تضحك رنا حيدر وهي تتذكّر أوّل تجربة فاشلة لها مع البذور الهجينة التي اشترتها من صيدليات تبيع هذه البذور فقط إلى جانب الأسمدة والمبيدات الحشرية والفطرية. كانت تتحدّث فيما صوت الريح يمرّ بأرضها الصغيرة على أطراف مدينة السلمية وسط سوريا، ونباح كلابها يقطع الحديث بين الحين والآخر، تشرح ضاحكة "روكي… هذا الأساس. ربيناه من لما كان صغير". ثم تتابع حديثها عن البذور: "أكلت صواب (مقلب) فيها، طلعت البندورة صغيرة وطعمها مرّ، مو متل اللي أنا كنت شوفها وأنا صغيرة، وكانت ستي مثلا تحوشها من الأرض."
ورغم أنّها فعلت كلّ ما عليها فعله كمزارعة (زراعة البذور بعناية، تغطيتها، متابعة الشتل بشكل يومي) إلا أنّ النتيجة كانت غريبة عنها. وجد علي الزين الذي يعمل في مشاريع طبيعية وأسس مع مجموعة أصدقاء مبادرة تربية النحل " bees & Refugee" (النحل واللاجئون/ات) في بريطانيا، نفسه في موقف مماثل: "انصدمت… كيف البذور الأصيلة عم تختفي، وكيف الهجينة صارت تسيطر على كل شي".
حلول البذور الهجينة مكان الأصلية، ليست مسألة عابرة، بل "من أخطر المواضيع على سوريا بالأيام الجاية" كما يقول علي. السيادة الغذائية تتمحور "حول من يملك زمام السيطرة على الأنظمة الغذائية، بما في ذلك الأرض والبذور والعمالة والمعرفة ونوعية الغذاء المُستهلك. فهي تضع تقرير المصير، والملكية (الجماعية)، وحقّ المجتمعات في تحديد ممارساتها الزراعية في الصميم" تقول لسوريا ما انحكت الباحثة السياسية المهتمة بقضايا المجتمع المدني والسيادة الغذائية والتضامن القاعديّ، أنصار جاسم.
وجدت رنا في مشاركة تجربتها مع المزارعين القُدامى في المنطقة، من أصدقاء ومعارف، مخرجاً من مأزقها. "كنا نقعد على هالأرض لنشرب شاي ونلف دخان عربي ونحكي عن البذور وعن الزراعة، وكل واحد عندو بذور كويسة يقدملي ياها لجربها.. كتير تشجعت". حين جرّبت رنا زراعة البذور الأصيلة، مستعيضة عن السماد الكيمياوي، بسماد طبيعي أخذته من جيرانها، كانت النتيجة ناجحة وطعم الخضروات لذيذاً. لكن لم يكن هكذا الحال عند جميع المزارعين/ات المحكومين من سلطات مُتعدّدة، تبدأ من سلطة لقمة العيش ولا تنتهي عند غياب الدعم الحكومي وسلطة الرأسمالية العالمية التي تسعى لبيع بذورها على حساب البذور الأصلية، حيث تكشف معاناة وحكايات الفلاحين والفلاحات والناشطين والناشطات في قضايا البيئية والزراعة عن سلسلة من التقاطعات، يكون فيها المزارع والمزارعة في سوريا الحلقة الأضعف.
زراعة عكس التيار أو أرض تجمع الحكايات
تخرّجت رنا من المعهد الزراعي في حمص عام 2002، وهي تعمل الآن في مركز البحوث الزراعية في السلمية. لم ترث أرضاً عن أهلها بل قرّرت أن تمتلك أرضاً، شغفاً برائحة اختلاط الماء والتراب وافتتاناً بكلّ الأوقات التي كانت تمضيها وهي طفلة مع جدّتها في القرية، حين كانت تأخذها معها إلى الحقول "كانت تحط الخضرة تحت الشجرة وتوزع للجيران، وما تعرف لا تبيع ولا شي". تلك اللحظات الخاصة خلقت علاقة عاطفية عميقة بينها وبين الزراعة، علاقة قادتها لاتخاذ قرار بالعودة إليها بعد عشرين عاماً.
تُوفيت سنيه كلثوم، جدة رنا، عام ٢٠٢٠ وفي قلبها حسرة، بعدما هاجم تنظيم داعش عام ٢٠١٥ قرية المبعوجة، شرقي مدينة السلمية في محافظة حماة وارتكب مجزرة بحقّ أهلها ونهب الأراضي. حينها نزحت جدتها قسراً إلى السلمية وتوفيت هناك، بعدما هدم قصف الطائرات الحربية منزلها والتنور الذي كانت تخبز فيه.
تروي رنا لسوريا ما انحكت عبر واتسآب أنّ كلّ شيء بدأ من الصفر "كانت قطعة أرض ما فيها ولا شي. لا حجر ولا شجر ولا حتى حيط". باعت هي وزوجها السيارة التي كانا يملكانها. لم يكن القرار سهلاً، لكنّه كان ضرورياً بعد وصولها إلى قناعة أنّه لابُدّ من امتلاك أرض زراعية. تقول ويغمر صوتها الفرح "أنا وين ما كنت شوف أرض كنت بتعلّق فيها". قطعة الأرض التي اشترتها مُحاطة بمزارع مزدهرة، ممّا شجّعها على اتخاذ القرار وامتلاك قطعة من هذه الأرض "خيرة"، كما تقول.
امتلاك النساء للأراضي، ليس أمراً شائعاً في الكثير من مناطق سوريا. تؤكّد رنا أنّ تسجيل ملكية الأرض باسمها كانت خطوة نادرة في مجتمع ما زال يحرم النساء من الميراث في منطقتها. نشرت إنجي خليل، وهي باحثة اجتماعية سابقاً تفسيراً يقترح أنّ " طبيعة المجتمع الذكوري الشرقي وحرمان المرأة من الميراث تضرب جذورها في التاريخ القديم، وهذه الطبيعة تنطلق من الاعتقاد الخاطئ الذي يقول (كيف نعطي المال لمن لا يركب فرساً ولا يحمل سيفاً ولا يقاتل عدواً)".
في مكان آخر على ضفاف الفرات، وعبر عدّة اتصالات وتسجيلات صوتية عبر واتسآب تحدثت سوريا ما انحكت إلى أحمد طلال النويران من الرقة. مع كلّ تسجيل صوتي كان يرسله، كانت الصورة تكتمل أكثر. يحمل أحمد إرث عشيرة العفادلة – البوشعبان التي عاشت على ضفاف النهر. منذ اللحظة الأولى، كان واضحاً أنّ حديث أحمد عن نفسه لا ينفصل عن الأرض "عشيرتنا ساكنة بحوض الفرات من مئات السنين"، ثم يصف المنطقة بحبّ وفخر "حوض الفرات من أوائل المناطق التي نشأت فيها الحضارات، في بلاد ما بين النهرين، وكان الدافع الأساسي لاستقرار البشر هو الزراعة واستثمار الأرض".يتفاخر أحمد بكونه من عائلة مزارعين: "العمل الأساسي لعيلتنا هو الزراعة. من زمان وزمان نحن من عيلة مزارعين وملاّك أراضي، والأرض إلنا مو بس ملك، هي كرامة". يؤكّد عدّة مرات أنّ الزراعة بالنسبة لهم ليست مجرّد مهنة بل هي هُويّة، وطريقة حياة، وعلاقة يومية مع الأرض. "الزراعة مو بس اقتصاد، هي ثقافة وعلاقات اجتماعية" يقولها وكأنّه يصف شبكة غير مرئية مُتجذّرة تربط الناس ببعضهم وبالأرض التي يعيشون عليها. ويستفيض في وصف العلاقات بين الفلاحين في الرقة، فهم لا يعملون فرادى، بل كجماعات مُتعاونة، مُتشابكة، يعرف كلّ واحد منهم أنّ محصوله مُرتبط بمحصول جاره، وأنّ الأرض لا تُزرع بيد واحدة.
قصص مع البذور الهجينة
سنوات الحرب تركت أثراً حاداً على قطاع الزراعة. ففي الرقة، ألحق تعدّد القوى المُسيطرة على الأرض منذ بداية الثورة السورية عام ٢٠١١ وحتى اليوم، الكثير من الأضرار بالقطاع الزراعي، ووضع المزارعين أمام صعوبات كبيرة في الحصول على البذور السورية الأصيلة والأسمدة اللازمة لنجاح المحاصيل الزراعية. كما كانت الفترات الانتقالية بين تعاقب هذه القوى على السيطرة في كثير من الأحيان كارثية على السكان، إذ واجه أصحاب الأراضي صعوبات كبيرة في نقل المحاصيل أو حصادها أو الحفاظ عليها.
يروي أحمد كيف أثّرت الظروف خلال العمليات العسكرية على القرارات الزراعية وأدت إلى استخدام أسمدة وبذور ذات جودة منخفضة، "في الفترات التي كانت تسيطر فيها قوات الجيش الحر على محافظة الرقة، كان من السهل الحصول على البذور والمُخصّبات الزراعية القادمة من تركيا، أما في فترة سيطرة تنظيم داعش، فقد أدّت الفجوة التي نشأت على الحدود السورية العراقية إلى دخول المنتجات الزراعية العراقية، والتي تضمّنت بدورها منتجات إيرانية وروسية، ما أدى إلى ظهور خلطات جديدة من البذور والأسمدة المُستخدمة في المنطقة". ويضيف أحمد أنّ الزراعة تحوّلت خلال فترة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، إلى أداة من أدوات الصراع، إذ تسبّبت البذور المُوّزعة من بعض هيئات الإدارة الذاتية التي كانت تسيطر على الرقة حينها، في موسم قمح سيء وتراجع كبير في الإنتاج، وفقاً لتقديراته.
كان لعلي قصّته وصدمته المرتبطة بهذه البذور، جراء احتكار شركات كبيرة لها. يمشي علي في الغابة القريبة من مسكنه كل يوم، وغالباً ما يتقاطع صوت زخات المطر شتاءً مع نباح كلبه زعتر الذي يلعب ويركض ويتوقّف عندما يمرّ قربهما شخص ما ليسلّم بلطف وفضول عليهما.
تعرّف علي على مبادرة قمح البركة الأردنية لحفظ القمح الأصيل. حرّضت المبادرة فضوله أكثر، وكبرت الفكرة داخله للتعامل مع هذا الموضوع. حين عاد إلى سوريا في كانون الأول/ يناير لعام ٢٠٢٤ بعد غياب دام ١٢ عاماً، وجد دمشق مدينة نشيطة، تعجّ المقاهي فيها بالنقاشات والندوات والأمل في التغيير والعمل الجماعي. في الشهر الثاني من العودة وبعد قضائه فترة أطول في سوريا، تردد في رأسه سؤال "شو فينا نقدّم للبلد؟". بالنسبة له، كانت الإجابة واضحة؛ إطلاق مبادرة لحفظ البذور الأصيلة. خلال وقت قصير وعبر منصة إنستغرام تمكّن من تجميع أربعين شخصاً من مزارعين ومزارعات، مهندسين ومهندسات في الزراعة ومواطنين/ات شغوفين/ات بالطبيعة. تطوّع الجميع لتجميع وتبادل البذار الأصيلة، وانطلق التواصل مع مبادرات في سوريا كشأن حقول التضامن، و مكتبة بذورنا جذورنا في لبنان، قصد التعلّم وبناء شبكة تُعنى بالبذار. منذ تلك اللحظة بدأت مبادرة أرشيف البذور السورية، ليُكتشف على إثرها اختفاء البذور الأصيلة من الأسواق السورية. "لفّيت على سبع محلات بمناطق مختلفة من ريف إدلب، وريف السويداء للساحل السوري، كان بدي اشتري أي بذور أصيلة، ولا محل كان عنده بذور أصيلة، ما حدا كان عنده بذور أصيلة، غير الفلاحين والفلاحات نفسهم، هني لي مقدرين قيمتها وعم يحافظوا عليها من جيل لجيل".
وبفضل المتطوعين والمتطوّعات، وصلت مبادرة أرشيف البذور السورية إلى الرقة والقنيطرة. حينها التقى أحمد وعلي افتراضياً، وقدّم أحمد خدمة كبيرة بتجميعه بذاراً أصيلة من منطقة شمال شرق سوريا لمشاركتها مع المبادرة. ورغم عرض شراء البذور بأسعار مُنصفة، فوجئ علي بكرم الفلاحين والفلاحات الذين قدّموها مجاناً، إيماناً بأنّ حماية البذار الأصيلة هي مسؤولية جماعية. وخلال وقت قصير، جمعت المبادرة نحو خمسة عشر صنفاً من القمح والشعير والحمّص، تشكّل اليوم جزءاً من الذاكرة الزراعية السورية والإقليمية، إلا أن البذور النادرة من أصناف معينة من الفليفلة والباذنجان والبندورة لم تعد مُتوفّرة.
في وقت آخر تعرّف علي على كاسترو (سليمان دكوك) ومبادرته "حقول التضامن والكرامة". استلهم كاسترو من تجربته في إدماج اللاجئين في اليونان، عبر "احتلال المباني المهجورة"، في مساعدة العوائل النازحة في مدينة طرطوس، عندما تمّ الاستيلاء على الثكنات العسكرية المهجورة ومقرّات حزب البعث العربي الاشتراكي بعد هروب بشار الأسد ٢٠٢٤، لتكون مأوى لها، ومكاناً لبدء الزراعة المنزلية، لتحقيق الاكتفاء. وتعتمد مبادرة "حقول التضامن والكرامة" على مبادئ الزراعة الإنسانية، وترفض استخدام البذور المُهجّنة والأسمدة الكيميائية. وتقوم على مبدأ إنتاج البذار بطريقة موسمية، أي أنّ كلّ فلاح وفلاحة ينتجون بذورهم، فيوفّرون بذلك شراء البذور سنوياً ويتشاركونها فيما بينهم.
لطالما كان تخزين البذور في سوريا مركزياً للغاية وتحت سيطرة الدولة، وعندما تتعرّض هذه البنية التحتية للضغط، سواء بسبب الحرب أو العقوبات أو الانهيار الإداري، تصبح غير مُتاحة تقريباً للجميع، ولا يتوافر بديل عنها. هذا ينبغي له أن يدفع نحو التفكير في سيادة البذور، ليس فقط من حيث الحفاظ على التنوّع البيولوجي، بل من حيث اللامركزية، والاستقلالية، والقدرة على الصمود. "لو وُجدت بنوك بذور محلية تديرها المجتمعات المحلية، لما كانت هذه الهشاشة حادة بهذا الشكل حالياً. باختصار الأنظمة المركزية تنهار بشكل مأساوي" تقول أنصار جاسم لسوريا ما انحكت، وهي الناشطة منذ عام ٢٠١٢ ضمن مبادرة "تبنّى ثورة" السورية-الألمانية، التي تدعم الناشطين والناشطات في الحراك الثوري داخل سوريا. تصبّ أنصار جهدها وأبحاثها وجهودها في المناصرة على كيفية مقاومة المجتمعات لاستخدام الجوع كسلاح، من خلال الزراعة الحضرية ومبادرات حفظ البذور المجتمعية.
المزارعات حارسات المعرفة
المبادرة الزراعية المُجتمعية، وخاصة حفظ البذور على مستوى القاعدة الشعبية للحفاظ على الثقافة وتعزيز المقاومة، كدح يقع على عاتق المزارعات والمزارعين الأفراد. أنصار التي عملت مع العديد من تلك المبادرات ودعمتها بمعرفتها الأكاديمية وعلاقاتها، ممّا جعل منها حلقة وصل بين عدّة مُبادرات زراعية شعبية في سوريا، لبنان والعراق، لا تتردّد في وضع النساء المزارعات في موقع حارسات البذور والمعرفة.
في سراقب العام الفائت، كانت المحرّك الهادئ لخلق لقاء يضم مزارعات، لم تكن فقط مُنظِّمة، بل كانت جسر تواصل يربط النساء ببعضهن ويفتح أمامهن مساحة آمنة للتعلّم واللقاء. تقول رنا عنها: "أنصار عطتني أمان، حسّيت في حدا عم يفتح باب للتعاون". من هذا الباب، بدأت العلاقات تتشكّل مع مزارعات إدلب بخبراتهن العميقة في التقليم والتطعيم وتقطير الزيوت، ومزارعات من السلمية حملن معهن قصص معرفتهن الزراعية.
لم تكن رحلة رنا إلى سراقب مجرّد انتقال جغرافي، بل انتقال داخلي نحو شبكة من النساء اللواتي يجمعهن شغف الأرض. تقول "كنت رايحة استكشف. ما كنت بعرف حدا، ولا حتى بعرف أنصار من وين". كلّ ما كانت تعرفه هو أنّ صديقاً في دمشق أخبر أنصار عنها، وأنّ الأخيرة رأت فيها امرأة يمكن أن تكون جزءاً من مشروع أكبر من حدود منطقتها. حين وصلت رنا إلى مكان اللقاء في الشمال السوري، وجدت نفسها وسط نحو أربعين امرأة مزارعة من السويداء، والساحل، وشمال شرق سوريا، ولبنان، وحتى فرنسا. تتذكّر اللحظة بوضوح: "انبسطت شوف بنات من كل المناطق. ما في تعصّب متل ما كنت متخيلة، بس في ود ومحبة". كان المشهد بالنسبة لها جميلاً، تجتمع فيه المناطق التي قُطِعت عن بعضها بفعل الحرب، حول قضية البذار والزراعة.
أرادت رنا نقل روح التعاون هذه والتجربة إلى السلمية، فنظّمت بالتعاون مع أنصار ومزارعات من إدلب جلسة حوارية انتهت بعرض فيلم لمبادرة "بذورنا جذورنا". قدّمت خلال الجلسة مزارعات من سراقب خبراتهن في التقليم والتطعيم وزراعة الورد، وكيفية تقطير الزيوت العطرية من النباتات المحلية. ثم جاءت فائقة، التي تسميها رنا ضاحكة "ملكة البذور"، وهي امرأة من سراقب تعمل مع مبادرة "بذورنا جذورنا" وتقيم اليوم في لبنان، لمشاركة معرفتها في انتقاء البذور " كانت بارعة في تمييز الأصناف واختيار الأفضل بينها، وقدّمت تدريباً ترك أثراً كبيراً في الحاضرات".
تحوّلت رحلة رنا من استكشاف إلى شبكة من العلاقات الزراعية والإنسانية، شبكة تؤمن بأنّ المعرفة تُزرع مثل البذور، وأن الاعتراف بقيمة خبرات النساء يحتفل بقدرة المزارعات على مشاركة المعرفة عبر المناطق، رغم كلّ ما فُرِض عليهن من عزلة خلال سنوات الحرب.
السيادة الغذائية بين الرأسمالية وسياسات الحكومات و"العقلية السائدة"
المشترك بين كلّ هذه المبادرات والأصوات هو الوصول لموارد غذائية صحية بعيداً عن الاستغلال والرضوخ تحت رحمة المساعدات الإنسانية أو السلاسل الغذائية. بكرم معرفي قدّمت أنصار الفرق بين ممارستين كثيراً ما يتم الخلط بينهما في السياق السوري هما الأمن الغذائي والسيادة الغذائية.
برأيها الأمن الغذائي يكتفي بالسؤال: هل يوجد غذاء؟ وما هي حاجة الإنسان لسعرات حرارية يومياً، بينما السيادة الغذائية تذهب أبعد بكثير لتسأل: من يملك الأرض؟ من يتحكّم بالبذور؟ ومن يقرّر شكل الغذاء ونوعيته؟
السيادة الغذائية تبدأ من البذرة، وهذا ما يجعل كلّاً من أنصار وعلي يؤكّدان خلال حديثهما على ضرورة حماية حقيقية للبذور الأصيلة، خاصّة مع مراقبة ما يجري في دول الجوار لتمرير قوانين تمنع تداول هذه البذور لصالح الشركات الكبرى.
يقول علي "بالنهاية موضوع السيادة الغذائية من أخطر المواضيع على سوريا بالأيام الجاية، يعني نحنا هلأ شايفين شو عم بيصير بلبنان من ضغط ليصدروا قانون لتنظيم تجارة البذور والشتول. فعلياً، هذا القانون يعني على أرض الواقع منع البذور الأصيلة والسماح بس بالبذور اللي بتبيعها شركات كبيرة هي الوحيدة المسموح فيها بالسوق".
لكاسترو رأي آخر؛ يرى أنّ العقلية الموجودة في الاعتماد على البذور الهجينة ذات الإنتاجية العالية هي السبب، بالإضافة إلى صعوبة إقناع الفلاحين بالزراعة العضوية البيئية، أي "التوقف عن قتل المواطنين الآخرين بالسموم الزراعية". ويرى أنّه من الضروري تغيير الأساليب التي كانت مُتبعة، خاصة تلك التي أقرّتها الحكومات السابقة، والتي ساهمت تراكمياً "بجريمة التغير المناخي والعيش اللاصحي والزراعة اللاإنسانية في سوريا". من السهل إلقاء اللوم على الأفراد، ولكن في قضية البذار تكمن المعضلة في مكان آخر، ذي سلطة وتاريخ من الممارسات غير المُراعية لسلامة الأرض أو الاستدامة، وهو المؤسسة العامة للحبوب، التي يُفترض أن تكون الحاضن الأوّل للبذور الأصيلة، والتي تستورد بشكل كبير البذور المُعالجة بالمواد الكيماوية. هذه السياسات ليست بجديدة ولا تكتفي بإبعاد البذور الأصيلة عن الحقول السورية، بل تفرض واقعاً جديداً يهدّد صحة الإنسان والأرض معاً.
في إحدى نقاشات مجموعة واتسآب الخاصة بالبذور، يذكر علي، أنّ البعض دافعوا عن بيع هذه البذور الهجينة، ووجّهوا حديثهم له قائلين "انت مشكلتك مو معنا. نحنا مو مشكلتك، مشكلتك مع المؤسسة العامة يلي نحنا بنشتري منها، وهي يلي عم تبيع قمح معدّل جينياً وقمح معالج بمواد كيماوية وفطريات".
الأمل في الإرث الزراعي المحلي
رغم تعقيد المشهد وتضارب المصالح والأصوات، لا تزال اليوم في سوريا شريحة متنامية من الفلاحين باتت تدرك أنّ التغيير أصبح ضرورة حتمية، وأصبحت هذه الفئة أكثر استعداداً لاستكشاف أنماط زراعية بديلة عن الطرق التقليدية بحسب أنصار، التي توضّح أنّ الوصول إلى البذور التراثية والمفتوحة التلقيح (التحسين الوراثي) لا يزال أمراً بالغ الصعوبة، إلا أنّ هذه البذور أثبتت قدرتها على الصمود أمام الظروف المناخية القاسية، وتضيف "هذه البذور ليست متوفّرة عبر القنوات الرسمية أو الحكومية، بل يتم تبادلها فقط من خلال شبكات قاعدية يقودها الناشطون والناشطات".
من خلال اللقاءات الاجتماعية اليومية، سواء في الزيارات العائلية أو في المقاهي أو خلال المناسبات المختلفة، يلتقي مزارعو الرقة ببعضهم البعض، وغالباً ما يكون الحديث عن الزراعة هو الموضوع الأبرز في هذه اللقاءات؛ لأنّه يمثّل الهم الأكبر لسكان المنطقة. يتبادل المزارعون المعلومات حول أنواع البذور والأسمدة وطرق الزراعة المُختلفة، ويقدّمون النصائح لبعضهم البعض بهدف تحسين الإنتاج الزراعي. ويمكن القول إنّ هذه المجالس أصبحت تؤدي دوراً تثقيفياً مهمّاً في المجال الزراعي، خاصّة في ظلّ غياب المؤسسات الرسمية التي يُفترض أن تقدّم الإرشاد والدعم للمزارعين. خلق ذلك الحاجة لتعاون غير رسمي بين المزارعين في محافظات الرقة والحسكة ودير الزور، فهناك ما يشبه لوبي زراعي غير رسمي يتواصل فيه المزارعون/ات فيما بينهم بهدف الحفاظ على البذور السورية الأصيلة كما روى لي أحمد.
من خلال عملها القاعدي مع مبادرات زراعية متنوعة في سوريا، تشارك أنصار مبادرة تنظيم الفلاحين والفلاحات جهودهم بشكل جماعي في موسم ٢٠٢٥، حيث تمّ إكثار البذور وتبادلها فيما بينهم عبر شبكات غير رسمية. وتقول "هذا العمل الأفقي في مجال البذور يفتح أمامنا آفاقاً جديدة مع مرور الوقت، فمع كلّ موسم، يتزايد رصيد البذور المحلية المُتاحة، مما يمنح الفلاحين فرصاً أكبر للتخلّص من التبعية للنماذج الزراعية الصناعية ذات المدخلات العالية".
تتحدث رنا بحماس عن علاقتها الجديدة بالأرض، وعن شعور الاكتفاء الذي بدأت تبنيه بيديها. تقول "كتير مبسوطة إني عم بزرع خضرة تدخل عبيتي، وطعمتها بتفرق كتير عن خضرة السوق". بالنسبة لها، الفرق ليس في النكهة فقط، بل في سلامتها أيضاً "الخضار بالسوق فيها مواد كيميائية، أمّا اللي بزرعها أنا فطبيعية". هذا النجاح دفعها للتوسّع؛ بدأت تزور المشاتل مع زوجها، تتعلّم وتجرّب، وتقول "هو شجعني… حتى لو قطعة صغيرة أنّه استثمرها، اشتريت الحديد والمشمّع وبلشت أشتغل تعقيل أشجار الزيتون والرمان والتين والعنب". ومع الوقت، اتسعت تجربتها أكثر حين حصلت على بذور أصيلة من سراقب، بذور تقول إنها "تقريباً اختفت من منطقتنا".
وما إن بدأت المشاتل تنبت حتى انهالت عليها الاتصالات "ما بتتخيلي كمية المزارعين اللي عم يسألوا إذا عندي شتل". اليوم، تَعد رنا بأن يكون شتلها جاهزاً نهاية شهر نيسان (2026)، وأنّها مستعدة لتوزيعه مباشرة على الجميع، وهي تؤمن أنّ مشروعها الصغير قادر على خدمة منطقتها.








