كيف تقتل اقتصاد دولة من دون إطلاق رصاصة واحدة؟

سوريا ما بعد الأسد مثالاً


03 آب 2026

سلام سعيد

أكاديمية واقتصادية سورية متخصصة في الاقتصادات العربية والاقتصاد السياسي في سوريا. تركز أبحاثها على إعادة الإعمار الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، والاقتصاد النسوي، والديناميكيات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، مع التركيز بشكل خاص على سوريا. لها العديد من المنشورات حول إعادة الإعمار بعد الحرب، والعقوبات، والنيوليبرالية، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، حيث تساهم في كل من البحث الأكاديمي وتحليل السياسات.

هل يمكن لدولة ما أن تدمر اقتصادها من دون إطلاق رصاصة واحدة؟ الإجابة هي نعم؛ إذ إن إحدى أسرع الطرق لتحقيق ذلك تتمثل في التحرير الاقتصادي المضلِّل، والاعتقاد الساذج بأن "اقتصاد السوق الحر" هو النموذج الصحيح للتنمية والنمو في الدول التي مزقتها الحروب والانقسامات، مثل سوريا.

يرى أنصار الليبرالية الاقتصادية أن التجارة الحرة تعزز المنافسة والكفاءة والنمو، إلا أن هذا الطرح يتجاهل في كثير من الأحيان حقيقة أساسية، وهي أن الدول لا تتنافس في ظل ظروف متساوية، فالمنتجون يعملون ضمن مستويات مختلفة بشكل كبير من حيث البنية التحتية، وإمكانية الوصول إلى التمويل، والتكنولوجيا، وتكاليف الطاقة، وكفاءة المؤسسات، والدعم الحكومي، وما قد يبدو منافسة حرة هو في كثير من الأحيان منافسة بين اقتصادات غير متكافئة.

لا يمكن لدولة أن تدّعي دعم الإنتاج المحلي، وفي الوقت نفسه تعرّض منتجيها لمنافسة غير محدودة مع السلع الأجنبية التي يتم إنتاجها في ظروف أكثر ملاءمة بكثير. كما لا يمكن لدولة أن تبني اقتصاداً قوياً إذا كانت غير قادرة على إنتاج السلع الأساسية، وتفتقر إلى الموارد اللازمة لاستيرادها، ولا تملك سوى قدر محدود من الصادرات. إعادة الإعمار المستدامة تتطلب بناء قدرة إنتاجية حقيقية، وليس مجرد الوصول إلى الأسواق الخارجية.

يُظهر التاريخ أن أياً من القوى الاقتصادية الكبرى لم يتطور من خلال تجارة حرة غير مقيدة بالكامل. فالاقتصادات الناجحة، سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة أو الصين، اعتمدت على تدخل نشط للدولة، والاستثمار في البنية التحتية، والدعم الاستراتيجي للصناعة والزراعة، ووضع سياسات تهدف إلى تعزيز الإنتاج المحلي. وحتى اليوم، تواصل الدول الغربية دعم قطاعاتها الزراعية، وتنظيم القطاعات الاستراتيجية، والتدخل في الأسواق عندما تكون المصالح الوطنية على المحك. إن السياسات التجارية الحمائية التي تبناها ترامب، إلى جانب تنظيم الدول الأوروبية لأسعار الطاقة وتقديم الدعم للمزارعين، تُظهر أن نموذج السوق الحرة المطلقة موجود في الكتب الاقتصادية السائدة أكثر مما هو موجود في الواقع.

غالباً ما يقدم مؤيدو التحرير السريع للأسواق المنافسة الحرة باعتبارها مبدأً اقتصادياً لا يقبل الجدل، إلا أن المنافسة التي نراها في الواقع تتشكل دائماً بفعل السياسات والتنظيمات وتدخل الدولة، ففكرة وجود سوق حرة بشكل كامل ليست أكثر واقعية من فكرة وجود اقتصاد خاضع بالكامل لسيطرة الدولة؛ كلاهما يمثل نموذجاً نظرياً، لكن أياً منهما لا يوجد بصورته النقية في العالم الحقيقي.

فخ التحرير الاقتصادي في سوريا

منذ استيلائها على السلطة في دمشق، تبنّت القيادة السورية، بقيادة هيئة تحرير الشام، نموذج اقتصاد السوق الحر باعتباره النموذج الأساسي لإعادة بناء البلاد بعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً من الحرب، وعملياً، تمثلت هذه الأجندة في تقليص حجم الدولة بسرعة من خلال تسريح مئات الآلاف من موظفي القطاع العام والعاملين فيه، وخصخصة المؤسسات المملوكة للدولة، ودمج الوزارات الحكومية، وتحويل البنية القانونية للدولة إلى نموذج يقوم على شركة قابضة حكومية تتمتع بصلاحيات مالية وإدارية واسعة.

تم تنفيذ هذه الإصلاحات رغم غياب سلطة نقدية مستقلة، وغياب آليات فعالة للشفافية والرقابة العامة، وفي الوقت نفسه، قامت الحكومة بإلغاء الدعم عن منتجات الطاقة والخبز، إلى جانب تفكيك برامج دعم الصناعات المحلية والمنتجين الزراعيين.

يفترض نموذج السوق الحر الذي تبنّته هيئة تحرير الشام أن إعادة إعمار سوريا يمكن أن تتحقق بصورة أساسية من خلال الاستثمارات الأجنبية واسعة النطاق والمشاريع العملاقة، ويقوم هذا المنطق على أن جذب رأس المال الأجنبي عبر تقديم حوافز سخية، وإعفاءات تنظيمية، وتسهيل الوصول إلى الأراضي، سيؤدي إلى تحقيق النمو الاقتصادي وتسريع عملية إعادة الإعمار.

إلا أن هذا الافتراض يتجاهل حقيقة أن الاستثمار في بلد مزقته الحرب مثل سوريا قد يكون مدفوعاً أساساً بالسعي وراء عوائد مالية مرتفعة أو مصالح جيوسياسية، وليس بالضرورة بالالتزام بإعادة بناء الاقتصاد الوطني. في كلتا الحالتين، تواجه سوريا خطر فقدان مواردها وأراضيها، إضافة إلى تراجع سيادتها الاقتصادية لصالح المستثمرين الأجانب ورأس المال الخاص.

ومن غير المرجح أن يعطي المستثمرون الأجانب الأولوية لإعادة بناء الخدمات العامة، أو توفير مساكن ميسّرة لأكثر من خمسة ملايين نازح داخلياً، أو تلبية احتياجات غالبية السوريين الذين يكافحون حتى لتسديد فاتورة كهرباء واحدة، كما لا يمكن توقع تحمّلهم مسؤولية التنمية الاجتماعية والاقتصادية طويلة الأمد للبلاد، فهذه مسؤوليات عامة بطبيعتها، وتتطلب تخطيطاً استراتيجياً من الدولة، واستثماراً عاماً، ومؤسسات خاضعة للمساءلة.

إلى جانب آثارها الاجتماعية والمؤسسية المدمرة، فإن سياسات نموذج الاقتصاد الحر تقوّض أيضاً فرص التعافي الاقتصادي للبلاد. وفقاً للأمم المتحدة، يعيش نحو 90% من سكان سوريا تحت خط الفقر، في حين لا يزال ملايين الأطفال بحاجة ماسة إلى الوصول إلى التعليم العام، كما أن نسبة كبيرة من السكان تعاني من إعاقات أو تحتاج إلى رعاية طويلة الأمد، بينما يواصل التضخم المستمر تآكل القوة الشرائية الحقيقية.

في ظل هذه الظروف، فإن السياسات التي تقلص الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة تخاطر بتعميق الفقر، وإضعاف الإنتاج المحلي، وزيادة تفكك اقتصاد هش أصلاً. وبدلاً من وضع الأسس اللازمة لإعادة إعمار مستدامة، فإنها تهدد بتقويض أي إمكانية واقعية لتحقيق التعافي الاقتصادي على المدى القصير أو المتوسط أو الطويل.

لقد اختبرت سوريا بالفعل بعض عناصر هذا النهج قبل اندلاع النزاع، ولا سيما خلال عقد الألفين، وكان تأثير ذلك على أجزاء من القطاع الصناعي، وخاصة صناعات النسيج والملابس في حلب ودمشق، مدمراً، فقد اضطرت العديد من المصانع إلى الإغلاق، مما أدى إلى خسارة واسعة في فرص العمل. وبالاقتران مع موجة الجفاف الشديدة التي أثرت على المناطق الريفية، وغياب الدعم الحكومي، خصوصاً في المنطقة الشمالية الشرقية، ساهم تحرير السوق في زيادة الهجرة من الريف إلى المدن وزيادة الضغط على المدن الكبرى مثل حلب ودمشق، ومن اللافت أن الاحتجاجات الاجتماعية المبكرة عام 2011 كانت قوية بشكل خاص في العديد من هذه المناطق الريفية.

إضافة إلى ذلك، فإن تحرير التجارة وفتح الأسواق الذي تم خلال الأشهر الماضية يعني أن المزارعين والمصنعين المحليين أصبحوا مضطرين إلى منافسة منتجين من دول لم تعانِ سنوات طويلة من الحرب والدمار والعقوبات والانقسام والانهيار الاقتصادي. ويتمتع المنافسون من تركيا والصين ودول أخرى ببنية تحتية فعّالة، وتكاليف معاملات أقل، ومؤسسات مستقرة، وقوى عاملة ماهرة، وفي كثير من الحالات بدعم حكومي مباشر أو غير مباشر. وفي مثل هذه الظروف، تصبح فكرة "المنافسة العادلة" مفهوماً نظرياً إلى حد كبير.

تقدم تجربة العراق بعد عام 2003 تحذيراً مهماً في هذا السياق. فعلى الرغم من سنوات العقوبات والصعوبات الاقتصادية التي سبقت الحرب، حافظ العراق على قطاعات زراعية وصناعية مهمة كانت تؤمّن جزءاً كبيراً من احتياجات السكان الأساسية، إلا أنه بعد أكثر من عقدين، أصبح البلد يعتمد بشكل كبير على الواردات، وما زال يعاني من عجز تجاري كبير خارج قطاع النفط.

وقد تركز جزء كبير من الاستثمارات الأجنبية التي دخلت العراق في قطاع النفط والغاز ذي الأرباح المرتفعة. ورغم أن هذا القطاع يدر إيرادات كبيرة للمستثمرين ولموازنة الدولة، فإنه يوفر عدداً محدوداً نسبياً من فرص العمل، ولا يساهم بشكل كبير في تقليل الاعتماد على استيراد الغذاء، والسلع المصنعة، والآلات، وغيرها من المنتجات الأساسية. أما القطاعات المنتجة لهذه السلع فهي عادةً أكثر كثافة في العمالة، وتخلق روابط أقوى مع الاقتصاد المحلي. ونتيجة لذلك، أُعيد توزيع الثروة النفطية العراقية بصورة غير متكافئة لصالح نخبة محدودة، بينما لم تتحول هذه الثروة إلى تنمية اقتصادية شاملة.

بالنسبة لسوريا، فقد تكون عواقب التحرير الاقتصادي المبكر شديدة الخطورة، فعندما تعجز الشركات المحلية عن المنافسة وتتراجع القطاعات الإنتاجية، ترتفع معدلات البطالة والفقر. ومع اختفاء الفرص الاقتصادية، يعتمد عدد أكبر من الناس على المساعدات الإنسانية أو التحويلات المالية أو الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية، وفي حالات أسوأ، قد يلجأ البعض إلى أنشطة غير قانونية أو إجرامية لمجرد البقاء على قيد الحياة.

وفي ظل غياب عقد اجتماعي حقيقي، وحوكمة خاضعة للمساءلة، ونقابات عمالية مستقلة، لا يجد العمال السوريون والفئات الأكثر تضرراً من هذه السياسات سوى الاحتجاج والإضراب وسيلة للتعبير عن مطالبهم؛ وهو نمط أصبح أكثر وضوحاً خلال الأشهر الخمسة الماضية. يكمن الخطر في أن تعتمد الحكومة بصورة متزايدة على الإكراه والقمع لاحتواء المعارضة، بما يسمح باستمرار السياسات الاقتصادية غير الشعبية رغم انتشار المعاناة الاجتماعية على نطاق واسع.

ماذا تحتاج سوريا حقاً؟

إن السؤال الأهم بالنسبة لسوريا اليوم لا يتعلق فقط بالشروط التي ينبغي بموجبها فتح الأسواق، بل يتعلق أيضاً بالدور الذي يمكن للدولة أن تؤديه لضمان أن هذا الانفتاح يساهم في التنمية الاقتصادية المحلية والتعافي. فالتحرير الاقتصادي يمكن أن يكون أداة للتنمية عندما يكون المنتجون المحليون قادرين بما يكفي على المنافسة، وعندما تتمكن الدولة من ضمان بنية تحتية مستقرة وظروف تجارية عادلة، ولا سيما في العلاقات الاقتصادية الأساسية مثل العلاقة مع تركيا.

لقد اختبرت سوريا بالفعل بعض عناصر هذا النهج قبل اندلاع النزاع، ولا سيما خلال عقد الألفين، وكان تأثير ذلك على أجزاء من القطاع الصناعي، وخاصة صناعات النسيج والملابس في حلب ودمشق، مدمراً، فقد اضطرت العديد من المصانع إلى الإغلاق، مما أدى إلى خسارة واسعة في فرص العمل. وبالاقتران مع موجة الجفاف الشديدة التي أثرت على المناطق الريفية، وغياب الدعم الحكومي، خصوصاً في المنطقة الشمالية الشرقية، ساهم تحرير السوق في زيادة الهجرة من الريف إلى المدن وزيادة الضغط على المدن الكبرى مثل حلب ودمشق، ومن اللافت أن الاحتجاجات الاجتماعية المبكرة عام 2011 كانت قوية بشكل خاص في العديد من هذه المناطق الريفية.

وفي الوقت نفسه، أدت إصلاحات النيوليبرالية الاقتصادية، ولا سيما تقليص الدعم وبعض جوانب الخصخصة، إلى زيادة الضغوط على المنتجين المحليين والطبقة الوسطى (العاملين في القطاع الخاص وموظفي الدولة)، فتحرير التجارة من طرف واحد يمكن أن تكون له عواقب اجتماعية واقتصادية خطيرة على الاقتصاد السوري الهش في مرحلة ما بعد الحرب، بما في ذلك تراجع التصنيع، وزيادة التبعية، وضعف اقتصادي طويل الأمد بدلاً من التعافي والنمو.

ما تحتاجه سوريا اليوم ليس تحريراً غير مشروط للأسواق، بل استراتيجية تنموية تعطي الأولوية لإعادة الإعمار، والاستثمار الإنتاجي، وإحياء الصناعة والزراعة المحليتين، وقبل تعريض المنتجين المحليين لمنافسة دولية كاملة، يجب على الدولة الاستثمار في البنية التحتية، وضمان توفير الطاقة بأسعار ميسّرة، وتحسين الوصول إلى التمويل، وخلق الظروف التي تسمح للشركات السورية بالتعافي والنمو.

لقد اعتمد الاقتصاد السوري تاريخياً على المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي لا تزال تشكل العمود الفقري للتوظيف والإنتاج المحلي. فالمشاريع الكبرى والاستثمارات الأجنبية الضخمة وحدها لا تكفي لتحقيق تعافٍ شامل. وفي العديد من تجارب إعادة الإعمار الناجحة، بما في ذلك بعض التجارب الأوروبية بعد الحرب، مثل ألمانيا، لعبت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة دوراً محورياً في إعادة بناء القدرات الإنتاجية، وتعزيز سلاسل القيمة، وإنشاء روابط اقتصادية محلية. تُظهر تجارب الاستثمار الأجنبي في العديد من الدول النامية أن النتائج تعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الدولة ومؤسساتها، ففي الحالات التي تقوم فيها الحكومات بالتفاوض الفعّال على شروط الاستثمار، وفرض قواعد تنظيمية شفافة، وحماية حقوق العمال، مع الحفاظ على المصالح الاقتصادية الوطنية، يصبح الاستثمار الأجنبي أكثر قدرة على المساهمة في توفير فرص العمل والتنمية المحلية.

وفقط في ظل هذه الشروط يمكن لتحرير التجارة أن يتحول إلى أداة لتحقيق التنمية المستدامة بدلاً من أن يصبح عاملاً يقود إلى التراجع الاقتصادي.

هل فات الأوان؟

إن التحديات التي تواجه تعافي سوريا بعد سنوات من الحرب والعقوبات عديدة ومعقدة، ومع ذلك، لا تزال هناك نافذة محدودة لكنها حقيقية لتصحيح مسار السياسات الاقتصادية الحالية قبل أن تصبح مترسخة بشكل يصعب تغييره. لا يمكن أن يكون الهدف الأساسي في هذه المرحلة هو التحرير السريع للأسواق أو تحويل الخدمات العامة إلى سلع تجارية، بل إعادة بناء قاعدة إنتاجية فعّالة تعالج الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية العميقة وتلبي احتياجات السكان، مع بقاء الدولة في موقع مركزي.

يجب أن تركز السياسة الاقتصادية، قبل كل شيء، على سبل العيش، وفرص العمل، والعدالة الاجتماعية، والأمن الاقتصادي الأساسي، ولذلك ينبغي التعامل مع السياسة التجارية ليس باعتبارها التزاماً أيديولوجياً بالانفتاح، بل باعتبارها أداة لإعادة الإعمار. ويتطلب ذلك نهجاً تدريجياً يقوم على حماية الصناعات المحلية الأساسية والزراعة خلال مرحلة التعافي، من خلال فرض رسوم جمركية موجهة على السلع النهائية، مع تخفيض القيود على الآلات والمعدات والمواد الخام اللازمة لإعادة بناء الإنتاج.

في هذه المرحلة، لا يمكن للدولة أن تنسحب من دورها. بل يجب عليها إعادة بناء البنية التحتية، وتحقيق الاستقرار في أسعار الطاقة، واستعادة الشروط الأساسية التي تسمح للأسواق بالعمل. ومن دون هذا الأساس، لن يكون هناك أي تعافٍ حقيقي أو مستدام.

عن ضرورة إدراج منظور اجتماعي-اقتصادي في العدالة الانتقالية

12 كانون الثاني 2026
إنّ قرارات السلطة الحاكمة الجديدة بإبرام اتفاقيات ومصالحات مع شخصيات أعمال مرتبطة بنظام الأسد السابق، إلى جانب غياب الشفافية أو انعدامها، وعدم وجود تفويض ديمقراطي في تخصيص أموال الدولة، وخصخصة...

كما يجب توجيه سياسة الاستثمار وعدم تركها بالكامل لقوى السوق. وإلا فإن رأس المال سيتجه نحو القطاعات قصيرة الأجل أو القطاعات الاستخراجية بدلاً من إعادة بناء سلاسل القيمة المحلية. ويجب وضع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي لا تزال العمود الفقري للتوظيف، في مركز عملية التعافي.

وعلى المستوى المؤسسي، فإن إعادة الإعمار الاقتصادي تعتمد على أكثر من مجرد تصميم السياسات، فهي تتطلب قضاءً مستقلاً، وحوكمة شفافة، وإنهاء شبكات الفساد والمحسوبية التي تربط النفوذ السياسي بالمكاسب الخاصة. كما يجب أن ينتقل التوظيف العام من نظام قائم على الولاء إلى نظام قائم على الكفاءة إذا كانت الدولة تريد استعادة مصداقيتها وقدرتها المؤسسية.

في نهاية المطاف، لا يتمثل التحدي الذي تواجهه سوريا في مسألة ما إذا كان ينبغي لها الاندماج في الاقتصاد العالمي، بل في كيفية القيام بذلك دون تدمير ما تبقى لديها من قاعدة إنتاجية، فالتحرير غير المشروط يخاطر بتعميق التبعية، وتراجع التصنيع، وفقدان السيادة على الوظائف الاقتصادية الأساسية، أما الدولة التي تنسحب من دورها فلن تفقد فقط مصداقيتها وعلاقتها بمواطنيها، بل ستعيد أيضاً إنتاج أنماط عدم المساواة والتفكك التي عانى منها السوريون لعقود.

ينبغي النظر إلى شعارات الاحتجاجات الأخيرة في سوريا باعتبارها مؤشرات تحذيرية على أوجه القصور في السياسات الاقتصادية الحالية، وينبغي التعامل معها بجدية، فبعض هذه الشعارات يتطابق مع المطالب التي ظهرت عام 2011، وهي تعكس مطلباً أعمق يتمثل في العيش بكرامة في ظل سيادة القانون، وامتلاك صوت حقيقي في تشكيل المسار الاقتصادي للبلاد.

وفي جوهرها، تشير هذه المطالب إلى الحاجة إلى نهج أكثر شمولاً في إدارة الاقتصاد، بحيث لا يكون السوريون مجرد متلقين للسياسات، بل شركاء في صياغتها وتحديد اتجاهها. كما أنها تعبّر عن دعوة إلى النزاهة في القيادة، بحيث تُبنى القرارات الاقتصادية الوطنية على أساس تحقيق مصلحة السكان ككل، وليس خدمة مصالح ضيقة أو خارجية.

وفي نهاية المطاف، لا يمكن فصل السياسات الاقتصادية في سوريا عن الشرعية، والمشاركة، والثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد