”البارح العين ما نامت“، راكان مياسي
🌑🌕🌕🌕🌕
بدت باكورة أعمال راكان مياسي، في قسم "نظرة ما"، أنضج من المتوقع؛ عمل مخرج عارف لما يريد، وما ينبغي أن يكون عليه كل كادر في الفيلم. فيلم شاعري، أخاذ بصرياً، يقدم فيه قصة شقيقتين في البيئة البدوية في سهل البقاع.
راكان، مخرج فلسطيني من مواليد ألمانيا، تربى في الأردن، ويعيش بين بروكسل وبيروت، استوحى الفيلم من حكاية جدته التي زُوجت في عمر الرابعة عشرة من عمرها، وبناء على "غداً يأتي الحب"، فيلم قصير صنعه في العام 2020.
فيما يبحث ياسر عن قريبته غمرة، المتهمة بإحراق سيارة رجل تحبه، والهرب إلى سوريا ربما، يدهس رجلاً من عشيرة تقيم في الجوار، ليُتهم بقتله عمداً على خلفية خلافات على الأرض، وتبدأ رحلة عائلته الشاقة للتخلص من معركة ثأر عشائري، قد يُعرف متى تبدأ، لا متى ستنتهي. هنا سيتوجب على الشقيقتين، الممرضة جواهر، وعاملة الحقول ريم، "عرض" أنفسهما للزواج على العشيرة المتضررة، دفعاً لبحر قد يسفك من الدماء. زواج غير قسري، بل اختياري، تمضي إحداهما عبره، إلى منزل تعاستها الأبدي.
هذا فيلم عن دفن صامت لأحلام النساء، رغباتهن في الزواج ممن يحببن، في مجتمع بطريركي، عن تقديمهن كأضحية لإصلاح ما يفسده الرجال. أيضاً، فيلم عن علاقة أختية شديدة المتانة، تتنافس فيها ريم وجواهر على التضحية دفاعاً عن الأخرى، دفاعاً عن شقيقهما ياسر، وعن العائلة، منافسة لا رابح فيها؛ من يتلكأ عن التضحية، يمضي ما تبقى من حياته يعارك عذاب الضمير.
مع ذلك، يصنع المياسي فيلماً بحب عن هذا المجتمع العشائري، لا يبدو عبره، ناقداً جداً ومباشراً في توجيه اللوم إلى الذكور من الشخصيات، على مبدأ: هذا ما عليه الأمر في هذه المساحة الجغرافية. يظهر أيضاً الجانب الفولكلوري، وحياة السكان اليومية البسيطة، وعلاقات الحب القائمة داخل الأسرة، ومحاولات أفراد العائلة الحفاظ على بعضهم بعضاً، والقفز على بعض الأعراف كعدم جواز حمل النساء الموبايل.
لا يغادر التوتر الضاغط الشاشة بعد الحادث المذكور، حتى ونحن نشاهد مشهد رقص مذهلاً في حفل عرس يبدو سريالياً، يُعرض كلقطات بطيئة، مجمعة في المونتاج بطريقة متناغمة لتبدو كقطعة واحدة. يبدو هذا المشهد، الذي اهتزت فيه صالة ديبوسي، في قصر المهرجان، مربكاً، يمنح المشاهد مشاعر فرح مشوبة بالحزن، فيما يراقب أحلام امرأة تنهار ببطء، خاصة عند سماع كلمات الأغنية، التي تبدو كرثاء حب يُدفن، إلى غير رجعة. لا يغلق مياسي الدائرة في فيلمه هذا، ولا يبدو مشغولاً بوضع نهاية لقصة تتكرر كل يوم، بل يجعلنا نفكر أيضاً مع ريم، التي تركض دون هدى، فيما نبحث مثلها عن متنفس فحسب.
يختار المخرج شاشة مربعة لفيلمه، يعرض فيها البيئة الجبلية والحقول على وسعها، قبل أن "يخنق" شخصيات فيلمه فيها. تعلم مياسي، كما يخبرنا ملف الفيلم، على يدي المخرجين عباس كيارستمي، وبيلا تار، ويتجلى تأثره بأسلوبهما، في ميله هنا للقطات طويلة، وتركنا نراقب الشخصيات، نعيش ثقل الموقف، مستخدماً "زووم" بطيئاً، فيما يغير تأطير شخصياته.
لا يقفز المخرج إلى الميلودراما، وينجح في استخراج أداء أصيل، متحفظ، لا يغلب عليه الانفعال - ما يوحي بأن هذه المأساة جزء من عرف اعتادت عليه النساء في هذه المنطقة- من ممثلين/ات غير محترفين/ات، تحديداً أشخاص من عائلة واحدة، عائلة الموالي، لعبوا فيه شخصياتهم الحقيقية، كما يظهر جنريك الفيلم، وتصريحات صحفية للمخرج يشرح فيها كيف وجد العائلة في البقاع وعمل مع أفرادها على أداء شخصياتهم الحقيقية مع بعض التعديلات، بدون سيناريو أو حوارات ثابتة في البداية.
فيلم "المحطة" ، سارة إسحاق
🌑🌑🌗🌕🌕
على نحو فيلم افتتاح برليناله الفائت "لا رجال طيبون" النسوي، للمخرجة الأفغانية، شهربانو سادات، تقدم سارة إسحاق، المخرجة اليمنية الإسكتلندية، المرشحة لأوسكار أفضل فيلم وثائقي قصير " ليس للكرامة جدران "، فيلمها الخيالي الطويل الأول، "المحطة"، في قسم "أسبوع النقاد" الموازي في مهرجان كان، فيلم يبدو مجرد اكتماله معجزة، حينما تخبرنا منتجته ناديا عليوات بأن العمل عليه استغرق عشرة أعوام.
تعلن المخرجة سارة، عن فيلمها، نسوياً، على نحو مباشر إلى حد بعيد، تعالج فيه مواضيع هامة، عالمية، عن التجنيد الإجباري للأطفال خلال النزاعات، حيث تحمل النساء القدر الأكبر من المسؤولية، في جعل الحياة تمضي، فيما يقاتل الرجال على الجبهات.
تخلق سارة وشريكتها في الكتابة، المنتجة ناديا، محطة وقود، مساحة آمنة من وحي الخيال، حيث لا وجود للسلاح أو الرجال أو السياسة فيه، تديرها "ليال"، حيث بوسع النساء نزع نقابهن، والتحدث عن الأزياء والملابس الداخلية والمكياج، فيما أصوات الرصاص والطيران تتناهى إلى الأسماع، مذكرة بالخطر الرابض في الجوار.
بعد بداية خفيفة الظل، لطيفة، سرعان ما يتحول هذا الواقع إلى آخر أكثر ظلمة، عندما نرى كيف أن النساء لسن جميعاً على نفس الصفحة دوماً. تطلب زوجة الشيخ، أم عبدالله، مبلغاً ضخماً من ليال، لغض الطرف عن تخلف شقيقها الطفل ليث، عن الخدمة العسكرية لدى الميليشيات المسيطرة على المنطقة، ليتوجب على ليال، التواصل مع شقيقتها "شمس" المقيمة في منطقة تسيطر عليها ميليشيا مناوئة، طلباً للمساعدة المالية، لتجد شمس، وقد هبطت عليها بشكل مفاجىء، مع طفل ضخم، مرافق، يدعى أحمد، واضعة ليث تحت خطر أكبر.
تسرد كاتبتا النص، قصصاً متوازية هنا عن الصداقة الناشئة بين الولدين ليث وأحمد، اللذين يعبران إلى البلوغ في مجتمع بات ذا طابع عسكري، يُدفع فيه الطفل لأن يكون "رجلاً" قبل أوانه، كذلك، العلاقة المتوترة بين الشقيقتين ليال وشمس، حول كيفية حماية ليث، من تسبب بمقتل شقيقهما الأكبر في وقت سابق، فيما تحوم أزمة وقود خانقة في الأفق.
لكن مهما كان بناء سيناريو الحكاية العائلية، مقنعاً، ومحرضاً على التعاطف مع الشخصيات، ومدى إتقان الكاتبتين في خلق هذا العالم على الورق، يحول تصميم موقع التصوير الرئيسي، محطة الوقود، الذي يبدو مركباً ومصطنعاً، دون أن ننغمس في هذا العالم، وكأنه يذكرنا على الدوام حتى مغادرته الشاشة، في الفصل الأخير من الفيلم، بأننا أمام موقع تصوير، لا عالم حقيقي، بدءاً من الكشك، حتى الأثاث، والعشرات من نعوات الأطفال، ضحايا الحرب، الملصقة بكثافة على الجدران، وليس انتهاء بقطعة القماش التي ينبغي أن نصدق بأن "شمس" قد كتبت عليها بخط واضح "كفن".
في الحقيقة، ومع تفهّم صعوبة الأوضاع في اليمن، واضطرار صانعة الفيلم للتصوير في الأردن، لا ينبض هذا الفيلم بالحياة، إلا في رحلة الهروب الأخيرة، التي نرى فيها الشخصيات تتحرك في بيئة جبلية، وتتبلور "الأختية" على الشاشة، وسيلةً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في مجتمع بطريركي، الصوت الأعلى فيه للسلاح ومن يحمله. تقترح سارة أيضاً، في مشهد رمزي، أن لا بديل لدى النساء في هكذا مجتمع، سوى مد اليد ل"الحجاب" سوية، والتضامن النسوي.
رغم عملها مع طاقم ممثلين/ات غير محترف، تنجح سارة هنا، بالوصول معهم إلى أداء جيد على الشاشة.
🌑🌑🌕🌕🌕
بعد قرابة عقدين من عرض "ماروك"، فيلمها الخيالي الطويل الأول في "نظرة ما"، تعود المخرجة المغربية ليلى المراكشي إلى ذات القسم في كان، بفيلم نسوي هو الآخر، عن الاستغلال المالي والجسدي والجنسي لعاملات مغربيات يبحثن عن حياة أفضل في مزارع قطف الفراولة في هويلفا، جنوب إسبانيا.
بعد أن تزور حسنة (تلعب دورها، الوجه الحاضر باستمرار في كان، نسرين الراضي، التي تمثل أخيراً في "الجميع يحب تودا"، للمخرج نبيل عيوش)، بطلة التايكواندو سابقاً أوراقها، وترافق نساء أخريات، بينهن مريم، إلى إسبانيا، حالِماتٍ بيوم يتقاضين فيه أجراً يصل إلى 35 يورو، تجد نفسها عوضاً عن ذلك، أمام رب عمل لا يتقن لغتها، يدفعها للعمل في ظروف لا إنسانية، تقضي يومها في التقاط الفراولة في بيوت بلاستيكية، وسط حر خانق، ثم لا يدفع لها سوى الفتات، نهاية كل أسبوع، بحجة تلكؤها عن العمل وضعف خبرتها.
أفلام عربية في مهرجان "الفيلم" في برلين.. مرآة لسوريا
30 نيسان 2026
تتمهل المراكشي في فيلمها في عرض ظروف عيش شخصيات فيلمها، اللواتي يتقاسمن غرفاً مسبقة الصنع، في مخيم أشبه بالسجن، والعلاقات التي تنشأ بينهن، قبل أن تأخذنا إلى مشهد يوحي بتعرض مريم، لاعتداء جنسي من أحد مدرائها في العمل، دون أن تقف حسنة، إلى جانبها، مفضلة الاحتفاظ بالعمل وترك زميلتها لمصيرها، في قرار درامي جريء للغاية للمراكشي، يبعث شعوراً بعدم الراحة لدى المشاهد المتماهي مع شخصية حسنة ومحنتها.
هذا الحدث الكبير، يدفع المشاهد إلى توقع اندفاع في الأحداث وتسارع في الرتم، لكن عوضاً عن ذلك، تهبط المراكشي، بالتوتر الكامن بين الشخصيات وإيقاع الفيلم، أكثر مما ينبغي ربما، وكأنها تعود بالشخصيات إلى عالمها الاعتيادي، قبل أن تقلع بها مجدداً، مع العثور على مريم مصابة، ودفع توقف مدراء الشركة عن منح المزيد من العمل، لحسنة، إلى قيادتها تمرداً في الكامب، وإيصال قضية استغلال مريم، إلى مؤسسة حقوقية، تذهب بها في النهاية إلى المحكمة، حيث يتوجب عليهن مواجهة اتهامات باطلة لهن بالعمل في الدعارة طوعاً، والتأكيد على أنهن بشر، أفراد، متعددات الدوافع، والظروف، والشخصيات.
تخاطر المراكشي بتحويل بطلة فيلمها مراراً إلى شخصية غريم "أنتاغونست"، مقترحة ربما بأن البشر، على خلاف السرديات الشائعة، لا يسارعون إلى إغاثة المظلوم/ة، ويضطرون لإجراء موازنة بين: هل علي الدفاع عن زميلة أم الاحتفاظ بعملي والحصول على مال أحتاجه بشدة، في مجتمع بطريركي لا يوفر لي أية حماية؟. وترى أن الناس يقفون في كثير من الأحيان خلال الامتحانات الأخلاقية في المساحات الرمادية، قبل التحرك في النهاية، واتخاذ قرار ذي تبعات فاصلة.
تقدم المخرجة، حكاية استغلال رأسمالي، عبودية حديثة، متعددة الطبقات، لنساء مغربيات في إسبانيا (أمر ينطبق على كل دول الجنوب الأوروبي)، في ظروف غير جديرة بالكرامة، مع تقاعس النقابات وقوى إنفاذ القانون عن حمايتهن، مجادلة بأن الحل يبدأ عند رفض إحداهن الخضوع، في وقت ما من الرحلة، ويكمن ربما في التضامن العمالي (الأختي). أثمرت جهود المراكشي، في خلق بيئة عمل واقعية، جديرة بالتصديق على الشاشة، تحول فيها الفراولة إلى رمز، للسذاجة والنضج، فيما تقدم الممثلة نسرين الراضي، أداءً رئيسياً قوياً آخر.
أفلام قصيرة
كان هذا الفيلم السوري الوحيد، الحاضر في كان، في مسابقة "أسبوع النقد" الموازية، لصانع الأفلام المقيم في ألمانيا.
لا يقدم العبدالله، حكاية بالمعنى التقليدي، بل يلتقط لحظة سقوط نظام الأسد، عبر لقاء شخصيتين: امرأة قد أصيبت بفقدان ذاكرة (تلعب دورها صالحة النصراوي)، وشابة تبحث عن شقيقها المفقود (تلعب دورها ندى العبدالله).
يعتمد العبدالله على اللقطات العريضة التي تؤطر الدمار الهائل في دمشق، ومقبرة تعبرها الشخصيتان. ويخلط الخيالي بالوثائقي في فيلمه، في لقطات تظهر بطلة الفيلم وهي تقف أمام جدارية للديكتاتور حافظ الأسد وهي تُهدم، وأخرى أمام تمثال مدمر لحافظ، وقد تهشم رأسه، بعيد سقوط النظام، حينما صوّر العبدالله فيلمه.
يُحوِّل العبدالله هذا اللقاء العابر إلى شرارة تضامن بين السيدتين المنكسرتين. ونفهم من استخراج بطلة الفيلم، التي فقدت ذاكرتها، أوراقاً ثبوتية جديدة، بأن صانع الفيلم يُقدِّمها رمزاً لسوريا بعيد سقوط النظام؛ بنظرات خاوية، تقف في ذهول، باحثة عن هوية جديدة، وأمان، لن يحدث إن لم تتضامن ابنة الساحل مع ابنة مدينة سورية أخرى، ليس من الضروري أن تعرفها تحديداً.
"لا شيءَ يحدثُ بعدَ غيابِكَ" - إبراهيم عمر
في مسابقة "أسبوعا المخرجين"، الموازية، عُرض هذا الفيلم السوداني، الذي يطرح قضية سينمائية ملحة في بلاد تشهد حرباً أهلية، يغلفها صانع الفيلم، بحكاية خفيفة الظل.
عندما يعود سينيفيلي إلى قريته، التي نسيتها الحرب بين القوات الحكومية وقوات الدعم السريع، أو لا تريد المشاركة فيها، يحاول إحياء المشهد السينمائي فيها بتنظيم عروض سينما لمخرجين يقدرهم عالياً، وينظم بطولة كرة قدم بين فرق تحمل أسماء الفلسطيني إيليا سليمان، والموريتاني عبد الرحمن سيساكو والإيراني عباس كيارستمي والسنغالي عثمان سيمبين، إلا أن للبيروقراطية رأياً آخر.
يستخدم صانع الفيلم إبراهيم ستايل المخرجين المذكورين في صناعة هذا الفيلم، وينجح في انتزاع ضحكة مشوبة بالأسى من الجمهور.
"البحث عن الطير الرمادي ذو الإشارة الخضراء" - سعيد حميش بن العربي
في المسابقة ذاتها، حضر هذا الفيلم المغربي، الطويل نسبياً، 45 دقيقة، في برنامج مخصص للأفلام القصيرة.
يتبع صانع الفيلم، شخصاً غريب الأطوار، يدعى أسامة، "فقد" عقله، خلال الحداد المديد على زوجته المتوفاة، مدعياً بأن بوسعه مساعدة الناس على إيجاد أماكن المياه الجوفية، في حقولهم.
يرافق سعيد حميش بن العربي هنا، أسامة، في رحلة بحثه عن نفسه، المثيرة للاهتمام، ومحاولات استشفائه الغرائبية، وتصالحه مع غياب زوجته، بعد أن ضل الطريق إلى حياته الطبيعية، ويأخذنا إلى عوالم الحضرات الدينية.
يختلط الخيال بالواقع هنا أيضاً، عندما يكشف أسامة أمام الكاميرا، بأنه ليس "مجنوناً"، إلى هذا الحد، وإنما يبالغ في أفعاله، لجعل الفيلم أفضل، مشككاً في جدوى صناعة الفيلم في المقام الأول. أمر قد يتفق معه بعض المشاهدين/ات.






