قطن سوريا.. ماضي المواسم السعيدة.. هل يعود؟


لم تكن أيام "حواش القطن" في سوريا مجرّد أوقات جني ومحصولاً ينتظره المزارعون والفلاحون من سنة إلى سنة فحسب، بل كان عالماً كاملاً؛ فرح ورقص وتعاون وتحقّق آمال؛ زواج، وفاء ديون، شراء سيارات حديثة وبيوت.. دورة الحياة كانت تبدأ مع كلّ موسم، قبل أن تقطعها الحرب والسياسات الخاطئة. انقطعت حدّ أن الفلاحين المعروفين بالكرم لم يعودوا قادرين على إطعام أنفسهم، ولا ضيوفهم، بطبيعة الحال.

04 شباط 2026

آريا حاجي

صحافية سورية.

(نقلت سوريا ما انحكت تصريحات الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا أدناه قبل التطورات العسكرية الأخيرة وتقلص مناطق سيطرة قوات قسد وتغير ظروف المعيشة فيها)

(القامشلي) قبل خمسة عشر عاماً، لم يكن موسم القطن في الجزيرة مجرّد عملٍ زراعي، بل كان حدثاً منتظراً، لكن ما كان يوصف يوماً بأنّه "ذهب سوريا" أو "الذهب الأبيض" أضحى عبئاً على الجميع.

مع اقتراب "حواش القطن"، كانت البيوت تستعد  كما لو أنّها على موعد مع "عرسٍ طويل" كما يقول لسوريا ما انحكت المُزارع المُنحدر من بلدة زركان (أبو راسين) بريف مدينة الحسكة، حسن البرغوث، والذي كان يزرع سابقاً 120 دونماً من القطن، ويجلب لمساعدته ما بين 40 و50 عاملاً، يسكنون لديه طوال الموسم. كانوا يأتون بالباصات الكبيرة من منبج، وقبل وصولهم يشتري لهم كلّ ما يحتاجه بيته وبيت العمال معاً: غاز، طعام، مونة.

طعامهم كان بسيطاً: برغل بالسمن العربي، ونهارهم ينتهي بعد 12 ساعة من العمل في الحقل، ليبدأ المساء بالرقص والسهر والضحك، "ولا كأنو العامل اشتغل" لأنّ العامل والمزارع كانا يعرفان تماماً ما الذي سيكسبانه بعد الموسم، كما يقول حسن. الصورة ذاتها يستعيدها المزارع المنحدر من البلدة نفسها "زركان"، جكدار ميرزو، حين يتحدّث عن العمال الذين كانوا يأتون من دير الزور ويمكثون شهراً كاملاً: "كنا لا نطيق الانتظار قبل وصول العمال"، وبعدها "كنا ننسى كلّ التعب ونرقص ونسهر."

الزواج نفسه كان مُرتبطاً بمحصول القطن كما يوضّح حسن الذي يقول إنّ أغلب الزيجات كانت تؤجَّل إلى "الموسم"، حتى أن مردود القمح كان يعاد استثماره في في القطن، ليبقى موسم الأخير صافياً، ويزوج المزارع به أولاده ويؤمن تكاليف معيشته.

ماضي المواسم السعيدة

كانت النساء يخبزن الخبز ذي "الطعم الخاص"، كما يقول حسن بواسطة العود قبل عودة العمال إلى بيوتهم، وأولئك العمال لم يكونوا يأتون فقط بأيديهم وقوة عملهم، بل بقصصهم وأساليب حديثهم وطعامهم التي تختلط وتلك الخاصة بأهل المنطقة لتصنع علاقات ومعارف مشتركة تدوم أجيالاً.

"لا يشعر بالانتماء إلا من عمل في الأرض، إنها مسألة عشق وشرف" يقول حسن وهو الذي فقد جزءاً من أرضه قرب رأس العين إذ دارت على صدرها معركة (نبع السلام) التي شنّتها القوات المسلّحة التركية وفصائل المعارضة السورية المُتعاونة معها آنذاك ضدّ قوات سوريا الديمقراطية. تعرّض للقصف آنذاك، ولم يزرع أرضه بعدها لمدة عامين.

صناعة النبيذ السورية: مقاومةٌ مخبّأة في الجرار

30 كانون الأول 2025
مشاكل صناعة النبيذ لا تتعلق بكونها من المشروبات الروحية بقدر ما ترتبط بكونها نموذجاً مصغراً لإشكالية الاقتصاد السوري الأوسع، حيث تربط هذه الصناعة سلاسل إنتاجٍ متكاملة. نبيذ الريّان والميماس وهما...

يستعيد الفلاح والعامل الزراعي إبراهيم سلامة، ابن قرية كشكش جبور في الشدادي، البالغ من العمر 60 عاماً، والذي يعمل في الزراعة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ذكريات أيّام العمل على نهر الخابور، من رأس العين إلى البصيرة، حين كانوا يعملون على الفطرة، بلا جرارات ولا آليات. كانوا يسقون خمسة أو ستة "فلاليح" (وفق وصفه) في اليوم، بماكينة قوّة 155 حصان، بدءاً من طلوع النهار حتى غروب الشمس. وفي الليل، يسهرون، يلعبون الشدّة والمنقلة حتى الواحدة صباحاً. يرقصون الدبكة، ثم يعودون مع الفجر إلى السقاية. كانوا يقطفون في النهار نحو 100 كيلو قطن، ينقلونه على الحمير لمسافة 500 متر، يضعونه في المحلج، يكبسونه بأرجلهم، يدكّونه في الأكياس ويقومون بخياطته.

يتذكّر جلساتهم حول مدفأة الحطب، خمس أو ستة رجال، يلعبون الشدة أو "الخواتيم" (ينقسم اللاعبون إلى فريقين، وثمّة خاتم مع أحدهم. وعلى الفريق الأخر أن يعرف مع من الخاتم)، يضعون شروطاً للعب، وينهونه بعشاء جماعي. "كنا نتونس بحيل بليالي موسم القطن."

كان والد جكدار ينتظر صدور فاتورة القطن، وفي كل موسم، وما إن يستلمها حتى يقول: "سأذهب لتغيير السيارة". لم يغيرها ولم يعد يضع أي خطط للموسم اليوم.

تراجع الدعم فتراجع الإنتاج

قديماً، كان الدونم الواحد (1000 متر مربع) ينتج ما بين 500 و600 كيلوغرام من القطن وسطياً، أمّا اليوم فلا يتجاوز الإنتاج 200 إلى 300 كيلو غرام، يُصدَّر إلى محلج الحسكة التابع للإدارة الذاتية. لكن الفارق بين الأمس واليوم ليس في الكمية وحدها.

بحسب قرار هيئة الزراعة، لا يُسمح بزراعة القطن إلا في 16% من الأرض المرخّصة (في كلّ 100 دونم يُسمح بزراعة 16 دونماً فقط). "حالياً، إذا زرعنا 30 دونم من أصل 200 بيكون منيح"، يقول حسن. وهذه المساحة وحدها تحصل على مازوت مدعوم، من دون أيّ دعم للبذار أو الأسمدة أو القروض. وربع الكمية فقط تُزرع بالقطن.

مشاكل زراعة القطن تراكمت على مدار السنوات الماضية، حيث لا توجد أصناف جيّدة للبذار، والأسمدة الفوسفاتية المتوفّرة سيئة الجودة، بينما يصل سعر الطن الواحد من السماد الجيّد إلى 900 دولار، والأسمدة الآزوتية إلى 650 أو 700 دولار. السماد السيء، كما يقول جكدار، يبقى في الأرض لسنوات دون أي مفعول، ويحتاج القطن من 12 إلى 13 "رية" (سقاية)، لكن المزارعين يحصلون على سبع "ريات" فقط، وفي أوقات غير مناسبة، ويضطرون لشراء بقية الريات بأسعار مرتفعة.

هذا ما يؤكّده أيضاً الرئيس المشترك للمؤسسة العامة للأقطان في شمال وشرق سوريا، مصطفى إبراهيم، إذ يقول لسوريا ما انحكت إنّ الإدارة الذاتية لم تتمكّن من دعم المحصول بكامل احتياجاته من المحروقات، رغم تقديمها دعماً لعدد من الريات وصل خلال السنوات الماضية إلى نحو 70% من الحاجة الكاملة.

يستعيد الفلاح والعامل الزراعي إبراهيم سلامة، ابن قرية كشكش جبور في الشدادي، البالغ من العمر 60 عاماً، والذي يعمل في الزراعة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ذكريات أيّام العمل على نهر الخابور، من رأس العين إلى البصيرة، حين كانوا يعملون على الفطرة، بلا جرارات ولا آليات. كانوا يسقون خمسة أو ستة "فلاليح" (وفق وصفه) في اليوم، بماكينة قوّة 155 حصان، بدءاً من طلوع النهار حتى غروب الشمس. وفي الليل، يسهرون، يلعبون الشدّة والمنقلة حتى الواحدة صباحاً. يرقصون الدبكة، ثم يعودون مع الفجر إلى السقاية.

القطن محصول صيفي يستهلك كميات كبيرة من المياه، ولا سيما المياه الجوفية التي تعاني المنطقة من شحّها، إضافة إلى انخفاض منسوب نهر الفرات، وكميات المازوت المدعومة محدودة نتيجة قصف آبار النفط من قبل تركيا، وعدم تناسب إنتاجها مع حجم الطلب من قطاعات الزراعة والتدفئة والخدمات.

من جهته يقول لسوريا ما انحكت الخبير الزراعي أسعد مجباس المدرّس في كلية الزراعة بجامعة الفرات بالحسكة، أنّ استخراج المياه من الآبار العميقة يتطلّب طاقة كبيرة وكميات كبيرة من المحروقات، ولا سيما المازوت، الذي ارتفعت أسعاره قبل الموسم الماضي، في وقت انخفض فيه سعر طن القطن الخام من 800 إلى 600 دولار، وهو السعر الذي يراه المزارعون مُجحفاً كثيراً. بل يؤكّد المزارع حسن أنّ أيّ مزارع لم يستلم فاتورة بهذا السعر؛ فالفواتير تتراوح بين 500 دولار أو "500 وكسور". وذلك في وقت يرى المزارعون أنّ السعر العادل الذي يسمح بزراعة القطن بسهولة يجب ألا يقل عن 800 دولار، ويفضّل أن يكون 1000 دولار. وهو ما يؤكّده أيضا الخبير مجباس، الذي يرى أيضاً، أنّ غلاء الزيوت المعدنية وقطع التبديل والأسمدة، وارتفاع تكاليف خدمة الأرض، في ظلّ غياب أي دعم زراعي، يضع الفلاح أمام خيار الخسارة أو الدوران في حلقة مفرغة، إن لم يكن السعر ألف دولار على الأقل.

من جهة أخرى يقول الرئيس المشترك للمؤسسة العامة للأقطان في المنطقة، مصطفى إبراهيم، إنّ عدم شراء المحصول في بعض المواسم خلق حالة خوف لدى مزارعي القطن من عدم القدرة على تسويق إنتاجهم بسعر مناسب، ما فتح الباب أمام استغلال التجار وشراء المحصول بأسعار متدنية.

محاولات التحوّل إلى الطاقة الشمسية لم تكن حلاً، فتكلفة منظومة تغذي مضخة بقوة 60 حصاناً تصل إلى 20 ألف دولار، وهي خدمة مؤقّتة تتطلّب تغيير الألواح بعد سنوات، وتكليف فلاح بالعمل في الأرض، تصل حصّته إلى 28% من قيمة المحصول. كان جكدار يزرع سابقاً على الأقل 170 دونماً، أما اليوم فلا يزرع أكثر من 50 دونماً.

من السياسات إلى الحقول: لماذا يتراجع القطن؟

في مقابل ذاكرة الفلاحين الثقيلة بالحنين، يُرجع رئيس المؤسسة العامة للأقطان "إبراهيم"، تراجع الإنتاج مقارنة بعام 2011 إلى عدّة أسباب، أبرزها ظروف الحرب وتأثيرها المباشر على الزراعة بشكل عام، وتدهور الأصناف المحلية، والاعتماد على أصناف مستوردة غير مضمونة الإنتاج، وغير مقاومة للظروف الجوية والأمراض والحشرات. وهو ما يؤكّده بطريقة ما الفلاح إبراهيم سلامة، إذ يقول لسوريا ما انحكت "في التسعينات كان الدعم الحكومي يشمل السماد المجاني والبذار والمازوت المتوفّر، وكان إنتاج الدونم لا يقل عن 400 كيلو قطن".

وفي هذا السياق يستعيد مجباس الخطّة الزراعية السابقة، التي كانت تُخصّص نحو 20% من المساحات المروية لزراعة القطن، كونه الدخل الرئيسي الثاني للفلاح. في المقابل، لا توجد اليوم خطّة زراعية واضحة، في ظلّ غياب الدعم الزراعي والمصرفي، ما دفع الفلاحين إلى التهرّب من زراعة القطن، باعتباره عبئاً مالياً واستنزافاً للطاقة، خصوصاً بعد عدم استلام محصول القمح قبل موسمين، وتعرّض الفلاحين للاستغلال.

مآسي عاملات الريجي في الساحل السوري

22 تشرين الثاني 2025
"الراتب كان يردنا عن الشحادة، يعني بالكاد يكفي. السؤال الأهم: شو بدنا نعمل هلا؟" هذا ما تقوله إحدى العاملات اللواتي قضين أكثر من عقدٍ من الزمن بين جدران المعمل، يعالجن...

بحسب المؤسسة العامة للأقطان، تتركّز زراعة القطن حالياً في الرقة ودير الزور والجزيرة والفرات، وتحديداً في منطقة الهيشة. وكان الإنتاج المتوقّع للموسم بحدود 75 ألف طن، فيما بلغت المساحة المزروعة خلال الموسم الزراعي 2024–2025 نحو 250 ألف دونم.ويوضّح "إبراهيم" أن التراجع في المساحات ليس ثابتاً، بل يختلف من عام إلى آخر تبعاً لجملة من العوامل.

من زاوية أخرى، يقرأ مجباس هذا التراجع بوصفه جزءاً من أزمة أعمق تطال الزراعة عموماً، إذ يقول إنّ "الزراعة تمر اليوم بمرحلة حرجة من حيث الاهتمام والتطوير والدعم من الجهات المختصة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على محصول القطن، كونه المحصول الاستراتيجي الثاني بعد القمح".

في محافظة الحسكة وحدها، كانت زراعة القطن تنتج وسطياً نحو 500 ألف طن، باعتباره المحصول الثاني بعد القمح، بأسعاره الثابتة وسهولة تسويقه سابقاً. أما اليوم فالإنتاج والمساحات المزروعة "لا تشكل أي نسبة" من مساحة أراضي شمال وشرق سوريا.

ضمن هذه الظروف، يعتبر مجباس أنّ الفلاح بات من أكثر الفئات فقراً في المجتمع، نتيجة تراجع أرباحه وغياب الدعم المصرفي، مؤكّداً الحاجة الماسة للدعم من خلال "تأمين بذار مناسب للفلاح، وتأمين أسمدة عالية الجودة، وتوفير محروقات كافية وبنوعية جيدة وبأسعار مخفّضة، وتقديم قروض نقدية تتيح للمزارع متابعة عملياته الزراعية، وتحديد أسعار شراء عادلة، تغطي التكاليف وتضمن هامش ربح مشجع "إذا لم يربح الفلاح، فلماذا يتعب؟".

المفارقة اليوم أنّ "الفلاح هو اللبنة الأساسية في تحقيق الأمن الغذائي" كما يقول مجباس، في حين إنّه (الفلاح) لم يأكل اللحم من سنتين، كما صرّح لنا "إبراهيم" الذي يتذكّر كيف كان المزارع يشجّع الفلاح أو العامل الزراعي، ولو بكيس سكر، وهو مالم يعد بالإمكان اليوم، حيث يحاول المزارعون جلب العمال دون جدوى، ما يجعل موسم القطن الذي كانت تعلّق عليه الأحلام، حساباً مفتوحاً على الخسارة،  ليس في الإنتاج فقط، بل أيضا بعدد البيوت التي كانت تُفتح للعمال، وبالسهرات التي كانت تجمع القرى، وبالخبز الذي كان يكفي الجميع.

مقالات متعلقة

عن ضرورة إدراج منظور اجتماعي-اقتصادي في العدالة الانتقالية

12 كانون الثاني 2026
إنّ قرارات السلطة الحاكمة الجديدة بإبرام اتفاقيات ومصالحات مع شخصيات أعمال مرتبطة بنظام الأسد السابق، إلى جانب غياب الشفافية أو انعدامها، وعدم وجود تفويض ديمقراطي في تخصيص أموال الدولة، وخصخصة...
فكّ الاشتباك بين الطاقة المتجددة واستدامة المياه الجوفية في القطاع الزراعيّ شمال شرق سوريا

04 أيلول 2025
التحوّل نحو الطاقة الشمسية قد يشكّل تهديداً لاستدامة المياه الجوفية في حال لم يترافق مع تحديثٍ في أساليب الريّ السائدة لترشيد استخدام المياه.
حيتان الحرب والسلم يتحكمون بالضوء

28 آذار 2023
في شهر نيسان من عام 2022، صدر قرار عن محافظ مدينة اللاذقية، عامر هلال، يقضي بمنع تركيب المولدات بقصد بيع الكهرباء، والتي يطلق عليها الأهالي اسم "اﻷمبيرات"، الملفت أنّ التعميم...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد