نشأ حي 86 زمن الديكتاتور السوري حافظ الأسد، حينما سمح شقيقه رفعت، قائد ما يُسمى سرايا الدفاع، لعناصره، بالبناء والسكن في المنطقة، بعد أن كانت قطعة عسكرية تحمل الرقم 86، ومنها جاءت التسمية. كان غالبية من أقدم على البناء بداية من الساحل السوري، إلا أن هذه الرخصة المفتوحة لم تقتصر على عناصره فقط، بل شملت كل من أراد السكن والبناء هناك.
بعد نفي رفعت الأسد وحلِّ سراياه، خلت المنطقة والحي من أي نشاط عسكري، ولم تعد أرض الحي تابعة لملاك وزارة الدفاع. عندها فُتح المجال أمام المزيد من الناس لتعمير البيوت والسكن فيها، وبات الحي مسكناً لأناس قادمين من مختلف محافظات سورية، ينتمون لطوائف وإثنيات وأديان مختلفة، كشأن الأكراد، حد تسمية شارع في الحي بشارع الأكراد. وبعد عام 2011، بات الحي ملجأً لكل من تعرضوا للقصف، ودُمِّرت بيوتهم، وهُجِّروا من منازلهم. هكذا احتضن الحي عدداً كبيراً من أهالي المنطقة الشرقية، وبالأخص، دير الزور. بالمثل، كان هذا الحي، وما يزال، مقصداً لطلاب الجامعات من جميع المحافظات. فمن لا يستطع منهم تأمين سكن جامعي، يلجأ له.
بعد سقوط نظام بشار الأسد، استمر التغير الديموغرافي في هذا الحي. هناك من غادره من أبناء الساحل السوري، فيما قدم إليه آخرون من مناطق سورية أخرى، ليقيم فيه اليوم أناس من محافظة إدلب يعملون في مجالات مختلفة، بمن فيهم العاملون في القوى الأمنية ووزارة الدفاع.
مبادرة سبقت الجميع!
بعد سقوط النظام السابق، انتشر مقطع مصور لحرق مقام الحسين بن حمدان الخصيبي في حلب، وهو وليّ له مكانة خاصة لدى الطائفة العلوية. إثر ذلك، خرجت مظاهرة عفوية وغير منظمة من حي المزة 86 باتجاه ساحة الأمويين. وكان دافعها حميّة الشباب وإحساسهم بضرورة التعبير عن غضبهم، رفضاً للمساس بخصوصيتهم الدينية ومقدساتهم.
اصطدمت المظاهرة بأهالي حي النازحين في المزة، وبأهالي حي الشيخ سعد، وتوتر الوضع أمنياً إثر ذلك؛ ليزداد التدقيق على الحواجز الأمنية عند مدخل الحي ومخرجه، ووصل الأمر حد منع الدخول والخروج من وإلى الحي. كانت القوات الأمنية، تحديداً ما كانت تُعرف سابقاً ب"العصائب الحمراء"، في حالة تأهب عالية، وقد طوّقت الحي من جميع الجوانب، وتنوي الدخول إليه وتمشيطه، نتيجة ذلك التوتر، ما دفع بعض أهالي الحي ومثقفيه ووجهائه من رجال الدين إلى المبادرة لحل المشكلة، عبر وفد شكلوه في السادس والعشرين من كانون الأول/ديسمبر 2024، مكوّناً من اثني عشر شخصاً. وعبر المختار السابق، جرى تنسيق لقاء مباشر مع القائد الأمني في دمشق آنذاك، المقدم عبد الرحمن الدباغ، وحُلّت خلاله المشكلة، وصدرت الأوامر أمام الوفد للأرتال العسكرية بأن تفكّ طوقها عن الحي. وفي اليوم التالي، أطلق الوفد مبادرة لتسليم السلاح للسلطات الجديدة، والتزمت القيادة الأمنية بحماية الحي وأبنائه من التعرض لأي أذى أو مكروه، وبالقيام بدورها الأمني على أكمل وجه.
مضت المبادرة، ولاقت قبولاً كبيراً داخل الحي وخارجه، لا سيما وأنها كانت المبادرة الأولى لتسليم السلاح للسلطات الجديدة على نطاق البلاد. ونظراً إلى نجاحها، جرى استنساخها من قبل بعض لجان الأحياء في مناطق أخرى ذات تكوين سكاني مشابه لذاك الموجود في حي المزة 86.
مذاك وحتى يوم الثلاثاء السادس عشر من حزيران/يونيو 2026، كانت الحياة تمضي على ما يرام داخل الحي. لم يخلُ الأمر من بعض المشاكل والمضايقات الفردية أحياناً، لكنها بقيت ضمن الحدود المقبولة نسبياً، في ظل الوضع الحالي للبلاد وما تعانيه.
الثلاثاء الخطير!
بعد دعوات من صفحات على منصة فيسبوك، أبرزها صفحة "تنسيقية المزة"، وغيرها من الجهات غير واضحة الخلفيات، انطلق حشد من الناس نحو حي المزة 86، بعد أداء صلاة العشاء في جامع المزة، تحت يافطات وشعارات ضد من يصفونهم بـ"الشبيحة" و"أنصار الأسد"، يحمل بعضها طابعاً طائفياً صرفاً.
دخل الحشد إلى الحي مروراً بالحاجز الأمني الثابت عند مدخله. وأظهرت بعض مقاطع الفيديو التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي سيارات تابعة لوزارة الداخلية وهي تتقدم خلف الحشد، الأمر الذي فسره البعض، بأن التظاهرة جرت بموافقة الوزارة، رغم أن المعلومات المتوافرة لا تشير إلى حصولها على ترخيص.
بعد تجاوز الحاجز، وفي طريقهم إلى الحي، سارع هؤلاء إلى كتابة عبارات تهديدية وطائفية على الجدران، على جانبي الطريق. ووصل الأمر حد تهديدهم من يصفونهم بأنهم "أنصار الأسد" و"شبيحة الأسد"، بالقتل والذبح.
عندما وصل الحشد إلى أحد المحال المعروفة في الحي، "فروج الأمين"، طالبوا صاحبه بإغلاقه، فرفض. كرروا الطلب، فكرر الرفض. عندها هجموا عليه، وانهالوا عليه ضرباً وشتماً، فيما انبرى أحدهم واستل سكيناً وطعنه طعنتين، سقط إثرهما أرضاً.
كان في المحل ثمانية عمال لم يسلموا أيضاً من الأذى، إذ كان سقوط صاحب المحل، الذي طلب عدم ذكر اسمه، بداية لمعركة بالأسلحة البيضاء، من سكاكين وعصي وقضبان حديدية، بين الحشد من جهة، وعمال المحل وبعض الجيران الذين انتفضوا للدفاع عن المحل والعمال من جهة أخرى.
لماذا نخرج اليوم إلى العلن؟ .. إخفاء الهوية الكردية وتمظهرها
21 آذار 2026
واصل الحشد تقدمه، موجهاً أوامره لمن تبقى من المحال المفتوحة بالإغلاق، ولم يسلم أصحاب تلك المحال من الطعن والضرب. وحين وصلوا إلى محيط مدرسة حافظ إبراهيم، لم يختاروا يمين الطريق، بل يساره، ذهاباً باتجاه ما يُعرف بحارة الخزان. كان أصحاب معظم المحال قد أغلقوها، وتوجهوا إلى منازلهم بعد سماعهم بما يجري. لكن محلاً لبيع الألبسة على يسار الطريق، وميني ماركت على يمينه، مفتوحين، تعرضا لتكسير واجهاتهما ومحتوياتهما، ووُجهت طعنات سكين سريعة إلى أصحابهما والعاملين فيهما.
على المسار نفسه، وقبل الانعطاف باتجاه شارع النصف، الفاصل بين "86 مدرسة" و"86 خزان"، واجه الحشد، عاملاً في محل تجاري صغير، يقع عند الزاوية تماماً، وحين حاول مقاومتهم ضُرب ضرباً مبرحاً، وكسّروا محله، فيما توجه آخرون من الحشد إلى البناء الذي يقع المحل أدناه، وانتشروا بين طوابقه، وبدأوا بخلع الأبواب وترويع الناس وضربهم وسرقة ممتلكاتهم.
روت لي أم يونس، وهي صاحبة المحل الذي كُسّر في أسفل البناء، كيف رفضت أن تفتح باب البيت، وكيف استمروا بالطرق عليه بقوة حتى خُلع من مكانه ودخلوا. تقول: "زوجي ليس في المنزل، وابني الكبير يونس، هذا هو، انظر إلى حاله". حين التفتُّ إلى الشاب يونس وجدته مضمداً وملفوفاً بالشاش، ورأسه ووجهه متورمان إلى حد مخيف. يروي لي: "حين وصلت من عملي، وأنا أعمل في ورش كهرباء، صادف أن رأيت أشخاصاً يكسرون محلنا، فحاولت أن أقاومهم وأدفعهم إلى الخارج، فانهالوا عليّ بالضرب وسرقوا دراجتي النارية".
صديقي عمار، المقيم قرب بيت أم يونس، وصف لي كيف شاهد أناساً يقودون دراجات نارية، يمرون بشارع منزله، ويطلقون تهديدات بالقتل. يتذكر تحديداً مشاهدته دراجتين ناريتين، وعلى كل منهما شخصان يرتديان لباساً مدنياً ويحملان السلاح، يطلقون النار في الهواء.
بعد عبور هذه النقطة، توجه الحشد والدراجات النارية إلى سوبر ماركت الربيع، لصاحبه ربيع، المحبوب في المنطقة. لم يستجب ربيع لدعوات جيرانه بإغلاق محله كي ينجو. وما هي إلا لحظات حتى رأى ثلاثة أشخاص يدخلون المحل ويسألونه: لماذا لم تغلق محلك؟ لماذا تفتح حتى الآن؟ فأجاب: "هذا محلي ورزقي، أفتحه وأغلقه متى أشاء".
كانت هذه الكلمات مفتاحاً لصدام وعراك كبيرين بين ربيع وأهالي الحارة من جهة، والحشد الفوضوي من جهة أخرى. ربيع شاب رياضي ويملك جسداً قوياً، فقاوم الحشد كثيراً، ولم يتمكنوا منه إلا بعد تعرضه لطعنات بالسكين في وجهه.
داخل سوبر ماركت ربيع وأمامه، حصل صدام بين أهالي الحارة والحشد. ألقى أحد أهالي الحي حجراً كبيراً نحو أحد الأفراد الذين كانوا يركبون الدراجات النارية، فسقط على الأرض، وهو مذاك في العناية المشددة، لتعرضه لإصابة في الرأس. في المقابل، وجّه الحشد طعنات بقضبان الحديد والسكاكين إلى عدد غير قليل من الناس في هذا الموقع. وأُصيب أحد أفراد الحشد أيضاً برصاصة في قدمه أطلقها أحد رجال الحارة، المدافعين عن ربيع، وهو رجل خمسيني من محافظة دير الزور، ممن سكنوا في الحي بعد سقوط سلطة الأسد.
هدد الرجل الخمسيني الحشد، فتابعوا مسيرهم بعيداً عنه باتجاه صيدلية مجدولين، ثم ساحة الضباط، فساحة عروس الجبل، مكررين تصرفاتهم وأعمالهم التخريبية وتهديداتهم وشتائمهم ضد فئة محددة من الحي، أبناء الطائفة العلوية.
لم تكن لجنة الحي غائبة عما كان يحدث. تحرك بعض أفرادها محاولين فض ما يجري ودرء الفتنة، ليتعرض أحد أعضائها، عيسى الصافتلي، الملقب بأبو الليث، لإصابة. قال لي في وقت لاحق: "وُجهت إليّ ثلاث رصاصات، اثنتان منها أصابتا سيارتي، والثالثة لامست رأسي مسببة حرقاً وخدشاً"، مضيفاً: "لولا حلم الله لكنت قد قُتلت برصاص هؤلاء الهمج"، على حد توصيفه.
كأنها القيامة: الصفحة الأخيرة في دفتر هزيمة نظام الأسد
08 كانون الأول 2025
وفي حارة المناشير، قال صديقي رضوان إن ست دراجات نارية دخلت الحارة، وكان جميع ركابها يحملون السلاح، وبدأوا بإطلاق النار في الشارع. وبينما كان رجل كبير في السن يمشي هارباً إلى منزله، قام أحدهم بضربه بكعب البندقية على ظهره، فانحنى وسقط أرضاً. استمر إطلاق النار في الحارة لمدة دقيقتين أو ثلاث دقائق، ثم غادرت الدراجات، يتذكر رضوان.
انتهت هذه المشاهد بمجملها عند قرابة الساعة الثانية عشرة ليلاً، بالتزامن مع تحرك بعض السيارات الأمنية ومطاردة الحشد. كما تحركت لجنة الحي واجتمعت على الفور مع القادة الأمنيين في وزارة الداخلية، الذين "أكدوا التزامهم بحماية جميع المواطنين من مختلف المكونات، وطالبوا بعدم الانجرار وراء الشائعات والفتنة"، وفق عضو اللجنة المحامي محمد سليمان.
في اليوم التالي، الأربعاء 17 حزيران/يونيو 2026، حاولت مجموعة صغيرة، من ست أشخاص، افتعال مشكلة قرب مطعم الحافظ، إلا أن بعض أهالي الحي (تحديداً المنحدرين من محافظة دير الزور) تواصلوا مع الجهات الأمنية، فأرسلت قواتها بعد فترة قصيرة واعتقلت هؤلاء الأشخاص، لينتهي الحدث سريعاً من دون أضرار. وساهم في ذلك وحدة أهالي الحارة وتكاتفهم ضد من حاولوا افتعال التخريب.
ومساء الأربعاء، أغلقت معظم المحال التجارية على غير العادة عند نحو الساعة الثامنة مساءً، ولم يبقَ سوى عدد قليل جداً منها مفتوحاً، خوفاً وتحسباً لوقوع أحداث مماثلة لتلك التي جرت يوم الثلاثاء، وسط استمرار التحريض. لكن لم يحدث شيء، وعادت الأمور إلى طبيعتها في اليوم التالي.
أمام امتحان السلم
ما كان ينبغي لتلك الأحداث أن تقع، بعد أن بادر سكان هذا الحي إلى السلم وسلّموا السلاح، وتعهدت السلطات الأمنية بعدم السماح بالمساس بالحي وأهله، لأن حياً مثله، بتركيبته السكانية المعقدة والكثيفة وذاكرته الثقيلة، قد يفجّر الوضع في البلاد كلها.
يمكن القول بوضوح إن هذا الحي، لم يعد حيّاً علوياً بالمعنى الضيق للكلمة، منذ زمن بعيد. وإن كان بعض عناصر الجيش السوري السابق قد سكنوه في مراحل سابقة، فإن ذلك لا يعطي أحداً الحق في تحميل أهله، سابقاً وحالياً، وزر ما قام به البعض من هؤلاء العناصر.
أهالي هذا الحي، في السابق والحاضر، وكغيرهم من سكان أحياء العشوائيات في دمشق، من فقراء البلاد، ومن لحمها ودمها، لفظتهم الأحياء والمناطق العقارية المنظمة، فبحثوا عن مكان يأويهم، وعن حياة ممكنة على هامش المدينة.






