المقامات العلوية .. بين ابن تيمية ومجازر الساحل السوري


11 آذار 2026

حكاية ما انحكت

منصة إعلامية مستقلة باللغتين العربية والإنجليزية تقدم وجهات نظر نقدية حول سوريا والسوريين/ات.

"خدني لمقام الشيخ عبد الله". صرخت الجدّة مريم سليمان (ثمانون عاماً)، بعد أن دخلت الجارات إلى منزلها صباح يوم السابع من آذار 2025، ليقلن لها " إنهم يذبحون العلويين في حي القصور في بانياس".

لم تسأل مريم من هم هؤلاء، واكتفت بمناداة حفيدها الذي حضر على وجه السرعة ليأخذها إلى المقام.  قطعت الطريق وهي تجلس خلفه على دراجة نارية، مُمسكةً خصره بقبضة خائفة، كما كانت تمسك بأبيها وهي طفلة، منذ عقود طويلة، إيماناً منها أنه "لا يمكن لمن يلجأ للمقام أن يُصاب بأذى لأنّه مكان مقدّس" كما تقول لسوريا ما انحكت.

لكن هذا المكان المقدّس، الذي تعتقد مريم بقدرته الربانية على حماية البشر، تعرّض ومثائله، لا للأذى فحسب، بل لسلسلة من أعمال الحرق والتفجير والاعتداءات، بدأت مع بدء معركة ردع العدوان (27 نوفمبر/تشرين ثاني 2024)، حين تعرّض مقام المؤسّس الأوّل للطائفة العلوية التي تنتمي لها مريم، أبي عبد الله الحسن بن حمْدان الخصيبي، للاعتداء أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 وفق ما نقلت منصّة تأكد عن "عناصر الحماية عند بوابة المقام"، ثم تتالت الهجمات والاعتداءات.

عندما وصلت مريم باب المقام صعدت بضع درجات، جلست لاهثةً وتنفّست بعمق رائحة البخور التي تعرفها جيداَ. في الداخل بدا المشهد أقرب لمخيّم صغير، عشرات النساء يفترشن الأرض مُحدّقات بشاشات الهواتف المحمولة وأطفال يضجون بصخب حول الضريح ذي الغطاء  الأخضر والصندوق الحجري الذي يضم نسخاً مختلفة من القرآن الكريم.

"اسمي فصل الربيع".. تقول وتضحك

28 تشرين الأول 2025
لم تكن "فصل الربيع" تدرك أنّ اسمها، هذا الذي كانت تكرهه في الطفولة، سيكون طوق نجاتها خلال سنوات الحرب السورية الطويلة. تلك الحرب التي نجت منها بحكمة "اسلبيها" كما كانت...

جلست مريم تحت القبّة البيضاء تنتظر، ملتقطةً من ضجيج الحضور أنّ آلافاً من العلويين، غيرها، قصدوا مئات المقامات في جبال الساحل السوري وسهله طلباً للحماية. غطّت رنات الهواتف المحمولة على صمت المكان المعتاد. رنّ هاتف بصوت مزعج، مُخرجاً صوتًا مُنهكاً: "عائلة شاهين.. أستاذ الرياضيات غسّان؟ وزوجته؟ أطلقوا عليهم النيران.. بيتهم نهب بالكامل". صرخت سيدة أمام الحاضرات: "يا جماعة العمر إلكن. أستاذ غسان وعيلته.. ماتوا".

تجمّدت الجدة وهي تلتقط أطراف الحديث محاولةً فهمه. غسّان؟ الشاب القصير النحيل الذي درّس ابنها الأكبر الرياضيات قبل عشر سنوات ولم تره منذ عقد. تذكّرت أنّه لم يكن يضع نظارة. آخر مرّة عَبر دارهم كانت حين غادر ابنها إلى الشام لدراسة الهندسة. كان غسان وعدد آخر من الطلاب والمدرّسين والأطباء والمهندسين.. من ضحايا مجازر آذار في حي القصور في مدينة بانياس على الساحل السوري.

ليست مريم التي كانت ترتدي فستاناً أزرق اللون بزهور برتقالية متماهية مع الطبيعة من حولها، ليست وحدها من يعتقد أنّ المقامات "تحميها من كلّ شر"، فالجميع هنا تقريباً يؤمنون بقداسة وقدرة المزارات التي تتوزّع على الجبال الساحلية وسهلها ومناطق أخرى يعيش فيها أفراد الطائفة العلوية. حيث "لكل مقام حُرمة لا يطالها البشر" كما يعتقد السيّد علي إبراهيم (70 عاماً) من سكان البستان. لدى الجميع هنا، اعتقاد راسخ وقديم، بأنّ تلك المزارات تحميهم وتظلّل حياتهم. حتى الأجيال الشابة تعتقد أنّ اللجوء إليها يوفّر الحماية من اعتقال السلطة الجديدة، إيمانًا منهم بقدرة صاحب المقام على ذلك من جهة، وكونها غالباً ما تقع في أماكن صعبة الوصول والطرقات إليها مكشوفة من جهة ثانية، وبذلك يكون الهرب سهلاً كما يقول لنا الشاب حيدر إبراهيم (22 عاماً) من القرية نفسها.

يوم السابع من آذار/ مارس 2025 حين ارتكبت فصائل محلية مسلّحة وأخرى أجنبية تتبع للسلطة الانتقالية الجديدة في سوريا مجزرةً في حي القصور بحقّ سكانه من الطائفة العلوية، انتقلت الأخبار بسرعة إلى القرى المُلاصقة للمدينة مثل قرى بارمايا وبعمرائيل والزللو وبستان الحمام... ليبدأ الجميع بترك القرى نحو البراري المُحيطة والوديان الوعرة والمقامات الدينية الخاصة بالطائفة حيث "تجمّع المئات حول المقامات الموجودة في محيط تلك القرى" كما يقول السيد طلال أحمد (خمسين عاماً) من قرية بعمرائيل في ريف بانياس.

بعد عشرين يوماً من مجازر آذار/ مارس 2025، كان الحريق قد أتى على مُحتويات تشريفة (مقام) الأمير سالم (معاون الأمير المكزون السنجاري، أحد كبّار مؤسسي الطائفة العلوية) في حي الرميلة، شمالي مدينة جبلة، لكن رائحته الحريق ظلّت عالقة في الهواء مُشكّلةً مزيجاً غريباً من روائح ورق القرآن المُحترق والأقمشة المُحترقة. أحدهم رمى قنبلة حارقة صغيرة في الغرفة الصغيرة فقلب بلاطها رأسها على عقب من دون أن يؤثّر على الضريح. تحوّلت جدران غرفة المقام البيضاء إلى لوحة سوداء غُرِزت فيها مسامير بلا لوحات أو صور. اختفى السجاد الذي كان يفرش أرضية المقام، وعلى الأرجح أنه سُرق مع ما سُرق من صندوق التبرّعات المعدني الصغير الذي وجد مسكور القفل وفارغاً. وحدها الآرمة الرخامية على الباب التي تسجّل تاريخ وفاة صاحب المقام (616 هـ 1241 م)، كانت الناجية.

لم يكن هذا الاعتداء هو الأوّل من نوعه إذ سبقه الاعتداء على "مقام الخصيبي" واستهدافات أخرى. ففي التاسع من كانون الثاني / ديسمبر 2025، فجّر شخصان على دراجة نارية مقام الشيخ محمد العجمي في قرية فان الوسطاني بريف حماة. ووفقاً للأرشيف السوري، تعرّض مقامان آخران للشيخ العجمي في قريتي الصفصافية (31 كانون الثاني/ ديسمبر 2024) وتل سكين (28 فبراير / شباط 2025) للحرق والتخريب على التوالي. كما اعتُدي في 5 كانون الثاني / ديسمبر 2025 على ثلاثة مقامات في خربة الأكراد بجنوب طرطوس، بينها مقام للعجمي وآخران للشيخين حامد زغبور وأحمد الشعباني، على أيدي "فصائل محلية" حسب المرصد السوري.

في الخامس من آذار/ مارس ٢٠٢٥ تعرّض مقام الشيخ ناصر أسعد في قرية تل عبد العزيز بريف حماة لتفجير أسفر عن هدمه بالكامل تبنته "سرايا أنصار السنة" وفقًا للأرشيف السوري. وفي 14 تشرين الثاني /نوفمبر 2025 اتخذ عناصر حاجز أمني مقام الشيخ حميد "أحمد بن بطة الشامي" على طريق المخرم بريف حمص الشرقي، مقرّاً لهم، ما دفع الأهالي إلى تقديم شكاوى رسمية.

لماذا تُستهدف المزارات؟

لا يأتي حرق أو تخريب المقامات من فراغ كما يقول لسوريا ما انحكت رجل دين علوي مقيم في ألمانيا حالياً (خمسون عاماً/ تواصلنا معه عبر منصة تلغرام، طلب عدم ذكر اسمه): "شرعية هذه الأفعال تأتي من تاريخ طويل من تكفير العلويين (النصيريين) في السجل الإسلامي منذ ظهور الطائفة قبل عشرة قرون فأكثر. تحضر فتوى ابن تيمية دائماً، وتحضر معها مئات الشروحات والكتب التي تكفر العلويين وتستبيح دمهم وأعراضهم حتى قبل أن يكون آل الأسد في السلطة في سوريا".

وابن تيمية هو رجل دين (1263م- 1328)، له العديد من المؤلفات والفتاوى في العديد من المجالات، ومنها ما يخصّ العلويين. يقول الباحث السوري محمد جمال باروت، في كتابه "حملات كسروان في التاريخ السياسي لفتاوى ابن تيمية" (ص ٢٢٩) "وجمع ابن تيمية الدرزية مع النصيرية في بوتقة مفهومية اعتقادية واحدة بنى على أساسها أنهم "كفار باتفاق المسلمين، لا يحل أكل ذبائحهم، ولا نكاح نسائهم، بل ولا يقرون بالجزية، فإنهم مرتدون عن دين الإسلام، ليسوا مسلمين، ولا يهوداً، ولا نصارى"...

وفي كتابه "دائرة الخوف: العلويون السوريون في الحرب والسلم" يذكر الكاتب النيوزلندي ليون غولدسميث: أنه "في أوائل ١٨٢٠ أصدر الشيخ السني محمد ناصر الدين المغربي (توفي 1827) في اللاذقية فتوى، كانت الأولى ضد العلويين منذ سنة 1516 ونصت حسبما أورد صموئيل لايد على أن  حياة وممتلكات النصيريين (العلويين) مباحة للمسلمين. وبعدها بقليل في سنة 1824 هاجمت مجموعة من جنود العثمانيين قرى علوية قرب اللاذقية وقتلوا ثلاثين أو أربعين رجلا واسترّقوا النساء والأطفال" (ص 124).

يعتقد العلويون أن هذه الفتاوى وغيرها، هي التي تُبيح الاعتداء على المزارات وحرقها، وهو ما يؤكّده الشيخ المُقيم في ألمانيا، إذ يقول لسوريا ما انحكت، إنّ ما يقوم به العلويون بما في ذلك قراءة القرآن والصوم ونطق الشهادتين، إنما هو في عقيدة بعض أنصار النظام الجديد في سوريا "نفاق ويدخل في باب التورية والكذب على المسلمين الآخرين ، وكأنهم وكلاء الله على نوايا الناس وأفعالهم. فما بالك إذا تعلّق الأمر بالمقامات التي يعتبرون وجودها وزيارتها والتشفّع بأسماء أصحابها شركاً وكفراً".

بدوره، يفسّر السيد محمد الريحاوي (اسم مستعار حسب رغبته) وهو من منتسبي الأمن العام التابع للحكومة ومُقيم في مصياف في حديث  لسوريا ما انحكت حرق المقامات على أنه "من أفعال أصحاب السوابق الذين يهدفون للتغطية على جرائم سرقة أموال أو أشياء صالحة للبيع قد يجدونها في المقام مثل السجاد". مع ذلك لا يستبعد احتمال كون "بعض المتشددين من فعل ذلك لكن الدولة تلاحق المرتكبين ما أمكنها ذلك".

ووفق متابعة سوريا ما انحكت فإنه لم يجري أيّ اعتقال للأشخاص الذين اتُهموا بحرق مقامات علوية. وبشكل عام، فإنه لا يوجد إحصاء محلي أو رسمي لعدد المقامات التي تعرضت للحرق والتخريب (الجدول أدناه ينقل المتوفّر).

الجدول، سوريا ما انحكت

ما هو المقام؟

تعرف مريم المقام الذي لجأت إليه منذ حوالي ثلاثة أرباع قرن، منذ كان مجرّد ضريح بلا غرفة تحوطه أشجار السنديان المعمّرة. كانت تلعب حوله طفلةً صغيرةً مع قريناتها بكامل الأمان والحبّ. تقول مريم وهي تمسك بعكازها: "كان أبي (توفي عن مئة عام منتصف التسعينيات) المدفون بجوار مقام الشيخ عبد الله يرتاح هنا وهو عائد من الفلاحة، يجلس ويشعل سيجارة دخان عربي ويستمتع. كنت أعود معه بحذائي الملوّث بالتراب فأرميه قبل دخولي للمقام. يصرّ أبي على أن أغسل قدمي قبل دخولي". كان عمر غابة السنديان كبيراً إلى درجة لا تتذكّر معها مريم المكان إلا كما هو: "تلك الأشجار لم تكن تتغيّر أبداً".

لا أحد يعرف متى دُفن الشيخ عبد الله، لكن هذه المقامات المُنتشرة في الجبال الساحلية تعود بجذورها إلى أزمنة سحيقة. يذهب المؤرّخ الفرنسي جاك فيولرس في دراسته عن الفلاحين في سوريا والشرق الأدنى إلى أنّ "الزيارة أو المقام (تتبادلان التسمية) هي القلب الحي للتدين الفلاحي الزراعي في الساحل السوري. هي موضع مقدس قريب من حياة الفلاح اليومية حيث يشعر بالقرب والألفة أكثر مما يشعر به في أماكن العبادة المنظمة". ويضيف فيولرس أنّ المقام "غالباً ما يُبنى على شكل قبة حجرية مبيضة بالجير في موقع مقدس سابق قد يكون شجرة عظيمة أو نبع ماء أو موضعاً عرفت قداسته منذ أزمنة سحيقة. وفي كثير من الحالات، تكون القداسة ناتجة عن اسم جاء لاحقاً ليغطي حضوراً دينياً أقدم استمر عبر العصور مهما تغيرت الديانات السائدة، وهو ما يعكس استمرارية أماكن العبادة في هذه الأرض القديمة".

ولأنّ هذه الأماكن تنتمي للبيئة بشكل كامل، فإنّ نمطها المعماري مُشتق من هذه البيئة. يشير الدكتور بسام ديوب، دكتوراه بالآثار الإسلامية من السوربون باريس ومؤسّس ومدير "صفحة الحرف العربي في سوريا" على منصة الفيسبوك، وهو مسؤول عن نشر دورية مختصّة بالنقوش الكتابية السورية إلى أنّ "الشكل المعماري الأكثر استخداماً في مناطق العلويين هو مبنى مربع مغطى بقبة داخلها الضريح، والواجهة تزدان بقوس يتجاوز الباب تعلوه كتابة وأحياناً زخارف هندسية مثل النجوم يميناً ويساراً، وهناك مصطبتان صغيرتان عادة للدخول للمقام".

تاريخياً، يوثّق ديوب وجود مقامات علوية قديمة من خلال النقوش: "لدينا أكثر من 140 كتابة تخصّ العلويين، منها ما هو للمقامات والأضرحة. أقدمها مقام الشيخ حمدان جوفين في منطقة القدموس، وتسجل وفاة الشيخ سنة 685 هجرية (1285م)، مكتوبة ضمن رنك (صندوق حجري) مملوكي يمكن الركون لأصالته. هناك أيضاً مقام الشيخ سلمان الرواس في قرية فلقسو، لكن تاريخ تعميره (861 هجري/1455 م) مشكوك فيه لأن التأريخ بالأرقام كان نادراً في تلك الفترة".

وللمقامات وظائف متعدّدة ذات جذر ديني، كما يوضّح مضر حسن، البروفيسور المتحدر من جبلة،المقيم في اليابان، المتبحّر في العلوم الدينية للطائفة، إذ يقول إنّ "أشخاص وأسماء المزارات التي نزورها هي ببساطة رموز لأرواحٍ ترفعت عن الشهوات والكره وعن خبائث الدنيا وشرورها وغرورها، وعرفت الخالق حق المعرفة، فاتحدت به، وكل كرامة تصدر عنها إنما تصدر من مشيئة الخالق ذاته". يكمل مضر قائلاً: "إنّ الزيارة البشرية للمقام هي زيارة الباحثين عن الطريق وعن الحاجات بنفس الوقت. العارف المدفون هنا عرف طريقه نحو الحق، ومن يزوره، إما باحث عن العارف الأكبر (الخالق صاحب الوجود والمعنى) وإما شخص عادي يستغيث بعلاقة العارف بالخالق. عندما نعتقد أن قديساً معيناً أو مزاراً ما يمكن أن يقوم بأمرٍ يُعدّ إعجازاً في الحالة الطبيعية، فإننا نربط ذلك بقدرة الباري". وهو ما يفسّر لجوء الناس إليها، طلباً للحماية أو تحقيق الغايات، وبعضهم كان يضع صور أولاده داخل المقام من أجل حمايتهم، ولأجل أن يُوفّقوا في حياتهم أيضاً.

هناك قصص كثيرة لمعجزات أصحاب هذه المقامات، يتداولها الناس شفاهاً جيلاً بعد جيل. يروي الموروث الشعبي عن الشيخ منصور الغرابيلي مثلاً، والذي تنتشر مقامات وتشريفات له في عدّة مناطق من الساحل السوري، أنّه تعرّض  للاستهزاء من قبل رجل دين مملوكي ذي موقع كبير عندما كان طفلاً لا يتجاوز العاشرة من عمره. سخر الرجل الكبير من الطفل منصور فأرسله مع غربال لتعبئة المياه من بئر قريب. ذهب الولد وعاد حاملاً الغربال مملوءاً بمياه صالحة للشرب وقدّمها للشيخ المملوكي ليسقط الأخير على الأرض مغشياً عليه. هناك ذكر للشيخ منصور يعود تاريخه لبدايات العهد المملوكي وفق كتاب "المغمورون في جبال اللاذقية" لعلي عباس حرفوش.

الاعتقاد بالوظيفة الحمائية والدينية للمقامات لم يتوقّف، وخلال  المجازر في الساحل السوري تناقل السكان قصصاً عن كرامات للأولياء أصحاب المقامات. تروي السيدة خديجة علم الدين أنّ المسلحين حاولوا الدخول إلى قرية الخرنوبة الواقعة في ريف بلدة المزيرعة إلا أنّ هناك شيئاً ما منعهم من ذلك. هذا "الشيء" وفق تفسيرها، يعود لوجود مقام الشيخ "علي الدوسي" قربها "وهو بعون الله وقدرته من منعهم من الدخول إليها" كما تقول لسوريا ما انحكت.

طقوس مضت 

عاملة منزلية... تخلّت عنها الطوائف

11 أيلول 2025
"الوجع مو إنك تنقطعي من الشغل، الوجع إنو يطلعوكِ من حياتن كأنك خطر، بعد كل هالعمر وأنا مؤتمنة على أسرار بيوتهم". هذا ما تقوله العاملة المنزلية، هند، التي انعكس التمزّق...

إلى جانب هذا البعد الديني والحمائي، للمقامات وظائف اجتماعية لا تقل أهمية. خارج المقام هناك طقوس مثل طهي الطعام والدراسة ولعب الأطفال، كما تتموضع حول المقامات القريبة من القرى عادة مقبرة القرية. في أزمنة قديمة حتى الثمانينيات من القرن الماضي كانت الأعياد الاجتماعية والزراعية تقام قرب المقامات ذات الساحات الواسعة مثل مقام الشيخ عبد الله الدالية والشيخ أحمد بن شعبان في بانياس، ومنها كما تروي مريم طقس الرابع الذي كان يقام في 17 من نيسان لعقود طويلة جوار مقام الشيخ منصور الغرابيلي في  قرية بابلوطة القريبة من قريتها: "كنا نحمل طعامنا معنا ونمشي ثلاثة كيلومترات للوصول إليه وهناك نشارك في حفلات الدبكة والزمر. كان هناك من يركب على المراجيح والألعاب مقابل قروش".

هذا النوع من الاحتفالات كان قاعدة التواصل الاجتماعي – الروحي، كما يرى الباحث سيمون علي، المُختص بالتاريخ الاجتماعي للساحل السوري، في حديثه لسوريا ما انحكت إذ يقول: "تساعدنا خريطة مقامات الخضر في فهم كيف كانت القرى العلوية تتواصل روحياً واجتماعياً. في محيط قرية دمسرخو وحدها (قرب اللاذقية شمالاً) تنتشر عدّة مقامات مُخصَّصة لهذه الشخصية الجامعة بين المسيحيين والمسلمين. الناس كانوا يأتون إليها للبركة وطلب الشفاء، لكنها كانت ملتقى في الأعياد، ومكاناً للوفاء بالنذور، ومحكمةً شعبيةً لحل النزاعات بين العائلات ببركة المكان".

المزارات خلال عهد الأسد

خلال عقود ما قبل حكم الأسد لم يطرأ على المقامات تغيّرات ملموسة في المعمار أو الوظيفة، ولكن خلال حكم الأسدين تعرّضت المقامات لعدّة تغيّرات متناقضة أحياناً. فمع حرص الأسد الأب على صورته عربياً وإسلامياً، ولاعتبارات تتعلّق بالحفاظ على السلطة، رفض التعامل مع العلويين من الباب الديني، فلم تُقدّم أيّة تبرّعات أو هبات لتغيير أيّ شيء في معمارية المقامات. ويشير الدكتور بسام ديوب ومعه الدكتور منير شحود (مؤلف كتاب "العلويون في التاريخ السوري المعاصر (١٩١٨/ ٢٠٢٤")  خلال حديث سوريا ما انحكت معهما، إلى أنّ المقامات بدأت تحتضن صور الأسد الأب، ومع وفاة باسل ابنه أضيفت الصورة الثانية والثالثة كانت صورة بشار. في عهد الأسد الأب قامت السيدة الأولى بتحسينات في بعض الطرق المؤدية لبعض المواقع المقدّسة الكبيرة مثل مقامات الأربعين في جرد القرداحة و وادي القلع (ريف جبلة).

هناك حدث يذكره أهل الساحل جيداً، يرويه لنا محمد شبانه ( 66 عاماً)، وهو موظف متقاعد من مدينة بانياس: "في الثمانينيات تعرّضت عدة مقامات علوية للحرق والتخريب وكان الفاعل وقتها أشخاص منتمون إلى (جمعية المرتضى) التي أسّسها جميل الأسد. ففي العام 1984 تعرّض مقام الشيخ أحمد قرفيص لمحاولة حرق من قبل أفراد هذه الجماعة متسلحين بالعلاقة مع القوى الأمنية والسلطة، والهدف تفكيك أقوى رموز الاجتماع العلوي بهدف تشييع للعلويين، حيث كان جميل ميالاً لإيران وقتها. تدخل الشيوخ العلويون لدى الأسد الأب وتوقفت المحاولات، فيما بعد مال جميل للهوى السعودي وبدأت رحلات الحج العلوية إلى مكة".

في زمن الحرب أضيف للمقامات دور آخر: تحوّلت معرضاً للذاكرة، ذاكرة الحرب. في زواياها وعلى جدرانها عٌلّقت صور الشباب الذين غادروا للجبهات ولم يعودوا. قبل سقوط نظام الأسد بوقت قصير كانت صوره وصور والده، وبدرجات أقل صور حسن نصر الله، منتشرة في غالبية المقامات ولكنها أزيلت عقب السقوط بسرعة كبيرة، وكأنّ من أزالها كان يتنبّأ بما حدث من استهداف لهذه المزارات، كما حدث مع مقام الشيخ سالم، الذي بقيت داخله "الخلعات" الخضراء معلّقةً لم تنل النار منها.

هذه الشرائط القماشية، التي يأخذها الزوّار ويربطونها حول معاصمهم كتقليد ديني واجتماعي، لم تحرقها النار بشكل كامل. وفي منطق الإيمان الشعبي، فإنّ الخلعة التي تُؤخذ من المقام توفّر الحماية، وأن تبقى هذه الشرائط الخضراء رغم شدّة الحريق الذي أتى على كلّ شيء، فهذا علامة يراها جار مقام الأمير سالم، المدرّس محمد إسماعيل (خمسون عاماً) دلالة على الثبات والحياة والخلود: "إذا لم تحترق الخلعات على المقام، فكيف نحترق نحن؟". يقول بصوت هادئ وغير انفعالي، يعكس إيمانه العميق بقدرة هذه المقامات على الرد على الإساءة.

ويتابع قائلاً: "سوف نعيد بناء المقام ونؤثثه مثلما كان وأفضل. كرامة المقام من كرامتنا، والتخريب لن يؤثّر على علاقتنا مع الزيارة لأنها علاقة الروح بالروح وليست علاقة الجسد بالجسد.. وإذا كان المسلحون حرقوا القرآن ضمن المقام فنحن سوف نعيد وضع تلك النسخ المحروقة داخله كي ترى الأجيال الجديدة ما فعله هؤلاء"، وهو ما تفعله مريم التي عادت إلى بيتها بطريقة أخرى، حيث تروي لكلّ من يزورها ما حصل معها وكيف لم يقترب الموت منها لأنّ "الشيخ حماني والله يحبني" كما تعتقد.

مقالات متعلقة

راتب شعبو: مجازر الساحل أحدثت صدعاً مبكّراً في أسس بناء دولةٍ وطنية بعد نظام الأسد

02 نيسان 2025
"الرصاص التي قتل عائلاتٍ آمنةٍ وعزلاء في بيوتها، هو رصاصٌ مؤجّل، موجّه إلى صدر كلّ سوري مهما اعتقد هذا السوري الصامت أو (المتشفّي) إنه بعيدٌ عن الرصاص" هذا ما يقوله...
شهادات ناجين وناجيات من مجزرة الساحل (٦)

24 نيسان 2025
ابتداء من يوم الخميس 6 آذار/ مارس 2025 ولمدة ستة أيام تالية، تعرّضت مناطق ذات غالبية علوية في الساحل السوري إلى هجوم منظّم يحمل ملامح التطهير العرقي من مجموعات مسلّحة...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد