من "الزرنا" إلى الـ"DJ" .. تحولات الأعراس الكردية في سوريا


حفلة الزفاف كانت تمتد لأيام، وكان المزمار والطبول تحييها حتى الفجر. اليوم تُديرها مكبرات الصوت و"الدي جي"، في تحول لا يتعلق بالموسيقى فقط، لكنه يمتد لطريقة الفرح نفسها، عبر مسافة زمنية بدلت في شكل الأعراس الكردية في شمال شرقي سوريا.

10 حزيران 2026

آريا حاجي

صحافية سورية.

تجلس عين الحياة سليمان وسط صالةٍ كبيرة في مدينة القامشلي، بانتظار وصول العروس؛ ابنتها الصغرى. تبلغ عين الحياة من العمر أكثر من 70 عاماً، ترتدي فستاناً كردياً تقليدياً، عكازها بجوارها، تتنقل بعينيها وسط الحضور؛ صالة كبيرة، الأضواء في كل زاوية منها، طاولات مرتبة للمدعوين، وأهالي العروسين يقفون أمام باب الصالة لاستقبال المدعوين إلى حفلة الزفاف. يتنقل عمال الصالة بين الطاولات، يضعون صحون الضيافة والمياه، النساء ارتدين فساتين سهرة، والرجال ارتدوا أطقم رسمية، وخُصصت في الصالة زاوية كبيرة مزينة بالورود والشموع حيث مكان جلوس العروسين، مقابلها درج طويل مخصص لدخولهما.

بعد مرور ساعتين من وصول المدعوين، حان وقت دخول العروسين، أكثر من خمسة شبان من فريق التصوير، يقومون بتحضير المكان المخصص للدخول، سبق ذلك عرض للألعاب النارية خارجاً. يتقدم شقيق العروس الأكبر ويسير مع شقيقته باتجاه العريس، ليبدأا طقس استقبالهما، على إيقاع أغنية فلكلورية قديمة مخصصة للحديث عن العريس. المدعوون جميعهم يجلسون في الأماكن المخصصة لهم حتى تنتهي الرقصة الأولى، ثم يتوافدون إلى وسط الصالة وتبدأ الدبكات الكردية.

تستذكر عين الحياة التي تحتفل اليوم بزفاف أصغر بناتها، حفل زفافها هي قبل عقود، الذي امتد لثلاثة أيام في قرية تل السيد/ كرديم بريف القحطانية/ تربه سبيه، تقول إنها ارتدت لباساً كردياً تقليدياً، وإنّ منازل القرية كلها فتحت أبوابها لاستقبال المدعوين، حيث حضروا من عدة مناطق، وبقوا في القرية خلال أيام الزفاف الثلاثة. "قام أهالي القرية بتجهيز أماكن النوم للمدعوين، ولم يخلُ بيت واحد من أعداد كبيرة من الناس. كانت حفلة زفافي كبيرة جداً، وتختلف كلياً عن حفلات زفاف هذه الأيام، أشعر أن المحبة حينذاك كانت أكبر، وكان الفرح عفوياً أكثر، في ساحة القرية الواسعة، تشابكت أيادي الشبان والفتيات حتى ساعات الفجر من كل يوم وهم يرقصون ويفرحون، حتى الآن أستطيع تذكر كل تفاصيل تلك الأيام الثلاثة."

ما الذي اختفى؟

لماذا نخرج اليوم إلى العلن؟ .. إخفاء الهوية الكردية وتمظهرها

21 آذار 2026
قصص العائلة، الخال، أو العم، أو الأخ الذين أصبحوا فجأة مكتومي القيد وخسروا أراضيهم التي لم تعترف الدولة بملكيتها، الأولاد، الذين يحتاجون إلى طلب استثناء شخصي من وزير التربية لتقديم...

عبد الكريم رسول مصوّر حفلات زفاف، ينحدر من مدينة ديريك/المالكية أقصى شمال شرقي سوريا. بدأ مهنته منذ سبعينيات القرن الماضي، شاهداً على تغييراتٍ كبيرة في حفلات الزفاف في منطقته، تبدأ بمدة الحفلة ولا تنتهي بالعادات والطقوس التي كانت تتخلل حفلات الزفاف.

تقلّصت مدة الحفل نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة لتقتصر على يومٍ واحد، بعد أن كان لكل يوم طقوسه الخاصة، ولم يكن العزف في وقت مبكّر هي الوسيلة الوحيدة لدعوة الأهالي إلى حضور حفلة العرس. في منطقة ديريك/المالكية، وتحديداً في منطقة "كوجرات"، في ريف المدينة، كانت عائلة العريس تختار مجموعة من نساء القرية، على أن يرتدين لباساً مزركشاً، ليتولين مهمة دعوة الأهالي لحضور الحفلة. "في بداية فترة عملي، كانت الأعراس تستمر لثلاثة أيام، يبدأ الأمر بتوجّه عدد من نساء عائلة العريس نحو منزل العروس للمساهمة في تزيينها، ضمن مجموعة تُعرف بالبربودي، تصطحب معها رأس ماشية للعشاء. في اليوم الثاني، تنطلق مجموعة أخرى من عائلة العريس لاصطحاب العروس إلى منزلهم، كان التنقل إما بواسطة الخيول أو العربات". في بداية اليوم الثالث يصعد عازفا المزمار والطبل إلى تلةٍ عالية في القرية، ويباشران العزف في وقتٍ مبكّر، ليكون عزفهما بمثابة دعوة رسمية لحضور العرس. كانت هذه العادة في الغالب محتكرة للعوائل الغنية، أو كبار شخصيات القرية.

يتذكر عبد الكريم مع يوسف عساف، أحد أهالي المنطقة، خلال حديثهما مع سوريا ما انحكت، طقساً قائماً على فصل العريس عن العروس طيلة أيام العرس، ودعوته إلى أحد منازل الجيران، الذي سيتولى شراء لباس له، ويقيم له السهرات والاحتفالات طيلة الأيام الثلاثة، ثم يصطحبه المحتفلون إلى منزل الزوجية في اليوم الأخير.

في بداية التسعينيات، بات الاحتفال مقتصراً على يوم العرس واليوم الذي يسبقه، الذي يُعرف بيوم "الحنة"، الذي ما زال يقام حتى يومنا هذا، وإن كان بصيغة مختلفة بعض الشيء، إذ بات يُشترط على الذكور والإناث ارتداء اللباس الكردي الفلكلوري. بعد مضي بعض الوقت من الاحتفال، توضع الحنة على يد العروس وتُربط بقطعة قماش، ليستمر الاحتفال بالرقص حتى وقت متأخر من الليل. يتذكر عبد الكريم كيف انتقلت الأعراس من القرى إلى المدن، ومن الساحات العامة إلى الصالات المخصصة، معتبراً أن هذه التغيرات لا تحافظ على الموروث الثقافي الذي تندرج حفلات الأعراس ضمنه، وتستبدله بطقوس ليس لها صلة بثقافة المنطقة.

طقوس جديدة

طريقة التقاط اللحظات السعيدة خلال مراسم الارتباط تغيرت أيضاً مع تطور التقنيات. في بداية الثمانينيات كان عبد الكريم يحمل كاميرا كبيرة على كتفه، ويعلق حقيبة على ظهره ويخزن المواد المصورة على كاسيتات صغيرة، ثم على كاسيتات أكبر باضطراد، حتى ظهرت الكاميرات الرقمية. يعتمد عبد الكريم على نوعية "كوداك"، التي يستعملها حتى الآن. "أول عرس في منطقة الكوجرات، صُوِّر في العام 1983، وأول عرس حضر فيه فنان مع معدات تقنية كان في العام 1977، كانت الأجهزة حينها تعمل على البطاريات، لعدم توفّر الكهرباء." يقول يوسف عساف.

كانت غالبية المدعوين في حفلات الأعراس القديمة، يرتدون اللباس الفلكلوري الشعبي، وتستمر حلقات الرقص على مدار الساعة، وكان للعازف دور مهم، وهو يبحث عن أكبر قدر ممكن من "الشاباش" (جمع المال من المحتفلين عبر الاقتراب منهم والعزف لهم). بدأ ارتداء الأزياء الفلكلورية يعود تدريجياً إلى أعراس وقتنا الحالي، فيُشاهد نسبة لا بأس بها من المحتفلين وخاصة من النساء يرتدين الزي الكردي الفلكلوري.

خلّونا الليلة تَ نقول للحزن ماله مطرح

18 شباط 2021
يغوص دلير يوسف في ذاكرته ويسرد في هذا النص الأغنيات التي كان يسمعها حين كان طفلًا في مدينة القامشلي، شمال شرق سوريا، فيقول إنّ هذه الأغنيات جعلت المدينة أجمل وإنّ...

الدبكات والأغاني، هي الأخرى نالت نصيبها من التغيير. في منطقة مزكفت، بريف تربيه سيه/القحطانية، يقف عماد خلف وسط أعداد كبيرة من الناس ممن خرجوا للتنزه، يغني أغانٍ فلكلورية، ويرقص الكثيرون على أنغامها. عماد يُحيي حفلات الأعراس والحفلات العامة منذ عقود، وقد عاصر أعراس ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. يقول عماد: "التطور العام أثّر في طقوس الأعراس بمنطقة الجزيرة. كانت هناك دبكات خاصة بكل منطقة، ففي مدينة ديريك/المالكية مثلاً، كان هناك دبكات: دكافي، وكوجري، وباجاري (وهي دبكة أهالي منطقة جزيرة بوطان في تركيا، الملاصقة لمدينة ديريك)، وفي المدن الأخرى كانت هناك دبكات: جاجاني، ونانوى، وهورزي، وباكية التي نتشاركها مع الآشوريين."

بعض هذه الدبكات تلاشت مع الزمن، في الوقت الذي لا تزال بعضها حاضرة بشكل رئيسي، كالدبكة الشيخانية والكورمانجية، مع بعض التغييرات؛ إذ كانت الدبكة الشيخانية تقام بوتيرة أبطأ، أما الآن فأصبحت أسرع مع مزج الأغاني الأجنبية بأغانيها المعروفة.

يعقد عماد في حديثه مع سوريا ما انحكت مقارنة بين تكلفة الأعراس في الماضي وفي الوقت الحالي. الولائم كانت تُحضّر سابقاً، وكانت تعتمد على ما يمتلكه أهل العريس من مواشٍ، وفي الوقت ذاته، درجت العادة أن يقدّم المدعوون مبالغ مالية للعروسين تحت اسم "الخسارة" بهدف حمل بعض الأعباء عن أهل العريس. "كان الرجال يقومون بتحضير الذبائح لإطعام المدعوّين؛ إذ كانت عائلة العريس تقدّم وجبة الغداء طيلة أيام العرس، لكن التكافل الاجتماعي كان حاضراً حينها، فالعائلات غير ميسورة الحال، كانت تتلقى دعماً ومساعدة من قبل أهالي القرية، عبر تأمين احتياجات طعام اليوم الأخير من العرس، شخصياً حضرت حفلات أعراس ذُبح فيها عشرة رؤوس ماشية يومياً." يقول يوسف. في ظل الظروف الحالية، وتحول بعض الكماليات لطقوس رئيسية، بات العبء أكبر. كانت هناك مبادرات من الفنانين والمصورين لخفض أجورهم لكنها لم تستمر طويلاً. باتت تكلفة العرس كبيرة جداً.

"لم يبق شيء على حاله كما كان في السابق، كانت حفلة الخطبة لا تختلف عن حفلة الزفاف، كان أهل العريس يأخذون الطحين والخواريف لصناعة الخبز وإعداد الطعام في منزل العروس، إلى جانب الضيافة من السكاكر وغيرها." توضح گولي علي من قرية چم شرف بريف ديريك/المالكية كيف كانت عائلة العروس تقوم بتجهيزها وفق مبلغ المهر المتّفق عليه؛ سابقاً كان للعروس صندوق يحوي قطعة صابون وليفة الاستحمام وبعض الملابس ومستلزمات النوم، وكان يتم نقلها على الأحصنة. "خلال رحلة نقل العروس إلى مكان العرس، كان أحد رعاة الماشية يعترض الطريق مطالباً بهدية كانت غالباً أموالاً."

بهجة أقل، تحضير أعقد

بالعودة إلى حفل عرس ابنة عين الحياة في القامشلي، يقول العريس أحمد (اسم مستعار) إنه بدأ التحضير لحفلة زفافه قبل أكثر من شهر من موعدها: " بعد تحديد الموعد واختيار الصالة ووضع قائمة المدعوين، قمت بتحضير تصميم غرافيكي يتضمن دعوة لحضور حفلة الزفاف، وأرسلتها عبر تطبيق واتساب للجميع، لأنني لا أملك الوقت الكافي لزيارة المدعوين ودعوتهم (عبر بطاقة دعوة مطبوعة)، فالتواصل الافتراضي أسهل، ثم زرت الصالة لأكثر من مرة لأقوم بترتيب أماكن الطاولات."

يرى أحمد أن حفلات الزفاف الحالية تحمل الكثير من الفوضى على عكس حفلات الزفاف القديمة، حيث يتوجب تحديد عدد المدعوين في الحفلات التي يتم فيها تقديم الطعام على الطاولات، على عكس الحفلات التي يتم فيها ترتيب الكراسي فقط، مشيراً إلى أنه "بفعل (الموانة) يحضر عدد أكبر ممن تمت دعوتهم، "حصلت بعض الفوضى في حفلة زفافي لهذا السبب."

سابقاً كانت الحفلات في الشوارع أو ساحات المدارس أو أي مكان عام يوفر مساحة كبيرة. كانت تتم بعفوية دون طقوس الحفلات الحالية، التي تشهد إطلاق ألعاب نارية وغيرها. "في حفلتي نسقت بين الصالة والفنان والمصور والإضاءة ومسؤول تحضير مكان جلوسنا، كل ذلك تحكم بموعد حفلتي الذي لم يكن برغبتي، حتى الأغاني كنا في حيرة من أمرنا، لكنني رغبت أن يكون هناك طقوس من الحفلات القديمة في زفافي، لذا أحضرت الزرنا (آلة موسيقية شعبية)، ما خلق جواً حماسياً كبيراً في الحفلة." يقول أحمد.

يتم اليوم تقديم الطعام للمدعوين في ظل ارتفاع غير مسبوق للأسعار، لذا اختار دليل أن يقدم لمدعوّي حفلته الفواكه والحلويات والعصائر لتخفيف التكاليف، ورغم ذلك دفع أكثر من ستة آلاف دولار أمريكي. يستذكر في الوقت نفسه حفلة زفاف شقيقه في بداية العام 2000، ويقول إنه يشعر بأن المحبة كانت أكبر وأجواء الحفلة كانت أجمل.

"كنت أتمنى أن يكون حفل زفافي كالحفلات القديمة، لكن بعض الاعتبارات الاجتماعية تفرض عليك أن تتماشى مع الواقع الحالي. كثيرون يتحملون تكلفة مالية مرتفعة لتجنب التعليقات السلبية من المحيط الاجتماعي، فقد تحولت حفلات الزفاف إلى مصدر للتفاخر الاجتماعي. سمعت قبل فترة أن عروساً فسخت خطبتها لأنه لم يتم تلبية طلبها بأن تُطلق الألعاب النارية في حفلتها بمبلغ يشابه ما تم صرفه في حفل زفاف صديقتها، والذي بلغ أربعة آلاف دولار أمريكي، اليوم التركيز الأكبر على المظاهر، لذا نجد الفرحة في حفلات الزفاف لا تشبه السابق." يقول دليل.

مقالات متعلقة

نادي الجهاد... نادٍ برتبة مدينة

10 آذار 2019
ارتبط نادي الجهاد في مدينة القامشلي بتاريخ المدينة وصراعاتها ونسيجها الاجتماعي، حتى بات أحد وجوهها، فتاريخه انعكاس وصدى لتحولات المدينة والمجتمع، فما هو هذا التاريخ؟ وما هو حال النادي اليوم...
عن "هلق" واللغة المحكيّة

01 تموز 2021
عن اختلاف اللغة المحكيّة عن اللغة الفصحى في العربيّة، وعن الحروب بين محبي اللغتين يكتب دلير يوسف: لا توجد لغة أجمل من أخرى، فلكلّ منها خصائصها وميزاتها وموسيقاها وحروفها المختلفة...
هل أنا ابن عائشة العربيّة؟ (5)

04 تموز 2018
مئات المرات سمعت نكات تُروى عن الأكراد كمثلها: وقع كردي من الطابق العاشر ولم يمت لأنّه وقع على رأسه. وتروى هذه النكتة للدلالة على رؤوس الأكراد اليابسة. وفي نكتة أخرى...
خارج كفة الميزان: حكاية كردية عن غياب العدالة

21 كانون الثاني 2026
تروي نازحة من عفرين في هذه الشهادة قصة عائلتها التي باتت أبرز محطاتها في السنوات الماضية، النزوح ومصادرة المنزل. يطلب محتل منزلهم منهم دفع مبلغ مالي ضخم مقابل إعادته لهم.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد