التجربة الدمشقية .. كيف صاغت آليات الاستيلاء والتلاعب الوجه السياحي لدمشق القديمة


13 آذار 2026

راما نجمة

صحفية سورية مستقلة وباحثة ثقافية تقيم في كندا. تعمل على تقاطع الصحافة الاستقصائية والبحث الثقافي، وتركّز أبحاثها على دور الثقافة والمجتمعات المحلية في إحداث التغيير الاجتماعي. شاركت في إعداد أدلة متخصصة في الصحافة الاستقصائية واللغة الحساسة وأدوات البحث الثقافي، وتعمل مدرّبة على صحافة البيانات وأساليب التحقيق الصحفي والمناهج البحثية في الدراسات الثقافية. وهي حالياً مديرة المحتوى في منظمة إرادة.

في إطار جهود متواصلة لفهم وتحليل أشكال العنف غير المرئي في السياق السوري، نظمت عدد من المؤسسات السورية ملتقى العنف غير المرئي في ظل النزاع السوري، والذي عُقد في برلين في 22 - 23 كانون الثاني/ يناير 2025.  تم خلال الملتقى عرض أربع دراسات حالة كمحاولة جادة لاستكشاف التمظهرات المختلفة للعنف البنيوي والرمزي الذي لا يحظى بالاهتمام الكافي في التحليلات التقليدية للصراع السوري.

تقدم الدراسات الأربعة المنشورة قراءة تقاطعية لحالات محددة في المجالات الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية، بهدف تحليل أسباب العنف غير المرئي وتفاعلاته مع الثقافة المجتمعية وآثاره المحتملة على الأفراد والمجتمعات.. تقرأ هذه الدراسة آليات الإستيلاء والتلاعب بالتراث الثقافي: وكيف عمل العنف الرمزي على تحويل دمشق القديمة إلى مساحة سياحية نخبوية.

في دمشق القديمة، تبدو الأزقة الحجرية والبيوت ذات البحرات والأبواب الخشبية، كأنها مشهد محفوظ من زمن بعيد. في المطاعم والمقاهي التي انتشرت داخل البيوت التراثية، تُقدَّم للزائرين ما يُسمّى اليوم “التجربة الدمشقية”: مزيج من الحنين والضيافة وصورة مدينة متخيلة عن الماضي. لكن خلف هذه الصورة التي يغيب عنها البعد الثالث، تراكمت خلال العقود الماضية طبقات أعادت تشكيل معنى المكان نفسه. كيف تحولت دمشق القديمة إلى فضاء سياحي ونخبوي؟ وكيف ساهمت السياسات العمرانية والاستثمار الثقافي والدراما التلفزيونية وحتى النخب الاجتماعية في إعادة صياغة ذاكرة المدينة وسكانها؟

يحاول هذا البحث تفكيك تلك العملية، والاقتراب من الطرق التي جرى عبرها إنتاج صورة دمشق القديمة كتراث ثابت ومقدّس، في حين ظلّت المدينة الحقيقية تتغير في عمق الصورة "غير المرئي".

كيف تم تصوير "دمشق القديمة" وتحريرها وطباعتها وتوزيعها كصورة ثنائية الأبعاد، "مبروّظة" بإطار تجاري، استهلاكي، متجمدة في الزمن، ساكنة، وديعة، غامضة ومتحفية؟

التجربة الدمشقية

يمكن فهم التراث الثقافي في المدن المأهولة على أنه تراكم موضوعي للطبقات التاريخية والتحولات السياسية والاجتماعية، لكن في الوقت نفسه يمكن أن يتم محي أو تعديل أو إعادة تفسير المعلومات والدلالات التي يتلقاها الناس من تراثهم بشكل عنفي أو مصطنع أو موجه لتحقيق أهداف معينة مثل السيطرة الاقتصادية، التلاعب بالهوية الثقافية، طمس الأصالة والقيم المرتبطة بالمكان وتشويه التراث أو استغلاله.

يمكن تبسيط هذه الهيمنة بنشر صور بشار الأسد، بشكل ملفت على قلعة دمشق وتعليقها بشكل دائم على أبواب باب شرقي، باب توما، باب الجابية. فيما تم طباعة صورة حافظ الأسد على العملة الورقية إلى جانب الجامع الأموي. لكن التلاعب بالتراث قد يتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً.

تعد دمشق القديمة المركز التاريخي للمدينة[1]، وبسبب معناها الرمزي، كان من المتوقع أن يتم اختيارها للاستعراضات والأنشطة المرتبطة بالتجمعات والفضاءات العامة. لكن هذا لم يحدث، على الأقل في فترة (الأسدية الاشتراكية)، فالعمارة والتراث الدمشقي يتنافى مع التفضيلات البصرية للحكم البعثي، التأميم الثقافي العروبي والأيديولوجيا الشمولية. وبالتالي لم يتم الاستفادة من دمشق لتذكير الناس بتاريخهم الماضي وتحفيز الفخر الداخلي للجماهير كما يتم عادة في الدول القومية. ولم يتم كذلك تقليد تصاميم البناء النازية والفاشية والستالينية أو ما يعرف بـ "إرث الديكتاتوريات"، التي قامت بإعادة تطوير العواصم بأكملها، لتمثيل عظمة وتفوق الدول الشمولية وحكامها (باستثناء مكتبة الأسد ربما والقصر الجمهوري).  كما لم يتم نسخ النمط الدمشقي أو تعميم أسلوب البناء أو مواده ولا تعظيمه ولا اعتباره أصلياً، بل "نوستالجياً"، وحيداً، ونادراً.

في الفترة (الأسدية النيو ليبرالية: 1990-2024)، كانت إعادة تحرير صورة المدينة جزءاً من المحاولة العامة لإضفاء طابع حداثي على سورية ليتناسب بشكل فج مع الدبلوماسية الثقافية وشروطها. تحاول المطاعم والمقاهي والمسلسلات التلفزيونية والمذكرات الحنينية والمعارض الفنية وحتى بعض الجمعيات الثقافية إعادة إنتاج التقاليد واستهلاكها. تقدم جميعها بطرق مختلفة منتجاً واضحاً، إنها "التجربة الدمشقية"[2]. أصبحت فكرة المدينة القديمة سلعة يستهلكها السياح، وسكان دمشق الآخرون بمن فيهم سكان قصر المهاجرين[3]، الذين اعتادوا على الظهور في هذه المطاعم في كل مرة أرادوا إثبات أن "سوريا بخير".

بدأت المطاعم تفتح أبوابها في المدينة القديمة بخجل في نهاية التسعينات مع قرار الطبقة الحاكمة الانفتاح الاقتصادي، زاد ذلك بشكل كبير مع قدوم بشار الأسد للسلطة والسماح لرأس المال المتراكم بالظهور علناً. تم تصميم الأسلوب المعماري للمطاعم والمقاهي وطعامها وأجوائها لإعادة خلق أجواء دمشقية "أصيلة". وأصبحت مع عدد من فنادق الخمسة نجوم تشكل عنصراً أساسياً في تجربة الماضي، وزاد عددها بشكل كبير حتى اختنقت بعض الأحياء بها (لأغراض هذا البحث تم إحصاء حوالي 131 مطعماً و43 فندقاً). تم ذلك غالباً بمعزل عن أهالي الحارات، وتحولت هذه البيوت التي تم تجديدها من "بيوت الجيران" إلى "منتجات تراثية"، حتى أن بعضها بيع في السوق السوداء[4].

لم تكن فقط المطاعم والنوادي الليلية من تلعب على صور التقاليد الشامية، بل ستجدها في أدب وشعر الحنين إلى الماضي، وفي خطاب المدافعين عن التراث التاريخي، ويرى البعض أن هذه الكتب الحنينية [5] التي تحتفي بالمدينة القديمة وتجربة الماضي الضائع تعمل كتعبير عن المقاومة للنظام الاجتماعي الجديد، بما في ذلك الفظاظة والابتذال المفترض "لمحدثي النعمة". لكن، من جهة أخرى فإن حراس التراث يمتدحون دمشق القديمة ويربطونها بالتفوق الثقافي[6]؛ مما يشير إلى محاولات "الهيمنة الاجتماعية" واستغلال رأسمالهم الرمزي المتولد نتيجة هيبة الارتباط بالمدينة القديمة، وهو الأمر الذي اجتذب بدوره كثير من ذوي الادعاءات الأرستقراطية أو الثقافية. فقد أصبحت المناقشات حول تمثيل مدينة دمشق القديمة والحفاظ عليها وترميمها جزءاً من المنافسة على المكانة وبناء الهوية بين نخبة المدينة (السياسية والثقافية والاقتصادية والدينية) بعلاقاتهم المتناقضة، بل تحول ذلك أحياناً إلى مكان للنضال الاجتماعي والسياسي الناعم.

ولّد تسليع الحياة الاجتماعية سياقات يتم فيها استدعاء دمشق باستمرار، وفي بعض الأحيان يتم تقويضها. يمكن تلمس ذلك في مجموعة من المسلسلات التلفزيونية، والفنون البصرية.

تحفز مسلسلات مثل باب الحارة وليالي الصالحية والعربجي مشاعر فقدان علاقات وقيم اجتماعية قديمة مثل الشعور بالشرف، والروابط الأسرية، والعلاقات الصالحة بين الرجال والنساء، ومظاهر الحداد، وطرق عيش حياة تقية متدينة، وهي بذلك تستدعي الفكرة النوستالجية القائلة بأن الحارة يجب أن تكون أداة للسيطرة الاجتماعية عبر "زكواتها، رجالاتها وقبضاياتها" والتي تفترض وجود هوية متجانسة مفترضة بين سكان الحي، ولكنها غائبة في دمشق القديمة اليوم [7]. أدت هذه المسلسلات الشعبية وظيفة واضحة لتقديم الماضي باعتباره مكاناً مشتهى، لكنه مستحيل أيضاً.

وتستنتج كل من الأنثروبولوجية كريستا سالامندر والباحثة نور حلبي أن مسلسلات البيئة الشامية تشكل مواقع لصراع الذاكرة، ووسيلة تستخدمها الدولة السورية والنخب السورية لتقديم صور بديلة للماضي "الأصيل"[8] وعلى نفس المنوال ترى غازي أن الخيال الاستراتيجي للماضي في مسلسل باب الحارة يعكس مشروع النظام السوري المتمثل في سد الفجوة بين سلطة الدولة العسكرية والشعور الوطني بالانتماء[9]. وبالتالي يمكن فهم تصوير الحارة كفضاء خاص لا ينفتح على المجال العام ويفتقد مظاهر التمدن فيما يتم تصوير المدينة القديمة باعتبارها "استدعاء للماضي"، و"سفر عبر الزمن" أو بعبارة أخرى، دمشق المستحيلة. مكان غير موجود في الواقع، فردوس مفقود غير ممكن التحقق.

هكذا، يتم اختبار الجغرافيا المقدسة لدمشق القديمة، حقيقية كانت أم مزيفة من خلال مجموعة متنوعة من الأشكال الثقافية التعبيرية وممارسات الترفيه، ليصبح الاستهلاك الانتقائي لهذه الأشكال أسلوباً لبناء الهوية "للبعض" والسيطرة للبعض الآخر. وكما يُظهِر بورديو (1984) [10]فالناس يُحددون مكانتهُم الاجتماعية من خلال ما يشترونه ويأكلونه ويرتدونه، وبالتالي فإن تفضيلات الاستهلاك في المطبخ والفن والموسيقى وأثاث المنزل ليست مسألة تتعلق بالذوق الفردي؛ بل تهدف إلى توسيع فرص التميز الاجتماعي وتعمل كرأس مال ثقافي، يُعزز المكانة الطبقية ويُشرعِن العنف الرمزي (symbolic violence) من خلال اعتباره شكلاً من أشكال الامتياز والنفوذ.

بشكل مختلف، لكنه يتقاطع مع التفاوض على الامتياز الاجتماعي، يمكن رؤية بيوت ومراسم الفنانين في المدينة القديمة، تحديداً في الحي اليهودي، والتي خضع قسم منها لأشكال من المقايضة مع السلطة، وقد أثارت هذه الأنماط أسئلة مثيرة للجدال إلى حد كبير تعكس انفصالات النخبة المثقفة وتناقضاتها، وتفتتها، وتورطها أحياناً في التمظهر كمنتج للتعبيرات الإقصائية والمجالات "الامتيازية". لقد كانت هذه المساحات الثقافية التي احتضنت أحداثاً فنية وموسيقية تقدم مجالاً عاماً معقماً من السياسة، حيث يمكنك أن تسمع الموسيقى العالمية وتشاهد الفن الحديث، لكن لا يمكن اختراق هوامش التعبير المنصوص عنها عسكرةً.

بالتوازي، فإن موضوعة دمشق في الفن التشكيلي السوري ليست منتشرة، وتعتبر بنظر الكثيرين تجارية وشعبية. لكن الأحياء العشوائية وسكانها أيضاً موضوع غائب وغير مرئي وهو بحث آخر. مع ذلك، كان يمكن مشاهدة مئات اللوحات في الأسواق التي تصور المدينة القديمة، لوحات يعمل عليها بعض الفنانين المغمورين وطلاب كلية الفنون الجميلة لتلبية الطلب عليها. غالباً ما تصور هذه اللوحات الشوارع الضيقة المتعرجة والمنازل المنغلقة على نفسها بأشجارها وياسمينها وبحيرتها التقليدية، بدون أناس يسكنونها أو وجوه تنظر إلى المتلقي، كصور تذكارية خالية من الوجود البشري، مشبعة بالحنين، ومغفلة التاريخ[11] كما يشير المؤرخ جوناثان شانون في كتابه عن الموسيقى والفن التشكيلي في دمشق وحلب، فإن صور دمشق الفوتوغرافية واللوحات التشكيلية تصور لحظات لا زمن لها، ولا... بشر.

وكمثال عن تغييب المجتمع المحلي عن مدينته التي يعيش فيها، يكفي أن نذكر أن خبر إزالة البسطات والشوادر وعربات الخضرة من أرصفة دمشق القديمة وأسواقها تكرر 17 مرة في السنوات الثلاث الأخيرة في وكالة سانا، في وقت فإن المشكلة الأكبر التي تعاني منها المدينة هي قنوات الصرف الصحي التي يعود قسم منها إلى الزمن الروماني[12]. لكن هذه المشكلة غير المرئية (العفن تحت الأرض) لا تؤثر على صورة المدينة المطلوبة والتي تشوهها البسطات.

إن الصور المهيمنة عن دمشق القديمة لا توجد في الخطابات والسرديات فقط، وتم دمجها بشكل هيكلي في السياسات والبنى المؤسسية.

تتنازع مسؤولية تخطيط وحماية المدينة القديمة وإدارتها عدة جهات حكومية[13]: لجنة حماية دمشق القديمة والمديرية العامة للآثار والمتاحف"، وتتولى وزارة الإدارة المحلية والبيئة تقديم مشاريع الدعم الفني وتنمية المدينة القديمة فيما تشرف وزارة السياحة على عمل المطاعم والفنادق والأسواق التراثية.

إلى جانب ذلك، فإن منظومة التشريعات التي أصدرها نظام الأسد منذ 2011، تم تصميمها بحيث تمكن النظام من السيطرة العقارية على دمشق، ومنها المرسوم 66 لعام 2011 وقانون رقم 23 لعام 2015 والقانون رقم 10 الذي صدر عام 2018. إلى جانب ترك بعض القضايا عالقة في قانون التخطيط والتنظيم العمراني، مثل إمكانية تجزئة العقار أو إزالة شيوعه وهو ما يواجهه الكثير من ورثة التركات القديمة بدمشق، وانتشار عقود الإيجار القديمة والفروغ التجارية الخاضعة للتمديد الحكمي، فضلاً عن التداخل بين العقارات الخاصة والوقفية. (عدد بيوت دمشق القديمة 6000 عقار، منها 3300 منزل سكني، و1560 موزعة ملكيتها بين عامة وخاصة، و1140 عقار مُستملك مع وقف التنفيذ).

يحيط بالمدينة القديمة اليوم، حزام متباين يضم مقابر تاريخية، عقارات وقفية، أراضٍ مستملكة، مباني لوزارة الدفاع، مناطق صناعية، وأحياء مخالفات تعاني من الإهمال الخدمي، إضافة إلى نقاط تجمع للنفايات. ويشكل هذا الحزام الفوضوي مناطق انتقالية تفصل المدينة القديمة عن محيطها الحسي وارتباطاتها الروحية، بما يتعارض مع مبادئ فالتيا لصون الحواضر التاريخية وإدارتها، وبما يهمل توصيات اليونسكو الأخيرة للتعامل مع محيط سور دمشق كجزء من النسيج الحي للمدينة القديمة الواجب الحفظ.

وتفتقر المدينة القديمة إلى أعمال الصيانة الحكومية بشكل ملحوظ، وتقدر المباني الآيلة للسقوط أو المتهدمة بنسبة 19% من مجمل مساحة دمشق القديمة وأعلى نسبة في حارة اليهود والقيمرية، وحسب استبيان أجراه برنامج تحديث الإدارة البلدية عام 2008 فإن هذه الأسباب 15% بسبب الفقر و40% بسبب نقص التمويل وصعوبات إدارية للحصول على موافقات الترميم[14].

تبدو شروط الترميم التي وضعتها محافظة دمشق بالتعاون مع مكتب عنبر مستحيلة على السكان العاديين، فهي مكلفة، المواد غير متوفرة بسبب التدمير البطيء للغوطة وكذلك الحرفيين لنفس السبب، ويجب أن يتم الإصلاح بشروط صارمة، ولكن على نفقة صاحب البيت، لذا اقتصرت معظم عمليات الترميم الكبيرة على السفارات الأجنبية والقطاع الخاص وترافقت مع ما يسمى "إعادة استخدام التراث" الذي لم توضع له شروط أو قوانين حتى الآن في سوريا. وقد توحش مفهوم إعادة الاستخدام في المدينة القديمة حتى تم استخدام قصر العظم، خان أسعد باشا وقلعة دمشق كأماكن لأعراس الطبقة الأعلى سواء في السلطة أو المال.

إذاً، الشام القديمة تستولي على التراث الدمشقي، وفئات معينة تستولي على هذه الشام وتحتكر الحديث والدفاع وحتى حبها. وفيما تتأصل الهويات المكانية بشكل أساسي في التجربة الفورية للأحياء والبيئة المنزلية وتدخل التشكيلات الاجتماعية في علاقة جدلية مع الأماكن التي تسكنها[15]، فإن "الهوية الدمشقية" التي جرى الدعاية لها تم نزع ملكيتها عن الناس الذين يسكنون المدينة القديمة أنفسهم ويتفاوضون فيها على الحياة اليومية، لتمثل ما تسميه الباحثة في دراسات التراث لوراجانا "الحماية المؤدلجة" للتراث[16] التي تعني اللجوء إلى "الماضي" بشكل اختزالي للغاية من أجل إضفاء الشرعية على المصالح الحالية للجهات الفاعلة السياسية. تتم هذه الحماية المختزلة عبر بناء حواجز حول أشكال معينة من التراث، وعزله بالتالي عن سياقه ومستقبله، والحد من وظيفته أو قيمته الاجتماعية، بدل الحفاظ على طابعه الحي ودوره وحيويته. ممارسة التراث هي التي تجعله قادراً على الاستمرار والتكيف مع تطور المجتمعات والبيئة والثقافة ليمضي في وجوده، المقترن بوجود المجتمعات البشرية المعنية به.

تعكس محاولات تملك المدينة القديمة من خلال إعادة تحريرها واختراعها، والخطابات المختلفة المحيطة بها، والتوترات العديدة التي تتخلل المجال الاجتماعي لدمشق. في غياب الفاعلية والحراك السياسي، يبدو الاستهلاك الذي يسمح بالتمييز والتصنيف تعويضاً عن الهويات الحالمة بالمواطنة والجدارة والانتماء.

دمشق المُسوَرة- دمشق المتخيلة

في عام 2014، قال خطيب مسجد الخير[17] في خطبة العيد-خطبة النصر لبشار الأسد، لقد كان أمراء الشام أمناء على شرف الأمة، فهذا سيف الله خالد بن الوليد، وهذا عمر بن عبد العزيز، وهذا نور الدين محمود زنكي الناصر صلاح الدين وهذا الظاهر بيبرس وغيرهم من قبل ومن بعد، وإن الله أقامك مقام أولئك العظماء الذين نصروا الأمة على أعدائها[18]. هذا الشيخ نفسه أصدر حتى الآن أربع موسوعات عن الأسر الشامية-الدمشقية، متتبعاً نسب بعضهم للأشراف من آل البيت، ونسب آخرين للصحابة، ونسب ثالث للولاة العثمانيين. هناك شروط للدخول في هذه الموسوعة التي تتضخم في كل مرة، ووصلت في أحدث نسخها إلى 430 عائلة.

في السنوات الأخيرة، انتشرت عشرات الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي المختصة بنسب الدمشقيين إضافة لعشرات الكتب التي تتبع رقم الخانة، تشجير العائلة، وتتأكد من تسجيلات النفوس داخل السور. على قدر ما يبدو هذا التصنيف ساخراً للبعض، فإنه مزروع في السرديات-الاختصارات-الصور النمطية المتداولة. تأتي معه مرادفات للشوام الأصليين، والنخبة الدمشقية، والتجار الشوام، العائلات العريقة وغيرها، فحتى مع حقيقة أن كثيراً من العائلات غادرت لخارج السور، فإنهم كانوا مهتمين بتتبع نسبهم إلى "العائلات الدمشقية البارزة" من داخل الجدار. يتوافق هذا التصنيف مع تفسير عالم الآثار الذي درس تراث المدن المسورة كريغتون لوظائف سور المدينة، ففي حين أنه يحتضن السكان ظاهرياً، يعمل أيضاً بشكل حتمي على استبعاد أو تهميش الفئات الاجتماعية الأخرى "الأدنى"[19].

ترى سالاماندرا وهي عالمة أنثروبولوجيا ومؤلفة معروفة بعملها في الثقافة والمجتمع السوري المعاصر، أن الدمشقيين من خلال نشر مثل هذه التمثيلات، يجادلون الماضي ويعوضون الزمن الذي كانوا فيه يسيطرون على مقاليد السلطة السياسية والاقتصادية[20]. اللافت، أن هذه المجادلة لا يمكن أن تكون فقط عن "أهل السلطة": سكان الجبال القادمين لاستيطان دمشق وحكمها. يتوسع هذا التعريف بسرعة ليشمل سكان دمشق من مئات السنين ممن يسكنون أحياء خارج السور، في أحياء الصالحية المسكونة منذ القرن الثاني عشر من قبل المقدسيين الهاربين من الغزو الصليبي، وأحياء المهاجرين التي استوطنها كريتيون وبلقان وشركس وغيرهم في نهاية القرن التاسع عشر، إضافة إلى الامتدادات الطبيعية للأحياء حول السور مثل أحياء القصاع والعمارة في الجهة الشرقية والقدم والميدان اللذان امتدا إلى الجنوب للاستفادة من طريق الحج والتجارة. بل أن أعيان دمشق وكجزء من التمييز الاقتصادي غادروا دمشق المسورة تباعاً لأحياء القنوات وساروجة حيث بنوا قصورهم الفارهة مع التوسع المديني في أوائل القرن العشرين، فيما انتقل قسم لا بأس من العائلات الكبيرة إلى أبو رمانة في الستينات عندما كانت المدينة القديمة رمزاً للتأخر الثقافي والعمارة المهترئة والبيئة المحافظة. أيضاً، يمتد التعريف ليشمل كثير من سكان داخل السور كسكان حي الأمين وساحة الدوامنة مثلاً، ممن جاؤوا إلى دمشق القديمة من الأرياف القريبة وسكنوها ومعظمهم من أعيان الريف الذين أرادوا تعليم أولادهم إبان حركة النهضة العربية[21]. هكذا يبدو أن السور المادي لا تتطابق حدوده مع السور النفسي المتخيل.

وفيما سقطت الوظيفة الدفاعية لسور دمشق منذ زمن طويل، وأصبحت وظيفته كعلامة معمارية تحدد أين يتوقف الريف وأين تبدأ المدينة، وهمية، إلا أن دوره كرمز لـ "المكانة الاجتماعية الأعلى" و"الانفصال الهوياتي" كان أكثر ديمومة، ليصبح مساحة انتقالية بين مجالات مختلفة، ويخلق ثنائيات من داخل وخارج، غريب وأصلي.

في دراستها عن الجوانب التاريخية لأسوار دمشق خلال الأزمة السورية تستخدم نور حلبي هذه الثنائيات مثلاً لتفسير ما تسميه رد الفعل الدمشقي اللامبالي تجاه حصار المعضمية، "حصار الأفراد خارج الأسوار" وتلفت النظر إلى تقاسم المركز الحضري لدمشق ومحيطها الثائر، تركيبة ديموغرافية متماثلة نسبياً. حيث لاحظت بحق أنه لا يمكن تطبيق العدسة التحليلية الطائفية التي سيطرت على تصنيف موالي ومعارض، لتفسير "الصمت الدمشقي". معتبرة أن "الدمشقيين" عززوا سلطتهم الاجتماعية والسياسية ضمن حدود جغرافيا الإقصاء التي توفرها أسوار المدينة والتي أحاطتهم بأسوار نفسية حتى مع اختفاء معالم نسيجها المادي وحتى مع مغادرة العائلات الدمشقية لأحيائها القديمة باتجاه أبو رمانة والمالكي[22].

تتطابق هذه الاستنتاجات مع بعض الباحثين (كفيليب خوري وصقر أبو فخر) بأن هناك تأصيلاً في تاريخ الإدماج والاستبعاد في التطور الحضري الدمشقي أثَر على التفاعلات التجارية ورأس المال السياسي[23]. وأن أعيان دمشق من ملّاك الأرض والتجّار ورجال الدين، أعاقوا تجربة الدولة الحديثة جرّاء الطابع المحافظ لهذا الثالوث التاريخيّ[24]، كما ينقل بعض أنثروبولوجي دمشق ملاحظاتهم عن وجود آليات متجذرة لتصنيف الطبقية الاجتماعية في دمشق[25]. مقدمين تفسيرات لا تخلو من مقاربات الاستشراق عن التأثير طويل الأمد الذي أنجزته جدران دمشق على استمرار العنف الرمزي تجاه الغرباء.

مع ذلك، تبدو حجة أن جدران دمشق قد لعبت دوراً دائماً في سياسات احتواء الداخل واستبعاد المناطق المحيطة من الهوية المدينية، غير كافية. فدمشق مزيج لا يمكن تصوره من ثقافات مختلفة[26]، استقبلت لاجئين منذ قرون، كما أن أسوار دمشق لم تكن خطاً محدداً بشكل صارم بالحجارة، بل كانت متداخلة دوما مع النسيج البشري حول الشام وتتميز بمجموعات اجتماعية وعرقية وأنشطة وهندسة معمارية[27]. وكما يلاحظ كابلان فإن هويات المدن التراثية متعددة الطبقات وبعيدة عن الثبات، فهي عرضة لإعادة الاختراع. وخلال الخمسين عاماً الماضية، يمكن تلمس الديناميكيات التي تم بها إعادة اختراع دمشق القديمة، مع ضرورة الاعتراف بأن تفكيك هذه الديناميكية شديد التعقيد وليس نهائياً.

تم وضع الحدود المكانية لدمشق القديمة أول مرة بشكل واضح في مخطط المعماري الفرنسي (سوفاجييه، 1932) ومن ثمّ "مخطط المهندس الفرنسي إيكوشار" عام 1968، عندما استثنى دمشق القديمة المعروفة بـ "داخل السور"، من تصوراته عن التطوير الحضري لدمشق الذي أراده أوربياً فيما مثلت دمشق القديمة بالنسبة له مصدراً للتخلف الشرقي.

وتم تصنيف المدينة القديمة كموقع تراث عالمي لليونسكو في عام 1979. ولم يشمل قرار التسجيل توسعاتها خارج الأسوار التي يعود بعضها إلى أكثر من 800 عام، كما لم يلحظ قرار التسجيل وجود أي منطقة حماية محيطية. في السبعينيات أقرت سوريا قانوناً يحظر الهدم داخل أسوار المدينة إلا أن ثلثي المباني التاريخية في دمشق يقع خارج السور.

أدى ذلك إلى إهمال أحياء تراثية غنية كساروجة والقنوات وجرى تجاهل البيوت والقصور التراثية فيها، بل أنها في حالة متهافتة من التداعي بانتظار أن تسقط وحدها أو تتحول إلى خطر عام فيعاد تشريع هدمها بالتحالف مع المقاولين كما سبق وحصل في أسواق كالقرماني وسريجة، والتي تم هدمها، فيما تم تعديل ملامح ساحة المرجة بالكامل وتشويه محيط الحجاز.

منذ تسعينات القرن العشرين، حاول القطاع الأكاديمي الضغط باتجاه توسعة التسجيل الأثري لمدينة دمشق ليضم شرائح تاريخية من خارج الأسوار. وذلك لضمان استمرارية اتصال النسيج البشري داخل-خارج السور، إضافة إلى حماية دمشق القديمة من تبعات مشاريع تطوير عقاري تُغيَر هويتها المعمارية والاجتماعية مع محيطها التقليدي.

قدم مشروع تطوير شارع الملك فيصل مثالاً هاماً عن التناقضات في السياسات الموجهة لحماية التراث وما يعتبر تراثاً، عندما أصدرت محافظة دمشق، دون الرجوع، لوزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار والمتاحف، مخططاً تنظيمياً تم من خلاله تغيير الصفة العمرانية لهذه المنطقة بما يسمح بإنشاء طريق تجاري، وسكني، ومنشآت سياحية، وخدمية. أثار هذا القرار موجة غضب عارمة لدى سكان المنطقة وكثير من الأكاديميين والناشطين. في المحصلة، ألغي المشروع رسمياً عام 2011 بضغط خارجي، عندما قام المركز العالمي للتراث، بتسجيل "منطقة حماية المدينة القديمة" كملحق لملف التسجيل الأساسي[28]. كذلك تم إيقاف المشروع الاستثماري المتعلق بموقع محطة الحجاز عام 2009 بهدف إنشاء مجمع تجاري خلف مبنى المحطة.

إن تسجيل مدينة دمشق القديمة على لائحة التراث العالمي قد ساهم بطريقة أو بأخرى في حماية النسيج القديم داخل الأسوار وخارجها من مشاريع كبرى كادت أن تزيل جزءاً منه إلى غير رجعة. بالتالي، يحمل التسجيل في طياته الكثير من الفوائد المادية والمعنوية للمدينة، لكن في الوقت نفسه يطرح سؤال عن دور المجتمع المحلي في التفاوض حول تراثه.

يحلل مافي وضاهر في دراستهما عن استخدام التراث الثقافي للتفاوض على الهوية والسلطة والذاكرة في العالم العربي، كيف قد يعمل الإدراج في قوائم اليونسكو للتراث المادي على ما يسميه التتريث وهي نتيجة جانبية لعملية الحفاظ على مواقع التراث والبحث فيها، هي من جهة تجعل "تفسيرات معينة للماضي تحظى بالأولوية فوق غيرها"، ومن جهة أخرى تضع التراث المعماري كأولوية عن المجتمعات الحية لهذه الأماكن ناهيك عن حقيقة أن مجموعات مختلفة من السكان لن يتم تمثيلها، لأنها تفشل في التوافق مع الرواية الرسمية للهوية الوطنية[29].

استمر هذا العزل الحاد لدمشق القديمة عن دمشق الكبرى في السياسات المكانية التقسيمية، باعتبار أن أفضل وضع لها هو إبقاؤها على حالها، معلقة على تاريخ مصفى من الشوائب، وتراث نقي، ومدينة فاضلة تمثل الحضارة والهيبة والجدارة والممارسة الدينية الحقيقية والتسامح الطائفي.

ورغم أن بقاء دمشق القديمة على حالها هو أبعد ما يكون عن الحقيقة وعن يوميات سكانها، فإن هذه الصورة النوستالجية عن الأحياء المتعرجة المسالمة، تم تكريسها في الخيال الجمعي للسوريين عبر الخطاب الحكومي من جهة، وعبر سرديات ثقافية نخبوية تستبسل ضد ما يمكن أن يشوب هذه الصورة الثابتة.

الثبات الذي هو المعاكس الموضوعي لـ “هوية المدينة" باعتبارها عملية مستمرة لا تتوقف إلا باندثارها، مما يجعل عامل الزمن أهم العوامل في تشكيل المدينة، أو كما يقول المؤرخ لويس ممفورد "المدينة هي واقع تراكمي في المكان والزمان”[30]. وكما يستنتج المؤرخ السوري أنس صوفان إن تجميد تراث دمشق تحت عنوان حفظه وحمايته وصون الهوية الثقافية المحلية سراب يتعارض مع فكرة التراكم الحضاري الذي ميز بناء جميع الحضارات البشرية.

وهنا نجادل أن التحديد الزمني لدمشق القديمة كان أساس انقطاعها وانفصالها وليس التحديد المكاني، فقد كانت دمشق خارج الأسوار تكبر وتتضخم وتترهل وتلتهم الأراضي والمياه والنفوذ والسلطة، فيما جرى تنميط وتحنيط المدينة القديمة ذهنياً، كمكان غير ممسوس، بشكل أو بآخر، يحمل طابعاً قدسياً وأحياناً طقساً تطهيرياً، حيث يمكن تجربة اختباره واستهلاكه ونيل بركاته.

هويات دمشقية لا هوية - سلسة الصور النمطية

من الصعب الحديث عن وجود هوية "دمشقية" متماسكة حتى داخل السور حيث تم ترسيخ التقسيم الطائفي والطبقي، ورغم أن أحياء الأقليات المسيحية واليهودية والشيعية كانت معروفة تاريخياً في مدينة دمشق القديمة، لكنها اليوم أكثر وضوحاً ورسوخاً، بل ترافقها مجموعة خصائص ومظاهر وسلع تجعل الآخر مرئياً بوضوح في مدينة تبيع التراث المتنوع والمنسجم حرفياً. يمكن فهم هذه التناقضات ضمن ثنائية الظاهر والباطن التي حكمت سوريا والتي تحتفل بالصور العامة المكرسة وتسقط التفاصيل غير المرغوب الحديث عنها. فقد كان مثلاً يتم التهامس عن التغيرات الديموغرافية خلسة وكشائعات يمكن تكذيبها رغم إمكانية رؤيتها بالعين المجردة حيث شكلت الرموز المتتابعة (لافتات وصور وأزياء وتقاليد جديدة واحتفالات) مشهداً صادماً يتم من خلاله بث وتثبيت نتائج الصراع باستمرار للجمهور الدمشقي، إلى جانب وقائع مادية أكثر عنفاً كالحرائق ونقل الملكيات وتغيير أسماء الشوارع.

ليس من السهل فهم كيف قامت السياسات المكانية بتقسيم المجتمع الدمشقي، ومن ثم مجتمع العاصمة الأوسع، مما أدى بطبيعة الحال إلى خلق هويات مجزأة ساهمت بتشكيل هياكل ذهنية للصور الذاتية المتعددة الطبقات للمجتمعات التي تسكن العاصمة كـ "مجتمعات متخيلة" [31]. وكما يشرحها العالم السياسي بينديكت أندرسون، "مجتمعات متماسكة تتحرك بثبات على طول التاريخ". تملك هويات متعددة متعارضة كانت تنبئ منذ زمن بحدوث تصدعات مستقبلية في المجتمع.

لا تقتصر تناقضات الهوية بين داخل الجدران ونظيرتها خارج الجدران، من سكان الحلقة الأولى حول السور كالقصاع والقنوات وساروجة وأحياء سكنها مهاجرون قدامى كالفلسطينيين في الصالحية والشراكس في المهاجرين أو سكان ركن الدين ممن يعتبرون "كردي شامي"، ولا الأحياء الراقية الممثلة لتحالف السلطة مع رأس المال إلى سكان دمشق الريفيين القدامى في القدم والقابون وبرزة وجوبر وصولاً إلى الريف السوري المستوطن في العشوائيات من دويلعة إلى مزة 86 ومنطقة عش الورور، إلى النازحين الفلسطينيين والجولانيين في اليرموك والطبالة. فقد نمت وتطورت العشوائيات على الأراضي الزراعية بفعل الهجرة المتتابعة لمجموعات متماسكة بمؤثرات القرابة أو المُعتقد أو المناطقية، وشكلت كيانات منغلقة على نفسها تحمل مفاهيم اجتماعية مشتركة وغالباً ما أغلقت على نفسها باب المثاقفة مع المجتمعات الملاصقة لها، كما يلاحظ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي[32]. فهذا التنوع الثقافي المحتفل فيه رسمياً، أخفى شروخ هوياتية عميقة. ومثل سكان "القرية العرقية" لعالم الاجتماع هربرت جانز[33]، فإن أهل دمشق الكبرى لا يعرفون بعضهم بعضاً في الواقع. إنهم يعرفون عن بعضهم البعض. لتبقى الشبكات الاجتماعية المتفاعلة في الواقع صغيرة كثيراً.

فالأحياء المشتركة وأحياء الطبقة الوسطى التي تساهم عادة في تكوين هويات العواصم، قليلة جداً، وكما يلاحظ الباحث المتخصص في الجغرافيا الثقافية ييفو تونا[34] فإن الروابط المتنامية بالأماكن التي ننتمي إليها تضعف مع توسع تجربتنا وخروج عملية المثاقفة من القريبة والمجاورة إلى البعيدة والمجردة. وهي تجربة لم تكن متاحة أو على الأقل كانت مراقبة، لتبقى كثير من المجموعات البشرية أسيرة تصوراتها عن الآخر.

ربما يكون اللا تنظيم المكاني لدمشق باعتباره (سياسة مكانية) عمل على زراعة الانقسامات ذات الأساس المكاني داخل الهوية السورية والدمشقية. لقد كرست السياسات العمرانية المترافقة بعسكرة المجتمع وجود حدود مادية للمجموعات الثقافية التي تسكن دمشق، وبالتالي حدود رمزية (أسوار غير مادية). لهذا من السهل رد كثير من أحياء دمشق الكبرى إلى أصول جغرافية وطائفية وطبقية يحمل كل منها صورة نمطية جاهزة. تذكرة تاريخية واضحة بالعنف الكامن وراء تشكيلها وبقائها.

تحتاج كل صورة نمطية عن الأحياء في دمشق الكبرى إلى بحث مستقل. لكن ما يلفت النظر هنا هو رسوخها وشكلها من حيث أنها تعريف للآخر وقلما تكون تعريف للذات، أي أن الصور النمطية لهذه الأحياء تصنعها الأحياء الأخرى أو السكان الآخرين.

هناك جنوح مجتمعي لقبول هذه الصور النمطية والمشاركة بإنتاجها كنتيجة لوجود "أنماط تفكير مشتركة مع المهيمِن والتي بفضلها يصبح الشخص الخاضع متواطئاً في خضوعه" كما يصفها بورديو. إن الصور النمطية التي تم تكريسها والتي تم اختراعها أيضا هي عنيفة لدرجة جعلت دمشق مدينة مملوءة بالحواجز والشكوك بين أحيائها ومجموعاتها السكانية.

وكي نعود لدمشق القديمة، دعونا نأخذ مثالين: ساحة المرجة التي لعبت دوراً رمزياً في تشكّل الذاكرة السياسية السورية، فقد شهدت 25 آب/أغسطس 1915 تنفيذ حكم الإعدام بأحد عشر مناضلاً ضد الاحتلال العثماني، ليتبعها في 6 أيار/مايو 1916 إعدام الفوج الثاني من رجالات الاستقلال العربي. كذلك أعدم الاحتلال الفرنسي عدداً من رجالات الثورة السورية الكبرى وألقى بجثثهم في الساحة، كما شهدت الساحة كثير من الأحداث المفصلية في التاريخ السوري قبل أن يتم الحكم عليها بالصمت، والتهميش، والتشويه وليتم هدم عدد من أبنيتها الأثرية مثل دائرة البلدية، والقصر العدلي، ومركز البريد والتلغراف، وإخفاء المساحات الخضراء وتغطية نهر بردى. كما نشأت كتل من الإسمنت العاري بجوارها وتم بناء فنادق رخيصة جعلت سمعة الساحة كبؤرة للبغاء تطغوا على رمزيتها في الوعي الجمعي كساحة لنضال السوريين ضد الاستبداد والنضال لأجل الحرية والديمقراطية[35]. ورغم أنه لم يكن هناك أي دليل فعلي على كون الساحة مركزاً حقيقياً للدعارة، إلا أنها تدهورت بصرياً وجمالياً وتلوثت بيئياً حتى بدت كأنها لا تمت لتاريخها بصلة.

وبالتأكيد إن استعادة ساحة المرجة بعد سقوط النظام كساحة للفاعلية السياسية وتحديداً الخيار الشعبي والعفوي باختيار عمود المرجة لوضع صور المفقودين عليه كما علقت مشانق شهداء الثورة ضد العثمانيين والفرنسيين، هو تأويل غير قابل للجدل بالذاكرة الجمعية التي تأبى النسيان.

إن سوق الحريقة هو مثال آخر لمواقع الذاكرة المشوهة، فقد اكتسب سمعته كمعقل للتجار الشوام (البيادق) حيث تجري فيه المؤامرات والصفقات المشبوهة ويتم التحكم بأرزاق العباد، في حين استمد اسمه من حريق سببته قصف المدفعية الفرنسية عام 1925 لمدينة دمشق، كعقاب لها على تأييد الأهالي للثوار الذين دخلوا المدينة بقيادة الزعيم حسن الخراط وسقط يومها ما يزيد على 1500 شهيد[36] والتهمت النيران حي سيدي عامود ومعظم بيوته الأثرية ومحال الأقمشة والخيوط فيه.

وفيما تمثل الحريقة والمرجة أمثلة عما يسمى "مواقع الذاكرة"[37] التي عرَفها بيير نورا كأماكن، أو أحداث مادية أو رمزية لها أهمية خاصة في الذاكرة الجماعية للمجتمع حيث تسمح له بالحفاظ على الاستمرارية التاريخية، فإن اختفاء الموقعين ومعهما سرديتهما من الخطاب العام يمثل حالة نموذجية من "الإسكات الاستراتيجي" والذي يتضمن تهميش الثقافات المهيمنة للحقائق التاريخية ووجهات النظر المتنافسة، لتشكيل الذاكرة الجماعية بطريقة تدعم سردياتها وتضفي الشرعية على سلطتها.

تم تداول تصورات ثابتة عن دمشق القديمة وتعميمها لتقدم تأصيلاً فوقياً لطبقات معينة مما يمنحها رأس مال رمزي تستطيع استثماره، فيما تمنح القوى السلطوية جذوراً في العاصمة تمتص مياه الشرعية من تاريخ تم تجميده في الأحجار القديمة، وتم نزع الحركة البشرية من داخله.

أصبح تراث العاصمة محصوراً بمنطقة واحدة تستحق الحماية، بصيغتها المعمارية غالباً، وتمظهراتها الاستهلاكية الدينية والفنية والأدبية أحياناً. التراث هنا بوصفه تاريخ غارق في القدم، لا علاقة له بمشكلات الحاضر. ثابت وغير منشغل بالأمور الدنيوية والصراعات السياسية، وليس بوصفه كائن حي، قد يتغير، ينمو، وقد يحتضر أيضاً.

وقد أثر تنظيم المساحة، أو لا تنظيمها (باعتباره سياسة مكانية غير محايدة) على بناء الهويات الجماعية المكانية في دمشق وبالتالي على عمليات التضامن الممكنة والعدالة المكانية والتماسك الاجتماعي، وساهم في بناء حواجز نفسية حول الجماعات التي تتقاسم الجغرافيا الدمشقية ولا تتشاركها وبالتالي تزكية الصراع بينها.

وفي وقت لا توجد مدينة تاريخية واحدة تمكنت من الحفاظ على طابعها الأصلي سليماً؛ وهي تتطور وتتحول جنباً إلى جنب مع المجتمع نفسه، لكن المأمول، بعد سقوط السلطة بهيكلها العسكري، أن تتمكن المجتمعات المحلية من استرداد ملكيتها للتراث ومشاركته، ليس كسلعة فقط، بل كقيمة وذاكرة تعبر عن حيويتها واستمراريتها وأن تبدأ تفعيل مواقعها الإبداعية لمواجهة مصفوفات القوة وبقايا هياكل السلطة الاجتماعية والثقافية، وإنتاج سرديات المستقبل الذي أصبح من الممكن، أخيراً، إعادة تصوره.

                                                                                                 ******

المؤسسات المشاركة في ملتقى العنف اللامرئي:

– اتجاهات – ثقافة مستقلة.

– الجمهورية.نت.

– المركز السوري لبحوث السياسات.

– سوريا ما انحكت.

– دولتي.

– شبكة الصحفيات السوريات.

– نساء من أجل مساحات مشتركة.

المراجع

  1. Abdin, Yassar. "السياسات التنموية لمدينة دمشق ومحيطها الحيوي." Academia.edu. Accessed January 3, 2025. https://www.academia.edu/126493808.
  2. Al-Ghazzi, Omar. 2013. "Nation as Neighborhood: How *Bab al-Hara* Dramatized Syrian Identity." *Media, Culture & Society* 35, no. 5: 586-601.
  3. Al Jazeera. "في ذكرى حريقه الـ97: قصة سوق الحريقة، أعرق الأسواق السورية." Al Jazeera, October 19, 2022.
  4. Anderson, Benedict. "Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism." In *The New Social Theory Reader*, 282-288. Routledge, 2020.
  5. As-Safir Al-Arabi. "تحولات ساحة المرجة في دمشق." As-Safir Al-Arabi, May 11, 2022.
  6. Bourdieu, Pierre. *Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste*. Harvard University Press, 1984.
  7. CNN Arabic. "Assad Syria Pray." CNN, July 28, 2014. https://arabic.cnn.com/middleeast/2014/07/28/assad-syria-pray.
  8. Copertino, D. 2013. Reinterpreting and Reforming the City: Patrimonialization, Cosmopolitanisms, and the Ethnography of the Heritage Landscape in Damascus. *Ethnologies* 35 (2): 101–128.
  9. Creighton, Oliver. 2007. "Contested Townscapes: The Walled City as World Heritage." *World Archaeology* 39, no. 3: 339–354.
  10. Creighton, Oliver H., and Robert Higham. 2005. *Medieval Town Walls: An Archaeology and Social History of Urban Defence*. Stroud: Tempus.
  11. Enab Baladi. "دمشق: كيف دمّرت السلطة والعشوائيات ذاكرة المدينة التاريخية؟" Enab Baladi, December 11, 2021.
  12. Gans, Herbert J. 1962. *The Urban Villagers: Group and Class in the Life of Italian-Americans*. New York: Free Press of Glencoe.
  13. Guyot, Sylvain, and Cynthia Seethal. 2007. "Identity of Place, Places of Identities: Change of Place Names in Post-Apartheid South Africa." *South African Geographical Review* 89, no. 1: 55-63.
  14. N Halabi, C Salamandra. 2019. “Introduction: The Politics in and of Middle Eastern Television Drama”. Middle East Critique 28 (2), 97-100
  15. Halabi, Nour. 2017. "The Ancient Walls of Damascus and the Siege of Mouaddamiyya: A Historical and Spatial Analysis of Bounded Place and Cultural Identity." *Space and Culture* 20, no. 4: 441-453.
  16. Herb, G. H. 1999. "National Identity and Territory." In *Nested Identities: Nationalism, Territory, and Scale*, edited by G. Herb and D. Kaplan, 9-30. Lanham: Rowman & Littlefield.
  17. Hobsbawm, Eric, and Terence Ranger, eds. *The Invention of Tradition*. Cambridge: Cambridge University Press, 1983, 1996.
  18. Khoury, Philip S. 1983. *Urban Notables and Arab Nationalism: The Politics of Damascus 1860-1920*. Cambridge: Cambridge University Press.
  19. Maffi, Irene, and Rami Daher, eds. 2013. *Politics and Practices of Patrimonialization in the Arab World: Repositioning the Material Past in the Present*. London: IB Tauris.
  20. Nora, Pierre, ed. 1996. *Realms of Memory: Conflicts and Divisions, Vol. I*. New York: Columbia University Press.
  21. Ramadan, Najia Taher, and Monther Jamhawi. Assessment of Heritage Preservation Projects in the Old City of Damascus from the Perspective of International Conventions and Standards. ADAAB Mag. Issue 142. 2022
  22. Salamandra, Christa. 2017. "Waiting: The Neighborhood that Eats Its Children." *Drama Critics* 3 (May): 52-63.
  23. Salamandra, Christa. *A New Old Damascus: Authenticity and Distinction in Urban Syria*. Bloomington and Indianapolis: Indiana University Press, 2004.
  24. Shannon, Jonathan H. 2005. "Metonyms of Modernity in Contemporary Syrian Music and Painting." *Ethnos* 70 (3): 361–386.
  25. Smith, Laurajane. "Heritage, Power and Ideology." In *The Palgrave Handbook of Contemporary Heritage Research*, edited by Emma Waterton and Steve Watson, 159-177. London: Palgrave Macmillan, 2015.
  26. Tuan, Yi-Fu. *Space and Place: The Perspective of Experience*. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1977.

 [1] - تم تمثيل التراث الثقافي لدمشق القديمة خاصة في شقه المادي (المعماري) كموضوعة لتجسيد (اختصار) التاريخ السوري. تم تكريس الخطاب السياسي حول تاريخ دمشق ليبدو تتابعاً منطقياً يبدأ مع المؤسسين الآراميين، ويمر  بالحضارات السلوقية، الرومانية، البيزنطية، الأموية، السلجوقية، الأيوبية، المملوكية، والعثمانية لتصل الحضارة إلى ذروتها في الجمهورية العربية السورية، سورية الأسد. في عام 1997 تم إصدار ورقة الألف ليرة (أعلى قيمة ورقية في حينهاـ وعليها صورة حافظ الأسد مع الجامع الأموي، وعام 2015 تم إصدار ورقة 2000 مع صورة لبشار الأسد وواجهة الأموي. تُعلق صور بشار الأسد على قلعة دمشق ومعظم أبواب دمشق، وتحمل صوره الانتخابية مناظر من دمشق القديمة كخلفية وراء كلمة منحبك. تسمى زوجته بسيدة الياسمين، ويكتب شاعر لبناني عن سيد قاسيون.

 [2] - كانت دمشق القديمة -خاصة المطاعم - تُقدَم للأجانب القادمين من الغرب تجربة الشرق وأحياناً بصورته الأكثر تنميطاً. لكنها أيضاً تُقدَم لسكان دمشق الكبرى خاصة القادمين من الأحياء الهامشية” التجربة الغربية “خاصة المشروبات الكحولية والفتيات والسهر وحتى فكرة الحي المسيحي المختلف بتقاليده ومسموحاته وممنوعاته.

[3] - أول ظهور منفرد لحافظ بشار الأسد كان في حارات دمشق القديمة (بين أهله) حسب الخبر الذي وزعه المكتب الرئاسي قبل أشهر قليلة، كذلك كانت صور العائلة الحاكمة السعيدة التي تتمشى في الحارات المتعرجة ثالث أيام الفطر، وقبلها كانت الأخبار كل فترة وأخرى، الرئيس بشار الأسد وعائلته في مطعم في باب توما، السيد الرئيس وعائلته في زيارة إلى حي الميدان.

[4] بيت حقّي العظم، أوّل رئيس وزراء لجمهورية سوريا التي تم تأسيسها في عهد الانتداب الفرنسي وهو بيت يعود تاريخ تشييده لأكثر من 240 عاماً، وتم فكه وتهريبه وإعادة تركيبه في متحف الشيخ فيصل بن قاسم آل ثاني بدولة قطر عام 2016.

[5]  - يتوفر ما يقرب من 80 كتاباً عن دمشق القديمة، وهو عدد كبير لسوق الكتب الصغيرة تتراوح من المذكرات الشخصية للحياة الاجتماعية إلى الكتب الأكثر فلكلورية ومعمارية.

[6] Christa Salamandra. A New Old Damascus: Authenticity and Distinction in Urban Syria. Bloomington and Indianapolis: Indiana University Press, 2004.

[7] Copertino, D. 2013. "Reinterpreting and Reforming the City: Patrimonialization, Cosmopolitanisms, and the Ethnography of the Heritage-Scape in Damascus." Ethnologies 35 (2): 101–128.

[8] Salamandra, Christa. 2017. "Waiting: The Neighborhood that Eats Its Children." Drama Critics 3 (May): 52-63.

[9] Al-Ghazzi, Omar. 2013. "Nation as Neighborhood: How Bab al-Hara Dramatized Syrian Identity." Media, Culture & Society 35, no. 5: 586-601.

[10] Bourdieu, Pierre. "Distinction: A social critique of the judgement of taste." Harvard UP (1984).

[11] Shannon, Jonathan H. 2005. "Metonyms of Modernity in Contemporary Syrian Music and Painting." Ethnos 70 (3): 361–386.

[12] - في عام 2019 انهار جزء من سور المدينة بين باب السلام وباب توما بسبب الرطوبة الشديدة والتآكل في الملاط الداخلي كما تضررت بشدة شبكة الصرف الصحي في الحي المجاور للجدار ما أدى إلى تسرب المياه داخل الأسوار.

[13] أُنشئت لجنة لحماية وتطوير دمشق القديمة وصدر ضوابط أنشطة البناء عام 1986، وتم تعديله عدة مرات لمواكبة المشاكل الناشئة وصولاً للقرار رقم 1217 عام 2011. بحيث تخضع جميع العقارات في المدينة القديمة لأحكام قانون الآثار رقم 222 لعام 1963 وتعديلاته. وبذلك تقع مسؤولية الحفاظ على المدينة القديمة ومبانيها على عاتق وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار والمتاحف والمجلس الأعلى للآثار والمتاحف، وتكون هذه السلطات مسؤولة عن إعطاء الموافقات على مشاريع حفظ التراث وتوفير المنطقة العازلة ووضع شروط البناء والترميم أنا الجهة التنفيذية فهي محافظة دمشق بمديرياتها المتعددة.

[14] Ramadan, Najia Taher, and others. Assessment of Heritage Preservation Projects in the Old City of Damascus from the Perspective of International Conventions and Standards. ALADAB magazine, 142 September. 2022

[15] Herb, G. H. 1999. "National Identity and Territory." In Nested Identities: Nationalism, Territory, and Scale, edited by G. Herb and D. Kaplan, 9-30. Lanham: Rowman & Littlefield.

[16] Smith, Laurajane. "Heritage, Power and Ideology." In The Palgrave Handbook of Contemporary Heritage Research, edited by Emma Waterton and Steve Watson, 159-177. London: Palgrave Macmillan, 2015.

[17] الشيخ محمد شريف الصواف الذي كان أول من أصدر بيان 8 ديسمبر/ كانون الأول سماه رقم واحد يعلن سقوط النظام ووقعه باسم المجلس الانتقالي.

[18] CNN Arabic. "Assad Syria Pray." CNN, July 28, 2014. https://arabic.cnn.com/middleeast/2014/07/28/assad-syria-pray.

[19] Creighton, Oliver. 2007. "Contested Townscapes: The Walled City as World Heritage." World Archaeology 39, no. 3: 339–354.

[20] Salamandra, Christa. A New Old Damascus: Authenticity and Distinction in Urban Syria. Bloomington: Indiana University Press, 2004.

[21] - كانت دمشق مركزاً تجارياً نشطاً منذ الألفية الثانية قبل الميلاد، يعود قلب المدينة القديمة في دمشق والذي يحوي على معظم المعالم التاريخية للمدينة الأصل هلنستي يمتد بين باب الجابية وباب شرقي، مع إضافات وتعديلات رومانية، فتنحصر المدينة القديمة ضمن إهليلج حوالي 1500 متر وعرض (1000) متر. يعرف بالجدران التاريخية، ظهرت أحياء الصالحية التي بناها المهاجرون المقدسيون في القرن الثاني عشر، إضافة إلى حي العقيبة في الشمال الغربي، وظهرت منطقة ساروجة منذ العصر الأيوبي، كما ظهرت أحياء الميدان خارج السور واندمجت تماما مع المدينة منذ القرن 16، وامتد حي القدم على شكل شريط رفيع إلى الجنوب ليكون على خط طريق الحج. بدأت المدينة الحديثة مع الإصلاحات العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر بالانتقال إلى حداثة عمرانية تميزت بتفكيك البنية المتراصة للمدينة المنفتحة على فناءات داخلية وبتبني مبدأ التنظيم الخطي من جهة ومبدأ البناء المنفرد المنفتح على الخارج. إضافة إلى إدخال تجهيزات عمرانية جديدة كشبكات التغذية بالمياه العذبة وبالطاقة الكهربائية وخدمات البريد والبرق والتراموي1907 وشبكة متطورة من الخطوط الحديدية (بيروت، حيفا، المدينة المنورة).

شيدت مباني جديدة وقصور إلى الغرب والشمال من المدينة المسورة (القنوات، المرجة، الجسر الأبيض..) حيث انتقلت العائلات الأكثر ثراءً فيما سكن المهاجرون القادمون من أوروبا الحي الجديد في جبل قاسيون، لتبقى الفئات الأكثر فقرا في دمشق القديمة التي كانت توصف بالتخلف والدونية. اتبعت التطورات اللاحقة من قبل الفرنسيين (1946-1920)، صمم مهندسو المدن الفرنسية الضواحي الجديدة: شارع بغداد وساحة السبع بحرات التي يتفرع منها شارع العابد وشارع البرلمان حتى ساحة النجمة، شارع الباكستان غرباً وشارع 29 أيار جنوباً وشارع الشهبندر شمالاً، وأحياء الشعلان والحبوبي، والروضة، وأبو رمانة، وغيرها. وأصبحت دمشق مدينتين: الأولى قديمة ضمن الأسوار، والثانية حديثة أوروبية تميزت بشوارعها العريضة المستقيمة وأسواقها المكشوفة وأبنيتها ذات الهندسة الأوروبية. ويرى مؤلفو كتاب الهوية العمرانية لدمشق أن فرنسا ركزت على أهمية تخطيط دمشق بهدف "السيطرة على الأرض"، متجاهلة احتياجات السكان المحليين وتقاليدهم، فعززوا نظرتهم للمدينة القديمة كأماكن بدائية لسكانها العرب”

[22] Halabi, Nour. 2017. "The Ancient Walls of Damascus and the Siege of Mouaddamiyya: A Historical and Spatial Analysis of Bounded Place and Cultural Identity." Space and Culture 20, no. 4: 441-453.

[23] Khoury, Philip S. 1983. Urban Notables and Arab Nationalism: The Politics of Damascus 1860-1920. Cambridge: Cambridge University Press.

[24] Abo Fakher, Saker. 2012 "The Syrian Issue and Its Regional and International Attractions: A Study in Power Equations and Conflict in Syria." Doha Institute for Graduate Studies.

[25] Salamandra, Christa. A New Old Damascus: Authenticity and Distinction in Urban Syria. Bloomington: Indiana University Press, 2004.

[26] - مثال هو حارة الزط التي سكنها لاجئين هندوس من الهند، ومن هنا جاء المثل المضحك” طلع من حارة الزط مؤذن“.

[27] Creighton, Oliver H., and Robert Higham. 2005. Medieval Town Walls: An Archaeology and Social History of Urban Defence. Stroud: Tempus.

[28] - شملت المنطقة المسجلة المناطق المحيطة بالأسوار بما فيها شارع ومحيط شارع الملك فيصل، إضافة إلى حي سوق ساروجة الواقع إلى الشمال الغربي من قلعة دمشق. بالتالي، طبّق على هذه المنطقة قوانين حماية مشابهة تماما للقوانين المعمول بها في المدينة داخل الأسوار، فغدت وكأنها امتداد فعلي للمنطقة المسجلة عام1979. يمكنك الاطلاع على المزيد ضمن المستندات: https://whc.unesco.org/en/list/20/documents

[29] Maffi, Irene and Rami Daher, eds. 2013. Politics and Practices of Patrimonialization in the Arab World: Repositioning the Material Past in the Present. London: IB Tauris.

[30] Enab Baladi. "دمشق: كيف دمّرت السلطة والعشوائيات ذاكرة المدينة التاريخية؟" Enab Baladi, December 11, 2021.

[31] Anderson, Benedict. "Imagined communities: Reflections on the origin and spread of nationalism." In The new social theory reader, pp. 282-288. Routledge, 2020. Harvard

[32] Yassar ABDIN, "السياسات التنموية لمدينة دمشق ومحيطها الحيوي." Academia.edu. Accessed January 3, 2025. https://www.academia.edu/126493808.

[33] Gans, Herbert J. 1962. The Urban Villagers: Group and Class in the Life of Italian-Americans. New York: Free Press of Glencoe.

[34] Tuan, Yi-Fu. Space and Place: The Perspective of Experience. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1977.

[35] As-Safir Al-Arabi. "تحولات ساحة المرجة في دمشق." As-Safir Al-Arabi, May 11, 2022.

[36] Al Jazeera. "في ذكرى حريقه الـ97: قصة سوق الحريقة، أعرق الأسواق السورية." Al Jazeera, October 19, 2022.

[37] Nora, Pierre (ed.) (1996) Realms of Memory: Conflicts and Divisions, Vol. I (New York: Columbia University Press).

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد