وضع سقوط نظام الأسد مختلف القطاعات في سوريا أمام بداية جديدة. البداية الجديدة للثقافة، والسينما تحديداً، تبدو حتى الآن متعثرة، إذ لا يبدو المسؤولون الجدد قادرين على تقديم استراتيجيات ملموسة للتعامل مع ماضي السينما السورية، إرثها، أو المضي بصناعتها نحو مستقبل أفضل. في ظل نقاشات أولية، جرت نهاية العام الماضي، حول إمكانية عقد اتفاق بين المركز الوطني الفرنسي للسينما (سي إن سي) والمؤسسة العامة للسينما في سوريا للعمل على أرشيف السينما السورية، التقت سوريا ما انحكت مع أيمن نحلة، صانع أفلام ومؤرشف ومرمم، لاستشراف التحديات التي تقف أمام أية جهود لأرشفة السينما السورية، وعما يفرقها عن تجربة الجارة العراق، في أرشفة سينماها، التي أفضت من بين ما أفضت إليه، إلى ترميم فيلم "سعيد أفندي"، من إخراج كاميران حسني، وعرضه في قسم "كلاسيك"، في مهرجان "كان" السينمائي، وما الذي ينبغي على الحكومة الانتقالية في سوريا الحذر منه في التعامل مع الأرشيف.
أيمن نحلة، صانع أفلام ومؤرشف ومرمم، مدير القسم البصري والسمعي في مؤسسة "أمم" للأبحاث والتوثيق في بيروت، ومؤرشف رئيسي في مشروع سينماتيك العراق.
هل لك أن تحدثنا عن تأسيس مؤسسة "أمم"؟
أُنشئت مؤسسة "أمم" للأبحاث والتوثيق في العام 2005، من قبل لقمان سليم ومونيكا بورغمان في بيروت، بعد إنتاج فيلم "Massakar"، وانتبه المؤسسان إلى عدم وجود عمل على أرشيف الذاكرة الجمعية في لبنان بعد الحرب الأهلية، فارتأيا تأسيس مؤسسة "أمم" للأبحاث والتوثيق، لتكون معنية بالحفظ وبالتوثيق، وبالنقاش العام عن الذاكرة الجماعية، بمختلف أطيافها، وبتجميع وثائق وصور وقصاصات ومنشورات وكتب، وما زالت المؤسسة مستمرة في ذلك. انضممت للمؤسسة في العام 2019 بعد خوضي كمؤرشف أفلام، دورات مكثفة خارج لبنان متعلقة بعملية الأرشفة والترميم، ومذاك بدأنا نعمل على مجموعة "أستوديوهات بعلبك"، التي كانت يوماً أكبر أستوديو في الشرق الأوسط لإنتاج الأعمال السينمائية والفنية والسمعية والتسجيلية، قائمة ما أنتجته من أعمال ضخمة وطويلة.
في العام 2022، عملنا بالشراكة مع "أرسنال" في برلين، وهي مؤسسة مستقلة وخاصة، على ترميم ورقمنة أرشيفات "أستوديوهات بعلبك"، التي تضم نشرات أخبار، ولقطات تكميلية أو بديلة "بي رولس"، وشذرات من مجموعة أفلام ضخمة. العملية مستمرة حتى هذه اللحظة، وعملنا تقريباً على حوالي 36 ساعة، وعدة دقائق. تؤمن "أمم" بما يُسمى "المواطن الأرشيفي"، وبحق المواطن في الوصول إلى المعلومات والمعرفة، وهكذا تتيح الوصول إلى منصة "أمم بيبلو"، أو "الكتالوج الرقمي" الخاص بالمؤسسة، للمهتمين بالأرشيف، والباحثين، والفنانين، ولطلاب الجامعات، ولطلاب المدارس، وللأكاديميين.
هل لدينا مؤسسات شبيهة ب "أمم" في المنطقة؟
في لقاء لمّ الشمل في مونبلييه.. سينمائيون سوريون يناقشون: أيّة مؤسسةٍ عامة للسينما تناسبهم؟ ومستوى الدعم الفرنسي لها
29 تشرين الأول 2025
ينبغي ألا ننسى هنا الوضع السياسي المتقلب جداً على مدار السنوات العشرين الماضية في لبنان. كان ل “أمم" الريادة، لكن الكثير من المؤسسات أُنشئت لاحقاً. خلقت "أمم" طفرة، وبدأت بالانتشار، لأن عملنا يتركز على الذاكرة، والذاكرة مفقودة، والحروب تدمر الحجر وتقتل الإنسان، وتدمر الذاكرة الجماعية للمجتمعات.
حاولت "أمم" بناء وتشبيك وفهم وربط الذاكرة الجماعية ببعضها. وتعود أهميتها إلى عدم وجود محاسبة خلال الحرب الأهلية. يخاف النظام اللبناني المتوارث من فكرة الأرشيف والتوثيق ومن الماضي، بمعنى إن أصبح لدى الناس وعي بهذا الماضي والمعرفة بكيفية التصرف بأدوات الماضي، ستتوجه تلقائياً، نحو المحاسبة.
تمهيداً لحديثنا عن سوريا، لننتقل إلى عملك على أرشيف السينما العراقية؛ هل تأخر العمل عليه؟
"سينماتيك العراق"، مشروع جميل جداً، وطموح ونشط، أرى أنه ينبغي أخذه كتجربة وتعميمه على دول المنطقة، كشأن سوريا ولبنان، لكونها تعيش حروباً أو تحت أنظمة ديكتاتورية، كشأن العراق، الذي عاش ٥٠ عاماً من الحروب، ولم يشهد هدوءاً سوى في الأعوام الثلاثة الماضية. كانت هناك حاجة لدى الجيل الجديد لاكتشاف تاريخ السينما .. السينما التي هي مكان، وأداة للتواصل والمعرفة ولفهم الذاكرة وفهم الآخرين والمحاججة ولطرح الأسئلة والشك الدائم.
وكان التساؤل: أين ذهب الإنتاج السينمائي الضخم في العراق، وهل هناك وصول إليه؟ هنا تواصل معي زملاء وأصدقاء لبناء مشروع "سينماتيك العراق"، نظراً لخبرتي في الترميم ووضع استراتيجيات الأرشفة، مستفيداً من خبرتي في العمل على أرشيف "أستوديوهات بعلبك"، المتضررة جداً جراء الإهمال. كانت هناك حاجة لجلب كوادر من خارج العراق، لعدم توافر بنية تحتية في بغداد، وبدأ المشروع، وحقق إنجازاً خلال سنة؛ وذلك لأن هناك حماساً وطاقة وحاجة ملحة لدى الشباب لإنقاذ الأرشيف وحفظه.
أنجزنا ترميم ورقمنة أول فيلم، وهو يعتبر فيلماً أيقونياً، ومن أهم أفلام السينما العراقية وعنوانه "سعيد أفندي"، من إخراج كاميران حسني، وهناك نسخة وحيدة من الفيلم. وحالفنا الحظ أن يختاره مهرجان "كان" ليكون ضمن قسم "كان كلاسيك"، الذي أعتبره كمنح الفيلم جائزة نوبل في السينما. تخيل أن يكون الفيلم قد أُنتج قبل ٥٥ عاماً، ويعود ليُعرض في زمننا هذا على شاشة سينما مهرجان كبير. هذه بمثابة جائزة للمهرجان والفيلم وللمشروع بحد نفسه. وفي الوقت نفسه، عملنا على تكشيف هذه الأرشيفات وتقييمها، والقيام بتدريب مكثف على مدى ستة أشهر، انتهى بتخريج ثلاثة مؤرشفين سينما محليين. هذا العمل ما زال مستمراً، وهو عمل تأسيسي للتراث السينمائي العراقي.
أين ترى أهمية أرشفة السينما في منطقتنا على وجه الخصوص؟ .. إعادة إحيائها وتذكير الأجيال الجديدة بأنهم لا يبدأون من الصفر و...
عملية الحفظ ليست تكملة، بل تاريخ وذاكرة... هناك خصوصية للمنطقة، في لبنان وسوريا والعراق، خصوصية تدمير الذاكرة، إذ ساهمت الأنظمة الديكتاتورية والحروب العبثية في تمزيق الذاكرة الجماعية، التي لا تضم السينما فحسب. فأهمية أرشفة السينما تكمن بالنسبة لي ليس في كشف امتدادها، بل لكونها تساعد على فهم المجتمعات.
سأضرب مثلاً بسيطاً هنا. أي فيلم سينمائي، تُصوَّر مشاهده في الخارج، يحفظ ذاكرة المكان، ويُمكّن هذا الجيل من رؤية كيف كان هذا الشارع، وهذه المدينة. هذه السيميولوجيا الموجودة في الأرشيفات مهمة للغاية، لهذا الجيل، والجيل القادم ليفهم التغيرات التي صارت في المدن. هذا على مستوى الهندسة المعمارية فحسب، دون أن نتحدث عن معالجة المواضيع السياسية والاجتماعية والدرامية. السينما هي سياسة، والأرشيف هو سياسة.
من كان يصنع عملاً سينمائياً، حتى السينما التجارية، كان يفكر كثيراً، ويكتب نصاً يشبعه بالآراء السياسية المبطنة والاجتماعية، وهنا تكمن أهمية السينما، كان لها وقع، أسميه النشط سياسياً واجتماعياً.
"أتمنى من النظام الجديد، بصرف النظر عن الأيديولوجيا خاصته وعن فكره، أن يتعامل مع كل أرشيفات النظام السابق كوثيقة تاريخية، لا أن يتعامل معها بطريقة انتقامية راديكالية، كأن يتلفها لأنها تخص نظام الأسد؛ لأن الأمر يتعلق هنا بوثيقة تخص تاريخ المجتمع السوري عبر عقود من حكم البعث ونظام الأسد. لا يحتاج الشعب لبقاء هذه الذاكرة الأليمة، بل أن تظل محفوظة؛ فهذا ضروري ليس لهذا الجيل، بل للأجيال القادمة. تخيل أن يسأل أحدهم عن ماهية نظام الأسد بعد 100 عام ، حال عدم توفر هذه الأرشيفات."
في مؤتمر عن السينما السورية على هامش مهرجان البحر المتوسط السينمائي (سيني ميد) في مونبلييه نهاية العام 2025، كان هناك حديث عن إمكانية عقد اتفاق بين المركز الوطني الفرنسي للسينما (سي إن سي) والمؤسسة العامة للسينما في سوريا للعمل على أرشيف السينما السورية ..
ما زال الوقت مبكراً لتوقيع اتفاق. بعد سقوط نظام آل الأسد غير المتوقع، هناك تركة وراءه في المجتمع، هناك إنتاجات سينمائية... كانت سوريا من أقوى الدول في المنطقة في الإنتاج السينمائي، وما زالت موجودة، وهذا تكرس في أفلام سينما الثورة.
شخصياً أكرر القول إن سينما الثورة خلقت نمطاً (جنره) جديداً في تاريخ السينما العالمية، التي أسميها السينما "المبكسلة" (نسبة إلى بكسل)، التي تقوم على حمل هاتف محمول والتصوير وبناء سردية، لتجعل العالم يرى ما الذي يحدث. ليس هذا فحسب، هي من أقوى إنتاجات سينما ال “أوتوبيوغرافي"، التي تتميز بكاميرا فقيرة، وصوت غير واضح، وصورة "مبكسلة"، تحمل ثقلاً ذو معنى، لا يرتبط بالافتقار للتقنيات، بل هي حاجة، لحمل كاميرا موبايلك وتصوير فيلم، مع احتمال تعرضك للقتل والاغتيال والاختفاء .. كل ما سبق يحمل ثقلاً تاريخياً.
الأرشيف ينقسم إلى قسمين: أولهما، ما يعرف بإنتاجات المؤسسة العامة السورية، والثاني، وهو رقمي، الإنتاجات منذ العام 2011 وحتى اللحظة. هناك أسئلة كبرى هنا: ما الذي كان النظام يفعله بأرشيف السينما؟ نحتاج إلى خبراء دوليين للبت فيه .. نظام الأسد كان يعمل بالبروبغاندا، هل أبقى على الأفلام السينمائية الأصيلة؟ هل كان يعمل مع متدربين ومؤرشفين ومرممين؟ من هم هؤلاء؟ .. كما تعلم كان النظام يعتبر كل خبير أجنبي، عميلاً وإرهابياً.. علينا أن نكتشف ذلك كله، وهذا بحاجة إلى وقت وإلى وضع خارطة لكل الأرشيفات. كيف تم العمل عليها، وأين حُفظت؟، عددها؟، ما هي الأفلام المحفوظة؟ وهل الأفلام موجودة أم أنها تبعثرت؟ كيف سنجدها أو نسترجعها؟ .. هناك عملية موسعة جداً بعد ذلك، متعلقة بوضع خارطة للأرشيف، تشمل ليس دمشق فحسب بل سوريا بأكملها؛ فقد يكون النظام قد أتلفها، أو سُرقت خلال الفوضى، أو بيعت في صفقة فساد .. بعد ذلك تبدأ عملية تأسيس بنية (تحتية)، وتدريب مؤرشفين محليين، لكي تبقى المعرفة الواصلة من الخارج، ويتم تناقلها جيلاً بعد جيل.
وينبغي أن تصبح هذه المواد والأرشيفات متاحة، ولا أعني بذلك على يوتيوب، ولكن للمبرمجين السينمائيين، ليعود ما نسميه "معمل السينما" للنشاط في سوريا، وطبعاً تحت مسميات كثيرة، مثل الحريات والجندر.. كل هذا ينبغي طرحه على الطاولة. السينما السورية هي من بين الأجمل في المنطقة، نتحدث هنا عن سينما عمر أميرالاي وأسامة محمد ومحمد ملص.
مع الأخذ بالحسبان الحاجة إلى الكثير من الوقت للبت في ذلك بدقة، لكن إن كان بإمكانك الاستقراء، ما هي أبرز التحديات التي واجهتكم في العراق وقد تواجه من سيعمل على الأرشيف السينمائي السوري مستقبلاً؟
أدعو للتفريق هنا بين سوريا والعراق، لأن الأخيرة شهدت حفظاً للأفلام بطريقة جيدة، على سبيل الصدفة، وكان هناك شغف واهتمام كبيران بالأرشيفات هناك. لا أدري ماهية الوضع في سوريا، وما إذا كان النظام الجديد متقبلاً للعمل عليها، لأنه نظام مؤدلج أيضاً، ونتحدث عن سوريا مدمرة ومفككة من العمق.. الإجابة على ذلك تحتاج وقتاً .. هذه عملية دقيقة للغاية وموسعة.
قيل في مؤتمر السينما المذكور، إن أرشيف المؤسسة العامة للسينما ما زال سليماً وفي مكانه .. هل يمكن للمرء أن يثق بدقة هذا التوصيف؟
هذا يطرح تساؤلات: هل يعلم من تسلم المسؤولية في الأرشيف في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، ما كان موجوداً قبل خمسة أعوام؟ هل هم متأكدون من عدم بيع أحدهم الأفلام، نظراً لتجذر الفساد في نظام الأسد. هذا سؤال كبير ينبغي الإجابة عنه. هناك أفلام في حالة جيدة، لكن أين هي أوراق الكشف والفهرس الخاص بها؟ هل صُنع خط زمني لها؟ هل يتوافر بوزتيف أو نيغاتيف الفيلم؟ هل هي موجودة بنسخة العرض أم النسخة الأساسية الخارجة من الكاميرا؟ أشكك في عمل النظام السابق بهذه الطريقة، وأعتقد أن هناك أعداداً أكبر من الأفلام.
إن انتقلنا إلى حقوق المواد، فالفساد المستشري في النظام السابق مكّن، كما يقال، بيع أرشيف التلفزيون والسينما لشركات خاصة وأفراد. التحقق من ذلك يحتاج الكثير من العمل والوقت، كأن تبني بناء مهدماً شقة فشقة. لكن أهم ما في الأمر، أن تمضي كل هذه العمليات مع بعضها بعضاً؛ أي العمل على وضع خارطة للعمل، والبنية التحتية وتدريب المؤرشفين المحليين. وبالطبع ستصادف الكثير من المفاجآت، فالأرشيف هو صندوق مفاجآت ضخم.
إن انتقلنا إلى حقوق المواد، فالفساد المستشري في النظام السابق مكّن، كما يقال، بيع أرشيف التلفزيون والسينما لشركات خاصة وأفراد. التحقق من ذلك يحتاج الكثير من العمل والوقت، كأن تبني بناء مهدماً شقة فشقة. لكن أهم ما في الأمر، أن تمضي كل هذه العمليات مع بعضها بعضاً؛ أي العمل على وضع خارطة للعمل، والبنية التحتية وتدريب المؤرشفين المحليين. وبالطبع ستصادف الكثير من المفاجآت، فالأرشيف هو صندوق مفاجآت ضخم.
وإن كنا نركز في حديثنا على الأرشيف السينمائي، إلا أن عملكم يشمل أيضاً أنماطاً أخرى من الأرشيف، كالأرشيف الشخصي مثلاً.
بالطبع. كذلك ينبغي ألا ننسى الكثير من أرشيفات السجون السورية التي ضاعت أو اُتلفت أو أخذتها بعض الأطراف في ظل الفوضى للأسف. وباتت تستخدم الأرشيفات كمصدر للربح المادي، والتغاضي عن كونها وثائق قابلة للاستخدام في العدالة الانتقالية. رأينا كيف استخدم البعض صور من ألبومات عائلة الأسد على مواقع التواصل الاجتماعي. كل هذا جرى ولا يمكننا فعل شيء حياله، لكن ما نستطيع فعله، محاولة تعقبها ووضع خارطة لها. مع ذلك علينا أن نعي بأن من أخذها أو "عفشها"، لن يعيدها بل سيبيعها في السوق، خاصة مع انتشار الفقر المدقع في مجتمع مدمر بأكمله. تصحيح المجتمع لمساره والعودة إلى طبيعته يحتاج وقتاً.
من الأهمية بمكان جعل هذا الأرشيف متاحاً أيضاً للمهتمين والمنشغلين بالشأن العام، كما نرى في تجارب غربية...
فيلم "تدمر" ، بالكاد محتمل لدى جمهور "الفيلم" في برلين .."خفيف" في دمشق
09 أيار 2025
بالتأكيد، نسمي في تقنيات الأرشفة، المرحلة الأخيرة، "التواصل". لا أن يكون الوصول عشوائياً وأن يأخذها أحدهم "بالكيلو"، بل أن يتم توفيرها للفنانين والباحثين الخ ..بعد الانتهاء من الأرشفة.
الأرشفة تتطلب الكثير من الوقت والموارد المالية. لكن، ما الجدوى من تجميع الأرشيف ووضعه خلف باب مغلق؟ لا معنى لذلك. على العكس أخسر مجتمعياً، وأهدر طاقات بشرية وموارد مالية عليه، وأغلق عليه الباب. هذا إن لم يكن لدى المؤسسة استراتيجية؛ بمعنى يضم الأرشيف أحياناً، مواد ذات حساسية، وهناك أمور لا تستطيع جعلها متاحة، وستحفظها حتى يأتي الوقت المناسب لإخراجها، لأن الأرشيفات أيضاً تمثل سلطة، هي سلطة سياسية بحد ذاتها. هي إلى هذا الحد سيف ذو حدين. حان الوقت الآن بالنسبة للسوريين، بعد 54 عاماً من العيش في ظل نظام قمعي مرعب، للتفكير فعلياً بكيفية الحفاظ على الذاكرة الجمعية. قد تكون هذه الذاكرة غير جميلة وقاسية، وهنا يأتي دور المؤرشفين، القادرين على رؤية الوثيقة بموضوعية، ويقفون على مسافة مما يرد فيها، يرونها كشيء يحافظ عليه.
كلمة أخيرة لك عن التعامل مع الأرشيف في سوريا في القادمات من السنوات
أتمنى من النظام الجديد، بصرف النظر عن الأيديولوجيا خاصته وعن فكره، أن يتعامل مع كل أرشيفات النظام السابق كوثيقة تاريخية، لا أن يتعامل معها بطريقة انتقامية راديكالية، كأن يتلفها لأنها تخص نظام الأسد؛ لأن الأمر يتعلق هنا بوثيقة تخص تاريخ المجتمع السوري عبر عقود من حكم البعث ونظام الأسد. لا يحتاج الشعب لبقاء هذه الذاكرة الأليمة، بل أن تظل محفوظة؛ فهذا ضروري ليس لهذا الجيل، بل للأجيال القادمة. تخيل أن يسأل أحدهم عن ماهية نظام الأسد بعد 100 عام ، حال عدم توفر هذه الأرشيفات.







