على نهر التّايمز ما لا يكفي لـ "كاسة متة"

عن اشتهاء المنفى، حتّى في المنفى


من ضفة التّايمز وطقس شرب المتة، ينطلق النّص ليسأل عن علاقة بعض السّوريين بوطنهم بعد المغادرة: "من يملك رفاهية أن يرى البلاد جميلة من الخارج، وكيف تُعيد المسافة تشكيل الذّاكرة والانتماء؟ وبالاستعانة بتمييز سفيتلانا بويم بين الحنين التّرميمي والتّأملي، يتتبع النّص إمكان أن نشتاق إلى مكان، ونرفض العودة إليه في الوقت نفسه، وأن يصبح المنفى مساحة لاختبار القطيعة بقدر ما هو تجربة للفقد.

20 آب 2026

علي عبد اللطيف

باحث من سوريا مقيم في المملكة المتحدة. حاصل على ماجستير في دراسات الجندر والشرق الأوسط من جامعة إكستر. يركّز عمله على تحليل الخطاب، والجنسانية، والذكوريّات، ويتناول الإقصاء الهيكلي والخطابي للمواضيع الكويرية، والجندر كمجال متنازع عليه للسلطة والتفاوض.

في الحقيبة الزّيتية الّتي أهدتني إياها فاليريا، صديقتي الكوستاريكيّة، أضع ترمس الماء السّاخن وجوزة المتة، الكاسة إجاصية الشّكل، ومن المفترض أن تكون من الخشب، لكن جوزتي من زجاج ومكسوة بإكسسوار بنّي خشن لتبدو كالجوزة الأصلية أو الجوزيّة كما تسميها أختي. كانت قد أعطتني إياها قبل أن أغادر سوريا، كان والدي قد أرسل معي أيضاً مصّاصات المتة القصب، وهي قشّات من نبات قصبي ينبت في السّاحل السّوري، سيجادل الكثير أن صناعتها شائعة في كثير من المناطق لكنّي سأقول إنّها حرفة طرطوس وريفها فقط، لن تجد المصاصة القصب إلّا ما قلّ في مكان آخر، الّتي قد تُصنع وليدة اللّحظة، في البرية عندما تكتشف أنّك قد نسيت مصاصتك المعدنية في وقت حرج لشرب المتة، ربما الفجر أو العصر، وستكون مزخرفة بأسماء الأبراج الفلكية أو أحرف تُعبّر عن الحرف الأول لمن تهديه إياها، وهي هدايا الآباء والأعمام في معظم الأحيان. حملت مجموعتي أسماء أبراج فلكية وأحرفاً مختلفة لم أعد أنتبه ما هي.

هناك علاقة وطيدة بين الطّبيعة وشرب المتة، غالباً ما تكون أفضل أوقات شربها تلك الأوقات في الطّبيعة، القرى، الجبال، ولكن لشربها بجانب الماء صيفاً نكهة مختلفة، حتّى إذا لم نكن قادرين على شربها عند نهر أو بحر، سنرش الماء حولنا ونشربها، ولو كان ذلك في عز الصّيف "الحرّاقي" كما يقال.

في لندن، يبدو ذلك سريالياً بعض الشّيء، أقصد معظم الأحيان أي ضفة لنهر التّايمز، ولم أصادف حتّى الآن أحداً يحمل التّرمس أو الجوزية، رغم أنّها مشروب عدد لا يستهان به من الشّعوب اللّاتينية أيضاً، ولندن بطبيعة الحال مدينة متعدّدة الجنسيات. لا تبدو المتة هنا أصيلة، في مدينة طابعها الحداثة والعالمية، ورغم ما يمكن أن يبدو عليه الطّرح من امتياز للتّساؤل حول أصالة شرب المتة في لندن "الآمنة" بعيداً عن صراعات المنطقة، أُدرك تماماً أنّ ما صنع المتة سابقاً هو المكان والأشخاص، والبيت، وكافيتيريا الأصدقاء، وكورنيش البحر، وغرفة إيجار صغيرة لأحد الشّباب، أو مكتب الإيجار الصّغير الّذي صنعنا منه منزلاً واستأجرناه جماعياً.

النسخة الفرنسيّة مني

06 نيسان 2022
بعد كتابتها عشرات الروايات باللغة العربيّة، والتي تُرجمت إلى لغات متعدّدة، خاضت الكاتبة والروائيّة مها حسن، تجربتها الكتابيّة الأولى باللغة الفرنسيّة. تكتب في هذا النص الذاتي عن تجربتها تلك، عن...

يتراءى السّؤال: متى تصبح البلاد جميلة، حين نعيش فيها، أم حين نفقدها؟

على عكس ما سيتوقع القارئ، هذا السّرد ليس رومانسياً، ولا كلاماً عن جمال البلاد وكرم أهل البلاد وأكلها الاستثنائي وأنهارها الخلّابة وبحرها الجذّاب وجبالها وساحاتها القديمة وقبلات الحبّ المسروقة في أزقّة المدن القديمة. هنا يُسرد اشتهاء القطيعة والانفصال العاطفي والوجداني مع الوطن وسؤاله المشوّه في الوجدان والذّاكرة عند بعضنا، بعض من غادروا بلدانهم. لقد تمنيت الغربة في حياتي في سوريا، وما زلت أتمناها خارجها. قد تكون الإجابة الصّعبة التي لن يرغب أحد بسماعها، هي أنّ البلاد ربما لن تصبح جميلة أبداً.

وربما قد يكون السّؤال الأدق: من يملك رفاهية أن يرى البلاد جميلة؟ أُلاحظ ذلك كثيراً في مقاطع "الرّيلز" و"الفلوغات" السّياحية عن سوريا، تلك الّتي تمرّ على الأسواق القديمة والبحر والجبال والطّعام والبيوت الحجرية، مُصوّروها في معظم الأحيان "إنفلونسرز" محليون صاعدون أو أجانب، ويملأ النّاس تعليقاتها بعبارات عن جمال البلد الّذي "لا يشبهه شيء". كثيراً ما أفتح حسابات أصحاب التّعليقات، ألاحظ نمطاً في معظم الأحيان، أجد علماً آخر إلى جانب العلم السّوري، أو حياة واضحة في الخارج، أو قدرة على زيارة البلد والعودة منه متى شاؤوا، ولا أشكّك من خلال ملاحظتي في صدق المشاعر والنّية، بقدر ما يمكن أن تكون المسألة أبسط وأكثر قسوة: "من يستطيع أن يأتي إلى المكان ويغادره لا يراه بالطّريقة نفسها الّتي يراه بها من عليه أن يعيش فيه كلّ يوم. أعتقد أنّها مفارقة لازمت سوريا وأوطاناً غيرها منذ سنوات طويلة مضت. قد لا تكذب المسافة حين تجعل الأماكن أجمل، لأنّها تُقلّل أحياناً بعض شروط استرجاع تلك الصّورة، إذ يصبح المكان قابلاً للمشاهدة بعد أن كان علينا أن نعيش فيه.

"إنّ غاية الحنين مغرية عصية على الفهم"، تقول المنظّرة والرّوائية الرّوسية الأمريكية سفيتلانا بويم. تشرح لنا مؤلفة كتاب "مستقبل الحنين" كيف يتحدّث الحنين (النوستالجيا) إلى الماضي بالألغاز والأحاجي، وكيف على المرء أن يواجهه كي لا يصبح ضحيته التّالية، أو جانيه التّالي.

تُميّز بويم بين حنين يريد إصلاح الماضي وإعادة بناء البيت (الوطن) المفقود، وحنين آخر لا يصدّق تماماً بإمكان ذلك. تسمّي الأول ترميمياً، والثّاني حنيناً تأملياً؛ يبقى عند المسافة بين ما نتذكّره وما نعرفه، ولا يحاول إغلاقها. يمكن للحنين التأمليّ أن يشتاق ويشك في اشتياقه معاً، وأن يتأثر بالماضي من دون أن يعفيه ذلك من مساءلته. يترك العلاقة بالشّوق معلّقة، ويقبل أن تكون العلاقة بالمكان متناقضة، بأن نفتقده ونرفضه، وأن نتأثر بذكراه ونحاكمها في الوقت نفسه، وقد يكون ساخراً أيضاً، لأنّ السّخرية تخرق الجديّة الثّقيلة الّتي تحيط عادةً بكلمات مثل الوطن والأصل والعودة، وتمنع العاطفة من أن تتحوّل إلى حقيقة نهائية.

تُميّز بويم بين حنين يريد إصلاح الماضي وإعادة بناء البيت (الوطن) المفقود، وحنين آخر لا يصدّق تماماً بإمكان ذلك. تسمّي الأول ترميمياً، والثّاني حنيناً تأملياً؛ يبقى عند المسافة بين ما نتذكّره وما نعرفه، ولا يحاول إغلاقها.

أحياناً يبدو لي أنّ المنفى هو المكان الأكثر امتلاءً بالأوطان. تُصبح العلامات المادية أكثر حضوراً في مجتمعات الشتات: الأطعمة والأعلام والأغاني واللّهجات والطّقوس الصّغيرة الّتي تستدعي الذّاكرة، وتمنح المرء إحساساً مؤقتاً بـ"البيت"، وهذا حقّ مشروع؛ أن يشعر الإنسان بما يريد، وأن يصنع علاقته بالمكان الّذي غادره بالطّريقة الّتي تناسبه، لكن هذه الاستعادات تبدو لي، غالباً، أكبر من أن تترك لي مجالاً للقطيعة.  تُعيد تركيب الوطن في صورة أكثر صفاءً وتماسكاً ممّا كان عليه، وبشكل مشحون سياسياً أكثر من أيّ وقت مضى، مقصيةً أيّ مجال مختلف أو فرد لا يدور في هذا الفُلك من الخطابات والتّصورات والحنين.

تظهر لي خوارزميات مواقع التّواصل مقاطع لـ"ناشطي" المنفى، يطالبون النّاس بالاعتزاز بعروبتهم أو إسلامهم أو قوميتهم، كما لو أنّ المسافة عن المكان لا بُدّ أن تُعالَج بالتّشبث بهوية أكثر صلابة. أمّا أنا فأحاول، في بعض الأحيان، الذّهاب إلى الأماكن الّتي أشعر فيها بأنّني أبدو عربياً أو شرق أوسطي بدرجة أقل؛ ربما لأنّني لا أريد أن يكون هو التّعريف الّذي يسبقني دائماً، أو يبقيني في مجال الحنين التّرميمي، وهو شعوري الشّخصي الّذي لربما يتغيّر مستقبلاً.

لويز عبد الكريم: الهويّة التي حطمها المنفى

01 أيار 2024
"حين تركت الشام، شعرت أنّ روحي انشلعت" هذا ما تقوله لويز عبد الكريم التي ترفض أن تُعرّف نفسها كممثلة اليوم، ومع ذلك هي لا تفكر بالعودة إلى البلد، لأنّ "سوريا...

ينتقل الحنين التّرميمي من علاقة شخصية ومتناقضة بالماضي إلى محاولة لاستعادة وطن مكتمل وهوية متماسكة، يتقدّم كحقيقة وتقاليد: هكذا كان، وهكذا ينبغي أن يبقى. ينتقي من الماضي رموزاً وطقوساً وقِيماً، ثمّ يستخدمها لإثبات استمرارية أصل واحد وهوية واحدة، فيُخفي ما كان في ذلك الماضي -  وحتّى الحاضر - من تناقض واختلاف، لا يعني ذلك أن كلّ أغنية أو وجبة أو جوزة متة مشروع لتّرميم الوطن؛ الفارق ربما هو بين علامة تفتح الذّاكرة على تعقيدها، وأُخرى تغلقها داخل صورة واحدة لما يجب أن نكونه.

في المقابل، لا يعد الحنين التّأملي بالرّجوع إلى موطن لم يتغير، ولا يفترض أنّ العودة هي النّهاية الطّبيعية أو الأخلاقية لكل من غادر، فالمكان قد يكون قد تهدّم، أو تغير حتَّى لم يعد يشبه نفسه، وقد يكون من غادره هو الّذي لم يعد الشّخص نفسه.

لا أعرف أيضاً إن كان المنفى يجعل انتماءنا إلى ما قد يسميه البعض "المكان الأصلي" أقوى بالضّرورة. ثمة حبكة مألوفة لحكايات الغربة: نغادر مكاناً يُفترض أنّه الأصل، ثمّ تظلّ بقية حياتنا مشدودة إليه، كأنّ الفقد لا بدّ أن يُولّد رغبة في استعادته، وكأنَّ العودة إليه - حتّى لو نفسياً أو وجدانياً - هي الطّريقة الّتي تكتمل بها الحكاية.

قد يُمكّننا المنفى من تفكيك معنى الأصل نفسه، وربما يجعل أشياء بدت يوماً ثابتة فينا أقلّ ثباتاً مما تصورنا. في بعض الأحيان، أريد أن أرى ما الّذي يحدث حين تضعف قبضة هذه التّعريفات قليلاً، وحين يصبح ممكناً أن أصنع علاقة بالمكان الّذي جئت منه لا تقوم على الوفاء له كما هو.

"لقد أُشيد كثيراً بالعودة السّعيدة إلى الوطن، لذا فقد حان الوقت لإنصاف قصص عدم العودة والإشادة المترددة بالمنفى"، تقول بويم.

أُفكّر في هذه الإشادة المتردّدة، في ألّا تكون العودة الخاتمة الوحيدة المقبولة للحكاية، فاشتهاء القطيعة قد لا يعني الانقطاع عن أسئلة الوطن، كما أنّ حَمل جوزة المتة ليس وعداً بالرجوع. ربما يمكنني الاحتفاظ بتفصيل من المكان من دون استعادة العالم الّذي أُحيط به، وأن أشرب المتة على ضفة التّايمز من دون محاولة تحويلها إلى كورنيش آخر، وربما كان اشتهاء المنفى في المنفى هو اشتهاء هذه المسافة نفسها: "أن أختار ما يبقى من الوطن، بدلاً من أن يبقى الوطن كلّه فيّ".

لقد تمنيت الغربة في حياتي في سوريا، وما زلت أتمناها خارجها. قد تكون الإجابة الصّعبة التي لن يرغب أحد بسماعها، هي أنّ البلاد ربما لن تصبح جميلة أبداً.

لا بدّ أيضاً من الإقرار بخطورة أن تتحوّل "أنا" في التّجارب الذّاتية إلى سوريّات مصغّرة، وأن يصبح شعور التّجربة تفسيراً لما يشعر به كثيرون ممّن غادروا أو بَقُوا. قد تكون الرّغبة في القطيعة نفسها امتيازاً لا يملكه من لا تزال حياته معلّقة ببلد لم يستطع مغادرته، أو بعائلة لا يستطيع إخراجها منه، أو بوضع قانوني ومادي يجعل "الوطن" أقلّ تجريداً بكثير ممّا يبدو من ضفة التّايمز.

وأنا "أحتسي" المتة مع فاليريا، إن جاز استعمال بلاغة كهذه من دون شيء من التّهكّم، أُحاول أن أشرح لها العادات والميمز والنّقاشات الّتي تدور بيني وبين أصدقائي. أشرح بصعوبة لا تتناسب مع بساطة الموضوع، لماذا لا يشبه الشّنكليش البلو تشيز، وما الّذي يجعل مثلاً شعبياً مضحكاً في بيئة وسخيفاً أو بلا معنى خارجها أكتشف في كلّ مرة أنّ ما أحمله من المكان لا يُترجم كاملاً؛ وأنّ بعض الأشياء لا تُفهم إلّا من حياة طويلة جرت حولها.

أتمنى أحياناً لو استطعت أن أحمل رفاقي وعائلتي جميعاً إلى خارج تلك البقعة الّتي تتخرّب في ذاكرتي، والّتي تذكرني بضيق العيش، لكن الفكرة - بصراحة وكل ما تحمله هذه الصّراحة من أنانية - تخيفني  بقدر ما تغريني: ماذا لو غادرناها كلنا وبقيت فينا؟ ماذا لو اجتمعنا أخيراً في "المكان الآمن"، ثمّ اكتشفنا أنّنا لم نغادر، وأنّنا ما زلنا، حتّى ونحن معاً، نشتهي منفىً آخر؟

مقالات متعلقة

من سوريا العثمانيّة إلى الأرجنتين

16 آب 2021
في بيروت، في العام 1913، تسلّل جدّي الأكبر إلى سفينة متجهة نحو الأرجنتين. السنوات والعقود التي تلت ذلك التاريخ هي تاريخ عائلتي، وكذلك جزء من قصة العرب الأرجنتينيين.
أنديّة سوريّة في ساو باولو

15 آذار 2022
على بعد آلاف الأميال عن الوطن تأسّس في مدينة ساو باولو البرازيليّة عددٌ من النوادي الاجتماعيّة، منها "نادي زحلة" و"نادي حمص"، اللذيّن تأسّسا على أيدي مهاجرين سعوا وعملوا لإبقاء الوطن...
من "روضة" دمشق إلى "آينشتاين" برلين.. خفقة قلب

20 آب 2020
"لا تقترب المدن من قلبي ويصبح لها مساحة خاصة به، ما لم أجد فيها مكانا يألفه القلب، وهذا المكان ليس إلا المقهى. إذ لا أعتبر المدينة "مدينتي" ما لم يكن...
في أحوال "منفانا"

25 حزيران 2021
من يعيش المنفى حقًا، ذلك المواطن الذي يعيش اليوم في دكتاتوريّة الأسد أو دكتاتوريّة كوريا الشماليّة أم نحن الذين نعيش في "المنافي"؟ وما هو المنفى أساسًا؟ بل ما هو الوطن؟...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد