الشيوع والاستملاك في الساحل السوري .. هل يصل قطار الاحتجاجات إلى البحر؟


تبرز مشكلتان قانونيتان لدى التعامل مع قضية الأراضي والملكيات في سوريا: الشيوع والاستملاك. تساهم هاتان المشكلتان في تجميد الكثير من الملكيات دون فائدة، بانتظار تسويات لم تأتِ حتى الآن. لم تصل الاحتجاجات المرتبطة بالملكية التي خرجت في دمشق إلى الساحل حتى الآن، لكن ومع قدوم شركات استثمارية كبرى إلى الساحل، وتزامن ذلك مع وجود آلاف الدونمات المستملكة من الدولة منذ عقود دون تنفيذ أي مشاريع عليها، ومع استمرار تجميد الأراضي على الشيوع، فإن السيناريو الدمشقي قد يتكرر، يرى كمال شاهين في هذه المادة الشارحة، التي يقترب فيها من معاناة السكان في الساحل. 

14 تشرين الأول 2026

كمال شاهين

صحفي وكاتب سوري

(اللاذقية) داخل مكتب عقاري بحي الزراعة، يفرد حازم حسن، صاحب المكتب، صورة عن صحيفة عقارية على الطاولة أمام زبون يبحث عن أرض في صلنفة، الواقعة على بعد خمسين كيلومتراً شمال شرق اللاذقية. السعر المطروح هو 32 دولاراً للمتر المربع لمساحة خمسة دونمات (الدونم ألف متر مربع)، لكن الزبون، وهو مستثمر من محافظة إدلب، لا يسأل عن رخص الثمن، بل عن إمكانية إزالة الشيوع الواضحة في تلك الوثيقة، وتكلفته الزمنية والمادية، وعدد الورثة واستجابتهم للبيع ونقل الملكية. رفض صاحب المكتب تقديم تفاصيل أكثر بسبب خوفه من المنافسة على العقار نفسه من قبل آخرين.

يكمل صاحب المكتب تقديم عروضه للزبون: قطعة أرض بمساحة 24 دونماً في منطقة الشقيفات بجبلة قرب البحر، نصفها أسهم (أي على الشيوع وهو امتلاك شخصين فأكثر حصصاً رمزية من العقار ويحسب كاملاً 2400 سهم) ونصفها الثاني وضع يد، يطلب فيها مليوناً وثلاثمائة ألف دولار، ووفق المساحة المعروضة يبلغ سعر المتر هنا تقريباً 50 دولاراً. في مكان آخر داخل مدينة اللاذقية، تُعرض على موقع عقاري متخصص على شبكة الإنترنت أرض في منطقة الكورنيش الجنوبي ـ الواجهة البحرية الوحيدة الباقية أمام مدينة اللاذقية ـ لمالك واحد بمساحة 19 دونماً بسعر فلكي: 67 مليون دولار أميركي. سعر المتر هنا يصل إلى 3527 دولاراً.

يصل التباين السعري بين الريف والمدينة في المواقع السابقة إلى ستين ضعفاً، ولا يفسر البعد الجغرافي وحده، ولا حركة العرض والطلب في سوق عقاري ناشط مؤخراً حجم هذا الفارق، بل وضعها القانوني، الذي يختلف اختلافاً واضحاً بين ما يُطرح على الشيوع، أو ذاك المعروف باسم وضع اليد ( الذي تعني الحصول على الملكية بموجب استثمارها عقوداً طويلة، وتحول ملكيتها إلى خاصة، وفق شروط صارمة حددها القانون المدني)، وما يُعرض كملكية فردية في موقع ذي قيمة خاصة على الواجهة البحرية.

يمكن أن يتداخل في هذا التباين عدد من العوامل، منها الطلب الاستثماري، والموقع الخاص لبعض العقارات، وأهمية الواجهة البحرية وتوفر البنية التحتية، والخطط التنظيمية. نسبة كل عامل من هذه العوامل في تفسير هذا الفارق لا يمكن تحديدها بدقة لارتباطها بما تراكم من تشوهات قانونية في البلد منذ عقود. وتُعد أكثر الصفات القانونية ارتباطاً برخص السعر، كون الملكية على الشيوع.

الشيوع، هل تخفض كُلف نقل الملكيات أسعار الأراضي في الجبال؟

قطعة الأرض المعروضة للبيع في صلنفة تُصنَّف بأنها على الشيوع. هذا التعبير يُعرِّفه القانون المدني السوري (المادة 780 من المرسوم التشريعي رقم 84 لعام 1949) على أنه: "إذا ملك اثنان أو أكثر شيئاً غير مفرزة حصة كل منهم فيه، فهم شركاء على الشيوع، وتُحسب الحصص متساوية إذا لم يقم دليل على غير ذلك". ويتمتع هذا النوع من الملكية بضمان قانوني قوي، عندما يكون العقار مسجلاً في السجل العقاري الدائم (الطابو الأخضر)، حيث تُعتبر الحقوق المسجلة نهائية ومطلقة ولا يمكن الطعن بها إلا في حالات التزوير، مع ضمان الدولة الكامل لصحة البيانات، لكن يعيبه تعدد الشركاء في الحيازة الواحدة، أي في قطعة الأرض الواحدة.

وتنص القاعدة في القانون المدني السوري على: "لا يُجبر أحد على البقاء في الشيوع"، فإن قرر أيّ شريك (وريث أو مشتري حصة سهمية) عدم الاستمرار في الشراكة، يمنحه القانون الحق في طلب التقسيم فوراً، ولا يملك باقي الشركاء حق الاعتراض. مع ذلك فإنَّ الشيوع، كما تشرح المحامية رولا رجب، من مدينة جبلة: "منتشر بسبب الخلافات بين الورثة وعدم نقل الملكية وأخطاء السجل العقاري. من هذه الأخطاء عدم توافق الأسماء بين النفوس والوثيقة العقارية التي حدثت نتيجة اعتماد بعض هذه الوثائق على شهادات المخاتير مثلاً بدل أصحاب العلاقة أنفسهم، وكتابة الصحيفة العقارية (سند الملكية) باسم متداول بين الناس لا كما هو مقيّد في النفوس". تزداد المشكلة في مناطق شمال اللاذقية مثل قسطل معاف وصليب التركمان وأم الطيور، نظراً لوجود أشخاص مكتومي القيد (ليس لديهم سجل مدني)، كما تقول المحامية.

كذلك، هناك مناطق لم ينتهِ فيها التحديد والتحرير بعد أعمال المسح الطبوغرافي والتسجيل العقاري. بالنسبة لمناطق ريف جبلة على سبيل المثال، توضح المحامية: "انتهت مناطق الدالية وبيت عانا ومحيطها من أعمال التحديد والتحرير العام 2009 وانتهت الدعاوى التي تخص إزالة الشيوع. أما في السهل الساحلي مثل مناطق البرجان وكفردبيل (جنوب جبلة)، فهناك مشاكل الورثة المبنية على ملكيات الشيوع، وسببها الأساسي عدم الرغبة في دفع تكلفة عمليات نقل الملكية إضافةً لمشاكل القسمة نفسها".

وإذ تختلف درجات انتشار هذا النمط من الملكية بين مناطق الساحل السوري، وفق المؤشرات المتاحة، فإنّ موضوع الشيوع يُلاحظ بوضوح في ريف اللاذقية الشمالي مثل مناطق كرسانا والشبطلية والقنجرة "لأن دخول هذه العقارات تحت مظلة المخطط التنظيمي أو توسّعه يعني ارتفاع سعرها تلقائياً إلى أرقام فلكية لكونها تمتلك مقوّمات سياحية عالية" كما يقول سامر إبراهيم من مهندسي بلدية الشبطلية (سابقاً) في اتصال هاتفي. عادة ما يُعاد طرح المخطط  التنظيمي للبلدات والقرى كل عشر سنوات، ويتم توسيعه ليشمل مناطق جديدة، لذلك تُترك العقارات على وضعها على الشيوع. يضيف المهندس: "قد يساهم توقع توسع المخططات التنظيمية في رفع القيمة المتوقعة لبعض العقارات، وهو ما يختلف عن القيمة المرتبطة بالوضع القانوني القائم نفسه".

وتجعل طبيعة التضاريس الجبلية الوعرة من توسيع الحيازة أمراً مستحيلاً وفق المحامية رولا، موضحة: "الطبيعة الجبلية وضيق المساحات السهلية فاقمتا من تفتّت الملكية، حيث يتشارك عشرات الورثة اليوم أرضاً مساحتها دونمات قليلة بأسهم مشاعة صغيرة جداً، مما يجعل أي محاولة للاستثمار فيها مستحيلة عملياً دون موافقة جميع الشركاء".

من يبيع في الجبل؟ ومن يشتري في الساحل؟

يؤثر ما سبق على عمليات البيع وتترك أثرها في تخفيض سعر الأراضي في الجبال. يروي لنا قاسم ابراهيم، مزارع من قرية في ريف بانياس: "ورثت عن أبي قطعة أرض في وادي نهر جوبر (نهر بانياس) مساحتها ثلاثة دونمات، لكنها مشاعة بيني وبين أخوين وأربعة من أولاد العم. حاولنا البيع منذ سنوات، لكن كلّ مرة يرفض أحدهم، أو يطلب سعراً أعلى أو يغيب في محافظة أخرى ولا يوصلنا التبليغ. ومع أنّ الأرض بعيدة عن الطرقات العامة ولكنها قريبة من النهر بحيث يمكن إنشاء مقصف أو استراحة عليها لمن يرغب، في النهاية بعت حصتي ـ حصة سهمية من العقار ـ بمبلغ لم يصل إلى ألف دولار. المشتري كان رجلاً من المنطقة. دفع لي نقداً، وطلب أن نذهب إلى المحامي كي أتنازل عن الحصة. ابني كان يريد السفر، وبناتي يردن إكمال الدراسة. والأرض بالنسبة لي كانت بلا فائدة. لو كانت الأرض في السهل قرب الطريق العام، لكنا بعناها بعشرات الأضعاف ولكن الموقع والشيوع منعا كل هذا".

مشكلة الشيوع تمتد لتمنع الشراء في حالات أخرى. يقول أسعد وهو موظف من حلب قدم اللاذقية قبل عدة سنوات: "أنا من ريف حلب ومن بيئة ريفية لذلك فضّلت البحث عن أرض لبناء بيت عليها مع مزرعة صغيرة حوله. أسعار أراضي الساحل أرخص كما يقول الجميع ولكن المشاكل أكثر. عندما ذهبت لأرى عدة عقارات اشترطت أن يكون العقار نظيفاً، أي من مالك واحد ولكن هذا قليل، ومن يعرف عقاره نظيفاً يرفع من السعر".  انتهت محاولة أسعد بعد جولات على المكاتب العقارية ووعود الوسطاء بأن اشترى شقة في حي سقوبين باللاذقية، لأن ملكيتها فردية والطابو الخاص بها "أخضر".

"ورثت عن أبي قطعة أرض في وادي نهر جوبر (نهر بانياس) مساحتها ثلاثة دونمات، لكنها مشاعة بيني وبين أخوين وأربعة من أولاد العم. حاولنا البيع منذ سنوات، لكن كلّ مرة يرفض أحدهم، أو يطلب سعراً أعلى أو يغيب في محافظة أخرى ولا يوصلنا التبليغ. ومع أنّ الأرض بعيدة عن الطرقات العامة ولكنها قريبة من النهر بحيث يمكن إنشاء مقصف أو استراحة عليها لمن يرغب، في النهاية بعت حصتي ـ حصة سهمية من العقار ـ بمبلغ لم يصل إلى ألف دولار. المشتري كان رجلاً من المنطقة. دفع لي نقداً، وطلب أن نذهب إلى المحامي كي أتنازل عن الحصة. ابني كان يريد السفر، وبناتي يردن إكمال الدراسة. والأرض بالنسبة لي كانت بلا فائدة. لو كانت الأرض في السهل قرب الطريق العام، لكنا بعناها بعشرات الأضعاف ولكن الموقع والشيوع منعا كل هذا".

حالة قاسم تتقاطع مع حالات أخرى قام فيها أصحابها ببيع أراضيهم بأسعار أقل كذلك لأسباب أخرى ليس من بينها مشكلة الشيوع. في ريف القدموس، يقول لنا محمد غانم إنه باع قطعة أرض بمساحة عشرة دونمات واقعة على الطريق العام، لأنه وجد فيها فرصة لتحصيل شيء من المال بعد أن فُصل من وظيفته العامة. يروي الرجل الخمسيني وهو موظف سابق: "لو فكّرت بالاستثمار في أرضي لن أتمكن من الحصول على المال الكافي لأي مشروع في ظل الظروف الراهنة. لم يقبل أحد بتمويلي، لذلك فكّرت كثيراً ثم قررت البيع وفتح محل تجاري أعيش منه مع عائلتي. ما بقي لديّ من المال سيكون لتأمين نفقات سفر ابنتي التي هي اليوم في السنة الخامسة في كلية الطب البشري".

تكشف هذه الشهادات جانباً آخر من السوق: قسم من المشترين الجدد ليسوا دائماً مستثمرين، بل عائلات تبحث عن سكن أو أرض للزراعة. بعضهم يشتري في المناطق المنظمة، وبعضهم يخاطر في الجبل أو في الأراضي المشاعة. وهم يشكّلون شريحة مهمة في هذا السوق، ومثلهم مثل المستثمرين، يحاولون دفع ثمن أقل من القيمة الحقيقية عندما يكون البائع مضطراً أو بلغة السوق "لقطة لا تفوّت".

آليات الإفراز: بين القانون والواقع

رغم وجود آلية قانونية إدارية لإزالة الشيوع في الأرياف السورية بموجب المرسوم التشريعي رقم 166 لعام 1967، وهو يتيح لوزارة الزراعة إصدار قرارات دورية لدمج الأراضي المفتتة وإعادة توزيعها بطابو "أخضر" نظامي، إلا أن تطبيق هذه الآلية في الساحل (وفي سوريا عموماً) يواجه عقبات هيكلية تجعلها بطيئة ومكلفة.

وفيما لا تتوفر إحصائيات رسمية تحدد نسبة ملكيات الشيوع في الساحل بدقة، ترسم المؤشرات المتاحة صورة واضحة عن انتشار هذا النمط من الملكية في المنطقة. يوضح نضال إبراهيم موظف في مديرية مالية بانياس لسوريا ما انحكت: "تختص محاكم الصلح المدني بدعاوى إزالة الشيوع حالياً، وقد كان لدينا محاكم خاصة لإزالة الشيوع منذ عدة سنوات. وتقع قضايا الشيوع عموماً بين مناطق داخل التنظيم العقاري والمساحي للبلدات والقرى وأخرى خارجه، وهي عموماً تشكل نسبة كبيرة من القضايا التي نتعامل معها".

وفق الموظف فإنّ "دورة القرار الإداري لإزالة الشيوع تستغرق شهوراً قليلة إذا توافق جميع ملاّك العقار على ذلك لكن ذلك يرتبط بعدد هؤلاء والعقار نفسه. هناك العديد من القرى التي جرى فيها إزالة الشيوع في ريف بانياس ولكن ما زال هناك قرى لم يشملها التنظيم العقاري أو أماكن كان فرزها صعباً".

أما العقبة الأكبر، وفق الموظف السابق فهي "تثبيت الخصومة" في الدعاوى القضائية التقليدية، التي تتطلب إدخال جميع الشركاء والورثة كأطراف في الدعوى". وفي الساحل، حيث يغيب بعض المالكين عن قراهم بسبب العمل أو بحكم كونهم في محافظات أخرى، أو لأسباب مرتبطة بالعلاقة بين المالكين أنفسهم، تتحول عملية التبليغ القانوني إلى رحلة طويلة. يؤكد نضال وجود دعاوى إزالة شيوع مستمرة لسنوات بسبب غياب الورثة، والتكاليف المادية التي دفعت المالكين للتخلي عن الفرز أو البيع بخسارة".

تختلف الدعاوى حسب عدد الشركاء أو الورثة، والأمر يختلف من عقار إلى آخر. الآلية الأساسية كما يقول نضال "هي القسمة الرضائية بين الشركاء، أي الاتفاق خارج المحكمة. وإذا تعذّر ذلك، تبقى القسمة القضائية عبر دعوى إزالة الشيوع. وهناك تمييز قانوني بين: القسمة العينية: إذا كان العقار قابلاً للقسمة دون أن يفقد قيمته أو منفعته، تقسّمه المحكمة فعلياً إلى أجزاء مفرزة، ويحصل كل شريك على سند ملكية مستقل، أو القسمة عن طريق البيع (التصفية): إذا كان العقار لا يقبل القسمة، أو إذا أدت القسمة إلى نقص كبير في قيمته، تأمر المحكمة ببيعه بالمزاد العلني وتوزيع الثمن على الشركاء حسب حصصهم".

يضيف الموظف بخبرته التي تتجاوز عشرين عاماً: "حتى عندما تقرر المحكمة البيع بالمزاد العلني لعدم قابلية العقار للقسمة العينية، يواجه المُلّاك مشكلة التخمين الرسمي الذي قد لا يعكس القيمة التجارية الحقيقية للأراضي مما يعني خسارة مزدوجة: خسارة الأرض وخسارة قيمتها السوقية".

المحامية رولا رجب في حديثها مع سوريا ما انحكت، أرجعت استمرار شيوع الأراضي في جبال الساحل إلى طبيعة الحيازات الزراعية المتوارثة، التي تصل أحياناً إلى مساحات صغيرة تُقدّر بمئتي متر لا أكثر. هذا يعني، وفق المحامية: "أنّ أيّ محاولة لتطوير عقاري في هذه المناطق تصطدم بجدار قانوني يجعل عملية الفرز مكلفة مادياً وزمنياً، وهو ما يدفع المستثمرين الخارجيين نحو الأراضي المنظمة في الشريط الساحلي حيث الملكية الفردية جاهزة للاستثمار الفوري".

ورغم جهود المديرية العامة للمصالح العقارية في أتمتة السجلات، التي شملت حتى الآن نحو 996 ألف عقار على المستوى الوطني، فإن اكتمال النظام الرقمي للسجل العقاري لا يزال بعيد المنال؛ حيث لا تزال هناك محاولات لأرشفة حوالي 24 مليون وثيقة بحجم تخزيني يقارب 47 تيرابايت وفق الموقع الرسمي للمديرية، التي تشير إلى أنّ عملية التحديد والتحرير حققت نسبة إنجاز بلغت 99.61% مع متابعة الأعمال المتبقية. ليس متاحاً لنا حالياً معرفة نسبة ملكيات المشاع من أصل هذه الأعمال، وحتى إن توفرت لن تغيّر من واقع انتشار هذه المسألة وتعقيداتها ذاتها.

أرض مستملكة من الدولة خمسين عاماً دون مشروع

إلى جانب الشيوع وأسبابه، يبرز ملف آخر يؤثر بحدة في أوضاع عدد كبير من الأراضي في الساحل السوري، يتعلق بمراسيم الاستملاك الحكومية التي صدرت منذ عقود. ورغم كونه منفصلاً عن الشيوع من حيث أسبابه، إذ يعود إلى قرارات إدارية وسياسية لا تتصل مباشرة بالوراثة أو تفتيت الحيازة، فإنه يتقاطع معه في آثاره، خاصة في تجميد فرز العقارات، ما ساهم في تثبيت الكثير من الملكيات على وضعها على الشيوع، بانتظار تسويات لم تأتِ حتى الآن.

يعزز موضوع الاستملاك الحكومي على الشريط الساحلي من تعقيد الحالة القانونية للأراضي، على نحو خاص، أهمها استثمارياً، تلك الملاصقة للبحر. في العام 1975، صدر المرسوم رقم 2198 استُملكت بموجبه مساحات شاسعة من أراضي المواطنين في الساحل، وتحديداً في محافظة اللاذقية، تحت ذريعة المنفعة العامة، لحقه قانون الاستملاك الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 20 لعام 1983 الذي أجهز على الباقي. يقول أيمن حمدو، محام من اللاذقية في حديث لسوريا ما انحكت إنه "بعد مرور نحو خمسين عاماً، لا تزال آلاف الدونمات من هذه الأراضي مُستملكة دون تنفيذ أي مشروع فعلي عليها، مما حرم آلاف العائلات من أرزاقهم وحقوقهم وأراضيهم التي توارثوها جيلاً بعد جيل".

"منذ صدور قرار الاستملاك عام 1975، لم يُنفَّذ أي مشروع على أرضنا، كما مُنعنا من البناء أو التوسع أو حتى ترميم المنازل القائمة". يضيف الرجل، الذي اضطر لبيع دونمين من أرض له في موقع آخر بسعر منخفض لتأمين تكاليف دراسة أولاده: "نحن عالقون بين قانون استملاك خَرَّب حياتنا وحاجتنا للشغل والأرض. عندي خمسة أولاد يحتاجون للعمل وللمال ولديّ أرض بلا فائدة". يعمل سامر اليوم في صيد السمك كل يوم في انتظار أن تتغير القوانين أو يحدث أمر ما.

يضرب لذلك مثلاً: "جرى تنفيذ الاستملاك لكامل شاطئ أم الطيور بنزع ملكية العقارات جبراً بنهاية العام 2022 وعلى بدل استملاك العام 1975 بمبلغ من عشرين إلى خمسين ألف ليرة سورية لكل مالك ووُضعت بدلات الاستملاك في البنك المركزي. يعادل ذلك المبلغ خمسة آلاف إلى عشرة آلاف دولار وفق أسعار تلك الأيام". هناك مناطق أخرى عاشت نفس التجربة، منها عمريت بطرطوس والبصة في اللاذقية وعدة مناطق شاطئية في جبلة، وقد استُمْلِكَت من قبل وزارتي السياحة والدفاع.

أدّى هذا التداخل بين الملكيات الخاصة والمناطق المفترض أنها سياحية أو استثمارية إلى تجميد إفراز العقارات وتثبيت وضعها على الشيوع بانتظار تسويات لم تأتِ منذ عقود. يشرح المحامي أيمن أنّ "كثيراً من ملّاك الأراضي حاولوا استرجاع ما فقدوه عبر استغلال ثغرة قانونية وردت في قانون الاستملاك السوري رقم (20) لعام 1983 تنص على أنه: إذا لم يتم دفع بدل الاستملاك خلال خمس سنوات من تاريخ صدور قرار الاستملاك، يُعد هذا القرار كأن لم يكن، ما لم يكن قد تم تنفيذ المشروع خلال هذه المدة. لكن الدولة وضعت قيمة بدل الاستملاك في حسابات بنكية". رُفعت دعاوى قضائية لاستعادة تلك الحقوق، ولكن النتائج، وفق ما قال المحامي السابق، لم تكن على المستوى المأمول حتى الآن.

لا يزال ملف مراسيم الاستملاك المجمّدة (المرسوم 2198 لعام 1974 والقانون 20 لعام 1983) معلقاً، في ظل غياب أي قرار رسمي من الحكومة الانتقالية، عدا تشكيل لجان لدراسة ملفات الاستملاك في ريف دمشق، بعد وعود سبقت بإعادة الأراضي المستملكة هناك لأصحابها إبان سقوط النظام السابق، وعود لم تأتِ بنتائج.

وفي وقت يطالب فيه أبناء الشريط الساحلي، في نداءات متكررة، بفتح هذا الملف وإعادة الأراضي التي لم تُستخدم لأغراض المنفعة العامة إلى أصحابها، توثّق تقارير ميدانية معاناة متواصلة منذ خمسين عاماً لأهالي قرى مثل ابن هانئ في ريف اللاذقية.

امتعاض عام 

تسبب الإعلان عن مشاريع استثمارية وعمرانية جديدة ستقام على أراضٍ خاضعة لقرارات استملاك قديمة في تفجير احتجاجات واعتراضات واسعة في عدة محافظات. يقول سامر شعّار، وهو معلّم مدرسة وصيّاد ستيني ورث أرضاً مساحتها ثلاثة دونمات عن والده في منطقة ابن هانئ شمال اللاذقية التي استُملكت منذ عدة سنوات من قبل شركة الديار القطرية: "منذ صدور قرار الاستملاك عام 1975، لم يُنفَّذ أي مشروع على أرضنا، كما مُنعنا من البناء أو التوسع أو حتى ترميم المنازل القائمة". يضيف الرجل، الذي اضطر لبيع دونمين من أرض له في موقع آخر بسعر منخفض لتأمين تكاليف دراسة أولاده: "نحن عالقون بين قانون استملاك خَرَّب حياتنا وحاجتنا للشغل والأرض. عندي خمسة أولاد يحتاجون للعمل وللمال ولديّ أرض بلا فائدة". يعمل سامر اليوم في صيد السمك كل يوم في انتظار أن تتغير القوانين أو يحدث أمر ما.

يتساءل سامر: "إذا كانت غاية الاستملاك الأساسية تحقيق المنفعة العامة (مثل بناء مدارس أو مستشفيات أو طرق عامة)، فلماذا نشاهد إطلاق مشاريع عقارية ضخمة بالشراكة مع مستثمرين أجانب أو محليين، مثل مشروعي (أبيات هيلز) و(شام فيو) في ضاحية قدسيا بريف دمشق، أليس تحويل أراضي الناس إلى مقاسم سكنية وتجارية فاخرة تُباع بأسعار باهظة دون منحنا أي حقوق تجريداً غير عادل من ملكياتنا لصالح شركات استثمارية؟". يشير الرجل إلى "أن قيمة التعويضات التي أقرتها لجان التقدير بموجب القوانين القديمة، مثل قانون الاستملاك رقم 20 لعام 1983، فقدت قيمتها الشرائية تماماً نتيجة التضخم والانهيار الاقتصادي كونها دُفعت بالليرة السورية. طيب إذا أردت شراء عقار بديل هل يعادل المبلغ الممنوح لي ثمن (بلوكة) في هذه الأبراج؟".

من جانبها تتساءل المحامية رولا: "لماذا تمنح الدولة صلاحيات واسعة للاستيلاء على الأملاك دون منح المالك حق الطعن القضائي الفعال، خاصةً أن قرارات الاستملاك تصدر غالباً بصيغة مبرمة؟". ولم يكن أمام المتضررين من هذا الاستملاك سوى النزول إلى الشارع. شهدت مناطق مختلفة، مثل قدسيا ومعضمية الشام والتل والليرمون في حلب، وقفات احتجاجية متكررة قام السكان المتضررون فيها بإيقاف آليات الحفر والجرافات، مطالبين بوقف التصرف بالأراضي وحسم النزاعات القانونية والملكيات عقاراً عقاراً قبل البدء بأي أعمال إنشائية.

في المقابل، تحاول الجهات الحكومية، ولا سيما وزارة الأشغال العامة والإسكان السورية والمؤسسة العامة للإسكان، امتصاص هذا الاحتقان عبر عدة خطوات وتبريرات. قبل أيام أصدرت وزارة الأشغال العامة بياناً مطوّلاً أوضحت فيه أنّ الأراضي المعنية قد انتقلت ملكيتها قانوناً وسُجلت باسم الجهات العامة منذ عقود، وأنّ تأخر تنفيذ المشاريع عليها لا يلغي الاستملاك طالما أن المنفعة العامة ما زالت قائمة.

كما أعلنت المؤسسة العامة للإسكان عن توجّه لفتح باب تقديم الطلبات مجدداً لتعويض المواطنين الذين لم يحصلوا على البدل العيني أو السكني لقاء أراضيهم المستملكة. وأعلنت الوزارة عن تشكيل مكاتب مشتركة مع المحافظات لاستقبال وثائق واعتراضات المالكين لدراستها قانونياً، مع التأكيد "على أن المطالبات الفردية يجب ألا تعطل المشاريع التنموية التي تسد الفجوة السكنية الكبيرة في البلاد".

وفي حين يشهد الداخل السوري، وخاصة دمشق وريفها وحلب، حراكاً احتجاجياً متصاعداً، لا يزال الساحل السوري بمنأى نسبي عن هذه الاحتجاجات، لعوامل عدة، لعل أبرزها عدم ارتباط ملف الاستملاك في الساحل بعد بمشاريع استثمارية كبرى تُنفَّذ فعلياً على الأرض، باستثناء بعض المشاريع الشاطئية المحدودة، كما يعيش السكان في حالة من الانتظار والترقب، في ظل وعود بمليارات الدولارات لمشاريع سياحية وعقارية لم تتحول بعد إلى أعمال إنشائية، لكن ومع قدوم شركات استثمارية كبرى إلى الساحل، وتزامن ذلك مع وجود آلاف الدونمات المستملكة منذ عقود دون تنفيذ، ومع استمرار تجميد الأراضي على الشيوع، فإن السيناريو الدمشقي قد يتكرر.

مقالات متعلقة

"البحر مريّح" .. تحولات قطاع الصيد البحريّ في اللاذقية والساحل السوريّ

19 كانون الأول 2025
في خضم الأزمات البيئية الكثيرة التي تضرب البحر المتوسط، أصبح أيّ خبرٍ عن تعافٍ صغير أو محتمل للبيئة البحرية ضرباً من المعجزة. الشهادات السابقة تقدم بصيص أملٍ على حدوث تعافٍ...
أينقذنا المطر؟ .. حوكمة السياسات الزراعية في سوريا

06 آذار 2026
لم تكن الطبيعة وحدها أو التغيرات البيئية هي السبب في ما حصل في سوريا من جفاف مدقع، كذلك لا يمكن القول إن الهطولات الأخيرة قلصت الجفاف الكلي بهذه السرعة، فالجفاف...
دمار الغابات في الساحل السوري

16 كانون الثاني 2025
كما تسبّبت النزاعات المسلحة في تدمير البيئة بشكل غير مسبوق. فقد أدّت الحرب الطويلة في سوريا إلى تدمير المحميات الطبيعية والغابات، مما ساهم في تفاقم أزمة انحسار الغطاء النباتي.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد