فيلم "قتل آنا"
🌑🌑🌗🌕🌕
بعد أربع سنوات من الكشف عن نتائج التحقيق في فيديو مجزرة التضامن ومرتكبها أمجد يوسف، قررت الباحثة السورية أنصار شحود اتخاذ خطوة نحو العلنية، بموافقتها على الظهور أمام كاميرا المخرج البريطاني سام بنستيد، وهي التي لطالما فضلت الابتعاد عن إجراء أي مقابلة.
فيلم "تدمر" ، بالكاد محتمل لدى جمهور "الفيلم" في برلين .."خفيف" في دمشق
09 أيار 2025
نحن أمام فيلم مهم، وثيقة تاريخية مصورة من حيث المبدأ، يعيبها المقاربة التجارية التي يتبعها المخرج في بعض أجزائه، أمر لا يبدو غريباً على من يتبع مشواره، ومسلسلاته المكتوبة وفق نمط شبكة نتفلكس الاستهلاكي، كشأن "محرك الدمى: مطاردة المحتال الأعظم"، المتعلق بالتحقيقات و"الجرائم الحقيقية"، القائم على الإبهار والاستعراض، والمونتاج بتقطيع سريع، ومحاولات ربط المشاهد بالشاشة. ما إذا كان ذلك لائقاً بسرد قصة تحقيق عن جرائم ضد الإنسانية، فذلك حديث آخر، ويتوقف عند هوية المتلقي وخلفياته، سورياً أكان أم غربياً.
يبدو المخرج سام بنستيد، حائراً في تحديد نمط فيلمه، محاولاً مسك جميع خيوط مجزرة التضامن، وتغليف كل جانب منها بنمط؛ يبدأه كفيلم تحقيقات جنائية، إثارة نفسية، رغم أنه لا يقدم جديداً عما نعرفه عن نتائج التحقيق، ويدع الباحثة أنصار والباحث المشارك معها أوغور أوميت أونغور، يعيدان أداء ما مرّا به، بلقطات قريبة يراد لها إظهار الصدمة التي شعرا بها حين حصولهما على مجموعة من الفيديوهات التي تظهر انتهاكات ارتكبها النظام السوري، قبل أن يقررا صناعة شخصية "آنا"، الباحثة المفترضة الموالية للنظام، التي تبدأ بتوسيع شبكة علاقاتها مع عناصر جيش النظام السابق والدفاع الوطني، تمهيداً للتواصل مع أمجد يوسف، الذي كانت وزميلها أوغور يشكان إلى حد بعيد بأنه مرتكب مجزرة التضامن.
اطلاعنا على محاولات أنصار (آنا) كسب ثقة أمجد يوسف، المتشكك للغاية في هويتها وأهدافها، مثير للاهتمام، رغم أن بعض هذه المشاهد قد وجدت طريقها بالفعل إلى وثائقيات عُرضت على قنوات تلفزيونية عربية في السنوات الأخيرة.
بالتوازي، يقدم المخرج لنا خلفيات إخبارية عن الصراع السوري، ويقحم اشتراك صحيفة "ذا غارديان" في نشر نتائج التحقيق، على نحو يكسر إيقاع الفيلم، وخط التحقيقات الرئيسي، ثم لا يستطيع منع نفسه، بعد سقوط نظام الأسد، من التواصل مع أقارب الضحايا والناجين ليقدموا شهاداتهم، عوائل بأكملها غُيبت إلى الأبد، ثم يمر على قصة شريك متعاون مع أنصار وأوغور من داخل دمشق. وعلى أهمية بعض هذه الجوانب، لكنها تنتهي بالفيلم، ليضم البعض من كل شيء، فيلماً يفتقد التماسك في السرد.
لعل أهم ما يقدمه الفيلم هنا، ليس مجرد الكشف عن وجه الباحثة أنصار شحود، الذي يكسر ضمناً هالة أسطورية أحيطت بها، ويجعلنا نراها، شخصاً من السوريين/ات، قررت أن تخاطر وتضع نفسها تحت ضغوط نفسية ثقيلة، لـ"تنتقم" بدورها للضحايا، الذين اضطرت لتحصيهم روحاً فروح، وإنما الغوص أكثر في سايكولوجية هذه الشخصية، ودوافعها لذاك "الانتقام" من النظام، وهي تكشف لنا عن اضطراب تعاني منه، ومعاناتها من التنقل بين شخصيتي أنصار وآنا، آلاماً نفسية تبدأ في التحول إلى آلام جسدية.
في سياق محاولاته الإحاطة بكل جانب، يقترح المخرج سام، على لسان المشاركين فيه، كشأن صحفي ذا غارديان، مايكل صافي، بأن هذا التحقيق ساعدنا في فهم كيفية تحويل النظام أناساً عاديين إلى جناة، أمرٌ لا يستطيع المشاهد التيقن منه حقاً، وهو يقرأ نص رسالة بعثها أمجد يوسف، يردد فيها ببغائياً كشأن كل جناة الأنظمة القمعية، بأنه كان يؤدي واجبه، هذا بعد أن أوضح لـ"آنا"/أنصار" بأنه فعل ذلك انتقاماً لمقتل شقيقه في بداية "الأزمة". حقيقة أن النظام كان يؤمّن التغطية لكل من يرتكب الجرائم من رجاله المخلصين، لا نقاش فيها، لكن القفز إلى استنتاج بأن النظام السوري، ابتداءً من أعلى هرمه، بشار الأسد، هو من كان يأمر أمجد يوسف بقتل المدنيين بهذه الوحشية، مسألة تحتاج إلى نقاش أعمق مما يرد في هذا الفيلم، حول المسؤولية الفردية وتراتبية الأوامر التي تقف خلف مجزرة، وهو ما تنطع له فريق البحث أساساً.
ظهور الباحثة أنصار أمام الكاميرا في هذا الفيلم، يعني أيضاً أنها لن تستطيع العودة لتقمص شخصيات أخرى مجدداً، فبعد أن "دفنت" شخصية "آنا"، التي تلعب دورها بظهور عابر الممثلة شيرين شلحي، سيتوجب عليها العودة مرة أخرى وإلى الأبد إلى كونها أنصار، وهي تواصل التحقيق في عنف الدولة في سوريا، فلا الجرائم توقفت بعد القبض على أمجد يوسف وأمثاله، ولا المحاسبة تمضي كما يجب بعد سقوط نظام الأسد، فيما لم تكلَّ هي بعدُ من سعيها للعدالة.
فيلم "استحبس/ لو كان العام 364 يوماً"
🌑🌗🌕🌕🌕
بعيد سقوط نظام بشار الأسد، عاد العديد من صنّاع الأفلام السوريين إلى بلادهم، بعد أن أصبحت فرصة استعادة المكان واقعاً، على نحو خاص المعتقلات التي ظل السوريون/ات يرسمونها في مخيلتهم وهم يقرأون الشهادات وروايات "أدب السجون". فرصة دخول المعتقلات جلبت معها سؤالاً … تحدياً، عما إذا كان بوسع صانع الفيلم تقديم معالجة بصرية وسردية متميزة، تتجاوز مجرد تصوير ذاك "المجهول".
بعد أن شاهدنا فيلم "الجانب الآخر من الشمس" للمخرج الشاب توفيق صابوني في بانوراما مهرجان برليناله الماضي، يجول مخرج شاب آخر هو المراد الديب المهرجانات بفيلمه هذا، ما يفتح الباب لنشوء نمط فرعي سينمائي في سوريا هو أفلام العودة إلى المعتقل. رغم كونه فيلماً جامعياً، إذ يدرس المراد في أكاديمية فنون الإعلام في كولونيا، إلا أنه سجل حتى الآن مشاركة في مهرجانات وازنة، فجاء عرضه الافتتاحي في مهرجان فيجون دو ريل للأفلام الوثائقية، ويُعرض في هذه الأثناء في مهرجان ميونيخ السينمائي، ضمن قسم "سيني ريبلس" المخصص للسينما التجريبية.
يقدم المراد هنا رؤية سينمائية جريئة، مصورة على شريط فيلمي ١٦ ملم، يغيب فيها تقريباً الحياة أمام كاميرته، يحرص فيها على إظهار وجوه المغيبين، الضحايا، لا وجهه كراوٍ، وهو الناجي من "فرع الموت" في كفرسوسة بدمشق، الفرع 215.
يصحبنا المراد إلى لحظة القبض عليه في يوم رأس السنة، ومنه يأتي عنوان الفيلم، مروراً بحفل الاستقبال في الفرع، فظروف الاعتقال والتحقيق والتعذيب، وخسارته غالبية مجموعة الناشطين التي كان منها، رفاقه، إعداماً أو تحت التعذيب، ثم رحلة العودة إلى سوريا نهاية العام ٢٠٢٤ بعيد سقوط النظام، واستعادته للمكان.
صانع الفيلم لا يستعرض هنا التعذيب أو سفك الدم، يكتفي بعرض كوادر ثابتة، فارغة من الحياة، بلقطات طويلة، لمواقع الجريمة وبيوت رفاق الناشطية، شباب البلد من الضحايا، يريد للمشاهد/ة أن يعيش التجربة معه لأكثر من ساعة، يُشعره بها … تجربة ثقيلة على القلب.
يسرد المراد في مقاله الفيلمي الطويل، بصوت خفيض، وببطء، تتخلله لحظات صمت ثقيلة، يطيل بها الوقت على الشاشة، محاولاً إشعار المشاهد بما مر به كمعتقل، تطور علاقته مع الزمن، إلى أن عاش الاستحباس،"كأنه لا نهاية لمدة الحبس، وجزء من الاستحباس قبول ذلك". ليقدم تجربة مشاهدة تختبر الصبر.
غياب الراوي عن الشاشة، يضفي حميمية على السرد، ويحيل التعليق بوحاً يأخذك معه، وكأنه يقف على الجانب الآخر من زنزانة، ويروي لنا نحن الجمهور، ما جرى معه. مع ذلك، يتضمن هذا التعليق أحياناً بعض الهنات، كتكراره أن المعتقلين في سوريا يُسمون بالمغيبين قسراً، موحياً بأن المصطلح سوري، رغم كونه عالمياً.
بعد 11 عاماً تماماً من يوم اعتقاله، يعود المراد إلى سوريا، يعود ليطوف على بيوت رفاقه ضحايا المعتقل، عماد وفايز ورودين وعامر وقصي ومعاذ ومحمد، في حي ركن الدين في دمشق، الذي بات خيمة عزاء كبيرة، كشأن سوريا كلها، مع تحول منازل مئات الآلاف من أهلها فجأة إلى بيوت عزاء، بعد أن انتهى الانتظار الطويل إلى فاجعة، مع عدم ظهور أكثر من 100 ألف معتقل/ة، ومغيب قسراً. ليحيل الفيلم هنا إلى لحظات حداد مديدة على رفاقه، قبل أن يتوجه للفرع 215، ويتفاجىء بصوت الساروت يصدح منه، محاولاً تصديق واستيعاب أن الماضي قد مضى فعلاً.







