باريس، كادت ليلة 8 ديسمبر/كانون الأول 2025 تنتصف، عندما تلقيت رسالة من تامي، صديقتي في سوريا، تخبرني بأن أختها آلاء، خضعت لعملية جراحية بعد أن اكتشف الأطباء إصابتها بسرطان القولون.
أُصبتُ بصدمة، صديقتي الأقرب والأقدم مصابة بالسرطان، وأنا لا أستطيع أن أكون بقربها وبقرب عائلتها لأدعمهم. أيقظ هذا الخبر ذكريات كثيرة لدي، وأعادني إلى مرحلة في حياتي، عام 2012، عندما لم يكن معي فيها سوى آلاء وسيسي، قطتي البيضاء.
الصداقة قد تعني المخاطرة
لديّ الكثير من الأصدقاء والصديقات الجيدين، الكثير منهم/ن اعتنوا بي، حد تعريض حياتهم للخطر في بعض الأحيان، لكن مع آلاء كان الأمر مختلفاً، كانت حاضرة دائماً في حياتي، وفي بعض الأوقات الشخص الوحيد حولي، كانت تعرف كل أسراري، أخطائي، ونقاط ضعفي.
تعرفتُ عليها عام 1996، عندما كنا في الصف نفسه، العاشر الثانوي، لكننا أصبحنا صديقتين لاحقاً، في المخيم الصيفي الإلزامي عام 1997. في الصف اللاحق، الحادي عشر، ذهبنا إلى تخصصين مختلفين؛ اختارت آلاء الفرع الأدبي واخترتُ أنا الفرع العلمي. لاحقاً، ورغم تسجيلنا في جامعتين مختلفتين ليستا قريبتين كثيراً من بعضهما، كنا نلتقي باستمرار، ولم نتوقف عن ذلك حتى غادرتُ سوريا عام 2018.
تنتمي آلاء إلى عائلة دمشقية محافظة جداً ومتدينة، هي محجبة، تصلي وتصوم، وتؤمن بضرورة الفصل بين النساء والرجال في الأماكن العامة، وتؤيد الزواج المبكر، وتدافع عن القوانين الإسلامية، وتؤمن بالأدوار الجندرية التقليدية، وضرورة أن يكون للرجل سلطة أكبر من المرأة، ولم أرَها يوماً تصافح رجلاً. رغم كوني على النقيض تماماً، لم يحدث بيننا خلاف حول هذه القضايا، وكنا نحترم معتقدات بعضنا.
لم تكن آلاء ناشطة سياسية، ولم تكن عائلتها منخرطة في السياسة، بينما كان لعائلتي، تاريخ طويل في النشاط السياسي وحقوق الإنسان، وقد تعرّض كثير من أقاربي للاعتقال والتعذيب أو المنع من السفر. كنا دائماً تحت مراقبة الأجهزة الأمنية.
عندما اندلعت الثورة في سوريا عام 2011، بدأتُ بالمشاركة في المظاهرات السلمية، وتوثيق الانتهاكات ضد المتظاهرين، وبصفتي محامية، بدأتُ أيضاً بالدفاع عن المعتقلين السياسيين أمام المحاكم. بعد مضي فترة قصيرة، بدأت الأجهزة الأمنية تبحث عني، وعندها اضطررتُ لإيقاف التواصل مع معظم من أعرفهم—باستثناء آلاء ، كانت الشخص الوحيد الذي واصلت لقاءه يومياً، حتى إنها كانت تؤمّن لي شرائح هاتف مسجلة باسمها وبياناتها الشخصية.
في عام 2013، انتقلت تامي، أختها الكبرى، إلى شقتي مع ابنها وابنتها، كان من المفترض أن يبقوا لبضعة أيام فقط، لكننا عشنا معاً لأربع سنوات. خلال تلك الفترة الطويلة، كانت آلاء تزورنا كثيراً وتقضي الليالي معنا، كان الشتاء يحمل أمتع اللحظات وأجملها، عندما كنا نجلس جميعاً متقاربات، تحت الأغطية، على فرشة اعتدنا وضعها على أرضية غرفة المعيشة، نأكل الفستق وبذور دوار الشمس، ونشاهد أفلام الرعب. كانت الغرفة الوحيدة التي أتيح لنا تدفئتها، لذلك كان من الطبيعي أن نجتمع فيها وندفئ بعضنا. اعتدنا أنا وآلاء أن نبقى مستيقظتين حتى الفجر بعد أن ينام الجميع، نستعيد ذكرياتنا، نتحدث عن أمور حميمية، نستحضر ذكرى صديقاتنا ونردد الأغاني القديمة التي أحببناها، وندخّن، حتى نغفو من التعب.
لقد كنا جميعاً ندرك حجم الخطر المحيط بنا، وبهن بسبب سكنهن برفقتي، لكننا لم نبالِ، وواصلنا العيش.
قطة تعيش مع ناشطة
سيسي قطة بيضاء فارسية فرنسية، عمرها الآن أكثر من 14 عاماً، لكن عندما اشتراها باسل (صفدي) لي في عيد الحب عام 2012، كانت تبلغ عشرة أسابيع فقط، لم تعش معه سوى شهر واحد قبل اعتقاله في 15 مارس/آذار من ذلك العام.
رافقتني سيسي خلال كل تحديات السنوات الأربع عشرة الماضية: عدم الاستقرار المالي والتنقل باستمرار في المنازل والبلدان، ومشاكلي النفسية والعاطفية، والوحدة، وخياراتي الخطرة وأحياناً غير المحسوبة. أصبت بالاكتئاب بعد اعتقال باسل. كانت فترة قاسية جداً، لم يكن لدينا مكان آمن نذهب إليه، ولم أرد أن أعرّض أي صديق/ة للخطر بالبقاء عندهم.
كانت مغادرة سوريا أصعب ما قمت به في حياتي، إذ انفصلتُ عن عائلتي وأصدقائي وصديقاتي، وشعرتُ أيضاً ولأول مرة، بابتعادي عن باسل؛ فعندما كنت في سوريا، كنت أشعر به رغم اختفائه القسري، ثم إعدامه.
في صيف 2012، اضطررنا لقضاء ليلتين في الخارج، نتلحف سماء حديقة عامة، فيما تصلنا أصوات القصف القريبة جداً.
مرت أسابيع قبل أن نتمكن أخيراً من الانتقال إلى شقة آمنة، لكننا بقينا وحدنا دائماً، لم أستطع التواصل مع أحد لأسباب أمنية، تحمّلت سيسي كل ذلك، إلى أن حصلت بعد نحو عام على عائلة جديدة: تامي وابنتها رغد وابنها مجد. ربما كنتُ قد نسيت كيفية الكلام في تلك الفترة، لولا آلاء وسيسي، إذ كنت أتواصل كتابة فقط، على كومبيوتري المحمول. في إحدى الليالي في دمشق، اتصل بي ضابط من أحد الأجهزة الأمنية في منتصف الليل، ليخبرني بأنهم سيقتلونني، كان عليّ أن أتخذ القرار الذي كنت أؤجله لسنوات.
بعد عشرة أيام، أخذت سيسي معي، وغادرت سوريا إلى لبنان. كان ذلك بداية عام 2018. لم تكن سيسي سعيدة بالطبع، بعد مغادرتنا سوريا، عشنا في أربع دول وغيّرنا تسع شقق. في بيروت، بدأت تتحسن حالتها فقط في عام 2020، بعد أن قررت تبني كلبي، زيوس. كانت بداية العلاقة بينهما صعبة، ثم أصبحا كالأخ والأخت؛ بدآ يقلدان بعضهما وأصبحا لا يفترقان.
سيسي مسنة اليوم، وليست ودودة مع غالب الأشخاص الذين تلتقيهم، أو مع الحيوانات الأخرى، وبتُّ الشخص الوحيد الذي تسمح له بلمسها وحملها والعناية بها. لا تسمع جيداً، ليس فقط بسبب العمر، بل أيضاً بسبب تعرضها لأصوات القصف والانفجارات عندما كنا نعيش في سوريا. أحياناً يشتكي أصدقائي من سلوكها غير الودود، هم لا يعلمون كم عانت سيسي بسببي.
الثمن العاطفي للبعد
كانت سيسي معي خلال الفترة التالية لمغادرتي سوريا، أما آلاء فلم تكن. كانت مغادرة سوريا أصعب ما قمت به في حياتي، إذ انفصلتُ عن عائلتي وأصدقائي وصديقاتي، وشعرتُ أيضاً ولأول مرة، بابتعادي عن باسل؛ فعندما كنت في سوريا، كنت أشعر به رغم اختفائه القسري، ثم إعدامه.
خلال الأسابيع الأولى في المنفى، كنت أتواصل مع آلاء يومياً، ثم بدأت المكالمات والرسائل تقل تدريجياً مع مرور السنوات. ومع ذلك، في كل مرة كنا نتحدث فيها، يبدو الأمر كما لو أننا ما زلنا جالستين على تلك الفرشة في دمشق، ندخّن، ونشرب القهوة، ونتحدث عن مئة موضوع.
لم نلم بعضنا أبداً على عدم التواصل أكثر، ولم نشعر يوماً أننا بعيدتان عن بعضنا، كنا لا نزال نتبادل أسرارنا وتفاصيلنا الحميمة كما كنا دائماً. في عام 2021، ولأول مرة منذ سنوات، أجريت مكالمة فيديو مع تامي، حيث كانت تزور والدتي التي تعرضت لحادث، بكينا عندما رأينا بعضنا بعد مضي كل هذا الوقت.
التحدي الحقيقي
هذا ما كان يعنيه أن تكون ناشطاً/ة أو مدافعاً/ة عن حقوق الإنسان في سوريا تحت حكم الأسد. لم تقتصر الصعوبة فقط على مخاطر التعرض للاعتقال أو التعذيب أو الاختفاء القسري، بل ما أسوأ من ذلك؛ الانفصال العاطفي القسري عن الأحبة، والحرمان من أبسط الاحتياجات اليومية. هذا يعني غالباً التخلي عن حقوقنا الشخصية في سبيل الحصول على الحقوق العامة للجميع.
في المنفى، علينا أن نتقبل البدائل الحديثة للتواصل ونتكيف معها، هكذا حضر الكثير من أصدقائي وصديقاتي وأفراد عائلتي، ومنهم آلاء وتامي، زفافي في باريس عبر مكالمة فيديو. كانوا معي، لكنهم لم يكونوا كذلك في الوقت نفسه. لم أستطع عناقهم، ولم يتمكنوا من لقاء زوجي بشكل شخصي.
في المنفى، نحتاج دائماً إلى إيجاد أصدقاء وصديقات جدد، وخلق ذكريات جديدة، وعادات مختلفة، لكن ليس بوسعنا تعويض الأصدقاء والصديقات القدامى أبداً. بعد سقوط نظام الأسد، تمكنت أخيراً من زيارة سوريا، خططت لرحلتي بدقة، وظننت أنه لدي المدة الكافية.
هذا ما كان يعنيه أن تكون ناشطاً/ة أو مدافعاً/ة عن حقوق الإنسان في سوريا تحت حكم الأسد. لم تقتصر الصعوبة فقط على مخاطر التعرض للاعتقال أو التعذيب أو الاختفاء القسري، بل ما أسوأ من ذلك؛ الانفصال العاطفي القسري عن الأحبة، والحرمان من أبسط الاحتياجات اليومية. هذا يعني غالباً التخلي عن حقوقنا الشخصية في سبيل الحصول على الحقوق العامة للجميع.
لم تكن كذلك. لم أستطع لقاء كل من أردت لقاءهم/ن، رأيت آلاء مرتين فقط خلال خمسين يوماً، ولساعات قليلة. لم نغضب من ضيق الوقت، بل كنا ممتنتين لأننا حصلنا على هذه الفرصة. لم تستطع سيسي وزيوس السفر معي، كانت أطول فترة أفترق فيها عنهما في كل حياتي. غادرت سوريا وعدت إلى باريس، لكن خوفي لا يزال هناك في سوريا، أن يصاب أي من أحبابي بسوء، وأنا لست موجودة. أعاني من نوبات هلع يومياً لهذا السبب.
قبل أن تخبرني تامي بمرض آلاء، كانت أمي قد أخبرتني بأن والدي سيجري عمليتين جراحيتين في عينيه. نجحت عملية آلاء في استئصال الورم الخبيث، وتحسنت صحتها الآن، لكن بعد معرفتي بمرضها، تضاعفت مخاوفي وحدوث نوبات الهلع اليومية. أشعر وكأنني جزآن: جسدي في فرنسا، وروحي ما زالت في سوريا، ولم تغادرها أبداً.
هذا هو التحدي الأصعب في المنفى، ولسنوات لم أستطع التعبير عنه، إلى أن أصيبت صديقتي بالسرطان.
الآن، بعدما تمكنت أخيراً من إدراكه وتسميته، ربما أستطيع أن أتعلم كيف أتعامل معه.






