مقابلة مع مية الرحبي عن مسار المواطنة المتساوية بعد سقوط النظام .. ومعارك "الممكن" قانونياً للنساء


01 نيسان 2026

حكاية ما انحكت

منصة إعلامية مستقلة باللغتين العربية والإنجليزية تقدم وجهات نظر نقدية حول سوريا والسوريين/ات.

تم تنفيذ هذه المادة ضمن مشروع "دورها" بالتعاون بين منصة "نساء ربحن الحرب" ومنظمة "تاز" الألمانية.

بين إضراب مدرسي قادته في نهاية الستينيات احتجاجاً على الاستبداد، الخروج من دمشق والعودة إليها عام 2025 بعد سقوط نظام الأسد، لم تنقطع مسيرة الدكتورة مية الرحبي عن العمل المطلبي، لتضع اليوم خبرتها كباحثة وناشطة نسوية في مواجهة مباشرة مع تعقيدات الواقع الجديد، وتحديات العمل المدني على الأرض.

خلفية الرحبي مهنية ونقابية متنوعة، فميّة وهي مواليد العام 1954، طبيبة تخرجت من جامعة دمشق في العام 1977، وتخصصت في الطب الباطني في فرنسا وألمانيا، وعملت في عيادتها الخاصة بدمشق، وكانت عضوة في الكادر التدريسي بالجامعة الأوروبية السورية، ورئيسة لمستوصف الجامعي أيضاً، وقد نشرت كتباً في الطب والقصة القصيرة والرواية خلال هذه المرحلة.

الأخت الكبرى تراقبك

13 أيلول 2024
وضع السابع من أكتوبر المنظّمات والمنصّات النسويّة أمام اختبارٍ عملي لمبادئهن، فإمّا التضامن غير المشروط أو تثبيت الاتهام بالعمالة والتطبيع مع الهياكل الاستعمارية. كان هذا تذكيراً قاسياً ومستمراً بالنظام الأبوي،...

ولا تنفصل مسيرتها الأكاديمية والمهنية عن نشاطها السياسي والمدني، الذي بدأته منذ مرحلة مبكرة من حياتها، إذ انخرطت في العمل العام منذ العام 2000 عبر لجان إحياء المجتمع المدني، وساهمت في تأسيس منظمات نسوية وحقوقية متعددة، من أبرزها منظمة "مساواة/ مركز دراسات المرأة" عام 2012، ودار "الرحبة للنشر". شمل نشاطها تدريب مئات النساء على قضايا الجندر، والمشاركة في صياغة وثائق سياسية وقانونية حساسة للنوع الاجتماعي، بالإضافة إلى تمثيل المجتمع المدني في محادثات جنيف وهيئة التفاوض. إلى جانب دورها كخبيرة استشارية مع منظمات دولية عدة، رفدت المكتبة العربية بمؤلفات نسوية عدة مثل الإسلام والمرأة، والنسوية: مفاهيم وقضايا، وغير ذلك.

في هذا الحوار، تتحدث الدكتورة الرحبي عن واقع النساء السوريات بعد سقوط النظام والتحديات التي تواجه العمل المدني، وتقدم رؤية نقدية للمشاركة السياسية الحالية، وتوضح لماذا تضع "قانون الجنسية" على رأس أولويات المعارك القانونية الممكنة اليوم. كما نتطرق في حديثها معنا إلى آليات حماية أملاك المهجرات، ودور الشابات في قيادة التغيير نحو مواطنة متساوية.

دكتورة مية، كيف تقيمين اليوم الفضاء العام المتاح لمشاركة النساء في الحياة السياسية والاجتماعية؟ وهل ترين أن "المواطنة المتساوية" باتت أقرب للتحقيق مما كانت عليه قبل عقود؟

إن وجود النساء في الفضاء العام حالياً محدود جداً، ولا يتناسب أبداً مع كفاءة النساء السوريات، ولا مع تاريخهن، ولا مع نضالهن الطويل، لتحقيق المواطنة المتساوية ومشاركة النساء في القرار. للأسف، أقول إن الوضع الحالي فيما يخص مشاركة النساء لا يبشر بالخير أبداً، على الرغم من الفرحة العارمة التي غمرتنا بسقوط النظام.

لكن، ما هي الأسباب وراء هذه الرؤية؟

السبب هو أننا لا نزال ندور في فلك النظام الذكوري الرأسمالي العالمي، الذي لا ينتج سوى أنظمة من هذا النوع، فعندما تستولي قوة ذكورية مسلحة على السلطة، خلفاً لقوة ذكورية مسلحة أخرى، فإن حلم "الدولة الديمقراطية" القائمة على المواطنة المتساوية والتشاركية في الحكم لن يولد بسهولة في ظل هذه الظروف.

الحكومة الحالية حلقة ضيقة من "مقاتلين سابقين" ولا تملك استعداداً للتعاون خارج دائرتها. هذا الانغلاق يؤدي إلى إقصاء الكفاءات السورية المتنوعة، والبلد لن تسير بهذا الشكل. هناك غياب للشفافية وحذر متبادل بين الحكومة والناس.

بالحديث عن النضال؛ لقد قدتِ أول إضراب مدرسي في نهاية الستينيات، وعشتِ تجربة ملاحقة والدكِ الدبلوماسي المعارض لحكم البعث، كيف توظفين هذا الإرث اليوم في إقناع الجيل الشاب، والنساء تحديداً، بأن التغيير الديمقراطي هو معركة نفس طويل؟

أفكر أحياناً، بأنني قد لا أشهد اليوم الذي يتغير فيه هذا النظام العالمي، وتنتهي فيه سيطرة ما يسمى بـ "إسرائيل" على المنطقة بأكملها، أو ذلك اليوم الذي تقوم فيه دولة ديمقراطية تتحقق فيها المواطنة المتساوية.

كنتُ أدركُ ذلك منذ البداية؛ وبالطبع لا أقصد منذ طفولتي، لكن بالمجمل، إن إدراك مثل هذه الحقائق قد يسبب نوعاً من الإحباط أو الصدمة، وقد تحتاج دائماً لاستمداد طاقة جديدة لمواصلة ما بدأت به، لكن في الحقيقة، لستُ أنا من يعطي الطاقة للجيل الجديد، بل إن الشابات هنّ من يمنحني إياها. عندما أراهن لا يزلن يمتلكن الأمل بالتغيير، أستعيد قدرتي على الاستمرار.

منظمة "مساواة"، التي أسستِها في العام 2012 من قلب دمشق في ظروف أمنية قاهرة، وعادت للعمل المرخص في عام 2025؛ هل هي مفتوحة اليوم لكل النساء والمنظمات؟ وكيف تجري آلية العمل فيها؟

اعتمدنا في "مساواة" النمط المؤسساتي الفرنسي، المعتمد على هيكلية إدارية وفريق متطوعين، مبتعدين تماماً عن الشكل "الحزبي" الذي يطبع عمل الكثير من المنظمات السورية. ومع أننا نؤمن بأن التطوع هو أساس العمل المدني، إلا أننا نراعي أن الظروف القاسية في سوريا تجعل التطوع المجاني صعباً، لذا نوازن في عملنا بين التمويل والجهود المتاحة.

بدأت المنظمة كمركز دراسات ودار نشر للفكر النسوي، ثم انتقلنا للتمكين الميداني عبر ثلاثة مراكز بريف دمشق، لكن الضغوط الأمنية أجبرتنا على إغلاقها عام 2018. وتمكنا إلى اليوم من تشكيل شبكة علاقات تضم نحو 80 منظمة، إلا أن إعادة تفعيل هذه المراكز يبقى مرهوناً بتوفر التمويل.

كيف يمكن تحويل هذا النتاج المعرفي إلى خدمات قانونية واجتماعية ملموسة تساعد النساء في دمشق وباقي المحافظات؟

"حرقوا قلبي": عن أمهات سوريات غيّب الإعلام أحزانهن

23 تموز 2025
تظهر الأم السورية المفجوعة بفقدان أبنائها في وسائل الإعلام، باعتبارها قوية، جبارة، صامدة، صابرة...، أمٌّ لا يُحتفى بألمها بل بـ "دورها التعبوي"، لتُختزل إلى تمثالٍ صامت في مسرحٍ وطني، تتكلّم...

بصراحة، اكتشفت من خلال تجربتي الشخصية، أن العمل التطوعي وحده لا يكفي في بيئة مسحوقة اقتصادياً؛ فالمسألة لا تتوقف عند تطوع المدرب بجهده لتقديم التدريبات، بل تتعداها لتكاليف لوجستية أساسية كالنقل وتأمين احتياجات النساء المشاركات. وبينما لا يزال المانحون الدوليون في مرحلة التفكير منذ سقوط النظام، أوجه عتباً كبيراً لرجال الأعمال السوريين؛ فهم المطالبون اليوم بدعم استقرار بلدهم وتغطية هذه الجهود التوعوية، لكنهم غير مستعدين لدفع قرش واحد في خدمة تساهم في توعية المجتمع.

هل هناك أفق لتعاون حكومي في أنشطة تمكين النساء؟

الحكومة الحالية حلقة ضيقة من "مقاتلين سابقين" ولا تملك استعداداً للتعاون خارج دائرتها. هذا الانغلاق يؤدي إلى إقصاء الكفاءات السورية المتنوعة، والبلد لن تسير بهذا الشكل. هناك غياب للشفافية وحذر متبادل بين الحكومة والناس.

عملتِ منذ عام 2020 على مشروع حقوق الملكية والسكن والأرض، كيف تساهمين اليوم عملياً في حماية أملاك المهجرات اللواتي يفتقدن للثبوتيات في ظل الفوضى القانونية الحالية؟

لقد اقترحنا إقامة عيادات قانونية في كافة أنحاء سوريا تضم محاميات متفرغات لمساعدة النساء واستخراج أوراقهن الثبوتية من المحاكم، وقدمنا الطلب لجهات مانحة عدة، ولم يستجب أحد. أنا أرى أن المجتمع المدني السوري حالياً في حالة "عجز تام" بسبب غياب التمويل وغياب التعاون الحكومي.

هل سيكون لك دور ضمن جهود جماعية في حماية الصحفيات السوريات من التضييق لضمان وصول أصواتهن وأصوات الضحايا.. وكيف يمكن أن يكون ذلك؟

هذا سؤال صعب جداً، خاصة مع تحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى حلبة ملاكمة بين المتطرفين. أنا حالياً اخترتُ الصمت والانتظار لتهدأ النفوس المحتقنة، وهذا ليس تخلّياً عن النضال، بل انحناء للعاصفة ريثما نتمكن من إعادة تشكيل صفوف الحركة النسوية التي تعاني من التشظي كبقية المجتمع المدني.

أنا أرى أن المجتمع المدني السوري حالياً في حالة "عجز تام" بسبب غياب التمويل وغياب التعاون الحكومي.

أعددتِ سابقاً كتيبات حول "الدستور الحساس للجندر"؛ كيف يمكن أن نعمل نحن وأنتِ على تحويل هذه البنود إلى ثقافة شعبية يتبناها الرجل قبل المرأة لضمان العدالة؟

نعود لنفس النقطة؛ نحن بانتظار صحوة ضمير رجال الأعمال السوريين الوطنيين ليدعموا العمل المدني، أو انتظار التمويل الخارجي "المهين" الذي يرهن عملنا. إذا توفرت الإمكانيات، لدينا مشاريع جاهزة للتطبيق، مثل "الأجندة المشتركة لمناهضة العنف"، عبر التدريبات والورشات والحوارات المجتمعية، والضغط لتكون إعادة الإعمار تستهدف الإنسان وليس الشركات، والحرص على عدم فقدان مسؤولية الدولة عن التعليم والصحة.

كيف يمكن اليوم لنا كسوريات المساهمة في صناعة السلام المحلي ومنع تجدد الصراعات في أحيائنا وقرانا؟

للمجتمع المدني دور كبير هنا إذا وصل لأصغر قرية وحاور القيادات المجتمعية من معلمين وأطباء وحتى رجال دين لنشر مفاهيم السلام والعدالة، لكن حالياً، نرى الناس يتخندقون خلف انتماءات "ما قبل الدولة" (العشيرة، الطائفة، المنطقة)، وهذا خطر جداً يؤخر المصالحة.

قد يجد الكثير من الأشخاص أن مطالب النساء ليست ذات أولوية أمام الأولويات السياسية الكبرى.. هل ترين أن البيئة مناسبة لتشكيل جماعة ضغط نسوية سورية لمواجهة القوانين التمييزية مهما كانت الظروف؟

النسوية في جوهرها حركة سياسية تهدف لتغيير النظام الذكوري و الرأسمالي القائم. ويخطئ بعض النسويات السوريات حين يفصلنَ نضالهنَّ عن مطالب الناس اليومية، فأنا أرى أن مطلبي الأول حالياً هو تحسين الأوضاع المعيشية للسوريين، انطلاقاً من هرم ماسلو، لذا لا يمكنني المطالبة بحقوق النساء دون المطالبة بحقهن في الحياة أولاً، وحقهن في العودة من المخيمات والعيش بكرامة إنسانية. لذا، يجب ألا ننفصل عن هموم الشارع، بل علينا جندرة كافة الملفات الوطنية؛ فبدلاً من عزل نضالنا، نطالب بعدالة انتقالية حساسة للجندر وإعادة إعمار حساسة للجندر.

هل مازلنا نُقدّم صورة حالمة عن المرجلة؟

13 آذار 2025
عقود من الحكم السلطوي وأربعة عشر عامًا من الحرب كرّست الهويات العسكرية، مما يشكّل عائقًا أمام بناء مواطنة شاملة حقيقية وإعادة تصوّر الانتماء الوطني، كما تكتب الدكتورة رهف الدغلي. في...

ما هي المعركة القانونية الأولى التي تخوضينها اليوم في سوريا أو ترغبين بخوضها؟

لو كان الأمر بيدي لاخترتُ تغيير قانون الأحوال الشخصية فوراً، ولكن في السياسة علينا أن ندرس الممكن والواقعي. لذا، نحن اليوم نتبنى ونخوض معركة تغيير قانون الجنسية، لأسباب عدة، أولها أن هذا القانون مدني غير مرتبط بالشريعة الإسلامية، بعكس قانون الأحوال الشخصية الذي يصطدم دائماً بتفسيرات دينية تجعل تغييره معقداً وشائكاً (كما رأينا مؤخراً في تصريحات مفتي الجمهورية حول ضرورة ملاءمة القوانين للشريعة). ثانياً، لمسنا نوعاً من الرغبة أو الانفتاح لدى الحكومة لتطبيق هذا القانون. وثالثاً، وهو الأهم، أن هذا التغيير سيفيد فئات واسعة جداً، ليس فقط النساء بل آلاف الأطفال المحرومين من الجنسية ومن أي أوراق تثبت وجودهم. نحن نعمل على هذا الملف بورشات عمل في دمشق والقامشلي وعلى مستوى إقليمي.

عندما نتحدث عن العدالة، فلا بد من الحديث عن العدالة الجغرافية أيضاً للنساء.. كيف يمكن اليوم أن نساهم في ضمان وصول مشاريع العدالة والتنمية لنساء المدن والأرياف المهمشة برأيك؟

النظام السابق كان محترفاً في تهميش الأرياف وخلق قطيعة بين المحافظات، لدرجة أننا فقدنا اللغة المشتركة بين نساء المدن والأرياف.

نحن بحاجة للبدء من الصفر لبناء جسور التواصل، وأنا شخصياً مستعدة للذهاب إلى أصغر قرية في سوريا، لقد حاورنا سابقاً قيادات عشائرية ودينية عبر الإنترنت، ووجدنا تجاوباً عندما طرحنا مفاهيم العدالة والحق بعيداً عن التشنج.

مقالات متعلقة

لو حاض الرجال..

23 تموز 2021
في هذا النص تسخر الكاتبة والناشطة النسويّة الأمريكيّة، غلوريا ستاينم، من الذكوريّة، ومن الثقافة الأمريكيّة التي سادت في الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، حيث مثّلت الذكوريّة والعنصريّة وجهًا مهمًا من...
العدالة الانتقالية الحسّاسة للجندر في سوريا.. حوار مع لمى قنوت

21 نيسان 2025
"من دون مشاركة النساء بتنوعاتهن وتنوع سياقاتهن، ومشاركة النسويات والنسويين تحديداً، ستكون العدالة من وجهة نظر الذكور الممتثلين جندرياً فقط، وبالتالي سيبقى الأثر الجندري الواسع للجرائم والانتهاكات غير مرئيّ" تقول...
ديما موسى: بعد سقوط النظام... أريد أن أظلّ ناشطةً سياسية

06 حزيران 2025
"المشاركة في النشاط المدني، الاقتصادي، والثقافي هو جزءٌ من السياسة، لأنّ السياسة ليست مجرّد انتخاباتٍ وحكومات، بل هي كلّ ما يؤثّر على حياتنا اليومية… المرحلة القادمة ستكون حاسمة، ويجب على...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد