"للأسف، تحول الفساد في سوريا إلى سلوك مقبول اجتماعياً، فالفاسد يفيد الآخرين مادياً (يأكل ويُطعم غيره)، ويتغاضى عن فساد باقي الموظفين". تصف صفاء (50 عاماً) لسوريا ما انحكت واقع القطاع الحكومي، الذي تجذر فيه الفساد خلال السنوات السابقة لسقوط نظام الأسد. تقاطعت الأزمة الاقتصادية الحادة عندها مع الجندر بشدة، لانخفاض نسبة الذكور العاملين في الدولة مقارنة بالإناث، وتحول كثيرات منهن إلى معيلات. اصطدمت العاملات في الدولة أكثر بآليات فاسدة، مارستها موظفات مجبرات للحفاظ على مناصبهن، أو ساعيات لتحسين دخلهن، وقاومتها أخريات خوفاً من التهميش أو الفصل.
"البراني": تطبيع الرشوة
تنحدر صفاء من عائلة من الموظفين، وتنقلت هي نفسها بين عدة جهات حكومية خلال مسيرتها المهنية بين حمص ودمشق، ولطالما عاصرت ممارسات فاسدة تنتشر بين النساء والرجال على حد سواء، وسمعت عنها من إخوتها ووالديها، لتختلف غالباً بحسب المهنة والدرجة الوظيفية، لكن أهمها هو المبالغ الإضافية التي تدفع لقاء خدمات أقل سعراً: "موظفة الديوان مثلاً، تبيع الطوابع للمراجعين بسعر أعلى من سعرها الحقيقي، ورغم أنها لا تجني مبالغ كبيرة من ذلك، لكنها في النهاية تمارس الفساد". بالنسبة لصفاء، تميل النساء للفساد المحدود باعتباره أقل خطورة من التورط بصفقات كبيرة، وربما يسهم احتكار الرجال غالباً للوظائف العليا في ذلك.
تدني الرواتب أجبر الكثيرين للجوء إلى الفساد المحدود، كأن يبيعوا أوراق المسابقات الخاصة بالتوظيف بمبلغ معين بدلاً من توزيعها مجاناً، أو يبيعوا الطوابع بسعر مرتفع. توضح رندة الموظفة في وزارة الاقتصاد، ذات الميول الشيوعية: "هذه المبالغ رشوة وفساد، ولكن لا ترهق المراجعين كثيراً. الرشاوى الكبيرة هي المشكلة، كأن تكتشف الدولة توزيع 81 سيارة على أعضاء مجلس شعب تبين أنهم موتى. ورطوا أحد الموظفين البسيطين بالأمر ونجا الفاسدون الحقيقيون".
في بداية عملها، عاصرت رندة ، فساداً على مستوى المناصب العليا، في حين كانت الأمور مضبوطة على مستوى الوظائف الأدنى، مع توفر نوع من الالتزام الوظيفي والرقابة عليها. تصف الفساد الذي كان سائداً حينها بأنه "ذكي"، فعلى من كان يُريد تجاوز القانون، البحث عن ثغرة قانونية، لأن الأمور القانونية واضحة، القانون يُلغى بقانون، والمرسوم يُلغى بمرسوم، وحتى عند القيام بصفقات مشبوهة، كان الحفاظ على الغطاء القانوني واجباً. "حين أرادوا إخراجي من المديرية التي أترأسها لم يجدوا أسباباً تمس النزاهة، كما يفترض القانون، فقرروا حل المديرية التي أرأسها، إذ لا يمكن عزل المدير إلا لأسباب تخص النزاهة أو بإلغاء مكان عمله، وهو ما قاموا به بالفعل". كان السبب الحقيقي لطرد رندة هو غيابها بعذر طبي وعدم انتخابها بشار الأسد في العام 2014.
حملت الرشوة الصغيرة اسم "تمشاية حال"، واعتبرت ضرورية من أجل توفير مستلزمات حياة الموظف والموظفة، وانتشر مصطلح "البراني" بشكل خاص بين الموظفين الذين لديهم احتكاك بمراجعين يدفعون رسوماً أو أجوراً، إذ غالباً ما يتركون مبالغ بسيطة على شكل إكراميات. يحمل وجود الموظفين في منصب فيه "براني" امتيازاً يحافظون عليه، ويسعون لنيله ما أمكن، بينما يبتعد عنه من لا يرغبون في التورط بشبهة الفساد، والذين كانوا يصبحون أندر فأندر.
وفي حين تُدفع الرشى في الفساد الكبير لتمرير أمور غير قانونية، تبقى مهمتها في الفساد المحدود تسيير المعاملات بشكل أسرع، وعلى حد تعبير صفاء "لا يقتصر الفساد على الموظفين والموظفات، بل يفرضه المراجعون أحياناً، فهم يُعتبرون شركاء في تعميق ممارسات الفساد وإشاعتها"، وهنا يختلف الأمر بين الجنسين حسب صفاء التي تعمل اليوم في إحدى البلديات في ريف دمشق، فالمُراجِعات أقل جرأة على تقديم الرشوة، وغالباً ما يستطعن تمرير أمورهن دون حاجة إليها، لتمييز الموظفين الذكور لهن واندفاعهم لمساعدتهن. تعترف صفاء بأنها هي نفسها ترتدي ملابس أنيقة وتتصرف بلطف زائد عندما تسير أوراقاً رسمية، فيتعامل الموظفون معها بلطف مقابل وتمشي الأمور بدون دفع أي رشوة.
تستثني صفاء المحاميات ومعقبات المعاملات من هذه المعاملة التفضيلية "العاملات في هاتين المهنتين، يتعاملن بشكل يومي مع الموظفين، وبالتالي لن يستطعن التهرب من دفع الرشوة، وأيضاً لا يمتلكن الخوف من تقديمها بحكم الخبرة".
تتفق رندة مع صفاء، لكنها تذهب أعمق في التحليل، وهي النسوية اليسارية التي شاركت في أبحاث عن النساء وسوق العمل لسنوات: "يوجد اختلاف في تعاطي النساء مع الفساد مقارنة بالرجال، فالنساء أقل قبولاً للرشوة غالباً وأكثر خوفاً من الرجال، إذ يشعرن بالقلق من إلقاء القبض عليهن أثناء استلامها أو تسليمها، وفكرة سجن السيدة في المجتمع، تعني سمعة سيئة سترافقها طيلة حياتها". بعد حديث طويل عما يدفع النساء إلى رفض الرشوة وسط مناخ تشيع فيه دون خجل، تخلص رندة إلى أنه غالباً ما تمتلك النساء وازعاً أخلاقياً أكبر، فهن يسعين لإثبات أنفسهن في العمل في ظل منافسة ذكورية وهيمنة على المناصب.
تعيينات دون دوام
لا تخلو القطاعات التي تقدم خدمات مجانية من المحسوبيات والفساد، كما تظهر تجربة سوسن وهي ممرضة من إدلب، تعمل في المشافي العامة منذ أكثر من عشرين عاماً، تحدثت لسوريا ما انحكت عن تعمد النظام إهمال المحافظة، وكيف تمثل هذا في القطاع الصحي بقلة المعدات والكوادر وغياب نظام رقابة فعال، الأمر الذي فتح أبواباً للفساد؛ كمنح الأولوية العلاجية للمرضى أصحاب المحسوبيات، دون انتظار الدور. لم تمتلك سوسن شجاعة الاعتراض على تلك الممارسات، لكنها كانت تزعجها وتكدر إحساسها بإنسانية عملها: "كانت الأدوية تُقَدم مجاناً فقط لمن لديهم معارف في المشافي أو واسطة وليس حسب الحاجة الفعلية للمريض".
تتشارك العاملات والعاملون في هذه التجاوزات على حد سواء، بحسب سوسن، التي تغيرت نظرتها لمفهوم الفساد ومعناه، فقد كانت تعتقد أنه يعني القيام بسرقة كبيرة جداً، لكنها أدركت مع الوقت أنه أي استغلال للمنصب ومكان العمل. وتضيف الممرضة سوسن: "لم يكن هناك نظام توظيف واضح وشفاف، وهذا الأمر يقصي الكفاءات الحقيقة، ويحول دون وجود نظام للمحاسبة على التعيينات غير المناسبة".
تجارة معتقلي الإرهاب: كيف تصبح إرهابياً في خمسة أيام؟
04 كانون الأول 2017
في عملية اختيار الموظفين وملء الشواغر، تسعى النساء بالتحديد إلى تعيينهن قرب سكنهن. عملت شذى في مجال التدريس منذ العام 2000، وهي المهنة التي تمارسها أغلبية من الموظفات. تحدثت بحنين عن الحماس الذي كانت تحمله عند تخرجها من كلية التربية في جامعة دمشق، وبدئها العمل في التدريس الحكومي، متذكرة أحلامها بإنشاء جيل جديد واع، التي أُحبطت قبل أن تبدأ بممارسة المهنة: "آليات التعيين غير مرتبطة لا بالمعدل الجامعي ولا بالقدرات الحقيقة، إنما بالمعارف والواسطات، فمن تملكهما توظف مباشرة وفي مدرسة قريبة من بيتها، فيما قد تبقى المتفوقة التي ليس لديها واسطة دون عمل أو يتم تعيينها في مناطق بعيدة من الصعب الذهاب للعمل فيها".
الأسوأ أن عدداً كبيراً من الموظفين والموظفات لا يمارسون العمل أصلاً، ويأتون مرات قليلة في الشهر، فقط ليوقعوا وثائق الدوام ويذهبوا. توضح لمياء (40 سنة) وهي موظفة سابقة في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، أنها سمعت خلال عملها بأن أعداد الموظفين بالآلاف، ولكنها لم تجد هذه الأعداد على أرض الواقع:" كان تنفيذ البرامج يستقطب عدداً من العاملين، ولكننا لطالما رأينا أسماء لا نعرفها في التقارير المالية المرتبطة بها."
تؤكد لمياء مُعدة البرامج السابقة، بأن الفتيات كن ماهرات في ابتكار الأعذار، المتعلقة بالأسرة وتربية الأولاد والتنظيف لتبرير غيابهن، بينما لا يبذل الموظفون الذكور جهداً لتبرير انشغالهم في أعمال أخرى، ويبقون على وظيفتهم ذات الراتب الشهري المتواضع دون أن يلتزموا بها، براحة ضمير أكبر، باعتبارهم معيلين لأسرهم.
وفي حين بلغ متوسط رواتب موظفي القطاع العام عشية سقوط النظام حوالي العشرين دولاراً، كشفت تصريحات وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال محمد أبازيد مطلع 2025 وجود 900 ألف موظف فقط يأتون إلى العمل بالفعل من أصل 1.3 مليون مسجلين، ووصف الأربعمائة ألف موظف المتغيبين بالأشباح.
محاربة الفساد
"المواجهة خطرة على الذكور فكيف سيكون الحال بالنسبة للفتيات؟" توضح الممرضة سوسن أن اتهام النساء أبسط في مجتمع يعرف أنهن ضعيفات وأن الأسرة أو العشيرة تكبل حركتهن وتحد من خياراتهن، ولهذا لم تفكر أبداً بتقديم شكاوى أو اعتراضات رغم كل ما كان يقال عن محاربة الفساد، ووجود جهات مختصة بهذا الأمر.
تضيف صفاء "أنظمة الرقابة على الفساد موجودة، وتتمثل بمديريات الرقابة وهيئة الرقابة والتفتيش والرقابة الداخلية في المديريات، إلا أنها لا تعمل دون تقديم شكوى، لكن حتى لو تحركت وألقي القبض على شخص ما، قد يخرج بحكم علاقاته. نحن نعرف شخصاً دخل السجن لأن كاميرا التقطت له فيديو وهو يتفق مع عمال على أخذ الحديد، ولكنه لم يمضِ أياماً فيه".
كانت شذى تضطر أحياناً للمشاركة في المسرحيات الكاذبة، بالتأكيد على أن وضع المدرسة جيد ولا ينقصهم شيء كلما جاء تفتيش من المديرية أو الوزارة أيام سيطرة النظام البائد، وتقول: "إذا لم اقبل بالواقع لن يكون سهلاً علي كامرأة الحصول على وظيفة جديدة، خاصة في مجتمعنا، إذ لا توجد فرص بديلة كتلك المتاحة للرجال".
تحارَب النساء الفاسدات ويُشهر بهن أكثر من الرجال الفاسدين. تستشهد رندة بعدة دعاوى مقدمة ضد محاميات متورطات في أخذ رشاوي مرتبطة بمعتقلي محكمة الإرهاب مقابل تلك المقدمة ضد المحامين الذكور "هن مجرمات، ولكن يشعر الناس أن النساء بدون حماية، ويمكن النيل منهن بسهولة أكبر".
لم يكن الفساد في سوريا وليد الصدفة ولم ينشأ خلال أعوام قليلة، وإنما نتيجة عقود طويلة من المحسوبيات باسم السلطة وعبر التقرب منها، وانحصر الفساد الكبير بأصحاب المناصب الإدارية والمشرفين على المناقصات. تستشهد صفاء بقضية محافظ سابق في ريف دمشق، كان يملك درجاً خاصاً بالدولار (حينما كان تداوله جريمة) وآخر بالعملة السورية. وقدمت أسماء الأسد، نموذجاً لمشاركة النساء في الفساد وجمع الأموال بطرق غير شرعية.
تتحدث صفاء عن مديرة كانت تعمل في إحدى البلديات وتشتهر بفسادها حتى يقال عنها "ريحتها طالعة"، لم تدخل السجن وبقيت على رأس عملها حتى بعد سقوط النظام، لأنها تملك معارف في مناصب عليا، فالعلاقات تستمر ضمن أطر الطبقات الإدارية العليا دون انقطاع.
وفي حين يتشارك السوريون والسوريات آمالاً بإيقاف رحى الفساد التي أكلت خيرات بلادهم، تتباطأ جهودهم لإنهائه مع الصعوبات الاقتصادية والتعقيدات الإدارية المتراكمة. تتحسر رندة: "اليوم، نفاجئ بقلة شفافية وتجاوز في القوانين يرقى لمصاف الفساد الكبير، ولكننا نحارب الفساد الصغير فقط لأن الموظفين والموظفات هم الأضعف في هذه السلسلة. ما دمنا نرى الفساد الكبير أمامنا، من الصعب الاستمرار في العمل الشريف والاكتفاء بالفتات في ظل هذه الظروف".






