(دير الزور) في الطريق الرئيسي المحاذي لسرير نهر الفرات في ريف دير الزور الشرقي، المؤدي لبلدات البصيرة والشحيل وأبو حمام، مروراً بالغرانيج وهجين والسوسة والشعفة، وصولاً إلى بلدة الباغوز آخر مدينة سورية عند الحدود العراقية، تظهر آثار وحجم كارثة فيضان نهر الفرات. غمرت المياه آلاف الدونمات (الدونم يعادل 1000 متر مربع) من الأراضي الزراعية؛ وأتلفت مئات الأشجار والمنازل وأوقفت عشرات محطات المياه والكهرباء عن الخدمة، فضلاً عن تدمير جميع المعابر الترابية والجسور المؤقتة.
صدمة الساعات الأولى
يستذكر الرجل الستيني سنجار الفهد كيف وصلت المياه في ساعة متأخرة من الليل لتغمر منزله: "ليلتها كنا نائمين ورأينا المياه تتدفق فجأة وبشكل كبير إلى داخل منزلنا، أخرجت النساء والأطفال وتركنا كل شيء خلفنا، كانت ليلة لا تُنسى بكل تفاصيلها".
يروي سنجار كيف قضى مع أبنائه ساعات عصيبة داخل منزلهم الذي طاف بالمياه، واضطروا للمبيت فوق السطح ليلتها رغم اشتداد البرودة وتساقط الأمطار: "أطفالنا الصغار والنساء يعيشون حتى اليوم صدمة الساعات الأولى، لا نصدق أننا نجونا من غرق محتمل"، معبراً عن حزنه رغم عودة وعائلته إلى المنزل: "كأن البيت صار غريباً علينا بسبب رائحة الرطوبة، والشقوق، و(تمرّغ) ألعاب أطفالنا بالطين والوحل… لم يبقَ شيء في مكانه".
ذاكرة الأرض والسيادة الغذائية
على امتداد التاريخ، رأى الأهالي في نهر الفرات الشريان الحيوي لمحافظة دير الزور ومجتمعاتها المحلية، يحرك حياتهم، من الزراعة والشرب حتى تربية المواشي والنقل والتجارة. وارتبطت حياة السكان واستقرارهم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بجريان هذا النهر، ليصبح جزءاً من الهوية الجمعية لسكان المنطقة، ومكوناً أساسياً من حياتهم اليومية.
يتابع سنجار حديثه: "منذ 38 عاماً لم يأتِ هكذا فيضان على دير الزور، آنذاك كنت شاباً وأتذكر تفاصيله. عندي 60 شجرة مثمرة في المزرعة، لكنها مغمورة وجفّت بالكامل، حتى أشجار التين جفّت بسبب بقاء المياه حولها".
كان آخر فيضان شهده السوريون في العام 1988، وقد تسبب حينها بإجلاء أعداد كبيرة من السكان من دير الزور والرقة، قبل أن ينحسر منسوب المياه مخلفاً خسائر مادية وصدمة لا يزال الناس يعيشونها. تكشف المقارنة بين الصور القديمة والحديثة اتساع المسطحات المائية المحاذية للنهر، كما تبدو المياه وقد امتدت إلى مناطق كانت جافة في الصور السابقة، فيما تظهر أجزاء من الضفاف والجزر النهرية الصغيرة وقد غمرتها المياه اليوم.
وحوّلت الأمطار القوية التي تبعها فيضان الفرات بلدة هجين المعروفة بأشجار النخيل والمشمش والتين، إلى منطقة منكوبة غارقة بالمياه الآسنة والأوحال في الفترة الممتدة بين السادس والعشرين من أيار/مايو الماضي، حتى الخامس من حزيران/يونيو الحالي. باتت منازل المدنيين وحقولهم الزراعية وأشجار الفاكهة شبيهة بكرة دمرها إعصار غاضب، ليسود الخراب في أرجاء المنطقة المطلة على سرير النهر، وتغيب الحقول الخضراء التي كانت تنتشر بين ضفتيه، وتغمر المياه حقول السنابل الصفراء التي كانت تنتظر حصادها.
خسائر فادحة
منذ أيام يسير المزارع ذياب أسود العمار بين حقول القمح التالفة في أرضه الواقعة شرقي هجين، بعد أن غمرها نهر الفرات. ارتفع منسوب المياه فيه بشكل غير مسبوق منذ عقود، في ظاهرة عزتها الحكومة السورية الانتقالية إلى هطول أمطار غزيرة هذا العام، وزيادة منسوب تدفق المياه من تركيا، التي تأخرت حكومتها في إنذار الجانب بشأن تلك الزيادة، على ما صرح وزير الطاقة السوري محمد البشير.
يتحدث معنا المزارع ذياب، فيما يقف إلى جانب أرضه التي تبلغ مساحتها نحو 50 دونماً، المغمورة بالمياه كحال غالبية الأراضي المحيطة: "قسم منها كان مزروعاً بالقمح وقسم ثانٍ بخضار متنوعة، كلفتني فلاحة كل دونم أكثر من مليون ليرة (نحو 85 دولاراً أمريكياً)، وقد خسرت موسمي وارتفعت نسبة الملوحة في أرضي"، يضيف ذياب، الذي لا يمتلك أي مصدر رزق آخر، متحسراً، فيما يرمق الأرض بنظرات حزينة: "حتى اليوم نعاني من هول الصدمة، خسرنا كل شيء.. كل شيء".
المسافة التي تفصلهم عن سرير النهر تتعدى 1700 متر، غير أن هذا الفيضان، الأول من نوعه منذ عقود، باغتهم: "كل يوم أتفقد أرضي وحقول الجيران، أتحسّر على سنابلها الصفراء التي لم تعد صالحة للحصاد أو للطعام، أحياناً أتفقدها ثلاث أو أربع مرات يومياً، آمل أن ينخفض منسوب المياه بسرعة، حتى لا تزداد نسبة الملوحة التي ستضر هذه الحقول لسنوات، وتصبح زراعتها من جديد مهمة بعيدة المنال".
يتكرر المشهد بكافة تفاصيله مع الفلاح عبود المنصور، الذي تكبد هو الآخر خسائر فادحة بسبب الفيضان. يمتلك عبود أرضاً بمساحة 80 هكتاراً، جلها مزروع بالقمح والخضار الموسمية. لا يجد اليوم حلاً سوى التشمير عن ساعديه منظفاً قنوات الري التي جرفتها مياه الأمطار الغزيرة: "الخسائر لا تقتصر على هذا الموسم، بل هي مضاعفة وطويلة الأمد. هذه الأراضي بحاجة لإعادة استصلاح، وبغياب الدعم الحكومي والمنظمات الإنسانية، سنتكبد خسائر مضاعفة كبيرة تفوق قدرتنا المالية".
وقد اعتادت المجتمعات المحلية خلال النصف الأول من القرن العشرين على التعامل مع الكوارث الطبيعية المرتبطة بتقلبات المناخ وارتفاع مناسيب المياه وحدوث الفيضانات الموسمية، بوصفها جزءاً طبيعياً من دورة حياة النهر، حيث كانت الفيضانات الدورية تعيد تشكيل ضفافه وتغمر بعض الأراضي ثم تنحسر من جديد، لكن غياب هذا الارتفاع لعقود حول نمط التعامل مع الضفاف وشجع على استصلاحها وإعمارها.
غير بعيد عن عبود، يجاهد الأخوان تركي وسعيد الفاضل بكل ما أوتيا من قوة لإزاحة الأوحال الطينية الراسبة في أرجاء حقولهم من طريق قنوات الري، وبحركات سريعة بلا هوادة يجر الاثنان بثياب ملطخة بالأوحال، التربة المالحة خارج قطعة أرضهم باستعمال جرافات يدوية وسطول مطاطية. لا ينتظران أي دعم حكومي أو دعم من المنظمات، ويقول تركي: "كنا ننتظر الفزعة والمساعدة من الجيران من مدن الرقة والحسكة، فالأزمة إنسانية تعدت حدود دير الزور، لكن خيبة أملنا كانت كبيرة، وبحجم الصدمة التي ألحقها فيضان الفرات".
أما أخوه سعيد فأكد بدوره أن الفلاحين ينتظرون الموسم وهم مثقلون بديون وخسائر تكلفة الإنتاج، "نستدين في بدايته وننتظر الحصاد لنسدّد ما علينا، لكن اليوم الخسارة مضاعفة، مرة ذهبت أموالنا وراح محصولنا، وفي المرة الثانية القمح، الذي لم يعد صالحاً لا للحصاد ولا للاستعمال، لأنه أتلف تماماً".
خسائر التخطيط العظيمة
شهدت بلدة هجين وريفها واحدة من أكبر موجات الفيضانات التي عرفتها المنطقة خلال العقود الأخيرة بحسب خبراء ومهندسين زراعيين، فبعد سنوات طويلة من انحسار المياه، عاد النهر ليتوسع ضمن أجزاء واسعة من مجراه التاريخي، الأمر الذي أدى إلى غمر مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية والسكنية. وبحسب تقديرات مسؤولي البلدية والسلطات المحلية في دير الزور جاوز النهر في بعض المواقع مجراه الطبيعي بحدود 300 إلى 500 متر، بينما تراوح التوسع في مواقع أخرى بالقرب من الجسر المائي المعلق بين ألف إلى 1500 متر.
وشهد نهر الفرات خلال العقود الثلاثة الأخيرة واحدة من أطول فترات الانحسار في تاريخه الحديث داخل سوريا، حيث تراجع عرض المجرى المائي في العديد من المناطق بشكل ملحوظ على ضفتي النهر. وأرجع خبير التنمية البيئية محمد المحمد حجم الأضرار الكارثية إلى تراكم العوائق داخل مجرى النهر، كشأن الجسور الترابية البديلة التي أُنشئت خلال سنوات الحرب وراكمت نفاياتها، مما خلق حواجز اصطناعية ضاعفت من ارتفاع منسوب المياه: "الكارثة الطبيعية لفيضان الفرات وغمر الأراضي كشفت البنية التحتية المتهالكة وضعف جاهزيتها، فضلاً عن غياب الخطط الاستباقية الفعالة لإدارة المخاطر".
وقد أدى هذا التوسع المفاجئ إلى إغراق مساحات واسعة كانت مزروعة بالمحاصيل الزراعية أو مستخدمة لأغراض سكنية ومشاريع استثمارية بحسب الخبير الزراعي أحمد العبدالله، الذي ذكر في حديثه لسوريا ما انحكت أن التقديرات الأولية تشير إلى تضرر ما يقرب من 425 مزارعاً بشكل مباشر "نتيجة غمر المحاصيل وتلف أجزاء كبيرة منها في مرحلة قريبة من الحصاد، كما تشير الإحصائيات إلى غمر مساحة 7080 دونماً زراعياً".
يعادل هذا ما نسبته نحو 8 ٪ من إجمالي الأراضي المزروعة حسب المهندس سلامة الشيخ رئيس مجلس مدينة هجين الذي يضيف: "تضررت نحو 80 آلية زراعية وتوقفت محطتا مياه أبو حسن ومحطة الزوية عن الخدمة".
وقد تعرضت شبكات الري والمضخات الزراعية والأقنية الترابية في هجين ومحطات الكهرباء لأضرار متفاوتة، كحال غالبية المدن والبلدات الموزعة على طول سرير ضفتي النهر. بحسب الخبير العبدالله: "وصل ارتفاع المياه في بعض المواقع المنخفضة إلى نحو 4 أمتار، بينما بلغ نحو مترين في المناطق الأعلى نسبياً". وتسبب ضغط المياه وتشبع التربة بالمياه الجوفية في ظهور تشققات وتصدعات في بعض المنازل القريبة من مجرى النهر، "مما يزيد من مخاطر الانهيارات الجزئية أو الكلية في حال استمرار الوضع على حاله".
قطن سوريا.. ماضي المواسم السعيدة.. هل يعود؟
04 شباط 2026
يحذر سلامة الشيخ من بقاء المياه الآسنة في الأراضي الزراعية، فهي تنقل أمراضاً معدية وتصبح مكاناً لتكاثر الحشرات الضارة: "ارتفاع نسبة التملح ومعالجة المستنقعات تحتاج لجهود حكومية ومدنية وإنسانية، يجب التحرك بحجم الكارثة وتخفيف المعاناة عن سكان المنطقة الذين ذاقوا الأمرّين من الفيضان".
وبحسب الخبير الزراعي أحمد العبدالله، لا تقتصر آثار الأزمة الحالية على الأضرار المادية المباشرة، إذ تمتد إلى نطاق اجتماعي واقتصادي واسع: " فقدت عشرات الأسر مصادر دخلها الأساسية المرتبطة بالزراعة، كما تكبد المزارعون خسائر كبيرة في المحاصيل الموسمية والمعدات والبنية الزراعية". يرى سلامة الشيخ أن غالبية هذه الأسر المتضررة باتت تواجه تحديات إضافية تتعلق بتأمين المياه والكهرباء والسكن الآمن، فضلاً عن المخاوف المرتبطة باستمرار ارتفاع المناسيب أو حدوث موجات جديدة من الفيضان.
ويتنبأ الشيخ بأن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يؤدي إلى تراجع النشاط الاقتصادي المحلي وزيادة معدلات الفقر والبطالة في المناطق المتضررة، منوهاً إلى أن سنوات الحرب السورية "أسهمت في إضعاف الرقابة والتخطيط العمراني وانتشار أعمال الردم العشوائي وإقامة المعابر المؤقتة داخل المجرى النهري وسريره، إضافة إلى توسع النشاط البشري ضمن المناطق المنخفضة المحاذية للنهر".
يشير خبير التنمية البيئية محمد المحمد إلى أن فتح السدود من دول المنبع وغياب التنسيق الإقليمي والداخلي ضاعف أزمة الفيضانات الناجمة عن غزارة الأمطار، وأن هذا التحول بعد عقود من الضغوط المناخية والبنيوية التي أثرت على نهر الفرات "زاد من هشاشة المشهد المائي مع تراجع إمدادات مياه الشرب بسوريا بنسبة 40٪، نتيجة الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنى التحتية، إلى جانب انقسام السدود الكبرى بين مناطق عسكرية مختلفة ومتصارعة".
على ضفاف النهر، يشير أحد سكان هجين مسعد النواف إلى جسر مائي معلق انهار بفعل ارتفاع المنسوب، يربط بين هجين وبلدة البقعان بالجهة المقابلة بريف دير الزور: "اليوم نعاني للعبور للضفّة الثانية والناس الآن ينتقلون عبر القوارب الخطرة طالما أن المياه لم تهدأ. فيضان النهر خلّف كوارث كبيرة لا تُعد ولا تُحصى".
وبينما كان السكان ينتقلون بالفعل عبر قوارب خشبية صغيرة من ضفّة إلى أخرى، كان عناصر من الدفاع المدني وعمال البلدية يقدمون المساعدة في العبور أو ينقلون حالات طارئة. هذا المشهد بات مألوفاً في غالبية المدن والبلدات المحاذية لسرير النهر لتسريع التنقل وإنجاز الأعمال اليومية.
كي لا تتكرر الكارثة
دير الزور: بورتريه محافظة منسية .. يكافح سكانها للتأقلم مع واقعها الديموغرافي الجديد
01 تشرين الأول 2025
يقول علي السمحان، الباحث الاجتماعي في منظمة "إنصاف للتنمية"، العاملة في هجين وبلدات الشعفة والسوسة والباغوز، التي أعدت دراسات وأبحاثاً حول أزمة فيضان نهر الفرات والتوقعات المستقبلية لتأثيرها والحلول الممكنة، إن الأحداث الحالية تؤكد ضرورة إعادة دراسة المخطط التنظيمي، للمناطق الواقعة على ضفاف الفرات وتحديد حدود السرير النهري بشكل علمي، إضافة إلى تعويض المزارعين والأسر المتضررة وتقديم الدعم الإنساني والخدمي اللازم.
تشير المعطيات الميدانية وتحليلات الخبراء والباحثين إلى أن الأزمة الحالية التي خلفها فيضان نهر الفرات، جاءت نتيجة تداخل عدة عوامل في وقت واحد؛ أولها زيادة التصريف المائي وارتفاع منسوب المياه في مجرى الفرات خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً وضعف التنسيق الإقليمي. فيما يتمثل العامل الثاني في خسارة النهر جزءاً كبيراً من مساحته الطبيعية نتيجة التوسع الزراعي والعمراني داخل السرير النهري خلال العقود الماضية.
أما العامل الثالث فيتمحور حول تدمير أطراف الصراع، البنية التحتية خلال سنوات الحرب، بما في ذلك الجسور والعبارات المائية والمنشآت الخدمية، وما تبع ذلك من حلول إسعافية مؤقتة أثرت على انسيابية الجريان. ويتمركز العامل الرابع حول غياب مشاريع الحماية والتدعيم والصيانة الدورية لضفاف النهر وإصلاح الشبكات الخدمية المرتبطة بها، الأمر الذي جعل المناطق السكنية والزراعية أكثر عرضة للخطر عند ارتفاع المناسيب.














