(القامشلي)، "في أول أيام نزوحنا، كانت أمي قلقة، لأنها نسيت نافذة المنزل مفتوحة، وكانت تسألنا، عما إذا كان بإمكاننا العودة لإغلاقها، لئلا يتسرّب الغبار إلى المنزل ريثما نعود". هذا ما يقوله لسوريا ما انحكت الناشط المدني والمدير التنفيذي لرابطة تآزر للضحايا عز الدين صالح، المنحدر من مدينة سري كانيه/ رأس العين، والمُقيم حالياً في إحدى الدول الأوروبية.
يشير عز الدين إلى أنّ والدته لم تكن تعلم آنذاك أنّ التهجير من مدينة سري كانيه/رأس العين سيطول، وأنها تتمنى اليوم لو أنها تَركت كلّ الأبواب مفتوحة لتتسلّل منها الرياح، أو ليحترق البيت كلّه حتى، بدلاً من أن تدنّسه أقدام أشخاصٍ "لا يملكون من الإنسانية شيئاً"، فهم لم يكتفوا باحتلال المنزل، بل وسرقوا ألبومات الصور، ودفاتر المدرسة، وذكريات الطفولة المعلّقة على الجدران.
في شمال شرق سوريا، حيث تتقاطع اللغات والثقافات، كانت مدينة سري كانيه/رأس العين تمثّل نموذجاً للتنوّع الاجتماعيّ والسكاني؛ مدينةٌ تنبض بالأرمن والكُرد والعرب والآشوريين والشركس وغيرهم، وتُعرف بينابيعها السخية، وأسواقها القديمة التي تختلط فيها اللهجات وتتشابك فيها الذاكرة. لكن في تشرين الأوّل/أكتوبر 2019، تحوّل كلّ شيء، حيث شهدت المدينة اجتياحاً من قبل بعض الفصائل السورية بدعمٍ تركي، ضمن عمليةٍ عسكرية حملت اسم "نبع السلام"، بهدف إنشاء "منطقة آمنة".
تحدّت الحروقَ والإهمال.. لتنقذ ابنتها وحياتها أيضاً
03 أيلول 2025
تسبّب التوغّل العسكري آنذاك بتهجير أكثر من 200 ألف من سكان المنطقة الأصليين، لتفقد المدينة، التي ما زالت على قيد الجغرافيا، أسماء مَن صنعوا ملامحها، الذين يعيشون الصمت كأنّه قانون. هناك، خلف الحواجز التي لا تبعد أكثر من بضعة كيلومترات؛ يعرف الذين خرجوا منها الطرقَ المؤدّية إلى منازلهم، يعرفون من بقي، ومن خسر، ومن اختفى.. مع فارق أنّ الرجوع بات ممنوعاً، وصار لزاماً عليهم أن يعيشوا قرب مدنهم، لا فيها، أن يكتبوا عنها من دون أن يلمسوها، أن يدافعوا عنها من دون أن يروها.
"لم أملك الوقت للحزن أو حتى لمعالجة صدمتي، فالانتهاكات بحقّ مدينتنا وأهلها لم تنتظر إلى أن نتعافى"، يقول عز الدين صالح، ويُكمل أنه منذ الأيّام الأولى كان عليه أن يعمل، أن يوثّق الجرائم، يدعم الشهود، يوصل أصوات الضحايا، وأن يبني جسوراً مع آليات العدالة الدولية، في وقتٍ كان يُسلب أهل المدينة بيوتهم وكراماتهم.
من الضياع إلى التنظيم.. حين التقت الآلام
يكمل عز الدين: "في تلك اللحظات، لا يوجد قرارٌ أصعب من أنّ تحرم نفسك من حقّك الطبيعي في الحزن، من أجل أداء واجبك تجاه ما تحب وتؤمن به، الأمر أشبه بالسير على جمر ٍمشتعل، كلّ خطوةٍ تؤلم، لكن التوقف يعني السقوط."
في ظروف الألم ذاتها، خرج الصحفي والناشط الحقوقي، ومنسق رابطة تآزر للضحايا، أورهان كمال من مدينته سري كانيه/رأس العين، ثالث أيام عملية "نبع السلام"، متوجّهاً إلى ريف المدينة، ثم تنقل بين عدّة قرى، قبل أن يكون استقراره النهائي في مدينة الحسكة.
"لحظة بدء الهجوم على المدينة كانت أصعب ما مررتُ به؛ أُفرغت المدينة من أهلها خلال ساعات، المشاهد المؤلمة كانت كثيرة، لكن أصعبها، كان مشهد امرأةٍ تحمل طفلاً بين يديها، تائهة، تبكي وترتجف، وتبحث عن النجاة وسط الفوضى والخوف،" يقول أورهان ويضيف أن تجربة التهجير القسري "قاسية"، سواءٌ أكانت من الناحية الاقتصادية أم النفسية أم الاجتماعية.
لاقى أورهان صعوبةً حقيقية في تقبّل أن يُطلق عليه اسم "نازح"، كما لاقى صعوبةً في الانسجام مع المجتمعات المُضيفة، لكنه تمكّن من تجاوز آثار تلك المرحلة "الصعبة" شيئاً فشيئاً.
قبل التهجير من مدينتهما، جمع كلٌّ من عز الدين وأورهان العمل في مجالَي الصحافة والمجتمع المدني. عمل عز الدين، مع مجموعةٍ من المدافعين/ات عن حقوق الإنسان منذ عام 2018، على توثيق الانتهاكات في عفرين، ثم أصبح مع البعض منهم ضحايا أيضاً خلال الهجوم على مدينتَي سري كانيه/ رأس العين وتل أبيض/ كري سبي عام 2019. أما أورهان فقد عمل صحفياً، كما وثّق الانتهاكات التي جرت في مدينته.
إن رأس العين/سري كانيه ما تزال عالقةً في حالة فراغٍ سياسيّ وقانونيّ، يترافق مع استمرار السيطرة العسكرية والفوضى الأمنية، فيما يدفع السكان الأصليون الثمن الأكبر من خلال استمرار النزوح القسريّ وحرمانهم من أبسط حقوقهم".
كان عز الدين يبحث عن آليةٍ لتوثيق ما حدث من انتهاكٍ بحقّ عائلته، من الاستيلاء على منزل العائلة، واعتقال والده وتعذيبه حين عاد ليتفقّد منزله. اكتشف أنّ قصة عائلته ليست فردية، بل هناك المئات من القصص المشابهة، وأنّ هذه القصص لن تخرج إلى النور ما لم يتحدّث عنها أحد.
"مذ بدأت الحرب في سوريا، كنت مؤمناً بأنّ على الضحايا أنفسهم أن يقودوا مبادراتٍ تنادي بحقوقهم، لذا حاولتُ دوماً أن أشجّع مجتمعات الضحايا على المطالبة بحقوقهم. في بداية الاحتلال التركي لمدينة عفرين عام 2018، أنشأنا مجموعةً مكوّنة من باحثين/ات، وكانت المجموعة توثّق الانتهاكات التي يتعرّض لها أهل عفرين. وبعد المعارك التي شهدتها سري كانيه، عملنا على إيصال المعلومات إلى كافة الجهات الدولية المعنية بالتحقيق في الانتهاكات، لأن وصول هذه الجهات إلى مدينتنا كان محدوداً جداً، كنا نضغط على بعضها ونقوم بتأمين وصولها إلى الحالات التي تعرّضت للانتهاكات، لذا رأينا من المهم أن نتوسّع في هذا الجهد، خاصةً وأن السوريين/ات فقدوا الثقة بكلّ ما يتعلّق بتوثيق الانتهاكات، في ظل انعدام الاهتمام بمناطق سري كانيه وعفرين وغيرها. ومن هنا، ولنعيد الثقة من جديد، بدأت الفكرة بأن نبني كياناً كضحايا، أن نمثّل أنفسنا، أن نقدّم بياناتٍ فيها توثيقٌ للانتهاكات، أن نقول: مناطقنا مُحتلة، وأننا ضحايا وتهجّرنا من منازلنا، ونطالب بالمساءلة وتحقيق العدالة، واسترداد الحقوق والممتلكات"، يقول عز الدين.
بقعة ضوء على المجتمع المدنيّ السوريّ: الحلقة السابعة
30 آب 2025
ويكمل عز الدين: "كان التأسيس للرابطة في فترةٍ صعبةٍ علينا جميعاً، فقد كنا مهجّرين من منازلنا ومدينتنا، وكلٌّ منا مسؤول عن تأمين مأوى لعائلته. أذكر أنّ كلّ شخص فينا كان في مكان، منّا مَن كان في المخيم، ومَن كان في مدن مختلفة في المنطقة. رغم ذلك قرّرنا المضي قدماً في التحضير لتأسيس الرابطة. كان الملفت أنّ فريقنا مكتمل المهارات، لذا فإننا لم نفكّر لفترةٍ طويلة بأن نقوم بجمع التمويل، وكان الهمّ الرئيسيّ هو توثيق ما يتعرّض له أهلنا."
بالنسبة للأهالي،لم تكن مدينة سري كانيه/ رأس العين كغيرها من المدن، فقد تميّزت بطبيعةٍ قلّ مثيلها. حسب المصادر التاريخية، كان لينابيع المدينة التي بلغ عددُها عدد أيام السنة أهميةً كبرى في تشكيل المدينة وتحوّلها إلى مركزٍ بشريٍّ هام على مرّ العصور، كما أنها حملت إرثاً متنوعاً لسنين طويلة، وأبرز سماتها التنوع الدينيّ والإثنيّ، وهو ما عزّز ارتباط أبنائها بها، ودفعهم/نّ إلى بذل كل جهدٍ في سبيل عودتهم إليها. عن هذا التنوّع، يقول الكاتب والروائي السوري محمد ديبو، الذي سبق أن عاش لمدة عامٍ في هذه المدينة: "لا تزال ذاكرتي حتى اللحظة محمّلةً بإرث التنوّع الذي تتميّز به المدينة، ففي طريقي أصادف الكردي والعربي والمسلم (بمختلف طوائفه) والمسيحي (بمختلف طوائفه) والأرمني والأشوري والسرياني والشيشاني.. ولكلٍّ من هؤلاء تراثٌ وأعياد وعادات وتقاليد وثقافات تغني فضاء المدينة. ففي منتزه مثل سيروب أو عند نبع المياه الكبريتية أو قصر أصفر النجار تجد الأهالي بكلّ تنوّعهم واختلافاتهم يتنزهون أو يمارسون هواياتهم، ليشكلوا لوحةً لمدينةٍ ما زالت ذاكرتي تحفظ تفاصيلها رغم مرور أكثر من عشرين عاماً على مغادرتي إياها".
من الحملة إلى الرابطة: جهودٌ موحّدة من أجل العدالة
في الذكرى السنوية الأولى لتهجير أهالي مدينة سري كانيه/ رأس العين في تشرين الأول/أكتوبر 2019، شهدت وسائل التواصل الاجتماعي، واحدةً من أبرز الحملات المدنية التي أطلقها صحفيون/ات وناشطون/ات من أبناء المدينة داخل البلاد وخارجها، تحت شعار "سري كانيه مدينة التعايش تفقد ألوانها"، وقد هدفت الحملة إلى التذكير بمأساة التهجير القسري التي طالت أكثر من 200 ألف شخصٍ من سكان المدينة، وتسليط الضوء على الحقّ المشروع للنازحين في العودة الآمنة إلى ديارهم، فحتى الآن لم يتمكن العدد الأكبر ممن نزحوا من العودة إلى بيوتهم. يروي اسماعيل لسوريا ما انحكت، وقد اختار التحدّث باسمٍ مستعار لدواعي أمنية، خوفاً على أقاربه الباقين في المدينة حتى الآن: "تهجّرتُ من منزلي في مدينة سري كانيه/ رأس العين عام 2019، ولم أتمكن من العودة حتى الآن، فقد احتلوا منزلي وأحرقوه. في عام 2021، أرسل إليّ شخصٌ من القوات الموجودة في المنطقة صوراً لمنزلي. كان المنزل في حالةٍ يُرثى لها، أرسلها قبل أن يخرج منه، وبعد أن قام ببيعه إلى شخصٍ آخر. ولأنني لا أملك منزلي، فلم أتمكن من العودة".
ويقول اسماعيل، الذي ينتمي إلى المجتمع العربي في المدينة، إنّ أعداداً كبيرة من أهالي المنطقة خرجوا منها، والآن وبحسب أقاربه، فإن المدينة تعاني من حالةٍ خدمية سيئة، وندرةٍ في توفّر فرص العمل، عدا عن الاستيلاء على ممتلكات أهالي المدينة، وبيعها، "حتى الأبواب والشبابيك يتم بيعها وسرقتها."
فقدان الثقة بالعدالة من أبرز التحديات في العمل التوثيقي بحسب عز الدين، حيث إنّ سنوات الإنكار والتجاهل أفقدت الكثير من الضحايا الإيمان بوجود عدالةٍ حقيقةٍ منصفة.
وعلى الرغم من مرور سنواتٍ على تهجيرهم/نّ القسري، لا يزال سكان/ساكنات سري كانيه يتمسّكون بأمل العودة، ويواصلون رفع أصواتهم/نّ من أجل العدالة، متشبّثين/اتٍ بحقّهم في العودة الآمنة واستعادة حياتهم. و"النسبة الكبرى من أهالي المدينة خرجوا منها. اليوم تبقّى فيها 55 شخصاً كردياً أغلبهم من المسنّين، وشخص أرمنيٌّ وحيد، و8 أشخاصٍ من السريان، وهناك عرب في المدينة وريفها. بالمقابل، هناك قرىً عربية خرج أهلها جميعاً بعد أن أصبحت قراهم خطوط تماس" يقول أورهان ويكمل، أنه لا يمكنه العودة نتيجة سوء الوضع الأمنيّ والمعيشي، واستمرار الانتهاكات، وانعدام الضمانات للحفاظ على حياة الناس الراغبين بالعودة.
وفي السياق ذاته، يقول عز الدين عن الوضع الحالي في المدينة: "رغم سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 وتشكيل الحكومة الانتقالية، لم يطرأ أي تغييرٍ ملموس على الواقع في رأس العين/سري كانيه. فالمنطقة ما زالت خاضعةً عملياً لسيطرة القوات التركية والفصائل المسلحة الموالية لها (الجيش الوطني السوري سابقاً)، التي اندمجت شكلياً ضمن هيكلية وزارة الدفاع السورية الجديدة، لكنها لا تزال تتلقى الدعم والرواتب والتعليمات من أنقرة. هذا الوضع أبقى سلطة الحكومة الانتقالية ضعيفةً وغير نافذة هناك، خاصة أنها لا تملك بعد وصولاً كاملاً إلى تلك المناطق (التي تحيط بها مناطق الإدارة الذاتية/شمال شرق سوريا) إلا عن طريق تركيا أو بالاتفاق مع قسد.
ويكمل: "إنسانياً، لا يزال القسم الأكبر من السكان الأصليين للمدينة وريفها مهجّرين/ات منذ أكثر من خمس سنوات، يعيشون في ظروفٍ قاسية داخل المخيمات ومناطق النزوح، محرومين من العودة إلى بيوتهم أو استعادة ممتلكاتهم التي تعرّض الكثير منها للتدمير أو الاستيلاء. وحتى الآن، لم تتخذ الحكومة الانتقالية خطواتٍ عملية لإعادة المهجرين أو ضمان حقوقهم في السكن والملكية، بحجة أن المنطقة ما زالت خارج سيطرتها المباشرة وتحتاج إلى ترتيباتٍ إقليمية ودولية خاصة. وبالتالي، يمكن القول إن رأس العين/سري كانيه ما تزال عالقةً في حالة فراغٍ سياسيّ وقانونيّ، يترافق مع استمرار السيطرة العسكرية والفوضى الأمنية، فيما يدفع السكان الأصليون الثمن الأكبر من خلال استمرار النزوح القسريّ وحرمانهم من أبسط حقوقهم".
التوثيق كأداة مقاومة.. والعدالة كأفق مشترك
حكاية الساعات الأخيرة في حياة الحزب القائد
29 آب 2025
"صوت الضحايا هو الموجّه الرئيسي لأولوياتنا، التي تسعى إلى إشراكهم ليكونوا جزءاً رئيسياً من عملية التغيير وحلّ قضية المهجّرين/ات"، تقول بارين شرف مسؤولة التواصل والمناصرة في الرابطة.
هناك صعوبةٌ في الوصول الآمن إلى المناطق وإلى الناس، إلى جانب صعوبة الحصول على شهادات الضحايا نظراً لصعوبة التجارب التي مرّوا بها، عدا عن خوفهم من العواقب المتمثلة بالانتقام، والوصم المجتمعي، وخاصةً لدى الضحايا من النساء، بحسب ما توضحه بارين.
ولا يقتصر الأمر على التعامل مع الضحايا. فقدان الثقة بالعدالة من أبرز التحديات في العمل التوثيقي بحسب عز الدين، حيث إنّ سنوات الإنكار والتجاهل أفقدت الكثير من الضحايا الإيمان بوجود عدالةٍ حقيقةٍ منصفة، بالإضافة إلى ضعف الوعي القانوني، حيث يقول عز الدين إنهم يواجهون صعوبةً في إقناع الضحايا بأهمية التوثيق والشهادة، في ظلّ الخوف، والإرهاق، والإحساس بعدم الجدوى.
لا صوت لمدينتنا.. إلا نحن
يطمح عز الدين إلى أن تكون جهودهم/نّ جزءاً من كتابة مستقبلٍ لا يتكرّر فيه الظلم الذي عايشوه، بل أن يتمّ التعلّم من تجربتهم؛ مستقبلٌ فيه صوت الضحية واضح، ومشاركته في بناء السلام أساسية، وليست ثانوية، "اليوم، وأنا أنظر إلى الوراء، أرى في تلك التجربة القاسية مصدر ألمٍ وإلهامٍ في آن واحد."
إنّ رؤية هؤلاء الشباب والشابات تكمن في خلق بيئةٍ يكون فيها للضحايا دورٌ مركزي في صنع التغيير، ويكونون فاعلين/ات أساسيين/ات، يقودون جهود الدفاع عن حقوقهم، في بيئةٍ تتيح لهم بالمطالبة بهذه الحقوق، والمشاركة في إنتاج الحلول، ورسم السياسات المتعلّقة بمسار حيواتهم، بحسب ما توضحه بارين.
"اليوم، ومع دخول سوريا في مرحلةٍ انتقالية بعد سقوط النظام السوري السابق، أؤمن أن رابطة تآزر ستتمكن من أن تلعب دوراً مهماً ومحورياً، من خلال تمثيل الضحايا، والمناصرة لقضاياهم، والدفاع عن حقوقهم في المحافل المحلية والدولية." يقول أورهان.
هؤلاء الذين هُجّروا من رأس العين/ سري كانييه لم ينشغلوا بحزم الحقائب، بل راحوا يفتّشون عن اللغة التي يمكن أن تُعيد لأصواتهم معناها. صاروا هم المدينة. يكتبونها، ويتحدّثون باسم من بقي فيها، لا لأنهم أوصياء على الوجع، بل لأنهم شهودٌ عليه.
وبينما الحدود تُغلق، والمنافي تُراكم صمتها، وبينما تتجدّد قصص التهجير في مناطق سوريةٍ هنا وهناك، ويتجدّد ألم الإجبار على ترك المنازل والمدن التي احتضنت ذكريات أهلها، هناك مَن ما زال يفتح كلّ صباح نافذةً على المدن الفارغة من أهلها؛ لا تُرى، لكنها تُسمَع، تُكتَب، وتُروى، لأنّ "كل شهادة، كل صورة، وكل قصةٍ تُوثق، تُشكّل حجراً في طريقٍ طويلٍ نحو المساءلة." كما يقول عزّ الدين.







