اليوم الحادي والعشرون من آذار، الطقس ماطر بشدة في جبال الساحل السوري. تعصف الرياح وتهطل الأمطار معاً في عين البيضا ومشقيتا، قرب بحيرة سد تشرين، بشدة أكبر مع اقتراب المنخفض الجوي من المنطقة. لم تستطع أم رمّاح بسنواتها السبعين الخروج اليوم من منزلها الصغير الواقع جنوب قرية "التربة" (قرب مشقيتا) لجني ما يتوافر من حشائش تنمو في الجوار. اليوم عيد الأم كذلك، سوف تحضر ابنتها سعاد من مشقيتا لزيارتها برفقة حفيديها الصغيرين خلال النهار، حالما يتوقف المطر.
تسبب الطقس الماطر طيلة هذا الشهر بتقليل عدد نزلات أم رمّاح إلى سوق أفاميا في مدينة اللاذقية، لبيع ما تجنيه من الحشائش، وقلل المطر والوحل في الوقت نفسه، رحلات "التسليق" إلى البرية المحيطة بقريتها. "تُسلّق" أم رمّاح كمية وافرة من أنواع متعددة من الحشائش التي تنمو في مناطق وحواكير "المغاريق" و"الدروقيات" و"مريشة التوتة" و"الحمييرة"، وكلها أسماء محلية لأماكن في المنطقة تنبت فيها أنواع الحشائش التي يأكلها البشر منذ آلاف السنين.
ذاكرة الأرض والسيادة الغذائية
تعرف أم رمّاح أنّ "التسليق جاي من سلق الحشائش لأن غالبيتها تسلق في الماء وقليل منها لا يسلق (مثل القرصعنة)". يؤكد هذا الكلام الباحث الراحل ياسين عبد الرحيم مؤلف موسوعة العامية السورية بقوله: الفعل "سلّق" مشتق من النباتات البرية التي تؤكل نيئة أو مطبوخة، ولعلّ الأصل فيه المطبوخ أي المسلوق". ولطالما كانت الحشائش، التي تباع اليوم ببضعة آلاف من الليرات في المشرق العربي، جزءاً من مكوّنات طعام شعوبه مثل الفطر، والكمأة، والثوم، والزعتر والسماق والرشاد والنعناع... كلها عرفها الإنسان قبل أن يزرعها كما تشير الدراسات ـ ومنها كتاب "الطبخ في الحضارات القديمة" لكاسي كوفمان، في الجزء الخاص ببلاد الرافدين.
وفي زمن مضى، كانت أم رمّاح تغني "الدلعونا والسكابا والميجانا" بصوت خفيض وهي تعمل في الحقول والبراري، خلال رحلاتها إلى الطبيعة، التي تخوضها وحيدةً. ترافق طقس "التسليق" غالباً مع الغناء والمواويل، ولربما سمعت أصداء هذه المواويل ضفاف نهر شبيب قرب أوغاريت ومروج دمسرخو حيث النهر الكبير الشمالي. وإلى جانب الهندباء البرية، غطّت هذا الشتاء نباتات الخبيزة و"لسان الثور" و"الحميضة" و"القريصة" و"لبيس القطة" و"الهبولة" و"السلبين" وغيرها مئات الأمتار من المساحات حول بحيرة مشقيتا و"الدروقيات" وعين "المجوية". تعرف أم رماح مكاناً في شمال مشقيتا ينمو فيه الزعتر البري بكثافة، وهي وحدها من تجنيه هناك، وتتحفظ على ذكر الموقع حفاظاً عليه من التخريب، متأمّلةً ألا يقدر أحد على الوصول إليه قبل "أن تبلغ الحشائش وتصير لها بذور للموسم القادم".
من الأفضل القيام بالتسليق باكراً قبل اشتداد أشعة الشمس حيث تكون النباتات ندية في أوج تفتحها ويكون قوامها متماسكاً. تجري هذه العملية وفق تعليمات السيدتين: "حسب نوع النبات، الهندباء البرية تقطع بالسكين على عمق عدة أصابع ويترك بعض الجذور منها، القرصعنة كذلك، الحميضة تقطع دون جذور، الزعتر البري تترك النبتة الأم، لبيس القطة يمكن قلعها من الجذور لأنها نبات منتشر بكثرة، وهكذا".
لهذه الأعشاب والحشائش فوائد كثيرة عرفها الناس قبل الأطباء، وأطلق بعضهم على نبات "لسان الثور" وهو نفسه نبات "بل غصون" لقب "دهن الأرض"، ويرجع أصل هذه التسمية ربما إلى الكنعانيين، سكّان المشرق العربي. تؤكل القريصة مع النبيذ أو السمك نيئة، أما الجرجير فُيشتهر بما يعطيه من قوة حسب المثل السوري "لو عرفت النساء قيمة الجرجير لزرعنه تحت السرير". أكثر هذه الحشائش "تُفرم وتُسلق وتُقلّز مع زيت الزيتون والثوم والبصل وبهارات مثل الكمون".
في أوقات هطول المطر الغزير، كما كان الحال هذا الموسم، توقفت أم رمّاح عن التسليق عدّة أيّام، وطبخت في بيتها الهندباء مع زيت الزيتون "الشحيح جداً هذا العام" مضيفةً: "هذا المطر من حظ نسوان المدينة ممّن يعملن بالتسليق في المناطق القريبة من السوق، حيث يمكنهنّ الاستفراد بالسوق، مع ذلك تبقى بضاعتنا أطيب لأنها بنت الطبيعة ونظيفة". تشير أم رمّاح إلى وجود أماكن قريبة من المدينة تقصدها النساء ممّن يعملن بالتسليق حتى خلال هطول المطر الخفيف. أحياناً تمارس نساء من مختلف ضواحي المدينة التسليق في المساحات الخضراء الصغيرة بين الطرقات العامة، مثل أوتوستراد الثورة في اللاذقية، حيث يمكن للحشائش النمو بسهولة.
تروي نوال: "عند وصولنا إلى المدينة الرياضية نقوم بشكل طوعي بتوزيع المساحات بيننا دون مشاكل"، وتضيف: "الرزق من الله. نحن نتعاون كي لا تعود أية سيدة خائبة من بحثها في هذه المساحات. من تجمع كمية قليلة مثلاً من الحميضة تعطيها لسيدة جمعت كمية أكبر من الحميضة. هكذا كل واحدة منها تعود بنوع أو نوعين من الحشائش بكمية وفيرة يمكنها أن تبيعها، وإذا لم تكن ترغب بذلك، بوسع سيدة أخرى بيعها ووإعطاؤها ثمنها في وقت لاحق من النهار".
أقرب أماكن التسليق إلى المدينة وأوسعها مساحةً هي المدينة الرياضية شمال اللاذقية، ومع هدوء المطر تنساب "زرافات" من نساء المنطقة ورجالها للتسليق في الحدائق والمساحات الخضراء. تتحدث نوال أحمد (ستون عاماً) من "دمسرخو" (قرب المدينة) لسوريا ما انحكت قائلةً: "آتي من بيتي مشياً على الأقدام صباحاً إلى المدينة الرياضية مع نساء من المنطقة حيث توجد مساحات واسعة مليئة بالحشائش القابلة للأكل نيئةً أو مطبوخةً، هذا العام بسبب غزارة المطر هناك كميات كبيرة من كل شيء منها".
نوال واحدة ممن تقاعدنَ من وظيفتهنّ الحكومية بصفة مستخدمة في إحدى مدارس المنطقة، لديها زوج وابنان وزوجاتهم وأحفاد، يحتاجون إلى مزيد من النفقات خاصة مع فصل كنتها من وظيفتها في مديرية الصحة قبل أسابيع. لم تتردد نوال في الدخول إلى عالم "التسليق" بمساعدة من جارتها الخبيرة، علماً أن غالبية نساء الريف لديهنّ خبرة أوليّة في هذا الكار.
تروي نوال: "عند وصولنا إلى المدينة الرياضية نقوم بشكل طوعي بتوزيع المساحات بيننا دون مشاكل"، وتضيف: "الرزق من الله. نحن نتعاون كي لا تعود أية سيدة خائبة من بحثها في هذه المساحات. من تجمع كمية قليلة مثلاً من الحميضة تعطيها لسيدة جمعت كمية أكبر من الحميضة. هكذا كل واحدة منها تعود بنوع أو نوعين من الحشائش بكمية وفيرة يمكنها أن تبيعها، وإذا لم تكن ترغب بذلك، بوسع سيدة أخرى بيعها ووإعطاؤها ثمنها في وقت لاحق من النهار".
تتفق نوال مع أم رمّاح على أنّ "المشكلة مع هذه النباتات أنها سريعة الذبول ولا يمكن الاحتفاظ بها حيث يفضل الزبائن شراءها طازجة خضراء طرية، وغالبيتها كذلك غير قابلة للتجفيف، فإما أن تستهلك في نفس اليوم أو تترك في الأرض حيث ينتظرها شخص آخر لقطفها".
تُميّز أم رمّاح بين "خبراء التسليق" و"الطارئين على المهنة وهم كُثر". تقول: "التسليق يقتضي المحافظة على النبات كي يعود للإنبات الموسم القادم وإلا سيختفي من المنطقة". وتمضي في حديثها بالقول: "على سبيل المثال، عند قطف نبات الزوفا يجب ترك النبتة الأم دون اقتلاع مع بعض العيدان منها كي تعاود النمو من جديد في العام المقبل. ينطبق هذا على القرصعنة التي يجب أن تُترك صغيراتها في البرية كي تصل مرحلة تكوّن البذور والانتشار في الهواء. كثير من الطارئين على (التسليق) يقومون بقلع النباتات من جذورها للأسف".
أينقذنا المطر؟ .. حوكمة السياسات الزراعية في سوريا
06 آذار 2026
غالبية "الطارئين" على المهنة كما تسميهم، هم من العاطلين والعاطلات عن العمل حديثاً مثل موظفي وموظفات الدولة المفصولين من وظائفهنّ أو الشباب ممن كانوا في سلك الشرطة أو الأمن السابقين. هؤلاء، وفق أم رمّاح: "ما بيعرفوا الخمسة من الطمسة. ما خلّوا شجرة غار تسلم من شرهم. وما رح يخلو (شرش زوفا ولا زعتر). تشير وهي غاضبة إلى أنّ الأسوأ "ما بيردو عليك إذا نبهتهم وعلّمتهم".
تحاول نقل المعرفة للأجيال الجديدة. يعترف ابن جيرانها أنّ أم رمّاح خبيرة في الحشائش وطرق التسليق ولكنه يبرّر الممارسات غير الصحيحة "بالجوع الذي دفع الناس لبيع الأخضر واليابس حمايةً لهم ولأطفالهم". هناك آلاف من العائلات التي لا تجد ما تأكله إلا الحشائش التي تقطفها من الأراضي والوديان.
بدأ ابن الجيران أحمد، وهو شاب في الخامسة والعشرين من عمره، مرافقة خالته أم رمّاح في رحلات التسليق بعد سقوط نظام الأسد وفصله من الكلية الحربية، بعد أن قضى فيها ثلاث سنوات ونيّف، حيث كان متطوعاً في الجيش ليكون ضابطاً حربياً. يعترف أحمد أنه لم يجد مهنةً، بعد مضي عام ونصف على السقوط، فهو بلا خبرة في أي من مجالات العمل.
"بعد مقتل عدد من الأشخاص أثناء سعيهم لجمع أوراق الغار في جبلة العام الماضي صرنا نخاف من الذهاب إلى البرية واستعمال الطرقات العامة. لا يوجد ضمان لعودتك حياً، أنت وحظك". وقعت الجريمة شمال جبلة، وكان الضحايا شابين يجمعان أوراق الغار لبيعها حين تعرضا لإطلاق نار مقصود، ولم تُحدد هوية الفاعلين. تكررت حوادث مماثلة في مناطق متفرقة من ريف اللاذقية، مما جعل جامعي الحشائش يتجنبون الأماكن المكشوفة والطرقات العامة.
كشأن آخرين، يرسل أحمد إنتاجه من الحشائش مع خالته. "حتى اليوم ليس لدي هوية مدنية أستطيع التنقل بها لذلك أختصر على نفسي المشاكل. منذ عام ونصف لم أزر اللاذقية"، يقول.
في مناطق أخرى من سوريا، تصل المخاطر إلى حد حدوث مجازر، كما حدث في موسم العام الماضي قرب حماة، إلا أن الخطر في الساحل يبقى الأكبر، مع احتمال التعرض لرصاص مجهولين، بالإضافة إلى المنافسة.
كثرة العاطلين عن العمل في الجبال، من الشباب تحديداً، دفعت كثيراً منهم إلى الذهاب للتسليق في هذا الموسم، على أمل تحقيق بعض الدخل الكافي على الأقل، يعينهم على الأكل والشرب. يقول أحمد: "هناك موظفون وموظفات وجدوا الأرض ساحة واسعة لجني بعض المال من التسليق ولذلك هناك كميات كثيرة من الحشائش المعروضة للبيع، مما قد يتسبب في تخفيض الأسعار".
لا تهتم أم رمّاح بالأسعار مؤمنةّ أن هذا الرزق من الله، ولكنها ترى أنّ ما يفعله "هذا الجيل قد يؤدي إلى ندرة الحشائش مستقبلاً". في مناطق ريف بانياس يقوم كثير من منعدمي الخبرة باقتلاع نبات "الأوركيدا" السحلبية (برية المنشأ) التي يصنع منها السحلب الطبيعي متسببين بندرة انتشار هذا النبات المهدد بالانقراض أصلاً. وصل سعر كيلو هذا النوع إلى أكثر من خمسين ألف ليرة (خمسة دولارات).
وفقاً لأم رمّاح، عادةً يتم جمع الحشائش و"تبويقها"، أي ربطها مع بعض على شكل باقات، لتباع كل منها بحجم محدد في السوق: "الخبيزة ولسان الثور تباع بالكيلو، أما القرصعنة والهليون والجرجير والسلبين والحميضة بالباقة".
يعترف ابن جيرانها أنّ أم رمّاح خبيرة في الحشائش وطرق التسليق ولكنه يبرّر الممارسات غير الصحيحة "بالجوع الذي دفع الناس لبيع الأخضر واليابس حمايةً لهم ولأطفالهم". هناك آلاف من العائلات التي لا تجد ما تأكله إلا الحشائش التي تقطفها من الأراضي والوديان.
يشتري الزبائن كميات كبيرة من هذه الحشائش بهدف صناعة "الفطائر" النباتية، الشهيرة في المطبخ السوري بتنوعها وغناها وطعمها المتميز. تشتريها أحياناً المطاعم، خاصة مطلع موسم الربيع، حيث يبدأ العامة بارتيادها أكثر. تقول لنا "ملك" وهي صاحبة محل لبيع الفطائر في منطقة رأس شمرا قرب اللاذقية أنّ أحد أكثر الفطائر طلباً في هذه الأيام عندها هو فطائر "لبيس القطة" التي تُفرم وتُسلق ويضاف لها بصل وفليفلة وزيت وملح وحبة بركة أحياناً ثم تُمد على العجين وتُشوى في التنور مدة خمس دقائق وتقدم ساخنة. "بتشهّي" تقول، مشيرة إلى أنّ مدة حياة هذا النوع قصيرة لا تتجاوز الشهرين قبل أن تزهر وتصبح غير قابلة للأكل، لذلك "نقوم بزراعة السلق والهندباء الجوّية ونضيف نفس المنكهات السابقة لكن طعم لبيس القطة الحامض يبقى الأكثر طلباً من الزبائن".
هناك عدة مواقع لبيع الحشائش في اللاذقية، أشهرها سوق أفاميا وسوق الخضار وسوق قنينص والمشاحير وشارع الجمهورية وساحة الحمّام، عدا البسطات على دوار اليمن أو في الأحياء الشعبية. تختص هذه الأسواق ببيع الخضار والفواكه والأسماك على العربات والبسطات، إضافة إلى الأعشاب الواردة من الجبال أو السهول المحيطة بالمدينة شمالاً وجنوباً. في عموم سوريا هناك أسواق متعددة لهذه النباتات التي تختلف أنواعها بين منطقة وأخرى. في اللاذقية على سبيل المثال لا تقوم النساء ولا جامعو الحشائش بقطف اللوف (نبات سام) وطبخه، في حين يباع في أسواق بانياس وطرطوس. في مناطق البادية يجمع الأهالي الكمأة وفي الجنوب هناك الجرجير البري.
تنتقي نوال وأم رمّاح ومعهما ما يقرب من عشرين إلى ثلاثين امرأة، وعدد قليل من الرجال والشباب، مكاناً على رصيف شارع غير طويل - أقل من مئتي متر - في سوق أفاميا لبيع ما يقمن بجمعه من حشائش خلال فصول توافرها في الطبيعة. تداوم أم رمّاح هنا منذ ما لا يقل عن عشرين عاماً وبات لديها زبائنها وزبوناتها "أصحاب التواصي ممن يطلبون الجودة قبل أي شيء آخر".
الوقت عامل حاسم في دورة اقتصاد هذه النباتات. تقول أم رماح إنها تنظّم وقت الجني عادةً صباحاً وتنقله فوراً إلى السوق في المدينة، هي أو غيرها من المؤتمنات على هذه البضاعة الثمينة. وتمضي في سرد المزيد من التفاصيل: "كلما بكرنا في إيصال البضاعة (النباتات) إلى السوق الذي نبيع فيه كلما حصلنا على أسعار أفضل".
صناعة النبيذ السورية: مقاومةٌ مخبّأة في الجرار
30 كانون الأول 2025
ليس هناك من معيار ثابت للتسعير. ولا توجد جهة رسمية أو غير رسمية تسعّر. تقول نوال إنّ سعر باقة "الحميضة" يتراوح بين ألفين إلى ثلاثة آلاف ليرة سورية (ربع دولار) وعادة تباع أربع باقات مثلاً بعشرة آلاف (دولار واحد). من النادر ظهور"منافسة" في الأسعار، تسترشد النساء عادةً بكبيرات السن في السوق بالتسعير. بعد الظهر مع خفّة حركة السوق والشراء تنخفض الأسعار "لا تعود واحدة منا مع بضاعتها غير المباعة إلا إذا كان بوسعها العودة بها في اليوم التالي إلى السوق مرة ثانية". قبل خمس سنوات، كان سعر كيلو الخبيزة لا يتجاوز خمسمئة ليرة (5 سنت أميركي). اليوم، وبعد انهيار العملة وتضاعف الأسعار عدة مرات، لا يزال سعرها متواضعاً مقارنة بالخضار، لكنه ارتفع بما يكفي ليجذب مئات العاطلين عن العمل إلى الموسم.
شهدت الأسعار تغيراً ملحوظاً هذا العام، متجهةً نحو الانخفاض بسبب كثرة العرض والإنتاج وحتى زيادة أعداد العاملين والعاملات، ولكن "السوق استوعب هذه الزيادات في أسعار الحشائش بحكم ارتفاع سعرها البسيط مقابل ارتفاع أسعار الخضار واللحوم" كما يقول تاجر خضار قديم في سوق أفاميا. يضيف التاجر، الذي فضل عدم ذكر اسمه: "قبل سنتين، كنت أشتري الحشائش من ثلاث أو أربع نساء معروفات بالخبرة. اليوم، يأتيني عشرات الشباب والشابات، لا أعرف معظمهم. بعضهم لا يعرف كيف يفرز الحشائش، لكن السعر أرخص. أشتري منهم وأبيع بالجملة، لكن الجودة تراجعت".
مع غروب شمس يوم عيد الأم لم يتوقف المطر في نواحي مشقيتا وجوارها. خرجت أمّ رمّاح مرات عديدة إلى عتبة منزلها تراقب الجو على أمل الصحو دون فائدة. وصلت ابنتها وحفيداها وتناول الجميع وجبة الغداء من فطائر الهندباء والسلق والمحمّرات، صنعتاها معاً وخبزتاها على الصاج قرب "الحاكورة" القريبة المحمية من المطر. سألت سعاد أمها عن نباتات الزعتر في مكانها السري. ابتسمت أم رماح: "ما زال موجوداً. لكني أخاف أن يكتشفه أحدهم قبل أن يبلغ". قدمت الأم لابنتها كيساً من الحشائش الإضافية: "خبيزة وقرصعنة، لا تتركيها لأكثر من يومين". ثم أضافت بصوت خافت: "غداً إن صحا الجو، سأذهب باكراً. لا أعرف كم سنة أخرى سيبقى هذا الموسم على ما هو عليه".







