في عام 2008، رفع المخرج هشام شربتجي دعوى قضائية ضد مديرة التلفزيون السوري ديانا جبور ومدير الرقابة غسان شهاب، بعد عدم عرض مسلسل "رياح الخماسين" على الشاشة السورية، وإيقاف عرضه على قناة "الدنيا" الخاصة بعد بث ثلاث حلقات فقط من أصل 38 حلقة، قبل أن يفضي المسار القضائي لاحقاً إلى صدور قرار بالسماح بعرضه.
يحكي المسلسل، قصة معتقل سياسي يدعى فريد أبو خليل (يؤدي دوره أسعد فضة)، من الساحل السوري، يملك تصورات إصلاحية وطنية تجاه مؤسسات الدولة، أمضى 15 عاماً في المعتقل، قبل أن يخرج إلى مجتمع مختلف عمّا تركه، ليصطدم بواقع تتفشى فيه مظاهر الفساد، حتى داخل أسرته، تختلط فيه القيم، ويواجه رد فعل سلبي من المجتمع على اعتقاله، ما يكرس عزله مجتمعياً، يتجسد في وصفه من قبل المحيطين به بـ"الجاسوس"، دون سؤاله عن القضية التي اعتقل بسببها، وهي قضية عامة.
فيلم "تدمر" ، بالكاد محتمل لدى جمهور "الفيلم" في برلين .."خفيف" في دمشق
09 أيار 2025
اعتراض الرقابة على العمل، الذي يفتقر إلى نماذج مماثلة يمكن استدعاؤها بسهولة من الذاكرة، ارتبط بجملة وردت في حوار بين "فريد" وصديقه (الذي يلعب دوره عبد الحكيم قطيفان)، الذي يقول له: "اكتب مذكراتك وخلي سيفك مسلط على رقابهم، ولندفعهم الثمن"، لتسأل الرقابة وقتها: "مَن هم هؤلاء الذين يريدهم المسلسل أن يدفعوا الثمن؟".
لم تركز الرقابة هنا، على ما يبدو، على وجود شخصية "المعتقل السياسي" في العمل، أو "السجن" في سياقه السياسي، أو بحكاية تتمحور حول تجربة اعتقال تعسفي، إنما على ما يهمها، وهو بقاء جميع تلك الأفكار مجرّدة من الإسناد المباشر، وألا يحتوي العمل على أي إشارة تقترب من السلطة ومخابراتها وجيشها، أو يشتبه في كونها تقترب منهم.
تأثرت صورة شخصية "المعتقل السياسي" عبر تاريخ الدراما التلفزيونية السورية، بالأحداث السياسية التي عاشتها البلد، من غياب مبرمج و"تنفيس" حذر في الفترة السابقة لـ 2011، ومحاولة ضبط المعنى ومنع انزلاقه نحو تسمية الفاعل خلال النزاع المسلح، إلى تمثيل مباشر وصريح في موسم 2026.
مجتمع مليء بالمعتقلين .. دراما لا تروي حكايتهم
في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2000، أغلق رئيس النظام السابق بشار الأسد "سجن المزة"، وأفرج عن المئات من المعتقلين السياسيين، في خطوة بدت حينها مؤشراً على انفتاح محتمل، لكن بعد ذلك بوقت قصير، وصل "ربيع دمشق"، إلى نهاية مبكرة؛ ففي أغسطس/ آب 2001، امتلأت السجون السورية من جديد بالمعتقلين السياسيين، بينهم صحفيون ونشطاء حقوقيون.
في تلك المرحلة، كانت الدراما السورية تشهد ازدهاراً لافتاً، مع اتساع حضورها عربياً، مدفوعة بقدرتها على الاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية وانتقاد مظاهر الفساد داخل المؤسسات الحكومية، لكنها لم تصل إلى القصر الجمهوري وساكنيه.
رغم وجود مجتمع يضم فئة من العائلات التي عاشت تجربة الاعتقال أو تأثرت بها، بقيت شخصية "المعتقل السياسي" شبه غائبة عن الدراما التلفزيونية.
"لم تجرؤ الأعمال الدرامية على التعبير عن هذه التجربة بوصفها جزءاً من الواقع، واكتفت بحضور خافت ومبطن، غالباً عبر السخرية في لوحات متفرقة في مسلسل (مرايا) ومسلسل (بقعة ضوء)"، وفق ما يراه الصحفي السوري المتخصص في الشؤون الفنية نبيل محمد في حديثه مع سوريا ما انحكت، أو من خلال إسقاطات تاريخية على فترات الحكم العثماني والانتداب الفرنسي، كبديل غير مباشر لسرد ما لا يمكن قوله صراحة.
في معظم الأعمال الدرامية الاجتماعية، ظهر "السجن" في سياق جنائي- اجتماعي، بعيداً عن سياقه السياسي الشائع في المجتمع سراً، هذه الرؤية قد تكون خياراً من الكتّاب لتفادي الرقابة، والتي فرضت سقفاً لا يمكن تجاوزه، لأن "منظومة الرقابة كانت ستمنع أي خيارات فنية إبداعية من الأساس، لتمثيل شخصية المعتقل في أي مسلسل"، وفقاً لمحمد.
من الضروري أن "يُفهم الفن بوصفه مجالاً تتداخل فيه مهمتان؛ إنتاج معرفة نقدية للعنف، وإدخال هذا العنف في التداول الجمالي العام"، بحسب ما يراه الكاتب والباحث السوري فارس الذهبي، في حديثه لسوريا ما انحكت. فالفن لا يكتفي بعرض العنف، مثل تجربة الاعتقال التعسفي أو التعذيب داخل السجون، بل يُفترض أن يفسره بالسؤال: لماذا حدث؟ وكيف حدث؟ ومتى حدث؟ ومَن المسؤول؟ بالتالي، يتحول الفن لـ"أداة مساءلة، لأنه يكشف العنف بوصفه بنية حكم" تاريخية، مجتمعية، وسياسية، وفقاً لـ"الذهبي"، ويعرضه في قالب فني جمالي.
هذا الغياب يُعد شكلاً من أشكال "إعادة إنتاج الرواية الرسمية" للسلطة، وفقاً للصحفي محمد، فمن خلال إخفاء شخصية "المعتقل السياسي"، أسهمت الدراما في تثبيت رواية النظام السابق التي تنكر وجود "معارضين" وتصورهم كـ"خونة" أو "عملاء".
اشتغلت الدراما قبل 2011، ضمن ما يمكن تسميته "النقد الآمن"، إذ كان هناك هامش لانتقاد الفساد أو البيروقراطية أو بعض الظواهر الاجتماعية، لكن دون الاقتراب من جوهر مؤسسة الرئاسة أو أدواتها القمعية، وقضية الاعتقال السياسي تقع في قلب هذا الجوهر، لذا بقيت خارج هذا الهامش. هكذا استخدمت الأعمال الدرامية في تلك المرحلة عدة أدوات مثل الإيحاء أو الالتفاف والفراغات الدلالية، حيث يترك السيناريو الأسئلة مفتوحة دون إجابات واضحة، والترميز للإشارة دون التصريح.
هذه الأدوات تعكس علاقة معقدة بين الفنان والخوف، بحسب نبيل محمد، ليس خوفاً مباشراً فقط، بل حذراً متراكماً من تجاوز حدود غير مرئية، وبالتالي، هي محاولة للقول من دون قول كامل الحقيقة، والاقتراب دون اصطدام مباشر مع السلطة.
خطاب متقابل .. قضية غائبة
تمتلك سوريا تراثاً متراكماً من انتهاكات حقوق الإنسان، بفضل توثيقها حقوقياً وروائياً، عبر أدب السجون السوري، والتاريخ الشفوي لدى أولئك الذين عانوا وشُردوا و خضعوا للعذابات والمآسي. تقدم جميع تلك المصادر، السجن بوصفه صورة مكثفة للنظام السياسي كله في البلد.
من هذه الزاوية، تأتي شخصية "المعتقل السياسي" امتداداً لسردية ثقافية سورية راسخة لا يمكن تجاهلها، تظهر كأحد أكثر الأشكال التعبيرية قدرة على كشف الطبيعة الأمنية للنظام السابق، خصوصاً بعد مارس/آذار 2011. شهدت هذه المرحلة انقساماً حاداً وتحولت الدراما إلى أداة مباشرة خلال الاحتجاجات في طورها السلمي والمسلح.
صورت بعض الأعمال الدرامية مؤسسات الدولة على أنها "ضحية" لفوضى خلقتها "مجموعات إرهابية" أو "عملاء للخارج"، خصوصاً مؤسسة الجيش، في محاولة لتقديم رواية أحادية للنزاع، مبررة بذلك العنف تجاه السوريين المطالبين بالتغيير أو تجاهلت مصدره، وأعادت إنتاج الخطاب الإعلامي للنظام السابق، من خلال شيطنة طرف مقابل من دون أي تعقيد.
كما أنتجت شركات محسوبة على جهات معارضة أعمالاً لم تكن أكثر توازناً درامياً، بسرد مباشر وخطاب توثيقي مرحلي أكثر من كونه درامياً، وبالتالي، استخدم كلا الطرفين شخصياته الدرامية كأدوات خطاب سياسي لا كشخصيات درامية مستقلة، معقدة، ومركبة.
معظم هذه الأعمال لم تتناول قضية الاعتقال التعسفي، وتجاهلتها تماماً، وحاولت أعمال خجولة طرح شخصية "المعتقل السياسي" كمراجعة فلسفية ذاتية، مثل حوارات شخصية "ورد" (سلافة معمار) في الزنزانة الانفرادية وهي تعاني من التعذيب، في مسلسل "قلم حمرة" (إنتاج 2014).
لم يكن غياب شخصية "المعتقل" عن الدراما حينها هو الكارثة الأكبر، مع انتشار الاعتقال التعسفي الممنهج في كل أنحاء البلد، بقدر ما كان وجود معتقلين حقيقيين داخل الوسط الفني نفسه، ضحية تقارير كتبها فنانون بحق زملائهم.
في الوقت الذي عجزت فيه الدراما عن تمثيل الاعتقال، تكفّل بعض العاملين فيها بلعب دور "المخبر" وكتابة تقارير تفضي إلى الاعتقال، هذه البيئة الأمنية كان ضحيتها فنانون مثل الممثل زكي كورديللو وابنه مهيار، والسيناريست عدنان زراعي، الذين اعتقلتهم الأجهزة الأمنية عام 2012، وما يزال مصيرهم مجهولاً.
هل تسبق الذاكرة عدالتها؟
ضمن أدبيات الفن في مراحل ما بعد النزاعات المسلحة، عادة ما يُطرح سؤال: هل يعيد الفن مساءلة العنف أم يساهم في تطبيعه؟ هنا، من الضروري أن "يُفهم الفن بوصفه مجالاً تتداخل فيه مهمتان؛ إنتاج معرفة نقدية للعنف، وإدخال هذا العنف في التداول الجمالي العام"، بحسب ما يراه الكاتب والباحث السوري فارس الذهبي، في حديثه لسوريا ما انحكت. فالفن لا يكتفي بعرض العنف، مثل تجربة الاعتقال التعسفي أو التعذيب داخل السجون، بل يُفترض أن يفسره بالسؤال: لماذا حدث؟ وكيف حدث؟ ومتى حدث؟ ومَن المسؤول؟ بالتالي، يتحول الفن لـ"أداة مساءلة، لأنه يكشف العنف بوصفه بنية حكم" تاريخية، مجتمعية، وسياسية، وفقاً لـ"الذهبي"، ويعرضه في قالب فني جمالي.
في مستوى آخر، "قد يتحول العنف داخل العمل الفني إلى مادة انفعالية قابلة للتداول والاستهلاك، فتخفت حدته الأخلاقية في الوعي العام"، بحسب الكاتب، لهذا تميز أدبيات العدالة الانتقالية بين تمثيل يوسع الفهم العام للعنف، ضمن مسار حقوقي واضح، وتمثيل يكرر أثره البصري أو العاطفي دون تفكيك أسبابه التاريخية والمؤسساتية والأخلاقية.
بعض الأعمال وظفت هذه الشخصية من أجل استعادة الذاكرة وصياغة لغة مشتركة لما جرى، وبعضها اكتفى باستثمار الألم لرفع منسوب التأثر، وفق ما يراه "الذهبي"، والفارق بين المستويين تحدده الكتابة الدرامية نفسها؛ لأنه عندما تُبنى شخصية "المعتقل" بوصفها شخصية كاملة ذات تاريخ نفسي، ومجتمعي، وفكري، وتجربة نجاة وأسئلة عدالة، تستعيد الدراما قدرتها على مساءلة الماضي والحاضر معاً، وعندما تُختزل الشخصية في وظيفة انفعالية، تنخفض قيمتها الفنية وتقترب من النمط الجاهز.
"لا ينطلق اعتراضنا على تناول الاعتقال السياسي درامياً من رفض لمبدأ السرد ذاته"، بحسب ما أوضحته مؤسسة الرابطة، مريم الحلاق، في تصريحها لسوريا ما انحكت، فجزء كبير من ذاكرة الشعوب حول الحروب والثورات تشكّل عبر الفن. لكن "الإشكال يكمن في التوقيت والسياق"، فحين تُروى الحكاية قبل أن تُعرف حقيقتها، وقبل أن تُستعاد كرامة أصحابها، تتحول من فعل توثيق إلى فعل اختزال، "نحن لا نرفض الدراما بوصفها وسيلة للذاكرة، بل نرفض أن تسبق الذاكرة عدالتها".
في الإنتاج الدرامي بعد سقوط النظام، ظهرت شخصية "المعتقل" بقوة في الأعمال الدرامية، ورافق ذلك نقاش واسع حول أخلاقيات هذا الحضور. في فبراير/شباط الماضي، أصدرت رابطة "رابطة عائلات قيصر"، بياناً أعلنت فيه رفضها القاطع لتناول قضية المعتقلين ضمن أعمال درامية، معتبرة تحويل معاناة الضحايا إلى مادة فنية "استثماراً لجراح ما تزال مفتوحة". وطالبت الرابطة عبر بيانها بوقف عرض أي أعمال تتناول هذا الملف قبل كشف مصير المعتقلين وتحديد أماكن دفنهم وتسليم رفاتهم لذويهم، مؤكدة أن "الحقيقة والعدالة تسبقان الدراما"، كون قضايا المعتقلين "أمانة تاريخية" لا يجوز توظفيها في سياق ترفيهي أو تجاري.
"لا ينطلق اعتراضنا على تناول الاعتقال السياسي درامياً من رفض لمبدأ السرد ذاته"، بحسب ما أوضحته مؤسسة الرابطة، مريم الحلاق، في تصريحها لسوريا ما انحكت، فجزء كبير من ذاكرة الشعوب حول الحروب والثورات تشكّل عبر الفن. لكن "الإشكال يكمن في التوقيت والسياق"، فحين تُروى الحكاية قبل أن تُعرف حقيقتها، وقبل أن تُستعاد كرامة أصحابها، تتحول من فعل توثيق إلى فعل اختزال، "نحن لا نرفض الدراما بوصفها وسيلة للذاكرة، بل نرفض أن تسبق الذاكرة عدالتها".
شخصية "المعتقل السياسي" في الدراما بعد سقوط النظام تحمل وظيفتين مزدوجتين، بحسب الكاتب فارس الذهبي، "تاريخية نقدية" و"انتقالية راهنة". جذور الوظيفة الأولى تمتد إلى عقود سابقة من أدب السجون والمسرح والدراما التي اشتغلت على موضوع الدولة الأمنية، وحضورها الحالي يشارك في إعادة تنظيم الذاكرة العامة وإسناد مطلب المساءلة. لذلك، "يصح تقييمها بوصفها أداة نقد لفترة حزب البعث، وبوصفها أيضاً عنصراً درامياً مركزياً في المرحلة الحالية، لأن المرحلة الحالية نفسها تشتغل على تفكيك إرث تلك الفترة وإعادة فهمه".
الحكاية قيلت .. لكنها لم تُفهم بعد
في موسم دراما رمضان 2026، لم يعد الاعتقال السياسي مجرد ظل يمر في الحكايات، بل صار حاضراً وواضحاً. لم يكن ذلك انتصاراً مفاجئاً للحقيقة، بل نتيجة مباشرة لتبدّل في ميزان السلطة، سمح بقول ما كان يحظره النظام السابق، وأتاح للكتاب والمخرجين والممثلين العودة إلى العمل معاً، كما لو أنهم لم يفترقوا تماماً.
ضمن هذا التصور، لم يحمل الموسم الأحدث "نضجاً درامياً" لقضية "الاعتقال السياسي" في البلد، بحسب رأي الباحثة والمعالجة الدرامية السورية لمى عبد المجيد، "بقدر ما هو استجابة لانزياح الخطوط الحمراء المفروضة سابقاً"، وإعادة ضبطها ضمن سياق جديد، وبالتالي، بقيت السياسة في سوريا، لا الفن، هي من تقرر ماذا يُقال ومتى.
تفقد الدراما السورية أيضاً، دقتها، حين تخلط بين "المعتقل" و"السجين"، هذا الخلط، يفرغ التجربة من معناها السياسي، ويحولها إلى حالة فردية عابرة، بحسب الباحثة.
رغم ارتباط سقوط النظام بفتح المعتقلات واقعياً، دون إنكار حدوث بعض الفوضى، لكن هذه الفكرة ارتبطت درامياً بفتح السجون عامةً، دون التمييز بين السجين الجنائي والمعتقل السياسي، وفي بعض الأعمال، جرى التركيز على شخصيات خرجت من السجن لكنها لا تمثل تجربة الاعتقال السياسي، كشأن شخصية "عبد الكبير الجمل" (يلعب دوره عبد المنعم عمايري) في مسلسل "مطبخ المدينة"، أو شخصية "أبو ليلى" (يلعب دوره جمال العلي) في مسلسل "مولانا"، وهما شخصيتان ذات ماضٍ مظلم، متهمتان بشهادة الزور والقتل والاحتيال والفساد. بدا أن فعل التحرر يُقدّم كحدث عام، بينما غابت تجربة المعتقل السياسي نفسها، أو جرى تهميشها لمصلحة سرديات أكثر سهولة وتسويقاً.
ترى الباحثة لمى عبد المجيد ضرورة أن تكون شخصية "المعتقل السياسي" موضوعاً، "يتعدى الدور الدرامي لها في حكاية ما، خاصة في هذه المرحلة، فهي ليست مجرد مبرر درامي لفعل أو حادثة"، بل أن تكون ربما محور السرد وزاوية الرؤية؛ وبالتالي، أي عمل درامي جاد، يجب أن يبني سرديته من داخل هذه التجربة، ووجهة النظر التي تُروى من خلالها الحكاية، لا أن يستخدمها كخلفية فقط.
أسئلة درامية
تحديد معايير ثابتة للحكم على "صدق" تمثيل تجربة الاعتقال درامياً "ليس أمراً بسيطاً، وقد يكون ملتبساً من الناحية الفنية"، لكن يمكن الاقتراب من هذا الحكم عبر طرح أسئلة أساسية، وفق عبدالمجيد. لماذا طُرحت هذه التجربة الآن؟ وكيف جرى تقديمها؟ هل نحن أمام موجة عابرة تلاحق "الترند"، أم محاولة حقيقية لسرد ما كان محظوراً سابقاً؟ وهل يُقدم الاعتقال بوصفه نتيجة لسقوط النظام وعلامة تحرر، أم كجزء من مسار طويل قاد إلى هذا التحول؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي ما تحدد موقع العمل درامياً وأخلاقياً، وتمنحه نقطة انطلاق لتقييمه.
أما على مستوى الوظيفة التي أدتها شخصية "المعتقل السياسي" في أعمال موسم 2026، فهي تبدو بحسب الباحثة والمعالجة الدرامية، في كثير من الحالات، وكأنها اُستخدمت كوسيلة لإضفاء طابع المعاصرة على العمل، أكثر من كونها أداة لكشف الحقيقة.
مع ترسيخ توثيق منظومة القمع التي حكمت البلد، لم يعد ممكناً تجاهل قضية الاعتقال التعسفي درامياً، غير أن الخطر يكمن في أن تتحول هذه التجربة إلى قالب جاهز أو نمط متكرر، فحجم العنف واتساعه، بتشعباته المختلفة، يجعل من هذا التاريخ مساحة واسعة ومفتوحة للسرد، يمكن أن تُختزل بسهولة إن لم تُعالج بحساسية ووعي. ترى الباحثة أن على العاملين في الدراما، البحث عن التجربة الحقيقية، والاقتراب منها، وملامسة أوجاع ضحاياها، من خلال "الاحتكاك الشخصي مع المعتقلين أو ذويهم، لتكوين معرفة عميقة حول واقع الشخصية".
لم يحمل الموسم الأحدث "نضجاً درامياً" لقضية "الاعتقال السياسي" في البلد، بحسب رأي الباحثة والمعالجة الدرامية السورية لمى عبد المجيد، "بقدر ما هو استجابة لانزياح الخطوط الحمراء المفروضة سابقاً"، وإعادة ضبطها ضمن سياق جديد، وبالتالي، بقيت السياسة في سوريا، لا الفن، هي من تقرر ماذا يُقال ومتى.
ويوفر أدب السجون السوري، مضامين متعلقة بالكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان، ومذكرات المعتقلين، بوصفها حاجة نفسية للنجاة من التجارب الأليمة في السجون السورية، حيث تتسم بوحشية متفردة، تجعل من كل كلمة تُكتَب من داخلها أو عنها عملًا بطولياً أخلاقياً ومقاوماً. يمكن لقاء الضحايا في حال نجاتهم أو بمحيطهم، للتعرف أكثر على أثر هذه التجربة؛ لأن البحث الجدي الذي يسبق الكتابة يجعل الكاتب، ومن ثم الممثل أقرب للشخصية، وبالتالي يقدمها بالشكل الأمثل.
وبحسب ما اقترحته الباحثة والمعالجة الدرامية، يمكن في بعض التجارب أن تستند الكتابة الدرامية إلى إشراك الضحايا أنفسهم، بما يعزز مستوى الصدق في السرد، ويسهم في إعادة تقديم الحقيقة، ضمن صياغة درامية أكثر دقة وإنصافاً.
الحقيقة بديلاً عن الرقابة
موقف عائلات المعتقلين ومطالبتها بإيقاف الأعمال التي تناولت شخصية "المعتقل السياسي" درامياً، يستند إلى اعتبارات أخلاقية مفهومة، لكنه يثير في المقابل مخاوف من أن تستخدم مؤسسات حكومية رسمية، هذه الدعوات مبرراً لتدخلها في قبول أعمال ورفض أخرى، بحجة "عدم انسجامها مع الرسالة الوطنية"، ما يستدعي البحث عن بدائل توازن بين حرية السرد ومسؤوليته، بعيداً عن أي وصاية مباشرة.
وفق دراسة أعدها "المركز الدولي للعدالة الانتقالية" (ICTJ)، يمكن لمسار العدالة الانتقالية الجاد والفعّال، أن يكون "أساساً أخلاقياً"، يُبنى عليه أي تعبير إبداعي لاحق مرتبط بتجارب الضحايا في بلدان ما بعد النزاع المسلح؛ لأن أي عمل فني يسبق توثيق الحقيقة، قد يفتقر إلى القاعدة الأخلاقية الصلبة اللازمة لإنصاف الضحايا؛ فدون معرفة دقيقة بانتهاكات الاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، والقتل تحت التعذيب، يصعب على المجتمع منع تكرارها أو التعبير عنها إبداعياً.
تطرح الدراسة المنشورة عام 2013، فكرة مفادها أن "الطريق الذي نسلكه لا يقل أهمية عن الوجهة التي نسعى إليها"، وبالتالي، لا توجد طرق مختصرة عندما يتعلق الأمر بالحقيقة والعدالة والمساءلة، ومن الضروري قطع الطريق حتى نهايته. يسهم العمل الحقوقي في دعم حرية السرد الإبداعي من خلال توفير مادة موثقة وموثوقة يستند إليها المبدعون في صياغة أعمالهم، إذ تمنح "لجان البحث عن الحقيقة" التي عادة ما يتم تأسيسها في مراحل ما بعد النزاعات المسلحة، نوعاً من الحماية المعنوية والقانونية، تمكّن الكتاب والفنانين من تحويل التجارب الإنسانية القاسية إلى أعمال إبداعية ناضجة، بموافقة الضحايا بعد مسارات قضائية وحقوقية واضحة، وبذلك، يتجاوز السرد حدود الرقابة والصمت الذي فرضه النظام السابق لسنوات طويلة.
وضمن العدالة الانتقالية، يُنظر إلى حكايات الضحايا على أنها جزء من الحق في الحقيقة، الكرامة الإنسانية، والحق في عدم تكرار الانتهاكات، ففي جنوب إفريقيا، اعتبرت "لجنة الحقيقة والمصالحة" شهادات الضحايا، جزءاً من الأرشيف الوطني الرسمي، "لضمان معاملة الضحايا بكرامة واحترام"، قيّدت فيما بعد استخدام حكاياتهم وتجاربهم ضمن وسائل الإعلام أو الأعمال التجارية، لحمايتهم.
يرى الكاتب فارس الذهبي أن الدراما تتوجه أساساً إلى الجمهور، لكنها في حالة المعتقلين، تواجه حساسية استثنائية، ما يمنح أهالي الضحايا أولوية أخلاقية في تحديد كيفية تناول هذه القصص. إشراك عائلات الضحايا في السرد الإبداعي، وتنظيمهم ضمن إطار تمثيلي واضح قادر على التفاوض مع صناع الدراما، هي واحدة من الضرورات التي يؤكد عليها الذهبي، لضمان حماية حق الضحايا المعنوي. قانونياً، يمكن التفكير في تشريع قانون خاص ومحدود لحماية سردية الضحايا، مع الحذر من تحوله إلى أداة رقابية تنفيذية، بحسب ما يقترحه الكاتب.
خلال العقود الماضية، كانت مساحات التعبير الصحفي والأكاديمي والإبداعي محدودة ومقيدة، ما جعل الدراما التلفزيونية المنفذ الأبرز للتعليق على قضايا المجتمع وثقافته. لكن، اليوم، يُفترض أن تستعيد أنواع مختلفة من الفنون، مثل السينما، والمسرح، والفنون الأخرى، دورها الإبداعي في إعادة ترميم مجتمع مقسم. لا ينبغي أن يظل التعبير عن معاناة المعتقلين حكراً على الدراما التلفزيونية وحدها، خصوصاً في ظل ما شهدته من استقطابات وانقسامات حادة مرتبطة بالتغيرات السياسية، وتكون هذه المساحات الإبداعية الأخرى، بمثابة اختبار لمدى اتساع هامش التعبير وحرية الرأي وإعادة سرد الذاكرة في ظل المراحل السياسية المقبلة للبلاد، خارج القالب الدرامي التلفزيوني التقليدي.








