لم أكن لأتجرأ يوماً أن أكتب عن حياتي مع أبي، المحقق في جهاز أمني خلال عهد حافظ الأسد، قبل سقوط ابنه بشار. كانت قريتي في اللاذقية في الثمانينيات معقلاً لمعارضة الأسد الأب، وقضى أبناء عمومتي وعدد من شبان القرية سنين شبابهم في سجون تدمر وصيدنايا، بعد اعتقالهم بتهمة الانتماء إلى تنظيم رابطة العمل الشيوعي.
تزامنت طفولتي مع ملاحقة نظام الأسد الأب بشراسة بالغة معارضيه، وعلى نحو خاص من انتسبوا لرابطة العمل الشيوعي. كان لدى أخي مكتبة احتوت بمعظمها على كتب يسارية، كان ضابطاً في الجيش السوري أيضاً، وابناً لتلك القرية الساحلية المشاغبة. أذكر حينها كيف بدأ والدي بوضع الكتب في صناديق كرتونية، وإخفائها خوفاً من مداهمة أمنية للمنزل. تساءلت وقتها إن كان أبي يستطيع حماية ابنه.
نقاش
مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق .. شهادة عن العودة، وألم لم يندمل
21 آب 2026
بعد اندلاع ثورة مصر ضد حكم حسني مبارك دار نقاش بيني وبين والدي حول إمكانية اندلاع ثورة في سوريا، وكانت المرة الأولى التي نتحدث فيها عن التغيير في البلد. قال لي أبي: "يا ابنتي لن يمتلك الناس الشجاعة في الخروج في مظاهرات. شتان بين حكم الأسد ومبارك، في مصر هوامش حرية وفصل كبير بين الجيش والنظام، أما في سوريا الأمر مختلف، فأجهزة الأمن قائمة على أسس مختلفة وستتغلب على أي قرار سياسي. ستراق دماء كثيرة ولن يتنازل الأسد عن مملكته."
لطالما اعتقد أبي أن السوريين عارضوا باستمرار نظام حافظ الأسد منذ أن سيطر على السلطة، بمختلف انتماءاتهم، لكنهم لم ينجحوا. يتذكر كيف أُغلقت مكاتب حزب البعث اعتراضاً عندما نفذ حافظ الأسد انقلابه في السبعين، رفضاً لزجه صلاح جديد ونور الدين الأتاسي في السجن.
"جاءت أوامر من دمشق باعتقال البعثيين. لم أكن حينها أفهم اللعبة، اعترضنا على زج أصدقائنا في السجن ثم جاءنا التهديد مباشرة؛ الأوامر صارمة وليس هنا تساهل وستكونون مع أصدقائكم فإما أن تشاركوا وإما أن تصمتوا وتبقوا في الفرع. أذكر أني بقيت ورفضت النزول مع الدوريات لاعتقال البعثيين. كنت أصنع القهوة وآخذها إلى القبو لأشربها أنا والمعتقلين وبعض عناصر الفرع. لم أتصور أنا وكثيرون أن الأمر جدي أو حتى أنه سيدوم، لكنه بقي ثلاثين عاماً.
في العمق كنت من أنصار جديد ولكني احتجت تلك الوظيفة ولم أجرؤ يوماً على الاعتراض، لذلك كنت معجباً بمعارضي الأسد رغم قناعتي أنه مرتبط بالمخابرات العالمية ولا جدوى من ممارسة السياسة في هذا البلد".
مرت الأعوام وارتكب نظام الأسد مجازر كثيرة، رسخت قناعة والدي بعدم جدوى الاعتراض. في التسعينيات قرر حافظ الأسد إخلاء سبيل الكثير من المعتقلين ممن انتسبوا لجماعة الإخوان المسلمين ورابطة العمل الشيوعي. تشكلت لجنة أمنية تجولت في كل المحافظات، وعندما أتت إلى حمص رافقها إلى السجن المركزي فريق من الأمن السياسي، ضم أبي.
زار أبي أقرباءنا وآخرين ليتمكنوا من زيارة أبنائهم، لكن كثيراً منهم من رابطة العمل رفضوا التوقيع على طلبات إخلاء السبيل، رغم قضائهم ما لا يقل عن عشر سنين في السجن. "دخلت ولم يعرفني أحد حتى ممن أمنت لذويهم مقابلات. تحدثت معهم بكل صراحة؛ اخرجوا تزوجوا وأنجبوا أولاداً وادرسوا واعملوا. لن تستفيدوا من العمل السياسي، فهذه البلاد لم تخلق لممارسة هذا العمل. بعد حوار طويل وافقوا على التوقيع ومقابلة اللجنة التي كانت قد وصلت إلى حلب، فتم الاتصال بها هاتفياً وعادت إلى حمص ووقع المعتقلون الطلبات. وقتها شعرت بسعادة وذاع صيتي بين هؤلاء الشبان".
خوف مستدام
وأنا صغيرة، كنت أرى في والدي شخصاً ديكتاتورياً متسلطاً كالنظام، حتى بعد تقاعده. عندما بدأت أكبر وأقرأ وأتعرف أكثر على معاناة السوريين مع أجهزة الأمن بدأت أراه كحافظ الأسد، ولكن وبعد أن كبر وتحرر من الكثير من القيود وعلم أنه لم يتبقَّ له من السنين إلا القليل، بدأ يحدثني عن حكايات وتفاصيل عمله. علمت وقتها وأيقنت أنه كان مسكوناً بالخوف، ولذا رأى نفسه موظفاً، معتبراً أنه استطاع الصمود في تلك المؤسسة دون أن تتلوث يداه بالرشاوى أو بقتل أحدهم. كان أبي مقتنعاً بقذارة ذلك المكان، فلم يدفع قرشاً واحداً من راتبه في الصدقة.
لطالما بقيت كلماته محفورة في ذاكرتي، أنه سيأتي اليوم الذي ستُهدم فيه تماثيل الأسد، الذي سلّم الجولان وقبض ثمنه تولّيه الحكم. كثيراً ما ذكر أن الأسد وعائلته ليسوا علويين، فلا أصول لهم في الساحل أو في أي بقعة في سوريا. لطالما لم أستطع فهم اعتراضه الدائم في المنزل على ممارسات الأسد ورغبته في التوريث وتشويه الحكم الجمهوري، وعمله في نفس الوقت كرجل أمن له نفوذه في المدينة. كنت طفلة طلائعية ومؤيدة جداً لرئيسي في ذلك الوقت، كبرت وحزنت بشدة على وفاة باسل الأسد، ولم أنسَ كلمة والدي وقتها :"لقد شرب الأسد من نفس الكأس الذي تجرعه السوريون"، كيف يشمت؟ تساءلتُ، لم أدرك أنه يعرف الحقيقة.
"جهاز المخابرات نفق كبير. أردت في الثمانينيات تقديم استقالتي والعودة إلى اللاذقية، حيث كان لأحد الأصدقاء الحماصنة مطعم هناك، وقد عرض علي أن أكون مديراً له. والدتك خافت من الذهاب، بسبب تشبيح أولاد الأسد فواز وهلال ومحمد وخطفهم للفتيات، فرفضت الذهاب وبقيت في حمص. حاولت الانسحاب ولم أستطع، لكني متأكد أنني لم أقتل أو أتسبب بقتل أحدهم ولم أسرق مالاً. حاولت أن أستخدم سلطتي لصالح الناس. فشلت في كثير من الأحيان ونجحت أحياناً".
عندما استقر حكم الأسد في التسعينيات، كنت قد بدأت أتعرف على الكثيرين ممن يحملون فكراً معارضاً له، وبدأت أفهم أكثر شكل الحكم الديكتاتوري وماهيته، وأصبحت أعلم تماماً أين نعيش، لكني كنت أحمل الكثير من الغضب تجاه والدي، فهو ذلك الرجل المتسلط والمتحكم بكل قراراتنا. كنت أراه صورة مصغرة عن الأسد.
استكان أخي الكبير ولم يعد يهتم بالسياسة، أما أنا فبدأ صراعي الداخلي وقررت دراسة الإعلام، ورغم عدم اعتراض والدي على الفرع إلا أنه لم يأخذني على محمل الجد، متوقعاً أني سأدرسه لمجرد الدراسة، فلا إعلام في بلادنا. شعرت في كثير من الأحيان أنني أشبه المعتقلين السياسيين، إذ كما أحكم الأسد قبضته الأمنية على سوريا، فعل والدي، فالمكتبة لم تعد موجودة، ولم يعد الحديث السياسي في منزلنا مشوقاً.
كان أقرباؤنا في السجون، ومن خرج منهم بات بعيداً تماماً عن أي نقاش. خارج المنزل، كان الناس يعاملونني كابنة المسؤول الأمني، التي يجب التودد لها. كنت مصانة، لا يستطيع أحد القيام بأي عمل عدائي تجاهي، وإن قام بذلك، أجد من يدافع عني ويأخذ حقي، قبل أن أعرف. لا أستطيع أن أنكر أنه ربما كان يدغدغني شعور التفوق والحماية، وعشت لفترة طويلة مقتنعة أن والدي رجل قوي وقادر على فعل المستحيل، هكذا إلى أن تحدثنا بعد اندلاع الثورة بسنتين، وأنا أستفهم منه أكثر، كيف يفكر الأمن، بسبب نشاطي الثوري.
حين حدثني أبي عن توقيفه عن العمل مرتين، رأيت دموعه وأحسست كم كان خائفاً، وأحسست بذلك الضعف الذي تملكه. عندما سألته لماذا يبكي؟ قال لي: "جهاز المخابرات نفق كبير. أردت في الثمانينيات تقديم استقالتي والعودة إلى اللاذقية، حيث كان لأحد الأصدقاء الحماصنة مطعم هناك، وقد عرض علي أن أكون مديراً له. والدتك خافت من الذهاب، بسبب تشبيح أولاد الأسد فواز وهلال ومحمد وخطفهم للفتيات، فرفضت الذهاب وبقيت في حمص. حاولت الانسحاب ولم أستطع، لكني متأكد أنني لم أقتل أو أتسبب بقتل أحدهم ولم أسرق مالاً. حاولت أن أستخدم سلطتي لصالح الناس. فشلت في كثير من الأحيان ونجحت أحياناً".
لطالما رأى والدي أن حزب البعث هو حزب العمال والفلاحين، وأن حافظ الأسد قام بإنهائه، ومع ذلك، لم يكن على وفاق سياسي مع جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت قوية وذات شعبية كبيرة في عهد الأسد الأب، وإن كان لبعض أصدقائه ميول إسلامية. أذكر في طفولتي أن بيتنا قد امتلئ بالنساء اللواتي يأخذن ورقة سميت وقتها "طلب مواجهة"، لمقابلة ذويهن المعتقلين بتهمة الانتماء للإخوان المسلمين. عرفت بعدها أن رجال الأمن استغلوا الكثير من النساء لإعطائهن تلك الورقة.
ثورة
كانت أكثر لحظات حياتي سعادةً، تلك التي نزلت فيها إلى الشارع وهتفت ضد الأسد. كم كرهت تلك العائلة وكم شعرت أن الشعب السوري قد ذُلَّ في زمنهم. راكمت ذاكرتي الكثير من الحكايات التي رواها والدي، الذي كان يرفض نزولي إلى المسيرات المؤيدة، كما فصلني أنا وأختي من حزب البعث. ومن الغريب ألا يصدق أحد أن والدي قد رفض وجود ابنته في الحزب. كل تلك الأمور حولتني لثائرة آمنت بأن على الديكتاتور الرحيل.
بعد اندلاع الثورة كنت أتحدث مع والدي فقال لي: "على الثوار أن ينشطوا سراً، لا شيء يفقد أجهزة الأمن توازنها أكثر من العمل السري، يجب عليهم أن يغرقوا البلد بالمناشير السرية".
كنت قد التقيت بمجموعة ثورية من الساحل وكان لديهم نفس التوجه، وبالفعل أنشأنا حركة "نحل الساحل"، التي توجهت بمناشيرها إلى مناطق العلويين حصراً، مطالبين إياهم الانضمام للثورة.
رمينا المناشير في دمشق وفي حمص وكل مدن وبلدات الساحل، رفعنا لافتات في القرى، ووصلنا إلى القرداحة مسقط رأس الأسد. توقف نشاطنا، حين اعتقل أحد شبابنا، فيما كان الحراك السلمي في نهايته. والدي لم يكن على علم بكل نشاطي الثوري، لكننا وصلنا إلى مرحلة، كنا نلتقي فيها في الأفكار كثيراً. غاب ذلك الرجل المتسلط وحل محله شخص شديد التعاطف مع ثورة السوريين.
توفي والدي بعد سقوط النظام بسنة ونصف، كنت أتأمل ذلك الرجل الذي ولد قبل الاستقلال بعشر سنوات، كيف مرت عليه العقود وتعاقبت عليه الحكومات والرؤساء والأنظمة، إلا أنني كنت متأكدة من سعادته لخبر سقوط النظام. قال لي:" من حق السوريين أن يبدؤوا حياة جديدة بعيداً عن حكم العسكر".





