حظيت زيارة خبراء صندوق النّقد الدّولي إلى سوريا في منتصف يوليو/تموز 2026، والتَّقرير الَّذي صدر بعد أسابيع قليلة في أغسطس/آب، بترحيب واسع من قبل السّلطة الحاكمة في دمشق والمسؤولين السّوريين، لما لها من أثر في تعزيز "الثقة بإصلاحات ترسم مسار التّعافي الاقتصادي في سوريا". فعلى سبيل المثال، " وزير المالية السّوري محمد يسر برنية رحّب بدوره بتقييم الصّندوق بشأن تحسّن النّمو وأداء المالية العامة في سوريا، مؤكداً أن التَّقييم يمثّل رسالة مهمة تعزّز الثقة بالإصلاحات الَّتي تعمل عليها الحكومة، لاستعادة الاستقرار الاقتصادي الكُلي ودعم التَّعافي".
أعلن تقرير فريق الزّيارة التَّابع لصندوق النَّقد الدّولي أنّ النّمو المتوقع في عام 2026 "أكثر من 10 في المئة... نتيجة تحسن معدلات هطول الأمطار، وتوسع إنتاج الهيدروكربونات، وتحسن إمدادات الكهرباء، واستمرار نمو قطاعي التّجارة والخدمات". ويشير التّقرير إلى أن " من المتوقع أن يظل النّمو قوياً في عام 2027". وقد أعلن وزير المالية عن نمو بنسبة 11.3% لعام 2026 و9.7% لعام 2027. ومع ذلك، تُقر المؤسسة المالية الدّولية بأن " هذا النمو يظل متفاوتاً بين المناطق، فيما لا يزال الفقر واسع الانتشار، على الرّغم من تراجعه إلى حدٍّ ما". علاوة على ذلك، تُشير المؤسسة إلى أنَّ التّضخم قد ارتفع في عام 2026 "نتيجة لارتفاع أسعار الواردات، ولا سيما الوقود والمواد الغذائية، بسبب الصّراع الإقليمي، فضلاً عن تحسن الطّلب المحلي، بما في ذلك الزّيادات في أجور القطاع العام... وارتفاع أسعار الخدمات العامة".
أشاد صندوق النّقد الدّولي بالأداء المالي للحكومة السورية، مشيراً إلى الفائض المحدود في ميزانية عام 2025، وإلى ضبط الإنفاق في حدود الموارد المتاحة، (مع تركيز الإنفاق على تلبية الاحتياجات الأساسية). كما قيّم الصندوق بشكل إيجابي الزيادة المحتملة في الإيرادات عام 2026، استناداً إلى "الإيرادات الضّريبية والجمركية في النّصف الأول من العام، بالإضافة إلى زيادة إيرادات الهيدروكربونات وبعض الإيرادات الاستثنائية، بما في ذلك الإيرادات النّاتجة عن رسوم تراخيص الاتصالات ورسوم عبور الوقود"، ويضيف التقرير أنّ "لمواصلة تحسين تعبئة الإيرادات من خلال إصلاح النّظام الضّريبي وتعزيز كفاءة الإدارة الضّريبية والجمركية، مع ضرورة تقليص الإعفاءات الضريبية، أهمية بالغة في توفير الحيز المالي اللّازم للإنفاق التّنموي وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي وحماية الفئات الأكثر ضعفاً من السّكان".
ويشير التّقرير أيضاً إلى ضرورة استمرار (الدّعم المالي الدّولي)، و"الإسراع في إعادة تأهيل القطاع المصرفي، الذي يُعدُّ أمراً بالغ الأهمية لتمكينه من أداء دوره في الوساطة المالية وتسهيل المدفوعات محلياً ودولياً، فضلاً عن توفير قناة فعالة لانتقال أثر السّياسة النّقدية".
بالتزامن مع أحدث تقرير لفريق صندوق النّقد الدّولي، قدّم البنك الدُّولي في أغسطس/آب منحة خامسة لسوريا منذ سقوط نظام الأسد، بقيمة 100 مليون دولار من المؤسسة الدّولية للتّنمية (IDA) لدعم سوريا في إرساء الرّكائز الأساسية لقطاع مالي حديث وآمن وقائم على التّكنولوجيا الرّقمية وذلك بعد مُنَح سابقة في قطاعات الكهرباء والصّحة والمياه وإدارة المالية العامة. وبهذه المنحة الأخيرة، يصل إجمالي المُنح المقدمة لسوريا إلى 491 مليون دولار أمريكي. ويذكر البنك الدّولي على موقعه الإلكتروني أنّ "سوريا، منذ مطلع عام 2025، قد شرعت في تنفيذ برنامج إصلاحي شامل يهدف إلى تحديث المؤسسات ودعم الاستقرار الاقتصادي وإعادة الإعمار".
عن ضرورة إدراج منظور اجتماعي-اقتصادي في العدالة الانتقالية
12 كانون الثاني 2026
أعاد كل من البنك الدّولي وصندوق النّقد الدّولي علاقاتهما مع سوريا عقب سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وإعادة دمج البلاد تدريجياً في السّاحة السّياسية الإقليمية والدّولية، بالتزامن مع رفع العقوبات الدّولية تدريجياً. وفي منتصف أبريل/نيسان 2025، حضر محافظ البنك المركزي السّوري السّابق ووزير المالية اجتماعات الرّبيع لصندوق النّقد الدّولي والبنك الدّولي لأول مرة منذ أكثر من عقدين. وبعد أسابيع قليلة، أعلنت السّعودية وقطر عن تسويتهما متأخرات سوريا للبنك الدّولي، والتي بلغت نحو خمسة عشر مليون دولار. وقد مكّن سداد هذه المتأخرات سوريا من استئناف الحصول على الدّعم المالي والمساعدة الفنية من البنك. وفي أوائل يونيو/حزيران 2025، زار وفد من صندوق النّقد الدّولي سوريا لأول مرة منذ عام 2009، والتقى بمسؤولين من القطاعين العام والخاص، بمن فيهم وزير المالية ومحافظ البنك المركزي السّابق.
في حين أن هذا التّقارب السّريع مع هذه المؤسسات المالية الدّولية الرّئيسية يرتبط باستراتيجية السّياسة الخارجية للسّلطات السّورية الحاكمة لترسيخ البلاد في تحالف تقوده الولايات المتحدة مع حلفائها الإقليميين، فإن التّعاون الوثيق مع هذه المؤسسات له بالطبع آثار على اقتصاد البلاد.
يثير هذا الأمر تساؤلات، إذ سبق لكلتا المؤسستين أن قدمتا المشورة والتّوصيات لسوريا في العقد الأول من الألفية الثانية. بل إنّ بشار الأسد، على عكس والده، سمح للبنك الدولي وصندوق النّقد الدّولي بالتّدخل في عملية التّحرير الاقتصادي من خلال تقديم الخدمات الاستشارية والتّحليلية.
صندوق النّقد الدُّولي والبنك الدُّولي، والتَّحرير الاقتصادي في سوريا
أبدى كلا الطَّرفين تقييماً إيجابياً للإصلاحات الاقتصادية التّحريرية السّورية في العقد الأول من 2000، بما في ذلك إنشاء بنوك خاصة وتطوير نظام مالي خاص، وتحرير التجارة، وتخفيض ضرائب الشّركات، وتشجيع مرونة سوق العمل وخصخصة الشّركات المملوكة للدّولة (لا سيما من خلال الشّراكات بين القطاعين العام والخاص) وغيرها. وقد أشاد صندوق النّقد الدّولي في تقريره الصّادر عام 2008 بالجهود المتواصلة للانتقال نحو اقتصاد السّوق، وذلك من خلال تحسين بيئة الأعمال عبر تحديث وتبسيط الإطار التّنظيمي، ومواصلة تحرير التّجارة. كما أثنى البنك الدولي على حصول السّلطات السّورية على صفة مراقب في منظمة التّجارة العالمية في مايو/أيار 2010، وعلى إبرام العديد من اتفاقيات التّجارة الحرة- منطقة التّجارة الحرة العربية الكبرى (GAFTA) ومع تركيا- واتفاقية الشّراكة مع الاتحاد الأوروبي، معتبراً ذلك مؤشراً جيداً على نية سوريا الاندماج في الاقتصاد العالمي للاستفادة من نمو التّجارة الدّولية. هذا بغض النّظر عن الآثار السّلبية لتحرير التّجارة هذا على الشّركات السّورية الصّغيرة والمتوسطة في قطاع الصّناعات التّحويلية الّتي لم تعد قادرة على المنافسة، مما اضطر العديد منها إلى إغلاق مشاريعها.
وبالمثل، دعت كلتا المؤسستين الماليتين الدّوليتين مراراً وتكراراً إلى (ضبط الأوضاع المالية) طوال العقد الأول من 2000، أي اتباع سياسات تقشفية تشمل تعزيز إجراءات إنهاء الدعم، وتقليص دور الدولة في الاقتصاد، بما في ذلك تجميد التوظيف في القطاع العام وخفض دور الدّولة في الاستثمار المحلي. ودعا صندوق النّقد الدّولي إلى مزيد من خفض دعم المحروقات النّفطية بهدف القضاء عليه نهائيًا وإطلاق ضريبة القيمة المضافة، ومواصلة كبح الإنفاق العام، وتشجيع اتفاقيات الشراكة بين القطاعين العام والخاص. من جانبه، رأى البنك الدولي سلباً في عدم مرونة أسواق العمل في سوريا، مشيراً إلى أن "سوريا، وفقاً لمؤشر (صعوبة تسريح العمال) في تقرير 2005 Doing Business ، تأتي في مرتبة أدنى من متوسط منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا... وهذا قد يحدُّ من قدرة الشَّركات على تعديل قوى العمل لديها ومزيج المهارات استجابةً لظروف السّوق، وعلى تحفيز العمال على الأداء الجيد". أخذ النظام السوري السابق هذه الملاحظات بعين الاعتبار في قانون العمل رقم 17 الصادر عام 2010، والذي ينظم العلاقات بين العمال وأصحاب العمل في القطاعات الخاصة والعامة- الخاصة والتعاونية. وقد انحاز هذا القانون بوضوح إلى جانب أصحاب العمل على حساب العمال، إذ منحت المادة 64 منه أصحاب العمل الحقَّ في فصل عمالهم دون أي مبرر وبتعويضات ضئيلة للغاية. إضافةً إلى ذلك، ورغم الاعتراف الرسمي بحق المفاوضة الجماعية في قانون العمل رقم 17، احتفظت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بصلاحيات واسعة لرفض تسجيل الاتفاقيات الجماعية النهائية والطعن فيها. علاوة على ذلك، ورغم عدم حظر الإضرابات رسمياً في القطاع الخاص، إلا أن الحق في الإضراب غالباً ما يُقوَّض بسبب احتمالية التعرض لإجراءات عقابية وغرامات.
احتفت كلتا المؤسستين الماليتين الدوليتين بنمو الناتج المحلي الإجمالي السوري من 28.8 مليار دولار عام 2005 إلى 60 مليار دولار عام 2010، ووصول متوسط النمو السنوي للبلاد إلى 4.3%. إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه حول المستفيدين من هذا النمو لم يُطرح قط... وبالتأكيد لم تكن الطبقات العاملة والشعبية التي تضررت من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، بل الطبقة العليا السورية والمستثمرون الأجانب، لا سيما من دول الخليج وتركيا. في عام 2007، بلغت نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر 33%، أي ما يقارب سبعة ملايين نسمة، بينما كان 30% منهم يعيشون فوق هذا المستوى بقليل. ويمثل هذا تحولاً كبيراً عن أواخر التسعينيات، حين لم تتجاوز نسبة من يعيشون تحت خط الفقر 14.3%. تركز الفقر بشكل خاص في المناطق الريفية، حيث كان 62% من فقراء سوريا يعيشون في المناطق الريفية مقارنة بـ 38% في المناطق الحضرية اعتباراً من عام 2004. وفي الوقت نفسه، كان ما يزيد قليلاً عن نصف إجمالي العاطلين عن العمل في سوريا موجودين في المناطق الريفية.
في الوقت نفسه، وبينما دافع البنك الدولي عن تهيئة مناخ استثماري قوي، انطلاقاً من أن الأدبيات الاقتصادية تُؤكد أن النمو الاقتصادي، بقيادة القطاع الخاص، هو المحرك الرئيسي لتوسع فرص العمل والدخل، لم ينعكس هذا الأمر في سوريا خلال العقد الأول من الألفية الثانية. فقد انخفض معدل مشاركة القوى العاملة للأفراد الذين تبلغ أعمارهم 15 عاماً فأكثر من 52.3% عام 2001 إلى حوالي 42.7% و43.5% عام 2010. وكان هذا نتيجة مباشرة لفشل السياسات النيوليبرالية لنظام الأسد، الذي عجز عن استيعاب الداخلين المحتملين إلى سوق العمل، ولا سيما الخريجين الشباب. لم يُوفر الاقتصاد السوري سوى 400 ألف وظيفة صافية بين عامي 2001 و2010، بمعدل نمو سنوي قدره 0.9%، مما أدى إلى انخفاض معدل التوظيف من 47% عام 2001 إلى 39% عام 2010. وقد حدث هذا التراجع في معدل المشاركة في القوى العاملة في كل من المناطق الريفية والحضرية، ولكنه كان أكثر حدة في المناطق الريفية.
بمعنى آخر، أدت سياسات التحرير الاقتصادي إلى فقر غير مسبوق، بينما استمرت فجوة التفاوت في الثروة بالتفاقم، في حين خلقت عمليات الخصخصة احتكارات جديدة في أيدي أقارب بشار الأسد ونظامه ومقربيهم.+
علاوة على ذلك، أدت هذه السياسات النيوليبرالية في الواقع إلى مرحلة جديدة من "الاستبداد المُطوَّر"، ولم تُفضِ إطلاقًا إلى عملية تعزيز "طبقة وسطى مستقلة أو رأسماليين" كان من المفترض أن يَتَحدّوا الديكتاتوريات ويقودوا إلى الديمقراطية، وهو خطاب روجت له الأدبيات الأكاديمية طوال التسعينيات وما بعدها، والمؤسسات المالية الدولية، وبعض الدول الغربية، ولا سيما الحكومات الأمريكية التي جمعت بين توسيع السياسات النيوليبرالية وما يُسمى بأجندة الترويج "للديمقراطية" في الجنوب العالمي.
في هذا السياق، ستكون قطاعات واسعة من المتضررين من عملية التحرير الاقتصادي، ولا سيما الطبقات الشعبية والعاملة من القرى إلى المدن المتوسطة، في طليعة الانتفاضة. إن غياب الديمقراطية وتزايد فقر أجزاء كبيرة من المجتمع السوري، في ظل مناخ من الفساد وتزايد عدم المساواة الاجتماعية، مهّد الطريق للانتفاضة الشعبية، التي لم تكن تحتاج بالتالي إلا إلى شرارة.
صناعة النبيذ السورية: مقاومةٌ مخبّأة في الجرار
30 كانون الأول 2025
مع ذلك، وكما هو الحال في مناطق أخرى من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عجز كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي عن فهم جذور الثورة في سوريا. فقد نشر صندوق النقد الدولي تقريرًا عام 2016 يصف فيه الاقتصاد السوري قبل عام 2011 بأنه مستقر ويشهد نمواً قوياً. وبينما يشير التقرير نفسه إلى تفاقم الفقر والبطالة والتفاوتات الإقليمية في سوريا، فإنه لا يربط ذلك بسياسات التحرير الاقتصادي وآثارها السلبية. بل يشير التقرير إلى عناصر لم يذكرها قبل عام 2011، كغياب سيادة القانون والإصلاحات السياسية... كان هذا بوضوح وسيلة لحماية التوجهات الاقتصادية لهذه المؤسسات التي كانت قبل الانتفاضة تُقيّم عملية التحرير الاقتصادي في البلاد تقييماً إيجابياً.
وانعكاساً لهذا النمط من إقصاء السياسات الاقتصادية النيوليبرالية باعتبارها أحد المصادر الرئيسية للانتفاضات الإقليمية عام 2011، أعلن بيان صادر عن البنك الدولي في أكتوبر/تشرين الأول 2015 ما يلي:
"بالنظر إلى البيانات الاقتصادية وحدها، كان من المفترض ألا تحدث ثورات الربيع العربي عام 2011. فقد كانت الأرقام المسجلة في العقود السابقة ترسم صورة مشرقة: إذ كانت المنطقة تحرز تقدماً مطرداً نحو القضاء على الفقر المدقع، وتعزيز الرخاء المشترك، وزيادة معدلات الالتحاق بالمدارس، والحد من الجوع ووفيات الأطفال والأمهات. كانت الإصلاحات جارية، وكان النمو الاقتصادي معتدلاً. ثم، في أواخر عام 2010 وأوائل عام 2011، خرج ملايين الأشخاص إلى شوارع المدن الكبرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مطالبين بالتغيير، وبدأ الشارع العربي يروي قصة لم تتوقعها المؤشرات الكمية التقليدية".
علاوة على ذلك، ذكر تقرير آخر للبنك الدولي عام 2016، يحلل اندلاع انتفاضات الربيع العربي، أن "الدراسة تستبعد ارتفاع مستوى عدم المساواة بوصفه سبباً لانتفاضات الربيع العربي... كما أن المؤشرات الاقتصادية التي ترصد نمو الدخل ومعدلات الفقر وعدم المساواة في الإنفاق أو الدخل، قدمت صورة إيجابية، وأشارت إلى أن الأنظمة العربية الاستبدادية قد حققت أهدافها في التنمية الاقتصادية والبشرية والرخاء المشترك... وكان من الممكن الاستنتاج أن فوائد النمو الاقتصادي قد وُزعت على نطاق واسع في العالم العربي"... ويجادل التقرير بدلاً من ذلك بأن السبب الحقيقي هو استياء الطبقة الوسطى من عدم حصولها على ما اعتبرته نصيبها العادل من الوفرة.
في الواقع، كان البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بعيدين كل البعد عن الواقع بتجاهلهما لتفاقم الفقر، وعدم المساواة الاجتماعية، وتركز الثروة في أيدي نخبة صغيرة، مما جعل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المنطقة الأكثر تفاوتاً في العالم. فشلت هذه المؤسسات المالية الدولية في إدراك أن الأسباب الجذرية للحصار الاقتصادي طويل الأمد الذي يُعاني منه المجتمع السوري والمجتمعات الإقليمية، وما تلاه من انتفاضات، تكمن في آليات محددة لنمط الإنتاج الرأسمالي السائد في المنطقة العربية، والذي يُهيمن عليه الربح قصير الأجل في القطاعات غير الإنتاجية للاقتصاد، وفي الإرث النيوليبرالي للعقود الماضية. وخلف المظاهر والأداء الاقتصادي الكلي الجيد، تُعاني جميع دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أعراض متشابهة. وتتسم اقتصاداتها بالاستقطاب في قطاعات محدودة، وانخفاض معدلات التوظيف بشكل كبير مصحوباً بمعدلات هجرة عالية للغاية للمهارات، وإدارة الموارد (بما في ذلك الموارد غير الطبيعية) على أساس الريع، والفساد الذي تُديره قلة من الأوليغارشية.
توقع نتائج مختلفة مع استراتيجيات مماثلة...
كتب كارل ماركس: "التاريخ يعيد نفسه مرتين، المرة الأولى كمأساة والثانية كمهزلة".
لكنها للأسف ليست مهزلة... فالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي يتبنيان توجهاً سياسياً اقتصادياً متشابهاً، بما في ذلك إجبار دول المنطقة على تطبيق سياسات كانت نفسها السبب الجذري للانتفاضات، بل وتعميقها. ولا يزالان يزعمان أن قطاعات واسعة من الاقتصاد بحاجة إلى الخصخصة، ويؤيدان تحرير التجارة ولوائح أكثر ملاءمة لجذب الاستثمار الأجنبي، وتدابير التقشف، بما في ذلك وقف الدعم، إلخ...
لا يختلف الوضع في سوريا اليوم. فكيف يُمكن تفسير عبارة "مواصلة اتباع سياسات مالية عامة ونقدية سليمة" بخلاف اتباع إجراءات التقشف، مثل خفض الدعم؟ إن تحسن "أداء المالية العامة"، كما وصفه صندوق النقد الدولي، والذي تحقق في معظمه من خلال خفض الدعم، وتقليل الإنفاق العام والاستثمار، يُشجع هذا التوجه المالي والاقتصادي، بغض النظر عن آثاره على السكان وارتفاع تكاليف المعيشة. ساهم ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية في زيادة التضخم، مما رفع تكلفة المعيشة للسوريين. ورغم أن السلطات الحاكمة رفعت رواتب القطاع العام ومعاشات التقاعد بنسبة 200% في يوليو/تموز 2025، وبنسبة 50% أخرى في مارس/آذار 2026، ليصل الحد الأدنى للأجور إلى 1,256,000 ليرة سورية شهرياً (حوالي 114 دولاراً أمريكياً) في ذلك الوقت، إلا أن هذا المبلغ لا يزال غير كافٍ لضمان ظروف معيشية كريمة. ووفقاً للمركز السوري لبحوث السياسات، بلغ خط الفقر المدقع لأسرة سورية 3.34 ملايين ليرة سورية شهرياً في نيسان/أبريل 2026، بينما بلغ خط الفقر الأدنى 5.26 ملايين ليرة، وخط الفقر الأعلى 7.26 ملايين ليرة، وهو ما يعني أن الحد الأدنى الرسمي للأجور لا يزال بعيداً عن الحد الأدنى اللازم لتأمين مستوى معيشي لائق.
إلى جانب هذه الديناميكيات، يتوقع صندوق النقد الدولي تباطؤ التضخم في عام 2027، "شريطة انحسار الضغوط المرتبطة بأسعار الواردات، ومواصلة اتباع سياسات مالية ونقدية سليمة". إلا أن الإدارة النقدية الحالية للبنك المركزي ولتحقيق استقرار سعر صرف الدولار، قامت بتجميد السيولة، مما كان له آثار وخيمة على الاقتصاد الوطني، ومن بين آثاره السلبية العديدة إضعاف القدرة على تعزيز سياسة تقديم القروض للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وبالتالي خلق عقبة رئيسية أمام الانتعاش الاقتصادي الوطني.
في الوقت نفسه، يُشير صندوق النقد الدولي إلى أنّه "كما تولي السلطات اهتماماً مناسباً لمواصلة تحسين تعبئة الإيرادات من خلال إصلاح النظام الضريبي وتعزيز كفاءة الإدارة الضريبية والجمركية ". مع ذلك، فقد تركز تحصيل الإيرادات في الغالب على الضرائب غير المباشرة والرسوم الجمركية المرتبطة بالاستهلاك والتجارة. ولا تزال الإيرادات الضريبية، مقارنةً بالناتج المحلي الإجمالي، منخفضة للغاية مقارنةً بالدول الأخرى، إذ لا تتجاوز 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لتصريح وزير المالية السوري في مايو/أيار 2026. وفي الأشهر الستة الأولى من عام 2026، شكلت الرسوم الجمركية المصدر الأكبر لإيرادات الدولة بقيمة 1.079 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل 40% من إجمالي الإيرادات، بينما لم تتجاوز الإيرادات من الضرائب والرسوم غير الجمركية 252 مليون دولار أمريكي، أي 9% فقط من إجمالي الإيرادات.
ومن المرجح أن يُؤدي مشروع النظام الضريبي الجديد، الذي وضعته وزارة المالية السورية والذي سيدخل حيز التنفيذ مطلع عام 2027، إلى مزيد من تقليص القدرات المالية للدولة وإيراداتها. فالنظام الضريبي الجديد، بهيكله الضريبي الموحد وغير التصنيفي، يُضعف القدرة على توسيع قاعدة الإيرادات، وهو نظام غير عادل جوهرياً. فقد تم تصنيف دافعي الضرائب وفقاً لطبيعة نشاطهم، وتم تحديد حد أقصى لمعدل الضريبة بنسبة 15% لقطاع الأعمال. إلا أن هذا المعدل لا يُطبق بشكل موحد على الجميع. تستفيد قطاعات معينة من خصومات وإعفاءات ضريبية، قد تصل في بعض الحالات إلى الصفر. فعلى سبيل المثال، يمكن للصناعيين الاستفادة من خصومات تخفض الضريبة إلى حوالي 9%، وذلك بحسب موقعهم وعدد موظفيهم. ويهدف هذا التمييز القطاعي إلى تخفيف العبء الضريبي عن فئات معينة من رأس المال بدلاً من زيادته، بما يتماشى مع الهدف العام للنظام المتمثل في تحفيز الاستثمار.
وتُعفى الزراعة وعوائد الودائع المصرفية وتداول الأسهم من الضرائب، بينما تُطبق ضريبة بنسبة 2% على التوريدات والخدمات التي يقدمها غير المقيمين. ولن تُفرض ضريبة الدخل على الأفراد إلا على الدخل السنوي الذي يزيد عن 64 مليون ليرة سورية ما يعادل حوالي 4830 دولاراً أمريكياً (بلغ سعر الصرف 13250 ليرة سورية مقابل الدولار الأمريكي الواحد في منتصف أغسطس 2026)، مع فرض معدلات منخفضة للغاية على شرائح الدخل الأعلى، تتراوح بين 2.5% و5% فقط.
وبالمثل، ينص قانون الاستثمار الجديد رقم 114، الصادر بمرسوم رئاسي في حزيران/ يونيو 2026، على تسهيلات كبيرة للمستثمرين، كالإعفاء الدائم من ضريبة الدخل للمشاريع الزراعية والتعليمية، وتخفيضات تصل إلى 80% من ضريبة الدخل في القطاعات الصناعية الموجهة للتصدير وذات الأولوية، وإعفاءات جمركية واسعة. إضافةً إلى ذلك، يُمنح المستثمرون الأجانب حقوق ملكية كاملة، وتصاريح إقامة قابلة للتجديد، وإمكانية تحويل الأرباح إلى الخارج دون قيود.
ويعكس النظام الضريبي الجديد وقانون الاستثمار في سوريا إعطاء السلطات الحاكمة الأولوية لاستثمارات الشركات الأجنبية الكبرى والأفراد ذوي الملاءة المالية العالية، فضلاً عن تشجيع الاستهلاك الديناميكي، بدلاً من تعزيز القدرات الإنتاجية للبلاد. ويتجلى هذا التوجه أيضاً في الاعتماد على رأس المال الأجنبي والمساعدات، فضلاً عن رجال الأعمال المحليين، لدعم إعادة إعمار سوريا وإنعاش اقتصادها من خلال التبرعات الأجنبية أو حملات التبرع، مثل صندوق التنمية السوري ومبادرات أخرى مخصصة لمناطق ومدن محددة. إلى جانب هذه السياسات التي تُفضّل التحرير الاقتصادي ومصالح رؤوس الأموال الكبرى، أصدرت السلطات الحاكمة سلسلة من القرارات والإجراءات التي تعزّز ديناميكيات تركيز السلطة في الاقتصاد السوري.
استراتيجية هيئة تحرير الشام لتعزيز سلطتها
04 تموز 2025
يُنظر إلى تعزيز " إعادة اندماج سورية في النظام المالي الدولي وتسهيل تدفقات الاستثمار والتمويل" على أنها خطوة هامة نحو تعافي الاقتصاد السوري. وقد اعتمدت سوريا مؤخراً إطاراً قانونياً وتنظيمياً جديداً للمدفوعات الإلكترونية والتحويلات المالية، ما يُمثل خطوة جديدة في جهود السلطات لتوسيع خيارات الدفع الإلكتروني وتقليل الاعتماد على النقد. ورغم أن هذا الإطار قد يُسهّل تحويل الحوالات المالية من الخارج عبر القنوات الإلكترونية ويُقلل من تكاليفها، إلا أن هذه التدابير لتطوير المدفوعات الإلكترونية/الرقمية تواجه العديد من التحديات والقيود المتعلقة بالبنية التحتية اللازمة لدعم هذا التوسع. إضافةً إلى ذلك، توجد عدة تحديات هيكلية، مثل انخفاض نسبة السوريين الذين يمتلكون حسابات مصرفية، ومحدودية النظام المالي والمصرفي الوطني.
ولا يُعالج هذا الأمر المشكلات الهيكلية للاقتصاد السوري، بما في ذلك ضعف تنمية القطاعات الاقتصادية الإنتاجية وانخفاض القدرة الشرائية. فعلى سبيل المثال، تم الإشادة بإطلاق مدفوعات فيزا وماستركارد باعتباره علامة فارقة في إعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي، لكن هذا لن يفيد سوى أقلية صغيرة من السوريين القادرين على تحمل تكاليف طرق الدفع هذه والذين يملكون القدرات المالية اللازمة للحصول على هذه البطاقات.
وبالمثل، بالتزامن مع الرفع التدريجي المستمر للعقوبات المفروضة على سوريا، يُسهّل اندماج البلاد في النظام المالي العالمي تقديم القروض الدولية، سواء من المؤسسات الدولية أو الجهات الفاعلة الخاصة. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك قرض بقيمة 7 مليارات دولار بقيادة بنك جيه بي مورغان تشيس الأمريكي (JPMorgan Chase) ، وبمشاركة مؤسسات مالية خليجية كبرى، من بينها بنك قطر الوطني وبنك أبوظبي التجاري، لشركة قطر للطاقة الدولية القابضة- المملوكة لعائلة خياط، المقربة من السلطات الحاكمة الجديدة، والتي يتزايد نفوذها باستمرار في سوريا اقتصاديًا وسياسيًا- وذلك لتمويل مشاريع البنية التحتية في قطاعي الطاقة والنقل. وبينما تُعدّ إعادة بناء البنى التحتية الأساسية ضرورة ملحة، إلا أن هناك عدة إشكاليات تُثار بشأن هذا القرض. أولًا، يُرسّخ هذا القرض خصخصة الأصول والخدمات الأساسية في أيدي جهات فاعلة خاصة، متحالفة مع السلطات الحاكمة الجديدة، دون أي شفافية. ثانياً، قد يؤدي إلى مزيد من الارتفاع في أسعار الكهرباء لتغطية التكاليف.
بالإضافة إلى ذلك، من المرجح أن يُنفق جزء كبير من القرض خارج البلاد لشراء معدات وأنواع مختلفة من اللوازم من شركات أجنبية، بينما سيُصرف الجزء المتبقي من الأموال داخل سوريا على العمالة المحلية والمقاولين، ومواد البناء كالإسمنت والصلب. بمعنى آخر، لن يتم استثمار قرض السبعة مليارات دولار بالكامل في سوريا.
وبناءً على هذه النقائص، فإنّ إعلانات صندوق النقد الدولي ووزير المالية السوري عن نمو يتجاوز 10% تُثير تساؤلات. أولها حول المنهجية المُتّبعة للوصول إلى هذا الرقم. في حين أن عودة اللاجئين وتنشيط التجارة قد ساهما بلا شك في هذا النمو، فمن المرجح أن جزءاً لا يُستهان به منه هو في الواقع نتيجة لإعادة دمج المناطق التي لم تكن تحت سيطرة الحكومة السورية في عام 2025 ولكنها أصبحت تحت سيطرتها في عام 2026، وخاصة شمال شرق سوريا.. هذا يعني أن نشاطها الاقتصادي لم يكن مُدرجًا سابقاً في الناتج المحلي الإجمالي، وقد أُضيف الآن إلى الرقم الحالي، كما يُشير إليه ذكر "زيادة إنتاج الهيدروكربونات". وبالتالي، لا يُمثّل هذا "نمواً" حقيقياً من الناحية الاقتصادية، بل هو مُجرّد توسّع إحصائي بإضافة المناطق المُعاد دمجها.
لكن الأهم من ذلك، من المستفيد من هذا النمو الاقتصادي؟ مرة أخرى، لا يستفيد منه سوى أقلية ضئيلة من النخبة، معظمهم على صلة بالسلطات الحاكمة الجديدة، وبالتأكيد ليس الغالبية العظمى من الشعب السوري الذي يعيش تحت خط الفقر ويعاني من تدني الأجور والرواتب، وارتفاع أسعار الكهرباء، وتقليص الدعم الحكومي للسلع الأساسية المدعومة، مثل مشتقات النفط والخبز.
إضافة إلى التساؤل عن المستفيد من النمو المعلن، يبرز سؤال آخر: كيف تحقق هذا النمو، وما مدى استدامته؟ أشار صندوق النقد الدولي ووزير المالية السوري إلى انتعاش الإنتاج الزراعي، لكنهما أوضحا أن هذا الانتعاش مرتبط بغزارة الأمطار، وليس بأي تغييرات أو تحسينات هيكلية في الإنتاج الزراعي. بل على العكس، يواجه القطاع تحديات هيكلية مرتبطة بارتفاع تكلفة الإنتاج، وخاصة ارتفاع أسعار مشتقات النفط والأسمدة والكهرباء نتيجة لتقليص الدعم الحكومي، وتراكم الديون، وتغير المناخ، وغيرها. مما يدفع العديد من المزارعين والفلاحين إلى بيع أراضيهم ومغادرتها...
وفي الوقت نفسه، فإن توسع إنتاج الهيدروكربونات ليس نتيجة لزيادة كبيرة في الإنتاج الحقيقي كما ذُكر سابقاً، بل إنه لا يُشكل نمواً إنتاجياً ولا يُؤدي إلى خلق فرص عمل على نطاق واسع. وقد أوضح كل من تقرير صندوق النقد الدولي ووزير المالية السوري أن النمو كان مُركزاً بشكل خاص في قطاعي الخدمات والتجارة.
مع أهمية تنويع مصادر دخل الدولة، إلا أن هناك قصوراً في الترويج لنموذج تنمية اقتصادية قائم أساسًا على ديناميكيات التجارية والريعية، وتراكم رأس المال بمجرد امتلاك الأصول النادرة والسيطرة عليها، أو السعي لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر بأي ثمن، وتحويل رأس المال عن الاستثمار الإنتاجي. إضافةً إلى ذلك، تزيد هذه السياسات من اعتماد الدولة على الجهات الفاعلة والديناميكيات الأجنبية، بدلاً من تعزيز اقتصاد متجذر في قدراتها الإنتاجية الوطنية.
تشبه أنماط النمو هذه تلك التي سادت في العقد الأول من الألفية الثانية، والتي تقوم على ديناميكيات الريع، وتعتمد على عائدات صادرات النفط، وتدفقات رأس المال، بما في ذلك الاستثمار الأجنبي المباشر في التجارة والخدمات والتمويل، والتحويلات المالية. كان الاقتصاد السوري يعتمد بشكل متزايد على الريع، إذ انخفضت حصة القطاعات الإنتاجية من 48.1% من الناتج المحلي الإجمالي عام 1992 إلى 40.6% عام 2010، بينما كانت حصة الأجور من الدخل القومي أقل من 33% في الفترة 2008-2009، مقارنةً بنحو 40.5% عام 2004، مما يعني أن الأرباح والريع استحوذا على أكثر من 67% من الناتج المحلي الإجمالي. اليوم، تمثل حصة الأجور من الدخل القومي نحو 10 %، أما الباقي فيأتي من الأرباح والإيجار....
إن السياسات الاقتصادية التي انتهجتها السلطات الحاكمة السورية، والتي أشاد بها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، قد أدت في الواقع إلى تدهور ظروف إعادة تطوير القطاعات الإنتاجية، سواء الزراعية أو الصناعية، وذلك في أعقاب إلغاء الدعم عن السلع الأساسية، وارتفاع أسعار الكهرباء، وتحرير التجارة الذي أدى إلى زيادة المنافسة من المنتجات الأجنبية في السوق المحلية. ولا شك أن هذه الديناميكيات لا تُشكل أساسًا متينًا لتعزيز عملية انتعاش اقتصادي وإعادة إعمار ناجحة.
لذا، ليس من المستغرب أن يتجاهل كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تماماً السخط المتزايد لدى السكان تجاه القضايا الاجتماعية والاقتصادية منذ بداية العام، والذي يتجلى في تصاعد الإضرابات العمالية والاحتجاجات المنددة بتدهور ظروف العمل والمعيشة. هذا فضلاً عن غياب الإصلاحات اللازمة لإضفاء الطابع الديمقراطي على النظام السياسي وجعله أكثر شمولاً وشفافية. وبالمثل، لم ترد أي كلمات بشأن انعدام الشفافية فيما يتعلق بالاتفاقيات الاقتصادية وتخصيص العقود، والتي استفاد منها الفاعلون المحليون والإقليميون والأجانب المتحالفون مع السلطات الحاكمة الحالية.
أظهرت استطلاعات الرأي في مناطق مختلفة من سوريا تزايداً في الاستياء بشأن القضايا الاجتماعية والاقتصادية. فبحسب موقع "سوريا المتجددة"، شهد شهر نيسان/أبريل تحوّلاً ملحوظاً في المزاج العام تجاه السلطة الحاكمة، تمثّل بصورة أساسية في تراجع الثقة بأداء الحكومة الاقتصادي وقدرتها على إدارة الأزمة. وأوضح الموقع أنه "في ظل ارتفاع التكاليف واتساع نطاق الضغوط الاقتصادية، تبقى الثقة باستجابة الحكومة منخفضة؛ إذ يعتقد 13% فقط أنها تبذل ما يكفي لمعالجة ارتفاع الأسعار، فيما يرى 66% أن الجهود الحالية غير كافية".
المبادرة السورية للحقوق الأساسية، وهي مبادرة سورية مستقلة لرصد مدى توافق التشريعات والسياسات العامة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.، أعربت أيضاً في نهاية أبريل/ نيسان 2026 عن القلق " إزاء طبيعة ومضمون هذا التعاون، لا سيما في ظل تصريحات وتقارير من قبل المؤسسات المالية الدولية تقدّم الأداء والسياسات الاقتصادية الحالية كمؤشرات على التعافي والاستقرار". يضيف تقرير المبادرة السورية للحقوق الأساسية أيضًا أن النهج الاقتصادي لصندوق النقد الدولي "ولا يمكن فصل هذا التوجه عن تجارب سابقة «ويشير إلى أنه قبل عام 2011، حظيت سياسات مماثلة —شملت تحرير التجارة غير المتدرج، وتقليص الدعم عن الاحتياجات الأساسية دون آليات حماية اجتماعية فعالة، وتعزيز دور القطاع الخاص في ظل بيئة يغلب عليها نفوذ شبكات مقربة من السلطة— بدعم دولي، رغم اقترانها بسياق من الحكم الاستبدادي وتفاقم التفاوت الاجتماعي".
ويختتم التحالف بيانه بالقول "تحتاج سوريا إلى إعادة إعمار، لكنها تحتاج أيضاً إلى تعريف مختلف للإصلاح. فالمسارات التي تحقق استقراراً شكلياً في المؤشرات المالية، بينما تعمّق الفقر، وتضعف الإنتاج، وتعيد تركيز الثروة والسلطة، لا تمثل تعافياً، بل تمهّد لتجدد المظالم وعدم الاستقرار. وإذا كانت المؤسسات المالية الدولية تسعى فعلاً إلى دعم السلام والتنمية، فعليها أن تتجاوز المؤشرات الاقتصادية الضيقة، واعتماد مقاربة قائمة على الاقتصاد السياسي إطاراً للتحليل والتقييم، تأخذ في الحسبان توزيع السلطة والموارد، والآثار الاجتماعية والبيئية للإصلاحات، وتحدد من يتحمل تكلفتها ومن يستفيد منها".
إلى جانب إضفاء الشرعية على النظام السياسي الاستبدادي الإقليمي وتعزيزه، يجب دحض العقيدة النيوليبرالية التي يروج لها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لأننا نعلم نتائجها وآثارها على الاقتصاد والسكان في سوريا وغيرها. إنها وصفة لكارثة جديدة. يمكننا تجاهل هذا، وإلا، كما يقول هذا القول المأثور (المنسوب خطأً إلى أينشتاين)، فهذا جنون...
"الجنون هو فعل الشيء نفسه مراراً وتكراراً مع توقع نتائج مختلفة".








