(اللاذقية)، "من زمان ضعت بزحمة عيد الرابع على جسر السخّابة وأنا ابنة الست سنوات. يومها فكّرت أمّي أنّ الغجر سرقوني كما تقول أغنية فيروز الشهيرة. في ذلك اليوم كنت قد هربت مع أولاد الحارة من دون أن أخبرها. دبّت الصوت عليّ بين الحاضرين، وبعد نصف ساعة إلى ساعة وجدوني آكل معلّك عند بيّاع المعلّك جارنا. يومها بسبب فزعة أمي هذه، أكلت قتلة من كعب الدست". تحنّ غيثاء التي تعيش الآن في اليونان منذ عشرين عاماً إلى تلك الأيام وتتساءل: "لماذا أوقفوا هذه الاحتفالات الجميلة وتركوا البشاعة في حياتنا بهذه الكثافة؟".
ليست غيثاء الجردي وحدها من كان يهرب وإن لأسباب مختلفة، إذ يقول رامز أحمد (ستون عاماً)، وهو مدرّس متقاعد من قرية بستان الحمام في ريف طرطوس: "كتار منا كانو يهربو من شتل الدخان حتى يحضرو الرابع". حيث يترافق العيد مع زراعة شتول التبغ في جبال الساحل السوري، وهو طقس يحتاج تجمّع أفراد العائلة والجيران للانتهاء منه باكراً.
وعيد الرابع هو عيد سنوي، كان يحتفل به أهالي الساحل في "يوم الرابع من نيسان حسب التقويم الشرقي الذي يتأخر عن التقويم المُستخدم حالياً بثلاثة عشر يوماً (وفق التقويم اليولياني الغربي)، وهو احتفال بقدوم فصل الربيع، وعليه بينما يسمّى هذا العيد "الرابع" فإنّ الاحتفالات به تقع في السابع عشر من نيسان حسب التقويم الحديث" كما تقول غيثاء، وفقًا لما روته وأوضحته لها جدّتها، بعد أن اعتقدت في طفولتها أنّ عيد الرابع هو نفسه عيد الجلاء الذي يتزامن الاحتفال به مع عيد الرابع قبل أن تمنع السلطة السابقة الأخير لأسباب سيأتي ذكرها لاحقاً خلال هذه الحكاية.
وقد اتخذ العيد مُسميّات مختلفة وتواريخ محلية مختلفة عبر الثقافات ولكنها متقاربة وتقع كلّها في شهر نيسان تقريباً. وفي حين حملت هذه المناسبة أسماء عيد الرابع والزهورية في الساحل السوري، فإنّها في الجنوب السوري عند الموحّدين الدروز حملت اسم عيد النبي شعيب في اليوم الخامس والعشرين من نيسان. وعند الكرد شرقاً عُرف العيد باسم عيد النوروز، وبين العيدين علاقة وثّقها الشاعر العلوي الكبير منتجب الدين العاني من القرن العاشر الميلادي بقوله عن عيد النوروز شعراً: "وقرينه ميقات أُنس جِدَّةً / في الرابع الميمون من نيسانه" (ديوانه، تحقيق هاشم عثمان، مؤسسة النور، بيروت، لبنان، ص 101، 2002). و"يقصد هنا أنّ الرابع قرين عيد النوروز لأنه يأتي بعده في تسلسل التقويم".
حنين إلى طقوس انقضت وأيام مضت
تقول غيثاء التي تواصلت معها سوريا ما انحكت عبر "فيسبوك": "أدخل في عقدي السابع من العمر وأحنّ إلى تلك الأيام. كانت أيام هناء وسعادة وطفولة رغم ما فيها من الفقر والقّلة". وتضيف ابنة قرية البودي في ريف جبلة: "بقيت أمي حتى آخر ساعة من عمرها امرأة مناضلة في الأرض مع أبي. كانت فسحات الفرح محدودة مثل كلّ البيئات التي لا يوجد فيها سوى العمل وقلّة المال معظم أيام السنة. أمّا الاهتمام بنا كأولاد فكان في آخر سلّم اهتمامات الأهل، لذلك كان عيد الرابع فرصةً للفرح لهم وفرصة لرمي أثقال الحياة بأبسط الطرق المتاحة: الدبكة والغناء، مع أكل ما يتوافر. وبالنسبة لنا نحن الأطفال، كانت السعادة مجسّدة في ساحات العيد ومراجيحه وضحكاته".
كانت الناس يحسبون حساب العيد قبل أسابيع من اقترابه، منتظرين العلامة الأبرز لموعده؛ الطبل والزمر، إمّا عبر سماع ضربات الطبل من المواقع القريبة أو عبر ظهور سيارة بيك أب، يجلس فيها من الخلف شخصان أحدهما يقرع الطبل والآخر يعزف على الزمر. يروي الحاج أحمد شيحا، من بانياس (سبعون عاماً) "السيارة التي أتذكرها كانت ذات لون أحمر من نوع بيجو مكشوفة. الطبّال كان يدور بالبيجو في القرى مُعلناً بدء اقتراب احتفال الرابع (اليوم التالي). هؤلاء الطبّالة كانوا من الغجر الذين يفدون للمنطقة في ذلك التوقيت بدقة".
في ذلك اليوم، أي اليوم الذي يعبر فيه الطبّالون القرى، تستعد السيدات والصبايا للعيد بطقوس خاصة، منها ما هو مرتبط بالزهور، كون الفصل ربيعا، بل ويحمل العيد اسم "الزهورية" في عدد من المناطق مثل شطحة في سهل الغاب.
تروي غيثاء عن جدتها أنّها كانت تستبق العيد بجمع أنواع مختلفة من الزهور ثم تنقعها بالماء وفي صباح يوم بدء الرابع تغتسل بها. نالت غيثاء حصّة من هذا الطقس كما تروي: "الماء الساخن مع نقيع الزهور يخلق انتعاشاً لا مثيل له ويخلق كذلك علاقة مع الطبيعة لا تزول عن الجلد ولا عن الروح. هذا التقليد اختفى كلياً مع اختفاء العيد ولكنه بقي في ذاكرتي غير قابل للنسيان".
غيثاء تذكر أيضاً الخبز المخبوز على التنور، والبيض البلدي المسلوق، والزيت والزيتون والحلاوة، التي كان الكيلو منها ببضعة قروش يحضرها بائعون جوالون من عند "مهروسة" في اللاذقية، المحل الذي ما زال ينتجها منذ مئة عام تقريباً حتى الآن.
في شهادة لها تقول السيدة ملك حسين (خمسون عاماً) من سلحب إنها كانت تأخذ معها الفطائر والكرابيج على شكل أقراص والمعمول إلى ساحة الرابع في سلحب نفسها، وتأخذ كذلك الطابة (الكرة) للعب في الاحتفال. الأطفال كانوا جامعي السعادة الأكبر في تلك الطقوس، يتحلّقون حول بائعي المعلّك (سكّر مخلوط بملوّنات طبيعية)، أو أمام عارضي الصور باستخدام آلة عرض يدوية بدائية في زمن لم يكن فيه سينما أو تلفزيون.
آلات العرض هذه جاءت من المدينة في سنوات السبعينيات. فالعيد لم يكن حكراً فقط على أبناء الريف العلوي. سكان المدن ساهموا أيضاً في هذه الاحتفالات، التي كانت أقرب إلى سوق بسيط، اقتصادياً واجتماعياً، تجمع بياعو الزينة النسائية إلى جوار بائعي الحلويات التي لا ينتجها الريف (الشعيبيات مثلاً) ومعهم المراجيح والقلابات، التي كانت من نصيب أهل المدن ولم يحدث أن انغلق العيد على أبناء الريف بأيّ حال من الأحوال.
الدبكة أبرز معالم عيد الرابع ومحوره الأهم
كانت الدبكة على إيقاع الطبل والمزمار هي المعلم الأهم في عيد الرابع، حيث يقف عازف الطبل في منتصف الساحة وإلى جانبه عازف المزمار، ويبدأ بالقرع على طبله بعصاه الكبيرة على أحد وجوه الطبل وينغّم الضربات بعصا صغيرة على الوجه الآخر، ليبدأ الشباب والصبايا بعدها بالتحرّك نحو الساحة والإمساك بأيدي بعضهم البعض، مُعلنين بدء الدبكة، حيث يتبارز الشبان والصبايا، في عرض مهاراتهم، التي تهدف إلى لفت الانتباه فيما يخصّ العزّاب من الشباب.
هناك بعض الأسماء التي برعت في فن الدبكة ونالت شهرةً لا بأس بها بمعيار ذلك الوقت. كان أحمد العجي أبرزهم. يروي لنا ابنه محمّد في اتصال هاتفي معه أنّ والده العجي (اسمه الأصلي حسن شاهين وقد توفي منذ سنوات) في العشرينيات من عمره كان أحد الدبيكة الكبار، يقفز في الهواء ثم ينزل على قدم واحدة ملوّحاً بمسبحته صغيرة الحبات في الجو فيما يجري وراءه عشرات الأشخاص من الصبايا والشباب. يكمل محمد، الرجل الستيني حالياً: "مع حلول عيد الرابع كان الطبّالون يبحثون عن أبي ويدعونه للرابع في قرية بابلوطة المجاورة أو في مواقع أبعد مثل السخّابة بريف جبلة". الناس الذين يراقبون "مرسح الدبكة" (هكذا يقال للمسرح في اللغة المحلية لأهل القرى) كانوا يتابعون بشغف هذه المعركة التي يقودها رجل قصير الطول بارع في القفز والحركة داخل المرسح وخارجه ولساعات دون تعب بمرافقة قارع طبل يفهم على الدبيّك بلغة العيون".
كان درويش حمّود أحد أبرز قارعي الطبول في الساحل السوري وقد توفي منذ عدّة سنوات ولا أحد يعرف من أين هو. وفيما يبدأ الشباب والصبايا الجولة الأولى بإيقاع مُتفق عليه مثل إيقاع الدلعونا أو اللالا أو الشوبية أو غير ذلك، يقود جولة الدبكة أحد الشباب أو إحدى الصبايا وبالتبادل بينهما. الدبكات هنا مشتركة مع الجغرافيات السورية الأخرى مثل دبكة المثلثة والعربية والدراجة الرقاوية ولكن الفارق هنا أنّ الجميع كان يدبك ويشارك في هذا الطقس.
والدبكة لم تكن مجرّد حركات رياضية تدور حول الساحة لساعات طويلة بقدر ما كانت تجسّد روح الجبال وصوتها وعلاقتها مع المكان والزمان. يبدأ الشباب والصبايا الجولة ومن يتعب يسلّم لشخص بجواره. ولطالما ترافقت تلك الجولات بنظرات العيون بين الشباب والصبايا مؤذنة بالإعجاب وبعده ربّما الحب والزواج. أغاني الدلعونا والسكابا والميجانا والعشق والحبّ يؤديها الجميع. من النادر وجود مطرب أو مغنٍ قبل عصر مكبّرات الصوت.
وكثيراً ما قطعت أغاني الدلعونا الجماعية بصوت عارض من الشوباش. يروي محمّد ابن حسن شاهين أنّ "الشوباش كان يرافق الطبّال، ومهمّته مراقبة من يخترق مسرح الدبكة بحثاً عنه لإرسال التحيات للآخرين بصوته العالي بعد دفع مبلغ مالي يوضع في يد الشوباش من دون أن يلحظ الآخرون ذلك". يسرّب الشوباش الاسم للطبّال ويقوم الطبّال بإلقاء التحية قائلاً: "شوباش من حسن لمحمد أبو علي من قرية العنازة صديق وأخ ليوم الدين". يشير محمّد إلى أنّ واحدة من الرسائل التي كان يحملها الشوباش هي إرسال تحية من شاب مثلاً لوالد من ستكون زوجته أو "حاطط عينو عليها" دلالة على أن "النيّة شريفة".
رغم أنّ أغلب الطقوس السابقة قد اختفت اليوم بعد توقّف الاحتفال بعيد الرابع، لكن ثمّة طقوس أخرى مشابهة لم تختفِ بعد. ففي قرية جبريون من ريف اللاذقية، ما زال هناك طقس آخر يرتبط بالزهور والطبيعة ولكنه مختلف قليلاً يسبق العيد كذلك بيوم واحد. في تلك القرية تحافظ السيدة حنان علي (خمسينية) على طقس مختلف. تقول: "أحلى يوم إلنا احنا نحتفل فيه. عاداتنا أن ننزل نساءً إلى نبع الماء بالضيعة من الساعة الثانية عشرة ليلاً حتى الصبح، قبل شروق الشمس. نغسل أيدينا ووجهنا مع أجرينا، ونشرب ماء مقدس ونأخذ معنا عالبيت. ونحنا طالعين، نمر نزور الزيارات (تقصد المزارات الدينية) القريبة. وناخد قصف (غصن) غار مزهّر وغصن زيتون من عندها، ونكمل إلى البيت، ونحطها ع باب البيت. هي العادة لسا موجودة بضيعتنا لحد هذا التاريخ وإن بشكل قليل، وإن شاء الله ما ننساها، ونعلمها لأولادنا كمان".
أكيتو البابلي، نوروز الكردي، الفصح المسيحي، الرابع العلوي، النبي شعيب الدرزي..
يكشف الباحثون في جذور العيد أنّه ليس مجرّد احتفال محلي، بل تمتدّ جذور هذا التقليد إلى أقدم حضارات المنطقة. في بلاد الرافدين أقام البابليون عيد "أكيتو" بمناسبة الاعتدال الربيعي وهو لا يختلف في مضمونه عن عيد الرابع في الساحل السوري. يوضّح الباحث فراس سواح "أن هذا العيد البابلي جمع بين طقسين قديمين: عيد الحصاد في شهر تموز، حيث كانت تقام طقوس ندب "تموز" القتيل (روح القمح)، وعيد الربيع الذي كان يُحتفل فيه بعودة تلك الروح إلى الحياة" (لغز عشتار، ط5، 1993، ص 298-299، دار نيقوسيا).
نوروز آذار يكمل مع نوروز نيسان، وبينهما تستمر الاحتفالات بقدوم فصل الربيع مع كلّ الحمولات الأخرى الدينية والطقسية؛ عيد النبي شعيب عند الدروز وعيد الفصح عند المسيحيين، حيث كان عيد الرابع يتضمّن سابقاً طقس البيض المسلوق. ويفسّر البعض ذلك بالتعايش بين الجانبين جغرافياً، من دون أن تخلو الإشارات الدينية حتى في عيد الرابع، إذ لم تكن الساحات وحدها مقصداً. ففي طريق العودة من الاحتفال والتجهيز للعودة في اليوم التالي، كانت العائلات تزور مقامات الأولياء المُنتشرة في قرى الساحل وجباله. لكلّ قرية مقامها أو مقاماتها: مقام الشيخ أحمد قرفيص (في القرية التي تحمل اسمه بريف بانياس)، مقام الخضر في العنازة، مقام الشيخ عبدالله في الدالية، وغيرها. كان الزائرون يقرأون الفاتحة، ويتلون ما تيسّر من القرآن، ثم يأخذون "الخلعات"؛ قطعاً قماشية خضراء يتباركون بها، ويعتقدون أنها تحمل بركة المكان وصاحبه. لم تكن هذه الزيارات طقوساً منفصلة عن العيد، بل كانت امتداداً طبيعياً له، جمعت بين الروحاني والاجتماعي، وتذكيراً بأن هذه الأرض ليست خالية من الأولياء والبركات.
عدا عن أنّ عدداً منها كان يُقام في الساحات القريبة من المزارات الدينية، أو ضمنها أحياناً، إلى جانب ساحات القرى بطبيعة الحال، التي يتجه الناس إليها مشياً على الأقدام.
تشير غيثاء إلى أنّها مشت من قريتها "البودي" إلى "السخابة" الواقعة على بعد بضعة كيلومترات من دون إحساس بالتعب. تقول:" كما نستيقظ باكراً، نضب البقجة (حقيبة قماشية) التي تضع فيها أمّي خبز التنور والبيض البلدي المسلوق والزيت والزيتون والتين اليابس، ثم نمضي مشياً حوالي خمسة إلى ستة كيلومترات إلى ساحة السخابة حيث تنتظرنا ساحتها".
ساحة السخّابة ومثلها ساحات أخرى في قرى الساحل السوري وجباله، تقع عادة حسب الجغرافيا وسط القرية أو طرفها، وفيها وحولها كانت تقام طقوس هذا العيد. في طرطوس كان هناك ساحات كثيرة لاجتماع الرابع، منها ساحة الخضر في العنازة، ساحة الشيخ أحمد في بستان الحمام، صنوبر جبلة، الخطيب في الدريكيش، شطحة في الغاب وأبو قبيس في حماة وصافيتا وغيرها.
وما يميّز هذه الساحات، أحياناً وليس دائماً، وجود مقام لرجل دين أو مقام للخضر لا أحد يعرف متى ولماذا بُني هنا. تقول غيثاء إنّ الرابع في ساحة بلدة الدالية التي تقع في طرف القرية كان يقام بجوار مقام للشيخ عبدالله الدالية حتى وقت قريب (بداية أو منتصف التسعينيات). أصوات الطبول كانت تُسمع من القرى المجاورة، معلنةً بدء العيد قبل أن يختفي هذا الطقس من جبال الساحل السوري وقراه.
عيد الجلاء وقرار أمني
الخلط بين عيد الرابع وذكرى جلاء الاحتلال الفرنسي عن سوريا كان أمراً شائعاً وهو مستمر حتى اليوم كذلك. تقول غيثاء إنّها لاحظت منذ طفولتها تزامن عيد الرابع مع ذكرى يوم الجلاء، وهو ما جعلها تعتقد أنّ مناسبة العيد هي هذه المناسبة الوطنية، قبل أن توضح لها جدتها الأمر.
توقّف هذا العيد وفق ذاكرة غيثاء "منذ منتصف التسعينيات تقريباً عندنا لأسباب لا أعلمها". بين طفولتها في السبعينيات وتوقف العيد في التسعينيات، تمتدّ فجوة لا تحفظ عنها ذاكرة غيثاء كثيراً. شهادات أخرى حصلنا عليها من حماة تقول إنّ أهالي سهل الغاب (شطحة ومصياف) حُرموا من الاحتفالات منذ العام 1994 بسبب قرارات أمنية اتخذتها السلطة السابقة. يؤكّد هذا الكلام أمين فرقة حزبية بعثية سابق من بلدة العنازة مُشيراً إلى "أنّ آخر احتفال رابع حضره كان العام 1993 في قريته وأنّ المنع جاء بقرار أمني شفهي وعندما يتكلم الأمن نسكت كلنا". شهادات أخرى من مناطق أخرى أجمعت تقريباً على توقّف عيد الرابع في تلك الحقبة منتصف التسعينيات أو قبلها بقليل.
في البحث عن سبب لقرار المنع قالت لنا سيدة من الدالية إنّ أحد التفاسير التي قالها لها صف ضابط في جهاز أمن الدولة وقتها (العام 1994) أنّ "الدبكة بجوار المقامات محرّمة". لا يمكن اعتماد هذا التفسير، وذلك لأنّ الاحتفالات بهذا العيد استمرّت حتى ذلك العام ولم يكن هناك تدخل أمني. وسواء كان هذا التفسير صادراً عن قناعة دينيّة حقيقية أم مجرّد تبرير أمني لقمع تجمّع شعبي، فإنه يعكس تحوّلاً في طريقة تعامل السلطة مع الفضاءات العامة في البلاد سينعكس كذلك في مناطق أخرى بحيث اقتصرت الاحتفالات على الأعياد الدينية الرسمية والوطنية (كما كانت تسمّى).
اختفاء عيد الرابع بقرار أمني منتصف التسعينيات لم يكن للأسباب السابقة بقدر ما كان تجسيداً لمرحلة جديدة في علاقة المجتمع بالسلطة الحاكمة في البلاد عقدي الثمانينيات والتسعينيات وما تلاها من تطوّرات في علاقة المجتمعات العلوية الريفية تحديداً مع المدن والبلاد ككل. بالمقابل ترى الروائية سوسن جميل الحسن، في مقال لها إنّ تراجع العيد لم يكن لمجرّد صدور قرار أمني، بل كانت له أسباب أعمق منها: "النزوح إلى المدينة، الذي وفره الانفتاح بين الريف والمدينة من جهة، وزاده لاحقاً إهمال الريف، وهو ما أدى لتشكّل أحزمة الفقر حول المدن الكبرى والانشغال بسباق لقمة العيش ونسيان الموروث والذاكرة"، فيما لآخرين وجهات نظر أخرى.
وسواء أُوقف عيد الرابع بحجة أنه "احتفال بجوار المقامات" أو "تجمّع شعبي غير مرخص"، لتحولات اجتماعية اقتصادية أو لتحوّلات سياسية فرضت نفسها خاصة بعد أحداث الثمانينيات من القرن الماضي، فقد استمر الاحتفال بعيد الجلاء، وأُضفي عليه طابع رسميّ ألغى عيد الرابع من الذاكرة. كان التلاميذ وأهاليهم في المدارس يصطفون في تجمّعات عشوائية، يرفعون الأعلام وصور القائد الخالد وشعارات الحزب ولافتاته، ويستمعون إلى الخطب الرسمية الناشفة التي تمجّد القائد والسلطة. وفيما تؤدّى الدبكة تحت إشراف المعلمين وحضور رجال الأمن، فإنّ من لا يشارك كان معرّضاً للعقاب وربما الاعتقال، ومن يشارك بطريقة "غير صحيحة" يُسجّل اسمه في سجل الأسماء السوداء. تحكي نكتة سوداء متداولة في الساحل عن أمين فرقة حزبية رفع تقريراً إلى جهاز أمني عن "رفيق" شارك في دبكة رسمية في أحد الأعياد السياسيّة، لكنه لم "يَنْخّ"، أي لم يضرب الأرض برجله وهو منحنٍ، كما يفعل قائد الدبكة الحقيقي. كان غياب "النخّة" علامة على أنّ الرقص هنا ليس صادقاً، بل مجرّد أداء تحت المراقبة. في عيد الرابع، كان الجميع ينخّون، لأنهم كانوا يرقصون بإرادتهم، لا لأنهم مجبرون، كما كان يحصل جزئياً في الاحتفالات المفروضة بقوّة السلطة أو إرادتها، حيث الفرح منظم ومحدود بمساحات ضيقة لا تحتمل العفوية كما كان يحصل في مهرجانات مثل مهرجان المحبة" في المدينة الرياضية في اللاذقية، مهرجان "البادية" في تدمر، ومثله مهرجان "المدن المنسية" في إدلب... والتي أنفقت عليها السلطة مليارات الدولارات كي تعيد هندسة المجتمع وفق احتياجاتها. وهذا ما يجيب ربما على سؤال غيثاء: "لماذا أوقفوا هذه الاحتفالات الجميلة وتركوا البشاعة في حياتنا بهذه الكثافة؟"








