مع النساء في اتجاه واحد فقط

عن ترك النساء السوريات عائلاتهن، وإجبارهن على العودة


14 أيار 2026

ملك الشنواني

كاتبة وباحثة وصانعة أفلام، مهتمة بقضايا التهميش والحريات في سوريا.

فتح تسليط الضوء الإعلامي على قضية بتول علوش باب النقاش حول حرية المرأة في اعتناق معتقدها الديني وطريقة حياتها، رغم أن نظرة متأنية إلى واقع النساء السوريات تظهر أنه غالباً ما يكون بعيداً كل البعد عن ترف طرح مثل هذا النقاش، فهن بالعموم ممنوعات من التصرف في حياتهن باستقلالية تامة، ما لم تتماشَ خياراتهن مع عائلاتهن ومجتمعاتهن المحيطة.

كان استقلال الفتيات في السكن قبل الحرب السورية أمراً مستغرباً، ما لم يكنَّ مسافرات للعمل في محافظات أخرى، وتعود خياراتهن في الارتباط، غير المرغوب فيه من الأهل، عليهن بنتائج تتراوح بين المقاطعة والقتل، بينما يُحبسن ويُضربن من الآباء والأمهات والإخوة والأزواج إن لم ينصعن للإطار الاجتماعي المختار لهن. ساهم النزوح والتهجير وفقدان أفراد العائلة خلال سنين الحرب في تحرير النساء جزئياً من هذه القيود، لكن الضغوط التي تعاني منها الإناث لا تزال على أشدها في المناطق التي لم تتضرر بشكل كبير، وبعد انتهاء الأعمال العسكرية على الجبهات. وقد زاد بعضها إثر سقوط النظام السابق، ما يطرح سؤالاً عريضاً: أحقاً نناقش حرية النساء الشخصية؟ أم ندافع عن قيم تناسب مواقفنا السياسية فقط؟

سوريا - ألمانيا والتغيب عن المنزل

"تواصلت معي سمر (اسم مستعار) لأستضيفها في منزلي إلى حين تمكنها من استصدار جواز سفر يخرجها من البلاد، كان صديقي في ألمانيا قد طلب مني تقديم المساعدة لها وإيوائها لعدة أيام، إذ تريد الرجوع إلى ألمانيا بعد أن عادت بها عائلتها إلى سوريا العام الماضي. كان السبب الرئيسي لعودة العائلة الدمشقية الأصل هو الحفاظ على بناتها من الحرية المفرطة وحماية الدولة هناك، وكانت سمر مصدر خوفهم الكبير لأنها تحب شاباً لا يريدون تزويجها له".

تذكر ريما (اسم مستعار) الناشطة والصحفية ذات الأربعين عاماً، أن الخوف انتابها من إيواء فتاة هاربة، فرغم أنها نسوية تدعم الفتيات حولها لاتخاذ قراراتهن بأكبر قدر من الحرية، إلا أنها معتقلة سابقة، شهدت خلال فترات سجنها المختلفة تواجد فتيات هاربات من عائلاتهن وأزواجهن في السجن، كان جرمهن (التغيب عن المنزل) كفيلاً بإلقاء القبض عليهن وإعادتهن للمبلِّغ أباً كان أو أخاً وزوجاً. كانت ريما وصديقاتها يسخرن من السبب الذي يتسبب بسجنهن حينها، لكن معرفتها بأن النساء معرضات للضبط والإحضار في حال تركهن منزل العائلة، دفعها لسؤال محامٍ عن أي تبعات قانونية لإيوائها فتاة هاربة، وهو ما أكد شكوكها؛ قد تتهم بالاتجار بالبشر.

رغم هذا، فضلت ريما دعم الفتاة الهاربة لتختار مصيرها بحرية، واستضافت سمر متّبعة احتياطات اعتادت معظمها منذ أيام التخفي عن مخابرات النظام السابق؛ هاتف ورقم جديدان، تواصل قليل مع المحيط، وتسريع في إجراءات استصدار الجواز قبل أي تحرك قانوني من قبل الأهل. خلال أيام اضطرت سمر إلى الاستغناء عن فكرة عبور الحدود بشكل قانوني وسارعت إلى لبنان عبر طرق التهريب لأن أهلها بلغوا عن اختفائها، ما يجعلها عرضة للاعتقال لدى أي نقطة تتبع لوزارة الداخلية. في لبنان ستساعدها منظمة تختص بالحماية، في السفر إلى ألمانيا، يفضلون الناشطون العاملون فيها عدم الحديث علناً عن عملهم لحماية المستفيدات الحاليات والمحتملات.

أعادت عائلة ندى (اسم مستعار) إياها إلى سوريا رفقة أخيها قبل أن تبلغ الثامنة عشرة، وكانت عائلتها المنحدرة من المنطقة الشرقية قد قررت تزويجها لأحد الأقارب. كانت ندى شبه سجينة في بيت عائلتها، تُضرب من قبل أخيها عند كل خلاف وتُمنع من الخروج من المنزل لأكثر من عشر دقائق، وقد فرض عليها وضع الحجاب وارتداء فساتين وتنانير طويلة فقط. بعد بلوغها السن القانوني، تواصلت ندى مع المنظمة المشار إليها أعلاه، للاحتفاظ بإقامتها والعودة إلى ألمانيا، إذ تفقد الإقامة بعد ستة أشهر من الغياب خارجها. تركت ندى منزل العائلة وبقيت مدة أسبوعين لدى صديقة قديمة قبل أن تستطيع تأمين المبلغ اللازم لاستصدار جواز سفر، لتحتجزها السلطات لدى ذهابها إلى مركز الهجرة والجوازات وتعيدها لأخيها الذي سيذيقها الإهانات والشتائم والضرب، حتى قدوم والدها من ألمانيا كي "يتصرف معها". في آخر رسالة من ندى للمنظمة عبر الواتساب قالت: "لا تتواصلوا معي، سأمسح الرسائل، حاولوا منع أبي من القدوم".

العرف يعيدهن

قليلة هي الطرق الممكنة محلياً لحماية النساء، تحديداً الفارات منهن من العنف المنزلي، لتبدو محاولات ندى وسمر للهروب رغم امتلائها بالمخاطر، حلماً لا تناله كثيرات. حسب المحامي حسين عيسى المختص بحقوق الإنسان: "قانونياً، لا شيء يمنع الفتيات فوق الثامنة عشرة من الاستقلال عن عائلاتهن والعيش بعيداً عنها، لكن في حال تركت الفتاة منزل الأسرة، وبلغ الأهل عن اختفائها، تصدر بحقها مذكرة بحث وتعاد إلى عائلتها عند إيجادها. يبلغ الأهالي أيضاً عن المختفين من الذكور لكن عند إيجادهم، تترك لهم حرية عدم العودة إلى منزل العائلة بعكس الإناث اللواتي تتم إعادتهن حسب العرف". في الواقع وحسب ما تذكر ريما "يتم القبض على الفتيات وإيداعهن في السجن والتحقيق معهن، على نحو يتهمهن ضمناً بالانحلال الأخلاقي، ومن ثم يعدن إلى عائلات تتولى حبسهن بشكل مختلف".

"حرقوا قلبي": عن أمهات سوريات غيّب الإعلام أحزانهن

23 تموز 2025
تظهر الأم السورية المفجوعة بفقدان أبنائها في وسائل الإعلام، باعتبارها قوية، جبارة، صامدة، صابرة...، أمٌّ لا يُحتفى بألمها بل بـ "دورها التعبوي"، لتُختزل إلى تمثالٍ صامت في مسرحٍ وطني، تتكلّم...

لا تبدو الآليات المتبعة من قوات الأمن سابقاً وحالياً بعد سقوط النظام، عند ترك الفتيات منزل العائلة دون موافقة الأهل  قانونية، بقدر ما تتحكم بها منظومة من التقاليد التي ترى في الحرية التي يحصلن عليها باستقلالهن تهديداً لسلطة الأسرة، وفي حين لا تطبق نفس الآليات على الذكور، فإنها تعكس خوفاً من ممارسة الفتيات للجنس وارتباطهن بذكور لا تقبل العائلة بهم لاختلافات مناطقية، طبقية أو دينية. تُكبّل قواعد عمل الضابطة العدلية والنيابة العامة المسؤولة عن بلاغات الفقدان ومتابعتها، كثيراً من النساء، ولا تترك لهن فسحة للانفصال عن العائلة إلا في أحوال التعرض لعنف شديد، وإثبات ذلك من خلال شكوى وتقرير طبيب شرعي يحلن بعده إلى مأوى خاص في حال لم يكنَّ قادرات على الاستقلال بأنفسهن.

قليلة هي المؤسسات التي تقدم المأوى للنساء، كخدمة هاتف الثقة المرتبطة بمأوى الراعي الصالح، لكن نادراً ما تعلم السيدات الأحوج لها بوجودها، ولا يتجرأن دوماً على قصدها. وحتى بين النساء الناشطات النسويات، يتم تبادل المعلومات بشح شديد حول ما يمكن تقديمه للنساء الهاربات من عنف زوج أو أب أو حتى أخ.

تذكر ريما كيف يتكرر السؤال عن كيفية مساعدة الفتيات ممن يحتجن للإيواء في مجموعات الناشطات النسويات وتلك المهتمة بحقوق الإنسان والعمل المدني، ويكون الرد المعتاد هو مشاركة رقم هاتف الثقة وحساب التواصل الاجتماعي الخاص بها: "لا نعلم بالضبط ما يمكن تقديمه للمعرضات للتعنيف، وغالباً ما يتوجب عليهن البحث عن سبل تأمين حياتهن بصعوبة وعبر المساعدات شخصية، والتعامل مع تحديات قانونية معقدة تتعلق بأزواج لا يقبلون بالطلاق أو تقديم النفقة، دون توفر حماية قانونية لهن من عائلاتهن". في ضاحية قدسيا يقع مأوى حكومي لحماية النساء، لكنه يشبه السجن ببنائه وشبابيكه المسورة، وتقيد حركة الدخول والخروج إليه خوفاً على الموجودات داخله من انتقام عائلاتهن، ما يجعله احتمالاً مستبعداً بالنسبة لكثيرات، تحديداً ممن لا يتعرضن للضرب والإهانات بشكل متكرر.

خلال سنوات الحرب، افتتحت مراكز إيواء في المدارس للنازحات والنازحين من مناطق مشتعلة، إلا أن المناطق التي لم تشهد نزاعات ساخنة لا تزال بمعظمها رافضة لدعم خيارات الإناث التي لا تندرج ضمن قيم العائلة، وتتركهن دون أي حماية، حال عدم التزامهن بها. في بعض الحالات قد يطردن لشبهة مخالفة الأعراف أو حتى التوجهات الدينية أو السياسية، دون أن يجدن أي سبل تحميهن من الاستغلال.

هل مازلنا نُقدّم صورة حالمة عن المرجلة؟

13 آذار 2025
عقود من الحكم السلطوي وأربعة عشر عامًا من الحرب كرّست الهويات العسكرية، مما يشكّل عائقًا أمام بناء مواطنة شاملة حقيقية وإعادة تصوّر الانتماء الوطني، كما تكتب الدكتورة رهف الدغلي. في...

في وادي بردى، تأوي المعتقلة السابقة صباح عدداً من رفيقات الاعتقال، ممن رفض الأهل استقبالهن بعد خروجهن من السجن. "تصل الأخبار لبعض الأهالي أن بناتهن انخرطن بعلاقات عاطفية أو تعاونّ مع قوات النظام السابق خلال التحقيق، ومعظمها أخبار كاذبة، لكنها كفيلة برفض عودة الفتيات لقراهن أو الالتحاق بالعائلة حيث يستقر بها المقام بعد التهجير، ما يجبر النساء على الزواج بأي شخص أو التكافل مع معتقلات سابقات أخريات وتشارك السكن والحياة". كثيرات انتهى بهن المقام في منزل صباح التقليدي الواسع وشبه المهدم، غالباً بعد زواج قصير ومع أطفال، ريثما يتيسر لهن الانتقال إلى أمكنة أخرى، ملفوظات من المجتمع والقانون معاً ومتروكات لمصير غائم الاتجاه.

تفضل الفتيات الشابات البحث عن فرص للسفر، عندما يرغبن في الاستقلال عن أهلهن دون رغبتهن، فوجودهن داخل البلاد مهدد بتقديم الأهل بلاغاً عن تغيبهن ينتهي بإحضارهن إلى المنزل ومعاقبتهن طويلاً إثر ذلك، أو تزويجهن رغماً عنهن. يتناقض هذا بشكل صارخ مع قضايا الاشتباه بالخطف التي تعيشها اليوم المجتمعات العلوية، حيث يظهر فيها التباين الفاقع بين الدفاع عن الحرية الشخصية للنساء في اختيار شركائهن ومعتقداتهن ولباسهن، والموقف الاجتماعي والقانوني من الأفعال نفسها إن صدرت من منتميات لطوائف أخرى، وبالذات المنتميات للطائفة السنية.

يبدو النقاش حول قصة الشابة ميرا وزواجها من حبيبها سابقاً بالإضافة إلى قصة الشابة بتول حديثاً مثالاً غريباً للدفاع عن حرية النساء بينما يتم قمعهن لممارسة الأفعال نفسها بالاتجاه الآخر.

مقالات متعلقة

بعيدا عن عيون داعش.. التعليم سرًّا

16 تموز 2025
أحضرنا سبورة وأقلامًا، وبدأنا تعليم الأطفال خفية. لكن شيئًا فشيئًا، ازداد عدد الطلاب، فانتبه إلينا بعض عناصر داعش. جاءوا إلى منزلي، وطلبوا مني الحضور إلى أحد مقرّاتهم الخاصة.
ديما موسى: بعد سقوط النظام... أريد أن أظلّ ناشطةً سياسية

06 حزيران 2025
"المشاركة في النشاط المدني، الاقتصادي، والثقافي هو جزءٌ من السياسة، لأنّ السياسة ليست مجرّد انتخاباتٍ وحكومات، بل هي كلّ ما يؤثّر على حياتنا اليومية… المرحلة القادمة ستكون حاسمة، ويجب على...
بطلات الحياة اليومية في إدلب

29 كانون الثاني 2020
رغم أشهر من القصف شمال غرب سوريا، النساء هناك ما يزلن يمارسن أعمالهن اليومية ببطولة. عن نساء إدلب، والتحديات التي يواجهنها وتصميمهن على الاستمرار، عن صراعهن لأجل الحياة وضد الموت...
من القمع إلى البلطجة الممنهجة المبرّرة في سوريا الجديدة

02 حزيران 2025
"نام أهلي تحت سقف البيت بعد عدّة ليالي من النوم في البراري. كيف يشعرون الآن؟ لا أعلم. كيف لهم أن يشعروا بعد اليوم تحت سماء سوريا؟ لا أستطيع تخيّل ذلك...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد