ ما أُنتج فنياً وثقافياً عن سوريا خلال عقد ونيّف إذا سقط النظام فعلاً؟ وهل سقوط النظام يعني بالضرورة انتهاء سؤال المنفى؟ من المؤكد أن سؤال المنفى شغلنا إلى هذا الحد لأن النظام كان قد نجح في إقناعنا - عبر شتى أشكال العنف والقمع - بأنه "أبدي" فعلاً.

بعد أن سقط النظام فعلاً، وأثناء متابعة مشاهد فتح السجون وإطلاق سراح المعتقلين واقتحام الأقبية السرية وبيوت النظام، أخذ سؤال اللامرئية بعداً أكثر عمقاً ورعباً. ثم بدأت صور العودة تنتشر، محمّلة بشحنات من الفرح والأمل، أقرب إلى عرس جماعي يجتاح مواقع التواصل الاجتماعي، فيما كانت لحظات البحث عن المختفين تترافق مع صور تذكّر بمشاهد أوشفيتزية. في هذا المناخ، رحنا نتابع أيضًا الاحتفالات بعودة الممثلين والمشاهير الذين فرُّوا من النظام، في الوقت نفسه الذي خصَّصت فيه قنوات مثل العربية (التابعة لمجموعة إم بي سي السعودية) منبراً للفنانين السوريين المعروفين بولائهم للنظام ومهاجمتهم الحادة لزملائهم المعارضين له، لتبرير مواقفهم و"فتح صفحة جديدة". عندها انتبهنا إلى أن السؤال الذي انطلقنا منه، وهو لامرئية الفنانين السوريين - وتحديداً الممثلين والممثلات - في منافيهم، كان ناقصاً إلى حد كبير: ماذا عن لامرئية الفنان السوري في بلده طوال ١٤ عاماً؟ وإن كنا من المدافعين دوماً عن ضرورة الحفاظ على علاقات مهنية وفكرية مع الداخل السوري بتنوعاته الجغرافية والثقافية، يبدو أننا لم نتعمق بما فيه الكفاية في معنى اختفاء عدد كبير من الفنانين السوريين من المساحات العامة داخل بلدهم، وفي عنف لامرئيتهم كمُنتجين للتمثيلات والجماليات وكشهود على التاريخ داخل بلدهم.

كان أحد الأفلام التي توقفنا عندها في سياق دراسة الحالة فيلم "يوم أضعت ظلي، ٢٠١٨" للمخرجة سؤدد كعدان، حيث يُستخدم اختفاء الظل ككناية عن الاعتقال والاختفاء القسري، اللذين باتا رديفين لسنوات الثورة والحرب. وفي اللحظة التي انتبهنا فيها إلى معنى "اختفاء" الفنانين السوريين من بلدهم وإمكانية عودة "ظلالهم" اليوم، أخذ سؤال اللامرئية بُعداً آخر أكثر تشعباً: من لامرئية الفنان السوري في المنفى، إلى اختفائه الفعلي أو الرمزي في بلده، وصولاً إلى لامرئية المدن والقرى السورية - المكان - في الأعمال الروائية المعارضة للنظام (الأفلام والدراما التلفزيونية على حد سواء)، وذلك لاستحالة التصوير داخل سوريا حتى ذلك الحين، أو لاختفاء تلك المدن فعليًا تحت البراميل وتحولها إلى ركام.

سوسن أرشيد والطفل أحمد في فيلم يوم أضعت ظلي (سؤدد كعدان، ٢٠١٨)

في ٢٤ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٤، أي في اليوم التالي لإرسالي النسخة الأولى من دراسة الحالة هذه، نشر المرصد السوري (نقلاً عن العربي الجديد) مقالاً باللغة الإنكليزية بعنوان: "ممثلون سوريون معارضون ممنوعون من العودة". يتحدث المقال عن ممثلين وشخصيات فنية مشهورة اتخذت موقفاً صريحاً ضد النظام، وما أدى إليه هذا الموقف من "فعل محو" من الفضاء العام والقنوات التلفزيونية التابعة حتى ذلك الحين لنظام الأسد. في بحث للكاتب زياد عدوان، نُشر في العدد الثلاثين من مجلة قلمون بعنوان "المسلسل التلفزيوني السوري بين الارتقاء الثقافي والاستيلاء على الثقافة"، يشرح الكاتب كيف تحوَّل الممثلون السوريون، ابتداءً من تسعينيات القرن الماضي، إلى "الأشخاص الأكثر جاذبية في سوريا"، "حاضرين في المقابلات التلفزيونية والفعاليات الاجتماعية، متحدثين عن شؤون السياسة والاقتصاد والتعليم وصراع الأجيال والفن والمسلسل التلفزيوني". يتناول البحث "الخيبة" التي شعر بها الممثلون والممثلات الذين اعتقدوا أنه كان من الممكن أن يؤثروا فعلياً مع بدء الحراك الشعبي، بما يُشبه، على سبيل المثال، التصريحات التي أدلى بها الممثل سامر المصري حول الوساطة التي كان قد طلبها منه بشار الأسد شخصياً مع أهل دوما، وفشله في "حقن الدماء".

تعرَّض الفنانون، وبشكل خاص وجوه الدراما التلفزيونية من ممثلين ومخرجين وكُتَّاب، بسبب شعبيتهم الواسعة لدى المواطن "العادي"، إلى ضغط كبير من قبل النظام لإجراء تصريحات علنية مؤيدة للأسد، ومتهمةً الثورة بالعمالة والتخريب والإرهاب. هذا لا يعني أن جميع الممثلين كانوا مؤيدين للحراك الشعبي، أو لم يعلنوا تأييدهم له بشكل صريح، فهناك من اختار الصمت لأسباب تستحق المناقشة أيضاً، على رأسها العامل الاقتصادي والخوف من الاعتقال. ولكن من اتخذ موقفاً صريحاً سرعان ما اضطر إلى الهروب من بلده، أي إلى “الاختفاء” عنه. ومن بين هؤلاء أسماء بارزة مثل فارس الحلو وجمال سليمان ومحمد آل رشي وريم علي، والراحلتان مي سكاف وفدوى سليمان، وغيرهم كثيرون في شتى المجالات الفنية. وهناك من اختفى فعلاً، وأشهرهم الممثل زكي كورديللو، الذي يبقى مصيره مجهولاً حتى هذه اللحظة.

رأينا إذن الممثل مكسيم خليل يستهل عودته إلى سوريا بزيارة سجن صيدنايا بعد التحرير، قبل أن يتجه نحو ساحة الأمويين في دمشق ليخاطب الجماهير المحتفلة بعودته، مستغلاً هذه الفرصة للمناداة بقيام دولة مدنية، والتذكير بمواقف الفنانات السوريات اللواتي تضامنَّ مع الثورة، ذاكراً بالاسم الممثلات سوسن أرشيد ويارا صبري وكندا علُّوش والمغنية أصالة نصري والمخرجة وعد الخطيب، وبدور المرأة في المجتمع السوري (بما يشبه رداً رؤيوياً على المقابلة التي ستجريها عائشة الدبس بعد أيام من نزوله إلى ساحة الأمويين، في ٢٨ كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٤ على قناة TRT، عقب تكليفها برئاسة مكتب شؤون المرأة في إدارة الشؤون السياسية في الحكومة السورية الانتقالية). كما رأينا الممثلة يارا صبري تنزل إلى الشارع حال عودتها إلى دمشق، مطالبة بالكشف عن مصير المعتقلين والمخفيين قسرياً وتحقيق العدالة لهم. وسارعت إلى إطلاق حملة من أجل مصير بنات وأبناء المعتقلين، مشيرة إلى مسؤولية وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في هذه القضية وضرورة الكشف عن تفاصيلها القانونية. سقط النظام، وظهر الممثل السوري من جديد في فضائه العام، مستأنفاً الدور الذي كان يسعى إلى لعبه مع بدء الحراك. وما هي إلا أيام بعد تحرير سجن صيدنايا، حتى تمَّ الإعلان عن إنتاج عمل تلفزيوني يحكي حكايته، ما وضعنا سريعًا أمام أسئلة أخلاقية تتعلّق بتمثيل جرائم ضد الإنسانية لم يتعافَ ضحاياها ولم تُحاسَب بعد.

في ١٥ كانون الثاني/يناير ٢٠٢٥، أي بعد خمسة أسابيع من رحيل الأسد، عُرض فيلم "نجوم النهار، ١٩٨٨" للمخرج أسامة محمد في غاليري زوايا بدمشق، وكان قد منع بقرار من حافظ الأسد شخصياً فور صدورها. وكان شائعًا أن تُمنع بعض الأفلام فور الانتهاء من إنتاجها، لتعيش حياتها منفية في المهرجانات والدوائر المُغلقة. وكذلك، أعلنت منصة شاهد (التابعة أيضًا لمجموعة إم بي سي) عن عرض مسلسل "غداً نلتقي" (سيناريو إياد أبو الشامات وإخراج رامي حنا) الذي يعود إنتاجه إلى عام ٢٠١٥. يعكس هذا القرار نقطة تحوُّل، إذ كان الإخفاء الذي طال الحكاية السورية قد امتد إلى القنوات العربية التي قررت بدورها الامتناع عن إنتاج وعرض أعمال تتناول واقع السوريين بعد اندلاع الثورة وتحولها إلى حرب.

تعود السرديات الفنية والثقافية ومنتجوها إلى الفضاء العام السوري، وإلى فضاءات العرض الإقليمية والدولية، بعد فترة طويلة من التهميش واللامرئية والتطبيع مع واقع السوريين والسوريات بوصفه واقعاً مأساوياً لن يتغيَّر. ولكن سقوط النظام لا يعني أن المنفى قد انتهى وأصبح موضوعًا يخص الماضي وحده. لم يعد جميع السوريين إلى سوريا بعد، ومنهم من لا يستطيع العودة لأسباب إدارية، ومن لا يرغب في العودة أصلاً أو ليس بشكل نهائي.

فيلم نجوم النهار (أسامة محمد، ١٩٨٨)

في حديثنا مع المخرجة سؤدد كعدان، طُرح سؤال العودة وما الذي قد يتغيَّر في عملها بعد سقوط النظام. حمل ردُّها قدراً من التفاؤل والقلق معاً. فقد بدا أن التحوُّل السياسي حرَّر السرد لديها، ودفع السيناريو الذي تعمل عليه إلى مسارات لم تكن متوقعة سابقاً. إلا أن مسألة العرض الرسمي ظلَّت مرتبطة بمعايير غير مستقرة لما يُعدُّ مقبولاً في الفضاء العام. وتشكِّل تجربتها مثالاً على طبيعة هذا التحوُّل، إذ واجه أحد أفلامها سابقاً اعتراضات ذات طابع ديني وأخلاقي، فيما أثار فيلم آخر لاحقاً نقاشات تتعلَّق بتمثيل الأحداث وتأويلها. اللافت أن الاعتراض لم يكن حكراً على مرحلة سياسية بعينها، بل استمر بأشكال مختلفة قبل التحوُّل وبعده، ما يعكس تبدُّل طبيعة الحساسية أكثر من زوالها.

فعند عرض فيلم "نزوح" في إحدى الفعاليات السينمائية داخل سوريا مؤخراً، بعد أن كان قد مُنع من العرض الرسمي في زمن النظام، برز جدل غير متوقَّع تمحور حول مسألة تمثيل الوقائع وطريقة سردها. في المقابل، عُرض الفيلم أيضاً في فضاءات خاصة وأندية سينمائية، حيث استقبله الجمهور بوصفه عودة لعمل سوري يُعرض داخل البلاد بعد سنوات من الانقطاع، وعبَّر كثيرون عن أهمية حضور أصوات فنية كانت سابقاً خارج الإطار الرسمي.

هذا الانزياح في طبيعة الجدل لا يغيِّر موقع المساءلة فحسب، بل يفتح سؤالاً أوسع حول معايير الرقابة المتحوِّلة، وكيفية تمثيل الحكاية والواقع، ومن يملك حق إعادة سردهِما في الفضاء العام في مرحلة انتقالية لم تستقر ملامحها بعد. فهل يمكن أن تكتمل "عودة الظهور" من دون أن تعود الأعمال التي أنتجها الفنانون السوريون في منافيهم، بما تحمله من تحولات وتجارب لا تنفصل عن الحكاية السورية الكبرى؟ أليست إحدى أوجه العدالة أن يرى السوريون داخل سوريا كل ما أُنتج عنهم ومن أجلهم في منافٍ كانت شديدة العنف أيضاً على من عاش فيها؟

استهللتُ دراسة الحالة هذه بمقتبس للمخرج والكاتب الإيطالي بيير باولو بازوليني (١٩٢٢–١٩٧٥)، من أحد آخر النصوص التي كتبها قبل أشهر من اغتياله (٢ تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٧٥). في هذا النص، الذي نُشر في ١ شباط ١٩٧٥ في جريدة المساء الإيطالية، يستعير بازوليني صورة اختفاء اليراعات بسبب تلوُّث المناخ والمياه، للحديث عن اختفاء بعض أشكال الحياة الهامشية مع الانتقال من فاشية قديمة (الموسولينية) إلى فاشية ما بعد الحرب العالمية الثانية الرأسمالية والمسيحية المتشددة. في كتاب يحمل عنوان "بقاء اليراعات"[2] (٢٠٠٩)، يستعين الفيلسوف ومؤرِّخ الفن الفرنسي جورج ديدي-أوبرمان بعلم الأحياء والفلسفة والسينما والأدب لمناقشة هذه الفكرة، كما يستعين بمسيرة بازوليني — المخرج والشاعر والمفكِّر — نفسها، ليقترح أن إعلان اختفاء اليراعات لا يعني انقراضها، بل تحوُّل شروط رؤيتها. فاليراعات قد تغيب عن النظر حين تتبدَّل شروط الضوء والرؤية، لا لأنها تلاشت بالمطلق. يدافع ديدي-أوبرمان عن أن اليراعات تظهر وتختفي في أماكن غير متوقعة، إذ تمتلك القدرة على الاختباء وإعادة تشكيل نفسها.

عندما سقط نظام الأسد في سوريا وبدأت أسئلة جديدة تتشكَّل لدينا حول الاختفاء واللامرئية وعودة الظهور، تذكَّرنا هذا الجدل بين مفكّرين لم يلتقيا: تشاؤم بازوليني فيما وصفه ديدي-أوبرمان بـ"رثاء اليراعات"، وقراءة ديدي-أوبرمان التي ترى في اختفاء اليراعات تحوُّلاً في شروط رؤيتها لا إعلاناً لانقراضها. واليوم، مع التساؤلات حول مستقبل الفنون والثقافة في سوريا، وحيث بدأت بعض التوجُّهات الإقصائية بالكشف عن نفسها، لا يسعنا إلا أن نتساءل إن كانت يراعاتنا ستغيب مجدداً عن النظر، وإن كان سقوط نظام الأسد كافياً لضمان بقائها وعدم احتراقها من جديد. نستعير يراعات بازوليني وديدي-أوبرمان للتأمل في سؤال اختفاء الفنانين وعودتهم في السياق السوري المعاصر: لا لأن الضوء انطفأ، فاليراعات تنشط في العتمة، بل لأن شروط الرؤية تبدَّلت، ومع تبدُّلها تتغيَّر أماكن الظهور ومعنى السرد.

[1] فدوى العبود، "السرديّة السورية في كاميرا نجدت أنزور: الحقيقة أوّل الضحايا"، العربي الجديد، ١٣ يناير ٢٠٢٥.

[2] DIDI-HUBERMAN, Georges, La Survivance des lucioles, Paris, Les Éditions de Minuit, 2009.

مقالات متعلقة

في لقاء لمّ الشمل في مونبلييه.. سينمائيون سوريون يناقشون: أيّة مؤسسةٍ عامة للسينما تناسبهم؟ ومستوى الدعم الفرنسي لها

29 تشرين الأول 2025
شهد مؤتمرٌ عن مستقبل السينما السورية، نظّمته جهاتٌ فرنسية سينمائية على هامش مهرجان البحر المتوسط السينمائي، لمّاً لشمل مجموعةٍ عابرةٍ للأجيال والجغرافيا والخبرات من السينمائيين السوريين، لم يلتقِ بعضهم الآخر...
نظرة على تجربة النوادي السينمائية السورية.. منذ نادي دمشق السينمائي في الخمسينيات، وحتى لحظة الانعتاق من النظام

15 تشرين الأول 2025
"عند السؤال حول ضرورة النوادي السينمائية في الحياة الثقافية المعاصرة تبرز الإجابة من الفعل الثقافي نفسه، فمشاهدة الأفلام في الصالات السينمائية التقليدية لا توفر تلك الحميمية ولا ذاك الانفتاح على...
الممثلة هيام عباس ضيفة مهرجان برليناله الكبيرة، بفيلمي (بيت الحس) و(لمن يجرؤ) وحوار .. "متمردة"، "أم"، "سياسية"

23 شباط 2026
كان حضور الممثلة الفلسطينية القديرة هيام عباس طاغياً في نسخة هذا العام من مهرجان برليناله السينمائي؛ طافت فيها صالات السينما والمؤتمرات الصحفية متحدثة عن فيلمين شاركت فيهما، في قسمي المسابقة...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد