استطيقا الخرائب: تأمّلات في خرائب المدن المُدمّرة بفعل الحروب المعاصرة

غصم، بصرى، الموصل، جوبر


أمام أطلال بصرى نتأمّل الحجارة ونحن آمنون. أمام خرائب جوبر والموصل نتأمّل ونحن مجروحون. وفي الحالتين يبقى التأمل فعلاً إنسانياً ضرورياً، لكنه في الحالة الثانية أقرب إلى الفريضة الأخلاقية منه إلى الترف الجمالي.

26 حزيران 2026

إياس المقداد

سينمائي ومسرحي سوري، خريج المعهد العالي للفنون المسرحية قسم الباليه دمشق- سوريا 2005، حاصل على درجة الماجستير في الفنون السمعية البصيرة من جامعة الآب لوقا بروكسيل- بلجيكا 2013، ماجستير في صناعة الفيلم من الأكاديمية الملكية للفنون في جينت 2019 - 2021 . مصمم رقص وصانع أفلام يركز في عمله على التجريب كمنهج وأسلوب عمل للبحث في أشكال الفن المعاصر في السينما وفنون الأداء.

مُذ كنت طفلاً أدهشتني خرائب قريتنا في جنوب سوريا. بيوت مبنية من الحجر البازلتي الأسود تقف هناك شاهدةً على زمنٍ مرّ، لكن، آثارها ما تزال حاضرة في طقوس وعمران سكّان هذه البلاد. مرّة وأنا في السابعة من عمري كنت أسير مع عمي في قريتنا، غصم (في محافظة درعا جنوب سوريا). وحين مررنا على مركز القرية، حيث تجتمع أطلال بدايات هذا التجمّع السكاني، أشار عمي بيده نحو بيت من الحجر البازلتي، مُهدّم بفعل الزمن، وقال: ذاك بيت جدك. أحجار من الصخر البازلتي، مصقولة ومُتراصة فوق بعضها البعض، تُنبئك عن بُناة تلك البيوت؛ رجال حملوا أحجاراً أثقل وأكبر منهم كي تكون عماد البيت، في نظام عمراني فريد.

عند تركيز النظر في التفاصيل نجد أنّ بعض أحجار العتب العلوي لمدخل البيت مُزيّنة بنحت نافر في الحجر البازلتي، إكليلٍ من الغار الروماني. ذلك النحت ليس صدفة، فأهل المنطقة اعتادوا تدوير الحجارة البازلتية بنزعها من خرائبٍ قديمة لبناء بيوتهم الجديدة، وبهذا تداخلت آثار الرومان بآثار أهل المنطقة، الذين سكنوها منذ آلاف السنين.

تبعد قرية غصم نحو ٢٠ كم عن مدينة بصرى الأثرية الزاخرة بالآثار الرومانية والإسلامية. طبقات من التاريخ تشكّل منظراً طبيعياً لتراكم الآثار الحضرية، ومساحة واسعة تحتلها الخرائب المهجورة في مركز المدينة حول القلعة الأثرية والمُدرّج الروماني العظيم.

كانت تجربة السير  بين تلك الآثار، وما زالت، تجربة حسية آسرة، فأنت تشعر بحضور التاريخ، وتشعر بحضور الذين بنوا ذلك التاريخ. ساحات البيوت الفارغة، غُرف المعيشة مُتجاورة مع الغرف المُخصّصة للحيوانات، حيث توجد حجارة بازلتية ضخمة مُفرّغة من الداخل، كانت تُستخدم في سقاية المواشي والأبقار.

آثار الرومان في خرائب قرية غصم - جنوب سوريا محافظة درعا - أيار ٢٠٢٦ تصوير رقمي: فراس المقداد

ألحّ عليّ سؤالٌ حينها: لماذا يهجر الناس بيوتاً كتلك البيوت؟ وما سرّ حبّي وتعلّقي بتلك الخرائب؟

العلاقة التي يُنشئها الإنسان مع الخرائب مُرتبطة بالجوهر بالمعاينة، والتجربة الحسية المباشرة ١، السير في الطرقات المُعبّدة بين الأطلال، والنظر عبر الشرفات المفتوحة على المدى الواسع. ولعلّ الأهم في علاقتنا بالخرائب هو التعرّف على العناصر العُمرانية التي فقدت وظيفتها التي أُنشئت من أجلها: الغرف لم تعد تحتضن حياة البشر، بل غزتها النباتات والأعشاب البرية، وتحوّلت السقوف إلى فتحةٍ سماوية، و الجدار الذي كان يجب أن يَعزل الداخل عن الخارج، بات مُشرَّعاً على الطرقات. الأدراج الصاعدة إلى السماء لم تعد توصل أحداً إلى أسطح تلك البيوت. تغيّرت الصورة المُعتادة للمساكن الحضرية لتأخذ شكلاً جديداً، أكثر ما يُميّزها هو النقصان في الصورة. إنّ نقصان الصورة يدفع الخيال إلى مكاملة الناقص. هي محاولة لتشكيل صورة عن حياة الناس الذين عاشوا في تلك البيوت في الحُقب الغابرة. كما أنّ مُعاينة ما أحدثته الطبيعة من تغيّرات في تلك البيئة الحضرية جدير بالمعاينة، فصلابة الحجر البازلتي تنكسر بعرقٍ أخضر غض فلق الصخر وخرج كأنّه تمثيل بصري لرمزية كسر الغضّ للقسوة. كل تلك العناصر هي عناصر أستطيقية، تُولّد حالة من الحنين، وحالة من الانجذاب والتأثر بقدر الحياة والموت ودورتهما التي تُصيب كلّ شيء. هذا المركب النفسي يشكّل العتبة الأساسية في حالة التذوّق الجمالي لخرائب التاريخ. لكن هل كلّ الخرائب تحمل نفس الصفات؟ هل الخرائب المُعاصرة مرتبطة بهذا المنظور، أم أنّ الخرائب المُعاصرة وسبب تحوّلها إلى خرائب يجعل الأمر مُختلفاً؟

معرض صور غصم وبصرى الشام، تصوير إياس المقداد

الزمن والجرح، إشكالية المسافة

إذا كانت الخرائب التاريخية تكتسب قيمتها الجمالية من المسافة الزمنية التي تفصلنا عنها، فماذا يحدث عندما تكون الخرائب حديثة العهد؟ عندما تكون آثار الدمار ما تزال تحمل حرارة الحدث الذي أنتجها؟

إنّ خرائب بصرى أو تدمر أو القرى الرومانية المهجورة تسمح للخيال بأن يملأ الفراغات بأمان، أمّا خرائب الموصل وجوبر، على سبيل المثال، فلا تزال مُشبعة بذكريات أصحابها وبأصداء العنف الذي أدى إلى انهيارها. هنا يصبح الزمن عنصراً حاسماً في التجربة الجمالية، لأنّ المسافة التي تفصل المشاهد عن موضوع تأمّله ليست مكانية فحسب، بل أخلاقية وعاطفية أيضاً. هل يمكن للجرح أن يكون موضوعاً للتذوّق الجمالي من دون أن نحوّل الألم إلى مشهد مجرّد، مُنفصل عن الحدث وأسبابه؟

ليست جميع الخرائب مُتشابهة. فالخراب الذي يصنعه الزمن يختلف جذرياً عن الخراب الذي تصنعه الحرب. في الحالة الأولى يبدو الخراب جزءاً من دورة التاريخ، ونتيجة طبيعية لها. وفي الثانية يظهر الخراب بوصفه أثراً مباشراً للعنف. لهذا لا ننظر إلى خرائب المدن المعاصرة كما ننظر إلى خرائب المدن القديمة. إنّنا لا نرى الحجارة فحسب، بل نرى الجرح الذي أصاب الجماعة البشرية التي كانت تسكن ذلك المكان. تصبح الخرائب هنا وثيقة على الألم، بقدر ما هي موضوع للتأمّل البصري.

يُعرّف جيروم ستولنيتز* الموقف الإستطيقي بأنّه انتباه و تأمّل مُتعاطف مُنزّه عن الغرض لأيّ موضوع للوعي على الإطلاق ٢، والتجربة الإستطيقية بأنّها التجربة الكلية التي نمرّ بها عندما نتخذ موقفاً إستطيقياً ٣. فالتجربة الإستطيقية تنطوي على نفسها، فهي قائمة بذاتها، مُتحرّرة من الغائية المادية. تنحو إلى القيمة الجمالية و تبحث عنها من خلال تأمّل الموضوع.

إنّ خرائب بصرى أو تدمر أو القرى الرومانية المهجورة تسمح للخيال بأن يملأ الفراغات بأمان، أمّا خرائب الموصل وجوبر، على سبيل المثال، فلا تزال مُشبعة بذكريات أصحابها وبأصداء العنف الذي أدى إلى انهيارها.

غير أنّ هذا التعريف يُثير إشكالية خاصة عندما يكون موضوع التأمّل خرائب الحروب المُعاصرة. التجرّد عن الغرض الذي يشترطه الموقف الإستطيقي يبدو مُمكناً إلى حدّ بعيد أمام أطلال روما أو بصرى أو القرى التي طواها الزمن، لكنه يصبح أكثر تعقيداً عندما نقف أمام مدينة دُمّرت قبل سنوات قليلة فحسب. خرائب الموصل وجوبر وغزّة، كما خرائب أوكرانيا، أو اليمن، ليست بقايا تاريخ بعيد، بل آثار لحدث ما يزال حاضراً في الذاكرة الفردية والجمعية. لذلك، فإنّ المُتلقي لا يواجه شكلاً عمرانياً مُتداعياً فحسب، بل يواجه أيضاً طبقات من المعاني السياسية والأخلاقية والوجدانية التي تُصاحب هذا الشكل.

من هنا تنشأ الإشكالية الأساسية لهذه الدراسة: هل يمكن النظر إلى خرائب الحرب بوصفها موضوعاً للتجربة الإستطيقية؟ وإذا كان ذلك مُمكناً، فما طبيعة الجمال الذي يمكن أن ينشأ من تأمّل مشهد يرتبط أصلاً بالموت والدمار والفقدان؟ وهل تختلف إستطيقا خرائب الحرب عن إستطيقا الخرائب التاريخية التي أنتجها الزمن والتقادم؟

الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلّب الانتقال من دراسة الخراب بوصفه أثراً عُمرانياً إلى دراسته بوصفه تجربة حسية وأخلاقية مُعقّدة تتقاطع فيها الذاكرة والتاريخ والعنف والخيال.

مفارقة الرعب والجمال

الإجابة عن تلك الأسئلة ليست أمراً يسيراً، فالعلاقة مع الخرائب تستدعي المعاينة والاختبار المباشر، وقد كان لي أن عاينت بعض تلك الآثار وتلك الخرائب في بلاد ملعونة بالحبّ و الحرب.

عندما وصلت إلى الموصل في العام ٢٠٢٢ لتنفيذ مشروع مدرسة الفيلم هناك، لاحظت مباشرة الحيوية التي تتمتّع بها المدينة، وسرعان ما ظهر خراب الحرب فيها، حاضراً بثقله على المدينة المُمتدّة على ضفتي نهر دجلة. الضفة الغربية حيث المدينة القديمة، التي تحوّلت إلى أطلال خلال معارك ما سُمّي بتحرير الموصل. لا يمكن لزوّار المدينة تجنّب تلك المواجهة مع أطلال المدينة المُدمّرة التي تُجاهد للتعافي من آثار العنف رغم ظروف العراق الصعبة.

خلال جولتي الأولى في المدينة المُدمّرة، كان عليّ أن أواجه خراب المدن و عنف الحرب. قفز إلى ذهني مباشرة صورة الخراب الذي عمّ سوريا، والذي كنت قد عاينت بعض آثاره من خلال ما وصل إلى وسائل الإعلام من صور خلال حرب النظام السوري على السوريين ومدنهم. اعتقدت، وبشدّة حينها، أنّ خرائب الموصل لها صورة تلك الخرائب الموجودة في غوطة دمشق، وحمص، وحلب؛ ذات السمات، وذات الحضور الثقيل لدمار الأثر الإنساني. حضور محسوس لأرواح من سكن تلك الخرائب المُتداعية، والتي عوملت  بوحشية بيّنة. لم يكن ثمّة تذوّق جمالي لتلك الخرائب في تلك اللحظة، فكلّ ما في المشهد مؤلم، كلّ ما فيه يُسيّل العبرة، لكن، وخلال التجوال المُتكرّر بين الأطلال، تغيّر الانطباع تدريجياً. هل هي العادة ما تُغيّر انطباعاتنا؟

معرض صور الموصل المدمرة - بعضها ملتقطة على فيلم ٣٥ أبيض و أسود، نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠٢٢، تصوير إياس المقداد

العادة تحوّل الموضوع الاستثنائي من حالة التفرّد إلى حالة من الاعتياد، وبالتالي انتفاء صفة التفرّد عنه. يعبّر ستيفن بيبر عن ذلك بقوله "لو لم تكن هناك عادات، لكانت معيشتنا كلها إستطيقية إلى أعلى مدى. ولما احتجنا إلى أيّ فن أو أي أسلوب تطبيقي لكي نجعلها كذلك". لكنّي لاحظت أنّ هذا القول لا ينطبق بالكامل على خرائب المدن المدمّرة بفعل الحرب، فالاعتياد قد يسمح لنا بتأمّل التفاصيل مُتحرّرين، ولو بشكل جزئي، من سطوة الألم، لكنّه لا يلغيه. بعد أن اعتدت قسوة المنظر، بدأت المدينة بالحديث إليّ، وبدأتْ أرواح أهلها باستقبالي في البيوت الخربة بحفاوة العراقيين المعروفة، حين عرفوا أنّي أبحث عن قصّة المكان لأرويها.

قضيت ساعات طويلة على أعتاب البيوت، أُسلّم على الغائبين قبل الدخول إلى الغرف حاملاً كاميرتي، مُحاولاً تأطير ما تقع عليه عينيّ. كشفت المدينة لي عن سحرها المُغطّى بالركام، جمال تكفّلت التفاصيل في إظهاره. لا يخفّف ذلك من شعور الفقدان، بل يزيد جرعة الألم، كم كانت الموصل التاريخية جميلة، وكم فقدت الإنسانية بفقدانها. هنا تظهر مفارقة الرعب والجمال، فأنت تستشعر الخوف في كلّ زاوية من زوايا البيوت المُهدّمة، لكن العناصر الجمالية المُفكّكة ما تزال هناك، تحكي عن التاريخ العمراني للمدينة، وعن تاريخ أهلها الحضري.

الفوضى، الجمال، العشوائية

يصعب فهم الجمال في صورة ركام البيوت، لكني وجدت في الفوضى عناصر جمالية مُذهلة. تداخلت الألوان والكتل ببعضها لتشكّل الركام الذي يجد لنفسه، ضمن الشروط الفيزيائية، نمطاً من التناغم الأخّاذ. في الموصل ينبت من بين الركام ما بقي من البيوت. قناطر مشغولة على النمط الإسلامي، بانحناءات رائعة، كأنّها خطوط لوحة مكتوبة بالخط الفارسي أو الديواني، وأعمدة مُنتصبة بعضها من العهد المملوكي، ومداخل رخامية مزخرفة. الغرف الداخلية للبيوت مكشوفة بشكل صارخ أمام الناظر، ليكشف الركام عن مزيج المواد التي بُنيت منها تلك البيوت المُهدّمة، كلياً أو جزئياً. الغرف تحوّلت إلى شرفات، والمداخل التي تفضي إلى البيوت مسدودة. حين تمشي على الحجارة تشعر بانسحاقها تحت الخطوات، فيدفعك ذلك إلى المشي بحذر ألّا تسحق المسحوق أكثر.

كان أكثر ما يخطف القلب التجربة السمعية في بعض الأماكن. دخلت أحد القصور الأخّاذة، فقادنا المرشد إلى القبو. هناك مشيت بحذر بسبب شحّ الإضاءة، شعرت بكمية كبيرة من الزجاج ينسحق تحت قدمي، حاولت تجنّب ذلك فأخفقت، إذ كانت الشظايا المُنتشرة على أرضية القبو هائلة. سألت المرشد عن تفسير لانتشار الزجاج بتلك الكثافة على الأرضية، فكانت القصّة أنّ من لجأوا إلى هذا القبو خلال حصار الموصل تعمّدوا نشر كلّ ما لديهم من أوانٍ زجاجية عند مدخل القبو على الأرض، ليكون صوت انكسار الزجاج منبّهاً لا يخذلهم في حال دخل شخص غريب خلال نومهم. تصرعك حلول النجاة التي يأتي بها البشر في ظروف قاهرة كتلك. تغادر المكان ويبقى صوت الزجاج المُنسحق علامةً تخدش الأذن، وترهب الروح.

من لجأوا إلى هذا القبو خلال حصار الموصل تعمّدوا نشر كلّ ما لديهم من أوانٍ زجاجية عند مدخل القبو على الأرض، ليكون صوت انكسار الزجاج منبّهاً لا يخذلهم في حال دخل شخص غريب خلال نومهم.

في الموصل القديمة، وبسبب قِدَم عمارتها، يبدو لك أنّ تلك الخرائب تاريخية، بسبب العناصر الفنية العتيقة لعمارة المدينة. لكن طريقة تفتّت الحجر تكشف لك أنّ ذلك الخراب مُعاصر، بسبب القنابل التي تلقّتها المدينة. سوف تقف كثيراً عند مداخل البيوت لترى تلك الفنون المعمارية المُبهرة، خطوطاً منحوتة في الحجر، وعناصر نباتية بارعة الصنع، وعوارض مداخل تعلوها أقواس ونوافذ مُعشّقة بالمعدن تسمح لضوء النهار بالتسلّل إلى ما وراء الباب. وكما في بيوت غصم وبصرى، ما يزال العارض العلوي مناط التزيين ومنبع الدلالة.

سوف تلاحظ أيضاً بعض الأبنية التي استُخدمت الخرسانة في عمارتها. تلحظ الفرق في تفتّت الحجر بين العمارة القديمة والحديثة للموصل. لون رمادي وحشي مُتشح بلون أسود ناتج عن الحرائق التي اشتعلت في المدينة خلال الحرب. أبنية كشفت عن أدراجها الداخلية، وتراكمت طبقاتها الإسمنتية فوق بعضها البعض كأنّها صفحات في كتاب. تأسرك الأعمدة الخرسانية المُعلّقة في الهواء في وضعيات تؤهلها للسقوط بفعل الجاذبية، لكنها هناك مُتكئة على عنصرٍ هش يبقيها متدلية، فتتحوّل إلى منحوتة وحشية معاصرة، للصدفة العشوائية فيها تجسيد لقدرة الفنان المبدع على توزيع الكتل في عمله الفني.

في بحث فني طويل عملت عليه في بلجيكا وكان بعنوان "فتح الجسد"، حاولت العمل على الجسد المُفكّك (جسد المكان، والجسد البشري). تداعى إلى خيالي وبتأثير المشهد في الموصل، أنّ الناس الذين كانوا في تلك البيوت لحظة قصفها تماهوا مع المكان، فكلا الجسدين تعرّض لحالة تفكيك قسرية حوّلتهما إلى جسد واحد، مُبعثر الأجزاء ومُتداخل. أَنشأت فضاءً سمعياً بصرياً حاولت فيه تفكيك الجسد بطريقة فنية عبر إسقاط فيديو لأجزاء الجسد البشري على جدران صالة (زيني لاب). الفيديوهات المُسقطة على الجدران قامت بتفكيك الفضاء الواحد إلى فضاءات مُتعدّدة. كانت غاية المشروع فهم حالة الخراب في الموصل وإعادة تجسيدها بشكل فني، وبالتأكيد كانت محاولة مني لتذوّق خرائب الحرب إستطيقياً. لكن الصور الفوتوغرافية التي التقطتها في الموصل بقيت الأثر الذي وثّق الحالة، وحفظ ما أُسميه معادلة الرعب والجمال ضمن إطار واحد.

جوبر مدينة من الخرسانة المدمرة

بعد سقوط النظام في سوريا، حملت كاميرتي وعدت إلى البلد الذي تركته منذ أربعة عشر عاماً. أردت أن أرى أمّي بكلّ تأكيد، لكنّي أيضاً أردت أن أرى دمار المدن بعينيّ. كان المنظر صادماً وأكثر وحشية من الذي رأيته في الموصل. يمتدّ الدمار على طول البلاد وعرضها، ففي رحلتي من الجنوب محافظة درعا، إلى مدينة حلب في الشمال لن ترى شيئاً أكثر حضوراً من الدمار والخرائب. من بين كلّ الأماكن المُدمّرة في سوريا أردت أن أُعاين مدينة جوبر في ريف دمشق، المدينة التي عرفتها صغيراً.

كانت مدينة جوبر قبل الثورة والحرب عبارة عن تجمّع سكاني شديد الكثافة، وشهدت نهضة عمرانية كبيرة، غير أنّ تلك العمارة لم تكن عمارة مُميّزة بالضرورة، فهي عمارة مدنية ذات مهمّة مُحدّدة، إيواء أكبر عدد ممكن من السكان الذين بدؤوا بالانتقال من مدينة دمشق إلى ضواحيها، فتقلّصت الغوطة الغنّاء المعروفة تاريخياً لحساب الخرسانة المُسلّحة.

كانت آثار الدمار في جوبر أكثر قسوة، وكان البعد الإستطيقي لتلك الخرائب وحشياً، وذلك بسبب نوع المواد التي بُنيت منها المدينة، شيء شبيه بالأبنية الخرسانية المُدمّرة في الموصل، لكن بحجم أكبر بكثير.

تقف تحت المباني التي ارتفعت لأكثر من خمسِ طبقات، لكنك ما تزال قادراً على رؤية السماء من خلال السقوف التي أُزيلت منها العوارض الحديدية، هي جريمة تكفّل بها محمد حمشو أحد متنفذي النظام البائد، والذي تعهّد بسحب تلك العوارض الحديدية من أبنية جوبر بعد إخلائها من سكّانها بعد حصار دام أربع سنوات، دفعت سكان المدينة إلى أكل أوراق الشجر، والكلاب والقطط في حربهم ضدّ الجوع.

العناصر الجمالية في جوبر تأتي من اللون الرمادي الطاغي على المدينة وما تخلّفه الخرسانة المُدمّرة من مشاهد نحتية غريبة: سقوف مُنهارة على بعضها كأنّها صفحات كتاب تُطوى، وأعمدة خرسانية تُقاوم الجاذبية بشكل ملفت، وأدراج لا تؤدي إلى أيّ مكان، وبيوت مفتوحة على المدى في انكشاف مهين. ثمّة تركيبات بصرية سريالية، حيث تندمج العناصر كأنّها رسم ثنائي الأبعاد: درج السلّم ينقلب ليواجه الناظر وخلفه جدار مُتفكّك في حوار بصري ينتمي إلى الكوابيس لا إلى الواقع.

معرض صور جوبر، بعضها ملتقطة على فيلم ٣٥ أبيض و أسود، تصوير إياس المقداد

الأثقل على الروح في جوبر هو وضوح الوظيفة في كلّ ما تبقى. هناك كان المطبخ، وفي الطرف الآخر كانت غرفة المعيشة، وتلك كانت الشرفة التي انطوت على جسد المبنى. كلّ تلك الآثار التي تُلاحظ وظيفتها هي فاقدة لتلك الوظيفة الآن، وهنا يبدأ فعل التأمّل الإستطيقي، حين يبدأ الخيال بالتفاعل مع الناقص في الصورة، وحين تُستحضر صورة الأنشطة الإنسانية التي كانت تُمارَس في ذلك المكان.

ما يميّز جوبر عن الموصل ليس الدمار وحده، بل غياب الأثر الفني والزخرفي. في الموصل، كانت عناصر العمارة الإسلامية التاريخية تمنح الخرائب طابعاً من الحوار مع جماليات الماضي. في جوبر لا شيء من ذلك. الإسمنت الرمادي لا يحكي عن حياة جميلة، بل عن حياة كافحت لأن تكون. ولعلّ هذا ما يجعل دمارها أكثر إيلاماً: لم تُسرق منها روعة معمارية، بل سُرق منها أمل أكثر تواضعاً، أمل في مسكن كافٍ، وحياة عادية.

عندما كنت طفلاً أقف أمام بيت جدي المهدّم في غصم، لم أكن أفهم سبب تعلّقي بتلك الحجارة السوداء المُتداعية. اليوم، بعد أن مشيت في الموصل وجوبر، أظنّ أنّي اقتربت قليلاً من الإجابة. الخرائب ليست مجرّد بقايا عمران فقدت وظيفتها، بل هي محاولة مستمرّة من المكان للاحتفاظ بذاكرته. حين يغادر المدينة سكانها، سواء بحكم الزمن أو بفعل الحرب، يصبح ما تبقى من جدران وأدراج وعتبات شاهداً على حضور إنساني يأبى الزوال التام. الفرق بين الخرائب التاريخية وخرائب الحرب المعاصرة ليس فرقاً في درجة الجمال، بل في طبيعة الموقف الذي يطلبه الجمال منّا.

الخرائب ليست مجرّد بقايا عمران فقدت وظيفتها، بل هي محاولة مستمرّة من المكان للاحتفاظ بذاكرته. حين يغادر المدينة سكانها، سواء بحكم الزمن أو بفعل الحرب، يصبح ما تبقى من جدران وأدراج وعتبات شاهداً على حضور إنساني يأبى الزوال التام. الفرق بين الخرائب التاريخية وخرائب الحرب المعاصرة ليس فرقاً في درجة الجمال، بل في طبيعة الموقف الذي يطلبه الجمال منّا.

أمام أطلال بصرى نتأمّل الحجارة ونحن آمنون. أمام خرائب جوبر والموصل نتأمّل ونحن مجروحون. وفي الحالتين يبقى التأمّل فعلاً إنسانياً ضرورياً، لكنّه في الحالة الثانية أقرب إلى الفريضة الأخلاقية منه إلى الترف الجمالي.

ربّما لهذا السبب نقف طويلاً أمام المدن المدمّرة. لا لأننا نبحث عن الجمال بمعناه البسيط، بل لأنّنا نبحث عن الإنسان الذي كان هنا؛ عن أثر صوته في الغرف المفتوحة على السماء، وعن حياته التي ما تزال تقاوم الفناء من خلال ما تبقى من الجدران.

في تلك اللحظة يصبح التأمّل الإستطيقي فعلاً من أفعال الإنصات، وممارسةً تأبينية لروح المدينة وسكّانها. ليس ترفاً، بل ضماداً مؤقتاً يحوّل الجرح المفتوح النازف إلى أثر، أو ندبة لن تنمحي.

١ روبرت غينسبيرغ، The Aesthetics of Ruins، (أمستردام ونيويورك: دار رودوبي، 2004). روبرت غينسبيرغ هو فيلسوف ومربٍ ومؤلف أمريكي اشتهر بأعماله الأكاديمية، ولا سيما كتابه "جماليات الأطلال". وهو أستاذ فخري في الفلسفة والأدب المقارن بجامعة ولاية بنسلفانيا، حيث درَّس لمدة 35 عاماً. اعتمدت في دراستي هذه على كتابه "جماليات الأطلال" أو الخرائب، وفيه يتحدّث عن تجربة العلاقة مع الأطلال المدن التاريخية.

٢  النقد الفني ( دراسة جمالية وفلسفية) جيروم ستولنيتز. ترجمة د.فؤاد زكريا - الطبعة الأولى ٢٠٠٧ - دار الوفاء لدنيا الطباعة و النشر - الاسكندرية، مصر. ص٥٧

٣  النقد الفني ( دراسة جمالية وفلسفية) جيروم ستولنيتز. ص٦٧. جيروم ستولنيتز فيلسوف أمريكي ألف الكتاب الدراسي المؤثر "علم الجمال وفلسفة النقد الفني: مقدمة نقدية" (1960)، وحرّر المختارات لكتاب "علم الجمال" (1965). ويشتهر في الأوساط الفلسفية بصياغة المفهوم الحديث لـ علم الجمال. أعتمدت على كتابه "النقد الفني ( دراسة جمالية وفلسفية)" ترجمة الدكتور فؤاد زكريا.

*ستيفن بيبر: فيلسوف براغماتي أمريكي شغل منصب أستاذ كرسي ميلز للفلسفة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي. وقد اشتهر بشكل خاص بكتابه "الفرضيات العالمية: دراسة في الأدلة" (1942)، لكنه كان أيضاً خبيراً مرموقاً في مجالات علم الجمال وفلسفة الفن والأخلاق. ورد رأيه في العادة و التذوق الجمالي في كتاب جيروم ستولنيتز عن علم الجمال.

مقالات متعلقة

من دمشق إلى تدمر: سوريا ما بعد الحرب من وجهة نظر إيطالية

15 نيسان 2024
يروي هذا المقال رحلة باحثة إيطالية إلى سوريا. تحاول جورجيا بعد دخولها البلاد في تشرين الأول ٢٠٢٢ التحدّث عن رحلتها إلى دمشق وحلب وتدمر بعد الحرب.
"متلازمة تدمر" ما الذي يمكن أن يحكي عنه السوريون والسوريات خلال فترات الحرب والثورة؟

05 نيسان 2021
لكن، ذلك حدث فيما كان الآلاف من السوريين يموتون، بشكل رئيسي بأيدي قوات نظام الأسد ومليشياته، وليس بأيدي متطرفي داعش. مئات الآلاف من الضحايا وملايين المهجّرين والنازحين والجرحى والمعتقلين، لكن...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد