دراجات نارية وإشاعات .. حوامل الخوف اليومي في بانياس


"الدور جايي". في المدن التي شهدت مجازر متكررة، يبدو الخوف والتوتر الأمني قدراً وإن أُخفيا في مشاغل يومية. وما بينَ الثلاثين من نيسان/أبريل والثاني من أيار/مايو من هذا العام، شهد حيّ القصور أياماً من التوتر، لكن ما بقي بعد تلك الأيام خوف يُقاس بالسنوات التي سيظل فيها كامناً داخل الذاكرة.

11 آب 2026

سالي علي

كاتبة وصحفية سورية

قبل أذان المغرب بقليل، بدا حيّ القصور في بانياس هادئاً على نحو يثير القلق أكثر مما يبعث على الطمأنينة. الهواء البحري الثقيل يتسلل بين الأزقة، وأصوات الدراجات النارية تتردد من بعيد من دون أن يعرف أحد إن كانت تعبر المدينة أم تتجه نحوها. على الشرفات، سُحب الغسيل على عجل، وأُغلقت نوافذ قبل موعدها المعتاد، فيما بدأ الضوء يختفي من بعض البيوت باكراً، كأن السكان يتصرفون وفق ذاكرة أقدم من هذه الليلة.

أعلنت السلطات السورية توقيف أمجد يوسف، المتهم بالمشاركة في مجزرة التضامن، كما أُعلن عن توقيف أحد الضباط السابقين المتهمين بالمشاركة في الهجوم الكيميائي على الغوطة، في إطار ملفات تقول الحكومة إنها تندرج ضمن مسار المساءلة عن جرائم سنوات الحرب، بالتزامن مع اقتراب الذكرى السنوية لمجزرة البيضا، وتصاعد انتشار خطاب تحريضي يعيد تداول صور ومقاطع قديمة على مواقع التواصل الاجتماعي. بدأت جملة قصيرة في المدينة  تتكرر على الهواتف وفي الأحاديث اليومية "الدور جايي".

في المدن التي شهدت مجازر، لا تحتاج مثل هذه العبارات إلى تفسير. فالخوف لا ينتظر وقوع الحدث، بل يستيقظ مع أول إشارة تشبهه. ما بين الثلاثين من نيسان/أبريل والثاني من أيار/مايو، شهد حيّ القصور أياماً من التوتر، رافقتها استعراضات بالدراجات النارية، واعتداءات متفرقة، وانتشار أمني كثيف حال دون انزلاق المدينة إلى مواجهة أوسع. لكن ما بقي بعد تلك الأيام لم يكن ما حدث في الشارع فقط، بل ما حدث داخل الناس. تحكي زينب وليلى هنا عن خوفٍ لا يقاس بعددِ الساعات التي استغرقها التوتر، بل بالسنوات التي ظل فيها كامناً داخل الذاكرة، ينتظر صوتاً، إشاعة، أو مرور دراجة نارية، كي يعود من جديد.

الذاكرة التي تسكن الجسد

لم تعش زينب وليلى استجابة حادثة أمنية عابرة فقط، فبين ما حدث في الشارع، وما حدث داخل جسديهما، مسافة من خوف استباقي؛ وعيش تحت تأثير احتمال الخطر أكثر من الخطر نفسه، فالتهديد لا يحتاج أن يقع كي ينتج الخوف، بل يكفي أن يبدو ممكناً. بدأت عائلات كثيرة، كما تروي زينة، تفكر في الهروب قبل أن يحدث شيء، وبدأ آخرون يراقبون الشوارع من خلف النوافذ، ويطفئون الأضواء ليلاً، ويحسبون طرق الخروج من الحي، ويتابعون الأخبار والتعليقات كما لو أنها خرائط نجاة. لم تكن هذه التصرفات مبالغات، بل محاولات لاستعادة قدر ضئيل من السيطرة على مستقبل أصبح مفتوحاً على الاحتمالات.

تكشف القصتان كيف يمكن لحدث قصير زمنياً أن يترك أثراً أطول بكثير في الذاكرة، فالمدن قد تستعيد هدوءها بسرعة، لكن الجسد يحتاج وقتاً أطول بكثير كي يقتنع أن ما يخشاه قد انتهى بالفعل، وفي أحيان كثيرة، لا يقتنع أبداً.

من خلف الشباك كانت المدينة ترتجف

“أنا من مواليد 1998. طول عمري كنت فكّر إنو بانياس مدينة ما بتشبه غيرها. حتى بسنين الحرب، كنا نقول إنو هاي المدينة بتعرف كيف تحمي حالها من الجنون. الناس هون كانت تعرف بعضها. الخبز من نفس الفرن، والسمك من نفس المينا، والأعراس والعزاوات كانت تجمع الكل. بس من بعد مجازر الساحل ما عاد عرفت هالمدينة.”

تقول زينب (اسم مستعار) ذلك بصوت منخفض، كأنها تخشى أن توقظ شيئاً لا يزال نائماً في الخارج. وخلال الاتصال، كانت يداها تتحركان أكثر من كلماتها؛ تشبك أصابعها، ثم تفكها، ثم تمسح راحتيها بطرف كنزتها، كما لو أنها تحاول التخلص من توتر عالق في الجلد. كل بضع دقائق، كانت تلتفت نحو النافذة الواقعة إلى يسارها. لا تفتحها، بل تزيح الستارة قليلاً، تنظر إلى الشارع، ثم تعود إلى الشاشة.

خلفها كان البيت هادئاً. ضوء أصفر خافت يتسلل من المطبخ، وصوت طفل يضحك في غرفة بعيدة قبل أن تناديه أمّه بصوت منخفض. للحظة، يبدو كل شيء عادياً. لكن زينب تبتسم ابتسامة قصيرة، ثم تقول: “الخوف صار متل حبة الملح صح ما بتشوفيها، بس بتحسي فيها بكل شي.” تتوقف قليلاً، كأنها تبحث عن العبارة الأدق. “يمكن أصعب شي إنك تكتشفي إنك بطّلتي تثقي بالمكان اللي ربّاكي.”

تقول إن المدينة التي كانت تعرفها لم تختفِ دفعة واحدة، بل بدأت تتبدل ببطء منذ مجازر الساحل. بعد ذلك لم يعد الخوف مرتبطاً بما يحدث فعلاً بل بما يمكن أن يحدث. صارت الأخبار تُقرأ بطريقة مختلفة، والأصوات تُسمع بطريقة مختلفة، وحتى الهدوء نفسه صار يثير الريبة. “من وقتها، إذا سمعت صوت عالي، ما عاد فكّر شو هو؛ لأنه أول شي بفكّر فيه هو لوين لازم روح؟”

في الثلاثين من نيسان/أبريل، استيقظت بانياس مثل أي يوم آخر. أعدّت زينب الفطور لأولادها، وأوصلت أحدهم إلى باب المنزل، ثم عادت لترتيب المطبخ. من نافذتها كانت ترى الناس يفتحون محلاتهم والطلاب يعودون من مدارسهم، وسيارات الخضار تتوقف في أماكنها المعتادة.

تقول إن أكثر ما أتعبها لم يكن احتمال وقوع اعتداء جديد، بل الإحساس بأن المدينة كلها أصبحت تعيش في حالة انتظار. “ما حدا كان عارف شو رح يصير بس الكل كان متصرف كأنو رح يصير شي بيخوف.” تصف ذلك الشعور بأنه يشبه الوقوف لساعات أمام باب مغلق، وأنت متأكد أن أحداً سيطرقه، لكنك لا تعرف متى.

“ما كان في أي شي بيقول إنو هالنهار رح ينقلب.” تضحك بخفة، ثم تكمل كلامها: “يمكن هيك بيبلش الخوف دائماً لما كل شي يكون طبيعي”. قرابة المساء، وبينما كانت تغسل بعض الصحون، سمعت صوتاً مألوفاً… صوت دراجات نارية. لا ترفع صوتها وهي تقول الكلمة، لكنها تنطقها ببطء، كأنها تحمل وزناً أكبر من حروفها: “اللي برا يمكن يسمع كلمة موتورات وما يفهم ليش نحنا بنخاف. بس نحنا ما عدنا نسمعها متل باقي العالم.”

تجفف يديها من الماء بسرعة، وتمشي نحو النافذة. لا تفتح الستارة دفعة واحدة، بل ترفع طرفها قليلاً، بالكاد يتسع لعين واحدة. في الشارع، كانت الدراجات النارية تعبر تباعاً. شبان يقودون بسرعة، أصوات محركات مرتفعة، صراخ، وعبارات متفرقة لم تستطع تمييزها كلها، لكنها تتذكر نبرتها جيداً. “ما كنت عم عدّ الموتورات، كنت عم راقب وجوه الناس.” هذه هي الصورة التي بقيت معها… امرأة أمسكت طفلها من ذراعه وسحبته إلى داخل البناء. رجل أغلق باب متجره المعدني بسرعة حتى ارتطم بالأرض. شاب كان يسير على الرصيف، توقف فجأة، ثم غيّر اتجاهه من دون أن يلتفت.

“حسّيت إنو الحي تغير لشي بشع وبيخوف فجأة.” تقول إنها لم تكن تعرف في تلك اللحظة ما الذي سيحدث، لكنها كانت تشعر أن شيئاً ما يتحرك داخل المدينة. “الخوف الحقيقي مو من اللي صار!؟ الخوف من اللي ممكن يصير.” بعد دقائق، بدأت الأخبار تصل متقطعة… رسالة على واتساب…مكالمة قصيرة. تسجيل صوتي… ثم خبر عن الاعتداء على الشاب إبراهيم دويبة. “وقتها حسّيت إنو الأرض بلشت تهتز من تحتي من  شدة التوتر.”

تقول إن هاتفها لم يهدأ بقية ذلك المساء. كانت الرسائل تتدفق بسرعة أكبر من قدرتها على قراءتها. كل إشعار جديد كان يجعلها تقفز من مكانها. “حتى رنة الواتساب صارت تعملي رجفة بقلبي.” تسكت، ثم تضيف: “في ناس كانت تبعت أخبار، وناس تبعت تحذيرات، وناس تبعت إشاعات. وبعد شوي بطّل يفرق عندي مين الصح ومين الغلط، لأن جسمي كان ميرجف من الخوف.”

ذنب أن تنجو بعد أن تفقد رضيعك في مجزرة

30 تشرين الأول 2025
حاولت نوال أن ترضعه، لكن الحليب جفّ في صدرها، "من كتر الرعبة انقطع الحليب، ابني عم يضعف وما قادرة طعميه". قالت لنا باكية، وهي تشعر بالعجز ينهش قلبها، والذنب يثقل...

مع حلول الليل، أغلقت النوافذ كلها. ثم أطفأت الأنوار. لم يطلب منها أحد ذلك. لم يكن هناك تعميم. ولا نصيحة. “هيك… حسّيت إنو إذا البيت ضل معتم يمكن ما ينتبه إلنا حدا.” جلست قرب النافذة ساعات طويلة. لم تكن تراقب الطريق فقط، بل كانت تراقب جسدها أيضاً. كانت تلاحظ كيف صار نفسها أقصر. كيف بدأت تضغط على أسنانها حتى آلمها فكها. كيف بقيت قدمها اليمنى تتحرك وحدها على الأرض، من دون أن تنتبه. تنخفض نبرة صوتها فجأة وتضيف: “أنا خسرت ناس كتير بمجازر الساحل ومن وقتها بطلت قادرة أتحمل فكرة الغياب.” تخبرني أن ابنها إذا تأخر عشر دقائق عن موعد عودته، تبدأ السيناريوهات كلها بالمرور في رأسها. تتصل. ثم تعيد الاتصال. ثم تقف تنتظره عند الباب. ثم تفتح النافذة. “بعرف انو احتمال يكون بس عم يلعب… بس عقلي التعبان ما عاد يقتنع.”

في صباح اليوم التالي، الذي صادف ذكرى مجزرة البيضا، استيقظت المدينة على هدوء مختلف. “كان في هدوء الناس اللي ناطرة خبر.” من نافذتها، كانت ترى عناصر الأمن العام عند مداخل الحي. سياراتهم تقف في أماكن متفرقة، والعناصر يتحركون بين الشوارع بهدوء. تقول إن وجودهم خفف شيئاً من التوتر. “للأمانة حسّيت إنو في حدا عم يحاول يمنع الأسوأ.”

لكن الخوف لم يغادر، بل كان يبدّل مكانه فقط.

ليلى "حين يصبح الصمت طريقةً للنجاة"

على خلاف زينب، لم تبدأ ليلى حديثها بصوتٍ مسموع، بل برسائل متقطعة على تطبيق واتساب. كانت تكتب جملة، ثم تختفي لدقائق، قبل أن تعود بكلمات أقل. حتى إشعار “تكتب…” الذي كان يظهر على الشاشة ويختفي، بدا وكأنه جزء من الحكاية نفسها؛ كأنها تحاول الاقتراب من الذاكرة، ثم تتراجع في كل مرة.

ليلى (اسم مستعار)، من مواليد 1999، تعمل طبيبة في بانياس. خلال السنوات الماضية اعتادت أن ترى آثار التعب والخوف على وجوه مرضاها، لكنها تقول إن ما تبدّل بعد مجازر الساحل في آذار/مارس 2025 لم يكن مجرد الحالة النفسية للناس، بل الطريقة التي صاروا ينظرون فيها إلى بعضهم. “الناس هون تغيّرت فجأة.” تضيف في رسائلها: “كان المريض يفوت يحكي عن شغلو وولادو، ويطلع وهو يضحك. بعد آذار، صار الحديث مختصر. الناس بطلت تعرف شو لازم تقول.”

تقول إن الأيام التي سبقت ذكرى مجزرة البيضا كانت ثقيلة على المدينة، ليس بسبب ما كان يحدث في الشارع فقط، بل بسبب ما كانت تراه على شاشة هاتفها. “كنت عم افتح فيسبوك حتى أعرف شو عم يصير، وبكل مرة كنت سكرو وأنا خايفة أكتر.” المنشورات التحريضية، والتعليقات، ومقاطع الفيديو القديمة التي أعيد نشرها، جعلتها تشعر أن الخوف ينتقل بين الناس أسرع من أي خبر. “كنت حس إنو كل تعليق عم يضيف طبقة جديدة من الرعب.” وتتابع: “ما كنت عم خاف من منشور بحد ذاته، كنت عم خاف من الناس اللي ممكن تصدقو.” رغم أنها تعرف كثيراً من أبناء المدينة منذ سنوات، تقول إن الثقة نفسها بدت وكأنها تتراجع خطوة بعد أخرى. “كنت حس إنو المسافة بين الناس عم تكبر مع إنو الشوارع نفسها، والبيوت نفسها، والوجوه نفسها.”

في الشهادتين لا يظهر الخوف في لحظة المواجهة فقط، بل في التفاصيل اليومية التي تبدو عادية للآخرين. النافذة تتحول إلى نقطة مراقبة. إطفاء الضوء يصبح قراراً أمنياً لا عادة منزلية. مراجعة التعليقات على وسائل التواصل تتحول إلى قراءة لمستقبل مجهول. حتى الصمت نفسه لا يعود فراغاً، إنما يصبح فعلاً واعياً يختارهُ الإنسان لحماية نفسه. وكأنّ الحياة كلها تعيد ترتيب تفاصيلها حول سؤال واحد: ماذا لو عاد كل شيء من جديد؟

في إحدى تلك الليالي، أرسلت رسالة إلى أحد معارفها، فقط لتسأل إن كانت الأخبار التي تنتشر صحيحة. “ما رد.” تتوقف الرسائل لعدة دقائق. ثم تكتب: “أوقات الصمت بيكون أعلى من أي جواب.” تقول إن أكثر ما أتعبها لم يكن احتمال وقوع اعتداء جديد، بل الإحساس بأن المدينة كلها أصبحت تعيش في حالة انتظار. “ما حدا كان عارف شو رح يصير بس الكل كان متصرف كأنو رح يصير شي بيخوف.” تصف ذلك الشعور بأنه يشبه الوقوف لساعات أمام باب مغلق، وأنت متأكد أن أحداً سيطرقه، لكنك لا تعرف متى.

حين سألتها إن كانت استطاعت تجاوز تلك الأيام، بقيت علامة “تكتب…” تظهر وتختفي مرات عدة، قبل أن تصل رسالة قصيرة. “مو لهلأ.” ثم أرسلت رسالة ثانية: “لما بحاول إحكي، بحس إني عم عيشها من جديد.” وبعد دقائق، كتبت آخر جملة في المحادثة: “ما عاد بدي أتذكر.”

بعدها انتهى الحوار… لم تغلق ليلى الحديث لأنها لم تعد تملك ما تقوله، بل لأن الكلمات نفسها بدت أثقل من أن تُقال. في مدنٍ عاشت العنف، قد يكون التوقف عن الكلام أحياناً جزءاً من محاولة البقاء، تماماً كما يكون الكلام نفسه محاولة للنجاة.

حينَ سبق الأدبُ السوري علمَ النفس

ربما لا يحتاج السوريون دائماً إلى كتب علم النفس ليعرفوا كيف تعمل الصدمة؛ فقبل أن تتحدث الدراسات عن الخوف الاستباقي أو الذاكرة الصدمية، كتّاب سوريون كانوا يلتقطون تلك اللحظة الدقيقة التي يتوقف الخوف فيها عن كونه شعوراً مؤقتاً، ويصبح طريقة كاملة للعيش.

راتب شعبو: مجازر الساحل أحدثت صدعاً مبكّراً في أسس بناء دولةٍ وطنية بعد نظام الأسد

02 نيسان 2025
"الرصاص التي قتل عائلاتٍ آمنةٍ وعزلاء في بيوتها، هو رصاصٌ مؤجّل، موجّه إلى صدر كلّ سوري مهما اعتقد هذا السوري الصامت أو (المتشفّي) إنه بعيدٌ عن الرصاص" هذا ما يقوله...

في رواية "القوقعة" لا يكتب مصطفى خليفة عن السجن بوصفه جدراناً فقط، بل بوصفه حالة تنتقل إلى الجسد. بعد سنوات من العنف لا يعود الإنسان ينتظر الضربة بل يعيش كأنها وقعت بالفعل، يصبح الجسد أكثرَ سرعة من العقل بالتقاط الخطر قبل أن يتحقق، ويتعامل مع الاحتمال كما لو أنهُ حقيقة. تناولت سمر يزبك في أعمالها الحرب السورية في شهادات وروايات، إذ لا يعود الجسد مجرد شاهد على العنف بل يصبح الأرشيف الأول له. اليد التي ترتجف، العين التي تراقب الباب باستمرار، النوم المتقطع، الإصغاء لأي صوت مرتفع، كلها ليست تفاصيل صغيرة، بل لغة كاملة يكتب بها الجسد ما لا تستطيع اللغة قوله.

لذلك تبدو حركة زينب بين النافذة والهاتف، أو وصف بتول اختناقها في نهاية الحديث، أقرب إلى ذاكرة جسدية منها إلى ذاكرة عقلية، ولا يبدأ صوت الدراجة النارية في الشارع، بل يبدأ داخل صدر زينب؛ يسبقها قلبها إلى الخوف، ثم يأتي الصوت بعد ذلك.

في الشهادتين لا يظهر الخوف في لحظة المواجهة فقط، بل في التفاصيل اليومية التي تبدو عادية للآخرين. النافذة تتحول إلى نقطة مراقبة. إطفاء الضوء يصبح قراراً أمنياً لا عادة منزلية. مراجعة التعليقات على وسائل التواصل تتحول إلى قراءة لمستقبل مجهول. حتى الصمت نفسه لا يعود فراغاً، إنما يصبح فعلاً واعياً يختارهُ الإنسان لحماية نفسه. وكأنّ الحياة كلها تعيد ترتيب تفاصيلها حول سؤال واحد: ماذا لو عاد كل شيء من جديد؟ ربما لن تتذكر بانياس هذه الأيام كحدثٍ أمني فقط، بل كصوت، كإشاعة، كتعليق على فيسبوك، كنظرة طويلة من نافذة، أو كصمت مفاجئ من شخص كان يطمئنك دائماً.  يُعاد تشكيل الحياة حين يصبح الخوف جزءاً من نظام تشغيل خفي للحياة.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد