لماذا نخرج اليوم إلى العلن؟ .. إخفاء الهوية الكردية وتمظهرها


قصص العائلة، الخال، أو العم، أو الأخ الذين أصبحوا فجأة مكتومي القيد وخسروا أراضيهم التي لم تعترف الدولة بملكيتها، الأولاد، الذين يحتاجون إلى طلب استثناء شخصي من وزير التربية لتقديم امتحان الشهادة الثانوية، خريجو الجامعات التقنية، غير القادرين على ممارسة مهنهم، مهما كانوا من المتفوقين. المسألة لم تكن متعلقة يوماً بالنار، ولم يكن هذا التمييز قاصراً على النيروز وحده، فبينما كانت العديد من الأقليات العرقية والدينية تمارس نشاطاتها الثقافية عبر جمعيات خيرية معترف بها، ظل الأكراد خارج هذا الاعتراف. الإلغاء لم يختفِ بين صفوف المعارضة، بل تسرّب إلى مؤتمراتها، حيث ظلّت قضيّة الهوية الكردية هامشاً يُؤجَّل لا أساساً يُبنى عليه. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل المواطنة في الدولة تعني التخلي عن الهوية؟

21 آذار 2026

لانا ستيركوه ميقري

طبيبة وباحثة سورية-هولندية، من جذور كردية وشركسية، تحمل دكتوراه في الصحة العالمية وماجستيراً في علم الوبائيات. خبرتها تمتد بين البحث والتدريس الأكاديمي والعمل الإنساني والتنموي في عدة بلدان. تكتب من منظور إنساني يجمع بين التجربة الشخصية والتعدد الثقافي.

منذ بداية العام، كان الأكراد في قلب أحاديث وسائل الإعلام السورية، لكن ليس دائماً بأصواتهم. أحياناً كموضوع نقاش، وأحياناً كمشكلة تحتاج إلى حل، وأحياناً كمحاججة في السجال حول الهوية الوطنية السورية. خارج سوريا، يتصاعد استخدام الهوية الكردية في المشهد الإقليمي، حيث تُوظَّف في حسابات الحرب وتوازنات النفوذ، ويتداول أمرها من لا يعرف شيئاً عن أصحابها، ومن لا يهمه أن يعرف.

وجدت نفسي مترددة: هل أكتب الآن، أم أضيف صوتاً جديداً إلى ضجيج يُخفي الأسئلة بدل أن يطرحها، أو يتباهى بمعرفة كل الأسئلة وكل الأجوبة؟

أطول حلقة دبكة

نحن في عائلتي أختان، لأب كردي من دمشق وأم شركسية من الجولان. ولدت أوائل الثمانينيات، وفي ذاكرتي عامان شهدت فيهما احتفالات أكراد دمشق بعيد النيروز في "الحقلة" المجاورة لحي الأكراد، واسمها بساتين أبو جرش أو الفيحاء. أذكر أن والدي أخذنا أنا وأختي إلى الحقلة ، وأني قفزت من السور، بينما حمل والدي أختي الصغيرة، ثم أمسك كلٌّ منا بيد الآخر بقوة قبل أن ندخل وسط الحشد. لم نبقَ طويلاً، لكن ما طُبِع في ذاكرتي حتى اليوم هو ما أُصرّ على أنه أطول حلقة دبكة رأيتها في حياتي.

خارج كفة الميزان: حكاية كردية عن غياب العدالة

21 كانون الثاني 2026
تروي نازحة من عفرين في هذه الشهادة قصة عائلتها التي باتت أبرز محطاتها في السنوات الماضية، النزوح ومصادرة المنزل. يطلب محتل منزلهم منهم دفع مبلغ مالي ضخم مقابل إعادته لهم.

مُنع الاحتفال بعيد النيروز في دمشق بعد ذلك. في عام ١٩٨٦ اندلعت مواجهة مع النظام احتجاجاً على منع احتفالات النيروز، أسفرت عن مقتل شاب في التاسعة عشر من عمره اسمه سليمان آدي. بعدها بعامين، أعلنت الدولة السورية يوم ٢١ مارس/آذار عطلة رسمية كعيد للأم، بعد أن كانت سوريا تحتفل بعيد الأم في شهر مايو/أيار. كل عام، كان حيّ الأكراد يتحول إلى ثكنة عسكرية لأسبوع كامل. واصلنا زيارة جدتي وعمّات والدي للاحتفال بعيد الأم، لكن ظهور مجنّد في طريق أسد الدين المظلم، موجّهاً سلاحه نحو سيارتنا، في أحد الأعوام، دفع والداي إلى اتخاذ قرار بأن المخاطرة أصبحت أكبر من أن تُحتمل، وصرنا نقوم بزيارات عيد الأم قبل أو بعد هذا الأسبوع الربيعي. أصبح الاحتفال بالنيروز يتم سراً في ريف دمشق، بتنظيم من الأحزاب الكردية، التي كانت ممنوعة من العمل. يتغير مكان الاحتفال كل عام، ويُبلَّغ الناس قبل يوم واحد فقط، وينتشر الخبر شفهياً.

في العام 2010، وقبل سفري للدراسة، عادت إلى ذهني صورة حلقة الدبكة الأكبر باعتقادي، وتساءلت إن كنت أبالغ، فطلبت من والدي أن يسأل عن مكان الاحتفال لنذهب إليه. كان الموقع على طرفي الطريق، بعد مجمع صحارى في سهول وادي بردى، على شريط ضيق بين الإسفلت والسور الممتد حول الأراضي. نظرت حولي أبحث عن الصور الموجودة في ذاكرة الطفولة، لكنني لم أجد تلك المساحات الواسعة. تحدثت مراراً مع أختي، المولودة نهاية الثمانينيات، عن نزولنا إلى احتفالات النيروز في دمشق، لكنها لم تكن تذكر شيئاً عنها. ثلاث سنوات ونصف (هي فرق العمر بيننا) كانت كافية لمحو تجربة كاملة من ذاكرة جيل.

الاندماج، المواطنة والهوية

يُقال اليوم أن أكراد سوريا، وخاصة أكراد دمشق، "مندمجون تماماً"، ثم يُفاجأ البعض حين يتحدث هؤلاء عن كرديتهم، وكأنها أمر طارئ أو مستورد. لكن أهل سوريا وتحديداً المدن الكبرى لم يشاهدوا هذه الاحتفالات، لمنعها عقوداً من قبل نظام أمني ديكتاتوري شمولي. المنع لم يُلغِ الوجود، بل أجبره على الاختفاء.

هذه الذكريات ليست حنيناً شخصياً، بل مدخلاً لفهم كيف مُنعت هوية بكل عناصرها من الظهور في الفضاء العام، ثم طُلب منها لاحقاً أن تبرّر وجودها، وكيف حوّل الخطاب الرسمي للدول الحديثة حقوق مجموعات كاملة بهوياتها الثقافية ولغاتها إلى مشكلة تحتاج إلى حل. هذا الخطاب لم يختفِ بين صفوف المعارضة، بل تسرّب إلى مؤتمراتها، حيث ظلّت قضيّة الهوية الكردية هامشاً يُؤجَّل لا أساساً يُبنى عليه. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل المواطنة في الدولة تعني التخلي عن الهوية؟

يُقال اليوم أن أكراد سوريا، وخاصة أكراد دمشق، "مندمجون تماماً"، ثم يُفاجأ البعض حين يتحدث هؤلاء عن كرديتهم، وكأنها أمر طارئ أو مستورد. لكن أهل سوريا وتحديداً المدن الكبرى لم يشاهدوا هذه الاحتفالات، لمنعها عقوداً من قبل نظام أمني ديكتاتوري شمولي. المنع لم يُلغِ الوجود، بل أجبره على الاختفاء.

كنت أسمع أحياناً عن شبان أكراد يشعلون نيراناً على قمة جبل قاسيون ليلة النيروز، في كر وفر مع عناصر الأمن. كان التبرير الرسمي لملاحقتهم دائماً هو الخطر البيئي. في عامَي ٢٠٠٩ و٢٠١٠، دعتني صديقتي إلى احتفالات عيد الصليب في معلولا، تسلقت بنفسي إلى أعلى الجبل، ورأيت النيران الضخمة موقدة على قمتين، ورأيت الأخشاب المشتعلة تُرمى إلى الأسفل، وسمعت صفارات سيارات الإطفاء والإسعاف المرافقة للاحتفال. لم يقل أحد إن في هذا خطراً بيئياً، بل وفّرت الدولة الدعم اللازم.

في تلك اللحظة أدركت أن المسألة لم تكن يوماً متعلقة بالنار، ولم يكن هذا التمييز قاصراً على النيروز وحده، فبينما كانت العديد من الأقليات العرقية والدينية تمارس نشاطاتها الثقافية عبر جمعيات خيرية معترف بها، ظل الأكراد خارج هذا الاعتراف. أنا نفسي شاركت في نشاطات الجمعية الشركسية وعايشت ما تتيحه تلك الفضاءات الثقافية، في الوقت الذي كانت فيه احتفالات النيروز ممنوعة. التناقض لم يكن يحتاج إلى تفسير، كان مرئياً وملموساً.

لا شك أن كل السوريين كانوا ضحايا للنظام البعثي الأسدي، فلماذا للأكراد مطالب "خاصة"؟ الأمر ليس ترتيباً للمظلومية أو مفاضلة في الألم، بل توضيحاً للفرق بين القمع السياسي والأمني الذي طال الجميع، وبين سياسات دولة أنتجت عنصرية بنيوية تجاه الأكراد، وساهمت في تطبيعها اجتماعياً. الخلط بين الأمرين يمنعنا من فهم جذور المشكلة، ويعيد إنتاجها بأشكال جديدة.

ثلاث روايات 

عادت والدتي عن التقاعد في بداية الألفية، وعملت مدرّسة لمادة العلوم في إحدى مدارس مشروع دمر في دمشق. تفاجأت بعدد كبير من طلاب الصفين الخامس والسادس الذين يعانون صعوبات حادة في القراءة والكتابة، حاولت فهم السبب، وتحدثت مع معلمات الصفوف الأولى بالحذر المعتاد الذي كان يلقي ظلاله على كل حديث وكل سؤال، خوفاً من ملاحقات أمنية. في البداية أنكرت المعلمات وجود مشكلة، ثم قالت إحداهن فجأة: "آه… قصدك طلاب حي الرز؟ هدول أكراد، ما في داعي يتعلموا عربي.”

والدتي التي ربّتنا على معرفة انتماءاتنا الثقافية وتقديرها، الكردية والشركسية وحتى العربية، لكن دون أن تجعل منها حدوداً تفصل بين الناس، كانت ترفض اختزال الإنسان في هويته، أياً كانت. لكن منذ تلك اللحظة، لم نعد نحن فقط بناتها. في ساعات العمل، أصبحنا "بناتها الكرديات". بدأت والدتي تحكي عن عمة زوجها الكردية التي درست اللغة العربية في الجامعة السورية في ثلاثينيات القرن الماضي، وعن زوجها الكردي خريج كلية الحقوق، وعن بناتها الكرديات في الجامعة. أعتقد بأنها حتى فكرت بالذهاب لتدريس الأطفال في بيوتهم، لكن الخوف الأمني منعها. لاحقاً، حين انتقلت للعمل أمينة مكتبة في مدرسة مختلفة، تفاجأت بأشكال أخرى من العنصرية تجاه طلاب حي الرز، وتعرّف زملاؤها مجدداً على "عائلتها الكردية".

في سنواتي الجامعية الأولى، سألتني زميلة: “من أين أنتِ؟” أجبت بأن أبي كردي وأمي شركسيّة. فسألت: “إذاً بماذا تؤمنون؟” حاولت شرح الأمر والتوضيح أن القومية ليست ديناً بل انتماء وهوية ثقافية، لكنها قاطعتني بخوف: "أنا لا أعرف عن هذه الأشياء ولا أريد أن أعرف". لم يكن خوفها خوف من يعرف ويتهرب، بل دهشة من تعلّم بالمدرسة أن سوريا كانت عربية فقط.

خلال فترة الدراسات العليا، كنت مع أختي وزميلتي في القسم جالسين في مقصف الجامعة عندما انضم إلينا زميل آخر. لا أدري كيف بدأ بالكلام عن الأكراد، كمن يفرّغ ما في جعبته من غضب واستياء أمام من يثق بهم. لا أتذكر فحوى حديثه، قدر نظرات أختي الحائرة. استمعنا إليه إلى أن قال: "لا أستطيع أن أتخيل أن يكون لي صديق كردي". فابتسمنا أختي وأنا، إذ أتاحت لنا جملته فرصة نادرة للرد بهدوء، وقلت له: "للأسف، إذاً لا يمكننا أن نكون أصدقاء". عندها انتقلت إليه نظرات الحيرة. توتر جو اللقاء، وإن حافظنا على الاحترام، لكنه كان يمكن أن ينتهي بصدام أكبر.

تحمل الذاكرة الجماعية الحيّة للأكراد في سوريا عشرات القصص المشابهة، التي قد تبدو صغيرة مقارنة بالمظالم القانونية الكبرى؛ قصص العائلة، الخال، أو العم، أو الأخ الذين أصبحوا فجأة مكتومي القيد وخسروا أراضيهم التي لم تعترف الدولة بملكيتها، الأولاد، الذين يحتاجون إلى طلب استثناء شخصي من وزير التربية لتقديم امتحان الشهادة الثانوية، خريجو الجامعات التقنية، غير القادرين على ممارسة مهنهم، مهما كانوا من المتفوقين، لعدم قبول تسجيلهم في أي نقابة مهنية، بدون الجنسية السورية. حتى من يدرس الطب أو الصيدلة أو الهندسة أو الحقوق، لا يستطيع كسب رزقه بسهولة. هذه ليست حوادث فردية، بل جزء من بنية جعلت وجود الأكراد "مشكلة" دائمة في التعليم والمواطنة.

الحل

أفكر هنا بجدتي الشركسية، النازحة من قريتها في الجولان المحتل. كانت تخاف من المدينة، وتصرّ على عودة الجميع إلى المنزل قبل أذان المغرب. كنا نضحك نحن الأطفال، ويبرر الكبار خوفها بكبر السن. لاحقاً، حين قرأت أختي عن تاريخ الشركس خلال دراستها الأكاديمية، اكتشفنا كيف تعرض الشركس لهجمات من سكان القرى المجاورة، في بداية استقرارهم في قرى الجولان. أدركنا معنى ذلك الخوف المتوارث، وشعرنا بالأسى لأننا لم نفهمه في حينه ولم تكن لدى جدتنا الفرصة لفهمه أو اللغة لتسميته أو الفضاء الآمن لتحكيه لنا.

لا شك أن كل السوريين كانوا ضحايا للنظام البعثي الأسدي، فلماذا للأكراد مطالب "خاصة"؟ الأمر ليس ترتيباً للمظلومية أو مفاضلة في الألم، بل توضيحاً للفرق بين القمع السياسي والأمني الذي طال الجميع، وبين سياسات دولة أنتجت عنصرية بنيوية تجاه الأكراد، وساهمت في تطبيعها اجتماعياً. الخلط بين الأمرين يمنعنا من فهم جذور المشكلة، ويعيد إنتاجها بأشكال جديدة.

الذاكرة الجماعية ليست ترفاً، بل شرطاً لبناء دولة. لا يمكن الحديث عن إعادة الإعمار والخدمات أو تحسين الاقتصاد أو حتى الخروج من دوامة إنتاج العنف دون مواجهة التاريخ بشجاعة، والاستماع إلى قصص الناس دون خوف أو إنكار. دور الدولة ليس أن تطلب من مواطنيها نسيان من هم، بل أن تضمن لهم أن يكونوا مختلفين ومتساوين في آن واحد، وأن تجرّم التحريض ضد أي جماعة، بغض النظر عن طبيعتها أو حجمها.

نحتاج مؤتمراً وطنياً تأسيسياً تروى فيه كل الحكايات. فقط هوية وطنيّة سوريّة جامعة غير مبنية على النسيان قادرة على ضمان مستقبل يتمتع فيه كل المواطنين، دون استثناء، بالحرية والكرامة الإنسانية والعدالة، لكن ما أتمناه، بعيداً عن المؤتمرات وقبلها، هو يوم يأتي فيه الجميع إلى احتفال النيروز، لا ليشهدوا احتفال الآخر، بل ليشاركوا فيه. يوم يستعيد فيه الكردي هويته في الفضاء العام دون اعتذار، وتمتد حلقة الدبكة لتضم من لم يعرف يوماً أنه كان يُمنع من رؤيتها.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد