فرضت محافظة دمشق قيوداً على استهلاك الكحول في دمشق فحصرت بيعه بعبوات مختومة في ثلاثة أحياء (باب توما، القصاع، باب شرقي) بعيداً عن أماكن العبادة والمدارس والمقابر، ما جعل بيعه غالباً غير ممكن بالمرة. عمت موجة استياء مواقع التواصل الاجتماعي، وأُعلن عن اعتصام احتجاجي في باب توما.
الاستجابة لدعوة الاعتصام ومدى انتشارها كانت أضخم من التوقعات، حتى بالنسبة لمنظمي التحرك لكنها عكست مساراً من ردود الفعل الشعبية ضد سلسلة من القرارات. منع الكحول على هذا النحو هو الأول من نوعه في تاريخ الدولة السورية، والمحافظة استخدمت عبارات صدرت في تعاميم وقرارات محافظات أخرى: "استجابة للطلبات الشعبية" في سياق تبرير القرار، لكن وعبر تاريخ البلاد اعتبرت القوانين الكحول قطاعاً ضريبياً وصحياً (القانون 165 /1945 والقانون 29 /1961). كما كانت هناك حانات مرخصة في دمشق وحلب والمحافظات الأخرى، منها في دمشق 40 حانة في العام 1926، ومعامل لإنتاج الكحول كالريان والميماس، عكست دوراً شعبياً واقتصادياً كبيراً لهذا القطاع في سوريا.
أتت الدعوة للاعتصام في باب توما، من فعاليات تجارية واقتصادية في المنطقة وأصحاب فنادق ومطاعم، تبعهم في ذلك ناشطون مدنيون ومنظمات وأفراد. يروي السيد أنور (اسم مستعار بناء على طلبه)، صاحب محل كحول في المنطقة، أنّهم انضموا إلى التحرك ثم فوجئوا بزخم الموقف الشعبي للضغط على المحافظة، وعدد الناس الراغبين بالانضمام للاعتصام باعتبار أنّ المسألة تمس الحريات وليس فقط قضية تداول الكحول وتنظيمه. يقول: "وجدنا أنّ الشارع أخذ الموضوع على عاتقه بعد أن سبق وأكل كفوف وانتبه أنّ ما يجري اليوم هو تدخل (سافر) في الحريات الشخصية للبشر والمكانة الاجتماعية وبطريقة الحياة نفسها".
رغم التشويش الكبير على موعد الاعتصام بعد بيان المحافظة الذي أصدرته الساعة الثانية عشرة ليلاً واعتذرت فيه عن الفهم الخاطئ للقرار كما قالت، وهو ما أدّى إلى انسحابات بالجملة من قبل أصحاب المهنة، مترافقاً مع محاولات "الذباب الالكتروني المؤيد للحكومة الادعاء بإلغاء الاعتصام عبر آلاف البوستات هنا وهناك إلا أنّ الاعتصام أكمل طريقه"، يؤكد أنور أنه "لولا انتشار إعلان الاعتصام على التواصل الاجتماعي والإقبال عليه بكثافة وصلت إلى عدة مئات عبر عدة قنوات ومنصات وصفحات لما تراجعت المحافظة عن قرارها أو أقله أصدرت توضيحاً أنّ المحلات المرخصة من قبل السياحة لا علاقة لها به. كان قرارهم منع المشروب بكل دمشق"، لكنّ "الخوف من استمرار الاعتصام وتوسعه بحضور آلاف من المعترضين على سياسات الحكومة الانتقالية هو ما دفع المحافظة لنشر الاعتذار والتبرير بالأحرى". يضيف أنور إلى أنّ ألفاً إلى ألف وخمسمائة شخص شاركوا في الاعتصام، ومن الجيد أن العدد لم يكن أكبر، لعدم قدرة المنظمين على ضبط هذا العدد الكبير.
وفقاً لأنور فإنّ اللجنة التنظيمية للاعتصام التي تألفت من عدد من ناشطي 2011 نجحت في "كسر الحاجز بين الموالاة الراهنة والسابقة وجمعهم في محاولة إيصال رسالة الاحتجاج. ما فعلته المحافظة أنها أعلنت بداية معركة هي حددت وقتها، ولكنها غالباً لم تتوقع نتائجها".
ما قبل الاحتجاج
في اللاذقية، ومن مبنى المحافظة، خرج تعميم إداري من المحافظ الانتقالي محمد عثمان، في 26 يناير/كانون الثاني الماضي، يقضي بمنع استخدام النساء الماكياج خلال الدوام في دوائر الدولة "تحت طائلة المساءلة القانونية". في اليوم التالي لصدور التعميم، صدر تصريح رسمي من مديرية إعلام اللاذقية يؤكد فيه "أن التعميم لا يهدف الى التضييق على أي فئة أو المساس بالحريات الشخصية التي يصونها الإعلان الدستوري ويكفلها القانون وإنما جاء لتنظيم المظهر الوظيفي وعدم المبالغة باستخدام مواد التجميل بما يحقق التوازن بين الحرية الشخصية ومتطلبات بيئة العمل الرسمية".
ورغم الاعتراض الشديد والنقد الواسع النطاق، فإنّ التعميم لم يُلغَ، بل وصل خلال أيام إلى دوائر الدولة الأخرى، وكانت مديرية تربية اللاذقية السبّاقة في تعميمه. في حديثها مع سوريا ما انحكت، تروي ميرفت أحمد، مدرّسة ابتدائي في حي الرمل الشمالي بمدينة اللاذقية اللحظات الأولى لوصول التعميم إليها: " تلقيت رسالة من مديرية التربية عبر الموجهة التربوية للمدرسة تفيد ببدء تنفيذ تعميم المحافظ بمنع الماكياج في المدارس وأنّ علينا الالتزام. لم تكن الموجهة تعرف بالضبط بماذا علينا الالتزام بعد أن قدّمت المحافظة في اليوم التالي لصدور التعميم تبريراً لقرارها يقول بأنها لا تمنع الماكياج وبنفس الوقت تطلب الالتزام بمنع الماكياج. اتفقنا على ألا نضع أي ماكياج درءاً لأي إشكال قد يحدث".
تكمل المعلمة القريبة من التقاعد الوظيفي: "في المدرسة التزمت الآنسات بعدم وضع أي نوع من الماكياج. تقول ميرفت: "هذا الامتثال، حسب أحاديث معهنّ، كان توافقاً طوعياً سببه الأول الخوف من الفصل. هذا السلاح المستجد الذي يرفع بوجهنا دائماً في عهد الحكومة الجديدة". تقول ميرفت: "فجأة، تحوّل طقس يومي عاديّ تقوم به نساء البشرية كلّها من اختيار شخصي إلى مخالفة قانونية محتملة".
تستند هذه "المخالفة المحتملة" إلى تعميم إداري يستند بدوره إلى قانون الإدارة المحلية 107/2011 النافذ لتاريخه، حيث يتولّى المحافظ بموجب المادتين 44 و51 من لوائح شؤون العاملين في المحافظة، تطبيق قواعد الحريات العامة الدستورية وصونها شريطة ألا تؤدي قراراته لمخالفة القوانين والأنظمة النافذة. لا تكمن المشكلة في ذلك، وفق ميرفت، بل "في احتمال تفسير عشوائي لتعميم رسمي، آليات تنفيذه غير واضحة".
التطنيش يتحول إلى ممانعة عندما يتاح الأمر، وهو ما يقوم به السوريون والسوريات إزاء قرار رفع أسعار الكهرباء، فبعد احتجاج في دمشق، دون أي استجابة حكومية، يمتنع معظم المشتركين عن الدفع، ما حول كوى الجباية إلى نقاط استفسار عن المبالغ المترتبة لا أكثر، في انتظار تغيير الحكومة قرارها الأخير، أو ربما، التصعيد بسحب العدادات أو زيادة التقنين تتغير عنده سياسة: "عدم الدفع" لما يلزم.
بالمقابل ترى المحامية رولا رجب من جبلة، أنّ كون القرار / التعميم قانونياً من حيث المبدأ لا يلغي تعارضه مع حقوق الحريات الموجودة في مواد الإعلان الدستوري وتضيف: "في سوريا، يمكن الطعن في القرارات الإدارية الصادرة عن المحافظ أمام المحكمة الإدارية المختصة". وتشير إلى أنّ "الأساس القانوني يشترط أن يكون قرار المحافظ قد مسَّ حقوق الأفراد أو المؤسسات بشكل غير قانوني أو أساء استخدام السلطة مشكّلاً ضرراً ملحوظاً. قرار المحافظ هو مثال جديد يتعلق بالحريات الدستورية، والفكرة أنه تحدّث عن عقوبات (قانونية) لا نعرف على أي قانون تستند في حال التطبيق". من جهة ثانية وحسب ما علمت سوريا ما انحكت لم يقدّم محام/ ية أو أية جهة اعتبارية طعناً ضد قرار المحافظ في اللاذقية وغيرها من المناطق.
في 20 يناير/كانون الثاني الماضي، عمّم محافظ حماة عبد الرحمن السهيان على مديرياته وبلدياته قراراً يقضي بمنع إقامة أي نشاط عام أو خاص (حفلات وأعراس ومناسبات) في الحدائق العامة أو المطاعم أو الفنادق، أو أي مكان "دون الحصول على ترخيص مسبق". يهدف القرار إلى "تنظيم العمل المؤسساتي وضمان توافق الأنشطة والفعاليات التي تقام في المحافظة مع السياسة العامة وبما ينسجم مع أعراف وتقاليد كل منطقة". ترك القرار توضيح "السياسة العامة" و"بما ينسجم مع أعراف وتقاليد كل منطقة" دون شرح على نحو يبدو مقصوداً. يشبه تعميم محافظ حماة تعميماً صدر عن بلدية قرية سوق وادي بردى، يمنع إقامة الحفلات المختلطة.
يشترط قرار محافظ حماة الحصول على الموافقات من مكتب "الفعاليات" التابع للأمانة العامة في المحافظة، وهذا المكتب أُحدث بناء على توجيه "الشؤون السياسية" (تابعة لوزارة الخارجية) ويديره نادر القاضي رئيس مكتب الفعاليات والأنشطة الذي كان سابقاً منشداً دينياً يعرفه أهل المدينة باسم بـ"أبو مالك الحموي". في تصريح لوسيلة إعلام محلية قال القاضي إنّ "الهدف من الإجراء توحيد المرجعيات بين الجهات التنظيمية للفعاليات، فهناك عشوائية بمنح الموافقات سابقاً". قرار محافظة حماة وسّع نطاق الالتزام ليشمل أماكن الاستضافة من مدرجات وصالات ومطاعم تحت طائلة المساءلة.
قرار حماة، وفقاً للمحامي خليل عواد، من سكان المدينة "يذكّر بالموافقات الأمنية في أيام نظام الأسد. اليوم من جديد هناك من يراقب البشر كي يهندسهم بطريقته التي تقسم العالم بين مطيع ومخالف". يضيف المحامي: "أي نشاط حتى على مستوى تجمع عدة شباب وصبايا قد يجعلهم عرضة للمسائلة القانونية في حال عدم الحصول على الموافقة المطلوبة. تخيّل أن حفلة عيد ميلاد طفلك في صالة تحتاج لموافقة مسبقة". ينبّه خليل إلى أنّ "عديداً من الدول أوقف هذا النظام وبدلاً منه تبنّت نظام (الإشعار)، بهدف تسهيل الحياة العامة والأنشطة الكثيرة فيها ودفعاً للناس إلى الحركة والسياحة والنشاط، أما محافظة حماة ـ وربما يلحقها محافظات أخرى ـ فتريد فرض القيود على الناس بهدف التحكم بهم وإخضاعهم بالكامل لها".
ولم يتوقف الأمر هنا، في 27 أكتوبر/تشرين الثاني 2025 أصدرت وزارة السياحة، قراراً يمنع المنشآت السياحية والجهات المرتبطة بها من إقامة أي نشاطات ذات طابع سياسي دون موافقة مسبقة من الأمانة العامة للشؤون السياسية.
في حديث مع سوريا ما انحكت، رأت الناشطة النسوية والحقوقية سوسن زكزك أنّ "الدور الذي باتت تحتله الشؤون السياسية يشكّل تهديداً للحياة السياسية السورية"، معتبرةً أنّ "أيّ نشاط، يمكن أن ترد فيه كلمة سياسة، حتى ولو لم يكن سياسياً مباشراً يحتاج موافقة الإدارة، هذا يعني إعادة تدوير هيمنة البعث على المشاركة في الشأن العام، عامة، وفي الحياة السياسية، خاصّة".
مقاومة متصاعدة
تعتقد زكزك أنّ مقاومة هذه التحوّلات في هندسة الفضاء العام في البلاد تعتمد على "فهمه على حقيقته، وحقيقة انعكاسه على المشاركة بالشأن العام، بكل أشكالها"، والسبيل إلى ذلك استنفار الحقوقيين والحقوقيات لقدرتهم على مراقبة الشأن العام والانتباه ومراقبة ما يصدر عن السلطة، الذي قد يراه البعض تحقيقاً لهدف نريده، بينما يكمن المقصد الحقيقي وراءه في تقييد الحقوق"، مثلاً، أصدر وزير الإدارة المحلية محمد عنجراني القرار (13/ن) يمنح بموجبه مزيد من الصلاحيات للمحافظين، "وهذا يبدو توسيعاً للامركزية، مما يسمح لهم بإصدار قرارات، تقيد المزيد من الحريات بغطاء قانوني مع أنهم غير منتخبين، وهذا يتناقض مع اللامركزية المطلوبة".
تبدو المقاومة العملية لقرارات السلطة حتى الآن دون تنظيم واضح. على أرض الواقع كان واضحاً تجاهل كثيرات لقرار المحافظ وإن بطرق ذكية يصعب كشفها لغير المختصات والمختصين بالماكياج. مع ذلك لا يمكن القول إنّ هناك مقاومة معلنة للقرار. تبدو سياسة "التطنيش" جزء محتملاً من أفعال مقاومة عمومية غير ممنهجة ولكنها تبدو الأقرب للفعل الممكن. يروي الشاب "عبد الرحمن" - 35 عاماً صاحب محل لبيع اللانجري ـ تعليقاً على قرار بلدية التل بريف دمشق منع بيع اللانجري النسائي إلا من قبل النساء أنّ ما جرى لاحقاً كان تطنيش غالبية التجار لقرار البلدية.
التطنيش يتحول إلى ممانعة عندما يتاح الأمر، وهو ما يقوم به السوريون والسوريات إزاء قرار رفع أسعار الكهرباء، فبعد احتجاج في دمشق، دون أي استجابة حكومية، يمتنع معظم المشتركين عن الدفع، ما حول كوى الجباية إلى نقاط استفسار عن المبالغ المترتبة لا أكثر، في انتظار تغيير الحكومة قرارها الأخير، أو ربما، التصعيد بسحب العدادات أو زيادة التقنين تتغير عنده سياسة: "عدم الدفع" لما يلزم.
تعتبر المحامية رولا رجب أنّ "حالة الإرهاق في سوريا بعد عقد ونصف من الحرب وانقسام المجتمع والخوف من العودة للعنف، إضافة لغياب القوى السياسية المعارضة الموحدة أو الفاعلة، وانشغال الغالبية بالبقاء الاقتصادي، يفسّر عدم خروج مظاهرات أو احتجاجات على كثير من القرارات المحلية الجائرة. لا أعتقد أن كل الشعب موافق على هذه القرارات المقيّدة للحرية".
من جانبه اعتبر المحامي ميشيل شماس المقيم في ألمانيا، في حديث مع سوريا ما انحكت، أنّ ممارسة "اللامركزية بلا ضوابط قانونية واضحة تتحوّل إلى وسيلة تهرّب من المسؤولية؛ المركز يدفع المحافظين لاتخاذ قرارات غير شعبية ثم يتظاهر بأنه غير معني بها. هذه لامركزية شكلية تُستخدم للهروب من المسؤولية ووضعها على المحافظين". يضرب المحامي مثلاً في تعميم محافظ حماة، المصاغ بلغة آمرة، الذي يمتد أثره، ليقيد أنشطة وحقوقاً لم يقيدها القانون الأصلي. "اللامركزية هي توزيع للاختصاصات ضمن حدود المشروعية ووحدة النظام القانوني للدولة وليست تعدد القوانين أو تفويضاً مفتوحاً لتقييد الحقوق".
يوضح المحامي أنّ مقاومة هذه الأفعال "تتم من خلال الاعتراض القانوني وطلب الأساس التشريعي للقرار، والرفض الجماعي المنظّم الذي يجعل القرار غير قابل للتنفيذ، وأيضاً الضغط الاجتماعي والإعلامي لكشف أن القرار مفروض وليس محلياً، والتوعية بحقوق الناس وحدود صلاحيات المحافظ".
جزء كبير من القرارات الأخيرة يخص النساء ويقيد حضورهن، على نحو ما جرى في وادي بردى، حيث أصدرت بلدية سوق وادي بردى في ريف دمشق، مطلع شباط / فبراير الماضي، قراراً يمنع المطاعم والمنتزهات من استقبال المجموعات السياحية التي تقيم حفلات رقص مختلط أو فعاليات "اندماج" وصفت بأنها مخالفة للعادات والتقاليد، وذلك "استجابة لشكاوى الأهالي من الضجيج والممارسات (الخادشة) قرب المساجد"، وفقاً للبلدية.
الاعتماد هنا، وفقاً للناشطة، يجب أن يكون على الاهتمام العام بأية قضية تمس الحريات في البلاد، من الناس أنفسهم وليس فقط من النخب، مع الانتباه إلى وجود تيار شعبي مؤيد لفرض هذه القيود بحجة "إسلامية البلاد وخصوصية عاداتها وطقوسها".
وعلى ما يبدو أنّ الانتقاد الكبير لهذا القرار وفق ما نقل إلينا الناشط المجتمعي سامي من سكّان وادي بردى "نابع من الضرر الكبير الذي يتسبب به القرار لمصالح الناس التي تعتمد على السياحة في المنطقة للعيش". يضرب الناشط أمثلةً بأن "عدداً كبيراً من المطاعم والمقاهي والمحلات التجارية تعتمد على الوافدين من السياح أو السوريين في عيشها وبنفس الوقت هناك أعراف متبادلة بين الأطراف كافة تسمح بالنشاطات المتوازنة التي لا تستفز أي طرف وهو ما كان في الوادي منذ عشرات السنين دون مشاكل تذكر".
الضغط المستمر على النساء ومجالهن العام يظهر جلياً في كل قرارات السلطة، لذلك ترى زكزك أنّ "تقوية وحدة عمل الحركة النسوية، في الداخل والخارج، والتنسيق الدائم فيما بينها لحماية حقوق النساء ضرورة وجودية". ومع منع الحركة النسوية السورية من عقد مؤتمرها السابع في دمشق وعدم موافقة الشؤون السياسية عليه، فإنّ الدعوات "لاعتصامات تقام في عواصم عالمية يمكن أن يشكل آلية ضغط على داعمي السلطة في هذه العواصم، لتنبيهم إلى أن هناك خطراً على الحقوق والحريات التي تخص النساء، بينما نحتاج هنا إلى موافقات قد لا نحصل عليها"، كما تقول الناشطة ذات الخبرة الكبيرة.
لكن هذه الآليات الخارجية لا تكفي برأي آخرين، يرون في التعويل على الخارج دائماً نمطاً من الارتهان للتصورات الدولية في هذه القضايا. يرى الشاب المنتمي إلى جمعية تطوعية مدنية، مراد أحمد من دمشق، أنّ "هذا الرفض حقو فرنك مصدّي إذا لم تكن هناك آليات مقاومة حقيقية كما حدث في جغرافيات أخرى خارج سوريا". ويكمل الشاب: "عندما يكون هناك فرض كامل للقضية، فإن المقاومة يمكن أن تصبح حقيقية، خاصة إن كانت مصالح الناس ستتضرر، حال المخالفة". ويشير إلى أنّ مستلمي السلطة اليوم غيّروا تكتيكاتهم عن الممارسة العنفية بحيث بات التغيير متدرجاً، غير فج، غير عنيف، معتمدين على آليات الضغط الاجتماعي مع وجود مناصرين كثر لأفكارهم، كما ذكر ذلك رئيس السلطة الانتقالية أحمد الشرع في حديث له عن الموضوع في العام 2023، على حد تقديره.
يتفق مع الشاب مراد أفراد آخرون داخل وخارج البلاد. ترى المحامية والناشطة فوز جحجاح المقيمة في برلين أنّ ما يميز المرحلة الحالية في سوريا هي أنها "مرحلة ضبابية تتخللها قرارات ومحاولات لاختبار حدود السيطرة على الفضاء العام"، وهذا برأيها "فرصة نادرة لإمكانية مقاومة التغوّل قبل أن يتحوّل نظاماً راسخاً". الاعتماد هنا، وفقاً للناشطة، يجب أن يكون على الاهتمام العام بأية قضية تمس الحريات في البلاد، من الناس أنفسهم وليس فقط من النخب، مع الانتباه إلى وجود تيار شعبي مؤيد لفرض هذه القيود بحجة "إسلامية البلاد وخصوصية عاداتها وطقوسها". وفي هذه المرحلة، تقول جحجاح: "لا تعني المقاومة المواجهة المباشرة أحياناً، تعني بتصوري اليقظة وعدم التطبيع. أسوأ ما يمكن أن يحصل اعتبار أي قرار من السلطة أمراً واقعاً لا يمكن تغييره. تجارب عالمية تقول بوضوح شديد: إنّ التراخي المبكر يمهّد للقمع اللاحق".
الصوت الضائع: سوريو المحرّر الجديد
13 حزيران 2025
تعني المقاومة وفق المحامية جحجاح "استخدام الأدوات المتاحة. القوانين السورية ما تزال نافذة والطعن في القرارات الجديدة ضروري، وتوثيق الانتهاكات ضروري، بناء شبكات ثقة صغيرة بين الناس المتضررين والعالم مهمة ضرورية في عصر الإنترنت، صورة أو فيديو قد يفعل ما لا تفعله مظاهرة".
ترى جحجاح أن بناء شبكات الثقة الصغيرة هو مفتاح مهم لإيقاف السلطة، كما المجتمع، من فرض نمط معيّن على الجميع في وقت ينفتح فيها العالم على التغيرات الدافقة. تضيف جحجاح: "شبكات الثقة الصغيرة عصب المقاومة المجتمعية في ظل ضعف حضور ونشاط الأحزاب والنقابات المستقلة. هي لا تحتاج إلى ترخيص ولا بيروقراطية، وتعتمد على العلاقات الإنسانية المباشرة والتوثيق اليومي لهذه الأفعال".
كمثال، بعد قيام المدعو "خالد التلاوي"، الذي يقدم نفسه كإعلامي ومؤثر، من حي السبيل في حمص، بتصوير أحد المقاهي في حي الحضارة، خلال شهر رمضان الجاري، معتدياً على حرمة المكان وخصوصيته، شهدت المنصات جدلاً واسعاً حول هذا التصرف، وبينما رفض قسم كبير من السوريين/ات هذا التصرف، وجده آخرون مناسبة لاستعراض تأييدهم. لكن التفاعل مع وسم "كلنا خالد التلاوي" يشير إلى انخفاض تأييد هذا التصرف إذ لم ينل سوى القليل من الانتشار على منصة فيسبوك، التي تشهد نشاطاً كبيراً للسوريين عليه.
تصرف التلاوي يتشابه من حيث الهدف مع التجربة الأفغانية المريرة التي احتلّت فيها حركة طالبان الفضاء العام والخاص للناس، لكن ردود الفعل السورية أقله على مواقع التواصل الاجتماعي، تشير لنوع متاح من المقاومة، لم تتوفر في التجربة الأفغانية مع إدراك اختلاف الظروف بين التجربتين.
اليوم ترفض مجتمعات كثيرة في سوريا قرارات رسمية متنوعة، وتتصاعد أشكال مقاومتها في صياغة لهوية سورية غير واضحة المعالم بعد. إنّ بدء بناء شبكات المقاومة الصغيرة منذ الآن هو الذي سوف يحافظ على "المجتمع"، كما تقترح المحامية جحجاح. لكن الفارق أن الأفغانيات تأخرن، أما السوريات والسوريون فلا يزالون في الوقت المناسب ليقولوا: هذه حدودنا، لا تتجاوزوها.







