نفط الرقة ودير الزور .. تحولات في السيطرة والعقد الاجتماعي


10 نيسان 2026

آريا حاجي

صحافية سورية.

منذ بداية الحرب في سوريا، تحوّل ملف النفط إلى حكايةٍ معقّدة، من ثروة محلية إلى مصدر للنزاع. تحكّمت به كل سلطة مرت على المنطقة خلال عقد ونصف من الزمن، ونُظِر إليه كخط أحمر، لتعزيز النفوذ، بينما حاصر الإهمال أهالي المناطق التي يتواجد فيها، شأنه شأن الدخان الكثيف والملوّث، وارتفاع أسعار الوقود.

قبل الحرب، كان الإنتاج النفطي السوري يصل إلى نحو 400 ألف برميل يومياً، وكانت الحقول الكبرى في الشرق، خصوصاً دير الزور، من المصادر الأساسية للعملة الصعبة. ومع تفكك السيطرة المركزية، تحوّل النفط من "إيراد دولة" إلى "ريع نزاع": سيطرت عليه أطراف متعاقبة، وتعرضت البنية التحتية للتدمير والإهمال، وازدهرت ممارسات التكرير البدائي والتهريب.

في الرقة ودير الزور، تغيّر أسلوب إدارة الحقول وطرق الاستفادة منها، بين حكومة البعث، والفصائل المعارضة المحلية، وتنظيم "داعش" وقسد، وصولاً إلى الحكومة السورية الانتقالية منذ بدايات عام 2026. كل من تلك القوى قامت باحتكار الثروة وتهميش سكان المناطق المحيطة بها بطرق مختلفة، وبدرجات متباينة عبر السنين.

"قبل العام 2011 وحتى بعد الثورة وانهيار مؤسسات الدولة هنا، بقي الهدف الرئيسي للقوات التي سيطرت على المنطقة، استغلال واستخراج النفط بكل الطرق الممكنة، الأمر الذي انعكس سلباً على الصحة والبيئة، علماً أن الاستفادة من النفط كانت محدودة وليس كما صُور سابقاً نتيجة ضعف الإنتاج" يقول جلال الحمد الباحث في حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية ومدير منظمة العدالة من أجل الحياة.

إحاطة بملفّ النفط السوريّ

11 آذار 2025
كان ملف النفط السوري مادةً للشائعات والمبالغات طوال عقود، وخاصة خلال فترة الحرب. وعادت الشائعات للانتشار بعد سقوط النظام، في إطار الحديث عن إعادة إعمار البلاد، ودور النفط والغاز فيها،...

بعيد اكتشاف النفط الخام في سوريا بسنوات قليلة، تم تأميم القطاع بشكل شبه كامل وتسلمت إدارته الشركة السورية للبترول، المختصة باكتشاف وإنتاج وتكرير، وتوزيع وتسويق النفط والغاز. شركات غربية عدة عملت على التنقيب واستخراج النفط في سوريا عبر تلك الشركة، وكانت إيرادات النفط تشكّل حوالي ١٨٪ من الناتج المحليّ، لكن التنمية لم تصل إلى تلك "المناطق النامية"، وفق تصنيف نظام الأسد. تتذكر مية الرحبي الباحثة الدستورية النسوية، زيارتها الأولى لها للميادين، التي تتحدر عائلتها منها، مطلع هذه الألفية: "كان الشبان من الأقرباء من خريجي الجامعات يتحسرون على صعوبة تحصيل فرصة عمل في شركات التنقيب المحيطة، وفي أي وظيفة أخرى".

بعد العام 2011 توقفت معظم الشركات الأجنبية عن العمل، تاركة وراءها آباراً مفتوحة. يقول الحقوقي صالح النايف الذي لم يترك دير الزور خلال التحولات الكثيرة المتعاقبة كافة، إنّه بعد خروج النظام السوري السابق من الرقة ودير الزور، سيطرت مجموعات مسلحة محلية على آبار النفط فيها، ولم تملك أية خطة لإدارة هذا الملف، "كل مجموعة أخذت البئر القريب منها، لتمويل نفسها، وبدا كأن الآبار إرث عائلي يوزّع على المقرّبين."

مع ظهور "داعش" تغيرت الأوضاع جذرياً، على ما يوضح صالح، حيث أنشأ التنظيم "مكتب الركاز" وأدار الحقول بطريقة منظمة، واستعان بخبراء من العراق وسوريا، ليتحول النفط إلى عصب أساسي لاقتصاد التنظيم. يقول صالح: "استخدم التنظيم شبكات تهريب معقدة لبيع النفط لجهات مختلفة، بهدف تمويل عملياته العسكرية، وشراء الذخيرة والسلاح."

وبعد سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على المدينتين، وكافة الحقول، إبان طرد التنظيم منهما، تحوّل النفط إلى احتكار حزبي ضيق، وفق ما يشير إليه صالح، حيث منحت التراخيص لأصحاب رؤوس أموال محليين لتشغيل الحراقات البدائية، مقابل تسليم حصة كبيرة من الإنتاج لـ "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا".

علاقات النفط المعقدة في الرقة ودير الزور

لم يعد إنتاج أكبر الحقول على ما كان عليه سابقاً، فحقل العمر، الذي كان إنتاجه يصل إلى نحو 50 ألف برميل يومياً، تراجع في بعض التقديرات الحديثة إلى بضعة آلاف فقط، بسبب نقص الاستثمار وتهالك المعدات، ما يظهر أن الواردات لم تتقلص بفعل تغير القوة السيطرة فقط، بل أيضاً بسبب تراجع القدرة الذاتية على الاستخراج، وهو عامل مؤثر على المدى البعيد، قد يفوق تأثيره تداعيات المعارك التي تغيّر الخرائط.

في الرقة، تتواجد آبار النفط في أراضٍ في عمق البادية، وهي أملاك عامة، مملوكة للدولة، ولم تكن مستثمرة سابقاً قبل اكتشاف النفط، سوى في الرعي، الأمر الذي لم يخلق حساسية بين الأهالي والدولة التي استثمرت هذه الأراضي. تقع الآبار في بادية الشامية جنوبي نهر الفرات، وفي الرصافة، والطبقة، والبادية الجنوبية قرب جبل البشري، بحسب ما يوضحه أحمد (اسم مستعار لرجل من الرقة فضّل عدم الكشف عن اسمه حفاظاً على أمنه).

أما في دير الزور، فيقول أحمد إن الآبار الأكبر حجماً والأكثر عدداً وتوزعاً، تتواجد بين جنوب وشمال نهر الفرات، ويوضح أن الفصائل المحلية المسلحة، تحوّلوا لتجار نفط، خلال فترة سيطرتهم، حتى سمّيت الآبار جنوبي النهر بأسمائهم، وهي الأقل إنتاجاً وتملّكاً من قبل الأهالي، أما تلك الواقعة شمال النهر، فوضعها مختلف تماماً.

دور العشائر كان محدوداً، حيث تحولت من لعب دور "حامي القوم"، حسب صالح، إلى "وسيط نفوذ مع السلطة القائمة"، ويوضّح أن إعلان الولاء كان مقابل مكاسب شخصية أو تغاضٍ عن تجارة خاصة. ويشير أحمد إلى أن النظام السوري البائد، كان يوظف بعضاً من أبناء الشيوخ والوجهاء في قطاع النفط إرضاءً لهم.

"شمالي النهر، توجد آبار كبيرة مثل العزية وحقل العمر الذي شكّلت الجزء الأكبر من المشكلة، وهي قريبة من الأهالي (أملاك عامة)، حيث يمر قسم منها فوق قرى أبو حمام، وغرانيج، وذيبان، بدايةً لم يقترب منها أحد، لكن لاحقاً أصدرت الفصائل فتاوى شرعية تجيز استخدام النفط، خاصةً في منطقة الشحيل." يضيف أحمد أن النفط كان المشكلة الأكبر ومصدر الخلافات الأساسي بين الأهالي في فترة حكم تنظيم "داعش".

دور العشائر كان محدوداً، حيث تحولت من لعب دور "حامي القوم"، حسب صالح، إلى  "وسيط نفوذ مع السلطة القائمة"، ويوضّح أن إعلان الولاء كان مقابل مكاسب شخصية أو تغاضٍ عن تجارة خاصة. ويشير أحمد إلى أن النظام السوري البائد، كان يوظف بعضاً من أبناء الشيوخ والوجهاء في قطاع النفط إرضاءً لهم.

خلال السنوات الماضية، ظهرت أسماء وشبكات تجارية، تمكنت من التعامل مع جميع الأطراف في الوقت نفسه، ونقل النفط بين مناطق سيطرة القوى المختلفة. النتيجة كانت تكوين ثروات طائلة من هذه التجارة دون الاكتراث بمن يكسب أو يخسر على الأرض من القوى المسيطرة.

الأهالي، الغائب الأبرز عن من ملف النفط

يرى الباحث الحقوقي جلال الحمد أن كل ما تم جمعه من موارد عبر استخراج النفط، سواءٌ أكان قبل أو بعد الثورة، لم ينعكس يوماً على واقع وحياة الأهالي، ولم يحسنها، وأن رؤية الحكومة الانتقالية لم تختلف "مع الأسف" عن رؤية النظام البائد، التي اقتصرت على اعتبار المنطقة، مصدراً للثروات، يجب أن يعود لحكم مؤسسات الدولة. ويرى أن هذه العودة طبيعية، لكنها لم تحقق آمال أهل المنطقة.

"استخراج النفط من دير الزور يحتاج إلى وقت نتيجة أضرار الحرب، لكن النظرة إلى دير الزور لم تتغير: الأهالي، والبنية التحتية، والحالة المعيشية، بعيدة تماماً عن أية حسابات، ويُنظر فقط إلى حجم المكتسبات المالية التي يمكن أن تنعم بها خزينة الدولة." يقول جلال.

مع سيطرة الحكومة السورية المؤقتة على مدينتَيّ الرقة ودير الزور، لا يزال الغموض يلف ملف النفط، حيث قامت بإغلاق الحراقات، وأعلنت أن الإجراء يهدف إلى حماية البيئة، بحسب صالح، الذي يشير إلى أن الحكومة تقول إنها تسعى لتوقيع عقود مع شركات عالمية، لكن الأرقام الحقيقية للإنتاج والإيرادات لا تزال في دائرة الصمت كما كان الحال لدى السلطات السابقة، مع بقاء المشاكل القانونية المتعلقة بعقود سابقة مع شركات التنقيب الغربية.

"منذ سنوات طويلة يعاني أهالي الرقة ودير الزور من تبعات وجود النفط في أراضيهم، ولا يلبث أن يشعر الأهالي ببعض الأمل مع قدوم كل سلطة جديدة، حتى يعود الأمر لسابق عهده: ثروات المدينتين للغير، وأهلها يعيشون على الفُتات." يقول صالح. يشير جلال الحمد إلى أن مدينة دير الزور مدمرة بنسبة لا تقل عن 75%، بشكل كلي وجزئي، ويعود النازحون إليها، وسط ظروفٍ معيشية صعبة، ويرى أن هؤلاء يشعرون بظلم مضاعف، وإن عدم إنصاف هذه المدينة، وتعويض ضرر أهاليها، والعمل على تنميتها، قد يُقابل بردود فعل غير متوقعة.

قبل قدوم الحكومة الانتقالية، كانت مطالب الأهالي بسيطة، تتمثل في مصفاة تكرير على أرضهم، وفرص عمل للشباب، ومستشفى، وجامعة، وكهرباء ومطار يسهل التنقل، على حد تعبير صالح، الذي يضيف "كانوا يريدون أن يعود خير بلدهم إليهم، لا مجرد دخان وأسعار مرتفعة." بعد سيطرة الحكومة المؤقتة، ومع إغلاق الحراقات، ارتفعت الأسعار وفقد كثيرون مصدر رزقهم،  وباتت مطالب أهالي الرقة ودير الزور الحالية، وفقاً لصالح، تشمل فرص عمل حقيقية للشباب، وأسعاراً مناسبة للمحروقات، ومستشفى متخصصاً بعلاج الأمراض الناتجة عن التلوث، مع كشف أرقام الإنتاج والإيرادات النفطية، إلى جانب مشاريع تنموية في مجالات الكهرباء والمياه والطرق والتعليم.

ترى الخبيرة الدستورية مية الرحبي، من جانبها، أنه لا يمكن تمييز الأهالي القاطنين في مناطق الثروات في نظام حكم مركزي، ومن الصعب التحول إلى اللامركزية في وقت تعاني فيه البلاد من الهشاشة والضعف، فهو سيؤدي إلى تقسيم فعلي. "لا يمكن تخصيص منطقة واحدة بامتيازات دون غيرها في الوقت الحالي. الحل في التوزيع العادل للثروات، الذي يا ريت أن يصير"، وفقاً لتقديرها.

مقالات متعلقة

بحثاً عن السياسة .. تداول الشأن العام في سوريا ما بعد البعث

09 نيسان 2026
كان سقوط نظام الأسد علامة تحول في الحياة السياسية السورية حمل كثيراً من الآمال بمشاركة السوريين والسوريات في صناعة مصائرهم، لكن الواقع لم يلبث أن عاد بمعظمهم إلى الحياد السياسي...
قطن سوريا.. ماضي المواسم السعيدة.. هل يعود؟

04 شباط 2026
لم تكن أيام "حواش القطن" في سوريا مجرّد أوقات جني ومحصولاً ينتظره المزارعون والفلاحون من سنة إلى سنة فحسب، بل كان عالماً كاملاً؛ فرح ورقص وتعاون وتحقّق آمال؛ زواج، وفاء...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد