عرض "215" لديمة نشاوي  .. ذاكرة من ظلّ وضوء


07 آب 2026

آنا عكّاش

كاتبة ومخرجة مسرحية سورية وفاعلة ثقافية. المديرة الفنية لمشروع مراية المسرحي وشريكة مُؤسّسة لمؤسسة مِساحات للتقاطع الثقافي، حيث تشغل حالياً منصب مديرة البرامج.

في منطقة الميناء بمدينة طرابلس تقع "سينما راديو" التي تأسست عام 1952، خلال الفترة الذهبية لازدهار دور العرض في لبنان مستمرة حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي. لكن مع تراجع دور السينما تدريجياً وإغلاق معظمها نتيجة تداعيات الحرب الأهلية اللبنانية والظروف الاقتصادية، وظهور التكنولوجيا الحديثة، وبداية قنوات البث التلفزي الفضائي، وغياب الصيانة والدعم الرسمي؛ أُغلقت "راديو" عام 1990، كمعظم السينمات في طرابلس.

لكن بعد أكثر من ثلاثة عقود، استعادت هذه السينما حياتها من جديد بمبادرات محلية ليعاد افتتاحها عام 2023 باسم "ستيريو كواليس" كمساحة موسيقية ثقافية مستقلة تستضيف عروضاً مسرحية وموسيقية وفنية متنوعة.

وبما أن خيوط الذاكرة تتشابك، وتتشابك خيوط زوار المكان، تحمل "راديو" أو "ستيريو كواليس" ذاكرة الحرب الأهلية اللبنانية والوجود السوري في لبنان، لتستضيف في 2026 عرضاً عن الذاكرة السورية واللبنانية أيضاً من خلال عرض "215" لديمة نشاوي، الفنانة البصرية والحكواتية السورية.

الصالة التي كانت تتسع لـ 525 مقعداً تقريباً موزعة بين الصالة والبلكون، تحولت إلى مساحة مسطحة خالية من الكراسي لتغير من طبيعة المكان الوظيفية كصالة عرض سينمائي تقليدية، وعلى امتداد هذه المساحة نُصب الديكور، وبالتالي لا يتعامل العرض مع الجمهور بفوقية، بل ينزل عن مقدمة المسرح (Apron الفسحة أمام الشاشة) إلى مستوى الأرض ليكون قريباً من الجمهور.

في الوسط شاشة خيال الظل، على جانبها الأيمن قضبان حديدية تشبه السجن عُلّقت عليها براويز صور مفرّغة (Silhouette) لأشخاص دون ملامح، تصلح أن تكون صوراً لأي مغيّب، ويستطيع الجمهور أن يرى فيها شخصاً يخصه تتقاطع حكايته مع المروي أمامنا.

قطع من القماش تشبه الموج أو السهول، بيضاء وسوداء، تصل الشاشة من كلا الطرفين بمساحة المسرح، ترمز لتوقف الزمن في حالة الاعتقال على خلاف الحياة التي تسير في الخارج، لتتشابك خيوط العرض مع الجمهور.

تصوير: ريم مهتار

نسج خيوط الحكاية

يبدأ العرض بـ "كان يا ما كان.. بكل لحظة وكل زمان.. الحياة مخيطة بخيطان بتربطنا بأحداث وبقصص وبحكايات وأحلام.. ضلت سنين تشربكت فيها خيطاننا فضاع منا الطريق".

لا يعيد العرض رواية مأساة المغيَّبين بطريقة تقريرية رغم استناده إلى شهادات حية، ولا يبقى من ذاكرة الفرع 215 سوى العلاقات الإنسانية؛ فيتحول السجان والبسطار العسكري إلى مجرد خلفية بينما البشر هم الأبطال. والغريب، رغم قسوة الحكايا، هو إحساس طاقة الحب المنبعثة من العرض ومن فريقه طوال أربعين دقيقة، فتخرج من العرض محاطاً بالحب والجمال ومتذكراً إياه أكثر من العنف، الحب الذي جمع راشد بكرمة وأثمر عن الطفلة إيمار التي ولدت وكبرت في السجن بانتظار لحظة الخروج منه للقاء راشد، ونور العروس بطرحتها المصنوعة من الدانتيل الشفاف، وكنانة المغنية التي كانت أغانيها تخفف وطأة الأيام الطويلة ويتفتّح ورد السهول حين يسمع صوتها، ومعتز الصادق الواضح وحبه للكتب؛ كلها صفات إنسانية عجز السجان عن تدميرها.

"215" هنا لم يعد مجرد توثيق للجرائم بل غدا فعلاً ثقافياً وجمالياً يعيد تشكيل الذاكرة الجماعية من خلال شخصيات خيال ظل صُنعت وتحركت باحترافية وجمالية خاصة، وفريق سوري لبناني تقاطعت حكاية أفراده مع حكاية العرض.

كيف يمكن للمسرح أن يقترب من الذاكرة؟

تعيد الحكاية تموضع مركز الثقل من ما فعله السجن بالناس، إلى ما احتفظ به الناس برغم السجن، فحين يعيد العرض الأسماء لمن تحولوا إلى أرقام فهذا ليس تفصيلاً عادياً، بل موقف سياسي وأخلاقي يقاوم منطق السجن القائم على محو الهوية وتحويل الإنسان إلى مجرد ملف. راشد، معتز، كرمة، كنانة، نور وإيمار، لكل شخصية من شخصيات العرض اسم وصوت وتاريخ وحكاية.

وإن أردنا أن نتحدث عن علاقة المسرح بالذاكرة والعدالة والشهادة وما الذي يضيفه من خلال سردية يعرفها الكثيرون، فالذاكرة هنا ليست مجرد استرجاع للماضي بل من سيبقى حاضراً في وعينا الجماعي، فلو بقيت شهادات معتقلي الفرع 215 محفوظة في الأرشيفات أو التقارير الحقوقية فستبقى حاضرة ولكنها ستصل إلى جمهور محدود، أما المسرح فمهمته نقل هذه الذاكرة من الأرشيف إلى المجال العام حيث يجلس الناس في قاعة واحدة ويشتركون في الإصغاء إلى الحكاية، وحينها يمكننا اعتبار هذا العرض مساهماً في صنع الذاكرة الجماعية السورية.

كما أنه لا يحقق العدالة القانونية، فلا يحاكم أحداً ولا يصدر أحكاماً، ولكنه يمكن أن يشارك بالعدالة الثقافية أو العدالة الرسمية؛ حيث يعيد الاعتراف بالضحايا ويرجعهم إلى المجال العام من خلال منحهم أسماء وقصصاً ووجوهاً بعد أن حاول النظام تحويلهم إلى أرقام وتغييبهم.

ينتقل العرض من الشهادة إلى حكاية مشتركة تحفظ الذاكرة وتمنحها حياة جديدة ليسرد قصص النساء اللواتي يروين ما أراد السجان دفنه، وهل من قسوة تفوق ولادة طفل في السجن؟ إلا أنها رمزية للحياة بحد ذاتها، وقوة لصنعها في مواجهة الموت، فحتى المكان الذي صُمِّم لإيقاف الحكاية كانت الحياة تجد طريقها فيه لتولد. أي لا يكتفي المسرح بإثبات ما حدث، بل يحاول أن يقرّب الجمهور من التجربة الإنسانية الكامنة وراء الوقائع، فهنا لا تقف ديمة أمام الجمهور كشاهدة بل كحكواتية لتصبح الشهادة معرفة مشتركة لا مجرد وثيقة.

تصوير: ريم مهتار

الظل كخيار فني

تختار ديمة روي الحكاية عن طريق فن يقوم على الظلال ليتناول مؤسسة كان هدفها محو البشر وتحويلهم إلى ظلال، من خلال تجربة تشبه أعمالها السابقة في الرسوم المتحركة (Animation) كـ "سر حبات المطر" 2018 و"نفس" 2025. فخيال الظل هنا لا يقدم صوراً فوتوغرافية بل أثراً، تماماً كما تعمل الذاكرة، نحن لا نتذكر الماضي كما حدث بل نتذكر ظلاله، من خلال عرض يستعمل أدوات فنية كالدمى لكنه موجه للكبار، تتمثل فيه السلطة على شكل حذاء كبير يفتح فمه حين يتحدث أو حين يبتلع البشر، ويحاول السجانون فيه أن ينزعوا جلودهم ليتحولوا مجدداً إلى بشر لكنهم يفشلون في ذلك، والشخصيات فيه محبوسة داخل كادر شاشة خيال الظل تماماً كما أصحابها، لكنهم يحاولون التحرر منه في المشهد الأخير حين يفتح باب السجن.

تصوير: ريم مهتار

ما قبل السقوط وبعده

غير أن الحكاية التي رويت اليوم وستُروى، لم تولد بعد السقوط، بل بدأت تتشكل في زمن كان فيه مجرد تخيل هذه اللحظة أمراً مستحيلاً. ومن هنا، كان السؤال الأول لديمة نشاوي عن البدايات:

-كيف تطورت مادة العرض خلال مراحل العمل عليه؟

ديمة: أجريتُ عدة مقابلات مع معتقلين سابقين قبل سقوط النظام، واعتمدتُ على مصادر نظرية من مقالات وشهادات مكتوبة، وكان المشروع في تلك المرحلة مجرد فكرة أولية عملت على تطويرها خلال عدة إقامات فنية. بعد سقوط النظام أجريت مقابلات إضافية مع أشخاص تحرروا يوم السقوط من بينها شهادة راشد، الشخصية الأساسية في العرض، يمكنني القول إن ما تغير هو النهاية.

- كيف انعكست قصتك الشخصية في العرض، أو لماذا اخترتِ المباعدة وسرد حكاية الآخرين وليس حكايتك؟ وما هي المفاصل التي تقاطعت فيها حكايتك مع حكاية الشخصيات الأخرى في العرض؟

ديمة: التروما المتعلقة بالفرع 215 واسمه ترتبط بحكايتي، ولكنها لا تخص اعتقالي فقط، بل لها علاقة بأصدقائي، وخاصة إحدى صديقاتي التي استشهدت خلال فترة اعتقالها، لذلك كان دائماً يتملكني هاجس ورغبة بالعمل على موضوع المعتقلين، فـ "215" هو عملي الثالث الذي يتحدث عنهم بعد فلميّ الرسوم المتحركة "سر حبات المطر" و"نفس".

أما بالنسبة للمفاصل، فاسم العرض "215" هو انعكاس للتراوما التي تحرّك دائماً حديثي عن موضوع المعتقلين، إن كان من خلال تجربتي أو من تجربة أشخاص عرفتهم وسمعت عنهم، وأشخاص انتظرت خروجهم ولم يخرجوا.

-لم تستطيعي زيارة زنزانتك في 215 بعد السقوط، لماذا كنت ترغبين بزيارتها؟ عن ماذا كنت تبحثين؟

ديمة: كان الهدف من زيارة 215 محاولة لاستكشاف الرواسب النفسية من التجربة الشخصية تجاه المكان، كنت أريد التخلص من الثقل، لكنني لم أكن أريد أن أكذب على الواقع، وأشعر أنني إن زرته فسيساعدني ذلك أن أرتبط بواقع المكان أكثر.

- ما هي الزاوية التي عالجت منها العرض، وعن خيارك الفني باستخدام خيال الظل وأنتِ فنانة بصرية تعملين في الأنيمايشن أيضاً، كيف تقاطع الفنّان هنا؟

ديمة: الإضاءة على قصص المقاومة كأساس أو التضاد ما بين الظلم والبشاعة وحالات الجمال التي يخلقها المعتقلون والمعتقلات في السجن، هو إحساسنا بالتباين ما بين العتمة والنور الموجود داخلهم، وأكثر ما يحاكيه هو فن خيال الظل؛ لأنه لعبة الخيال والعتمة والضوء.

كان لدي رغبة دائمة جربتها في عرض "حكاية نجود"، تنطلق من طرح تساؤل: كيف يمكن أن يكون أسلوبي الفني إذا حولته لدمى؟ هل سأستطيع إضافة كل التفاصيل التي تخطر على بالي إضافتها أم لا؟ وكيف أبحث في هذا الفن؟ فخيال الظل هو فن سياسي قديم، وكذلك الحكواتي حيث كانت الفنون حينها تحكي عن الواقع الاجتماعي والسياسي، وكان لها دور في الإضاءة على قضايا مهمة، لذا رغبت بإحياء هذا الفن ودوره ليكون طريقة للتواصل مع الجمهور، وأن يحدث بعدها نقاش حول قضايا يسلط عليها الضوء.

أما خيار الحكواتي فله علاقة باستخدام الفنون التقليدية، أي كيف تُخلق الحكايات وكيف تنتقل عبر الأجيال، وكيف نعيد إحياء الحكاية في ثقافتنا لتُحكى من قبل الجدات والأمهات والآباء، وفي نفس الوقت تحفظ السردية الخاصة بنا لمرحلة مفصلية جداً من حياتنا، وهي مرحلة مستمرة؛ وبالتالي نحن بحاجة لأن نذكر أن هذا ما حدث كي لا يحدث مرة أخرى، ولنأخذ حقوق الأشخاص الذين يتم اعتقالهم حتى الآن، وكذلك حقوق الأشخاص المغيبين وأهاليهم، كي لا نبقى في المنطقة الرمادية من المجهول وعدم معرفة المصير.

هل ننتصر على السجن حين نستعيد أسماء جميع من حاول السجانون والسجن محوهم وإخفاء ملفاتهم، وما الذي يبقى من الإنسان بعد أن انتهى كل شيء؟

بعد أن يفتح باب السجن وتتحرر جميع الشخصيات من إطار الشاشة، تنطلق أحصنة الحب لترمح في حقول قمح من ذهب ويركض راشد بساقين طويلتين نحو الحرية، يُغلق العرض بجملة يمكن أن تتحول إلى سؤال مفتوح:

- وراشد صار عندو بلد؟!

وهل حقاً بعد أكثر من عام ومجزرتين، ومُغيبين مازال مصيرهم مجهولاً ونساء مختطفات، صار لراشدٍ وللسوريين بلد؟

تصوير: ريم مهتار

فريق العمل:

تأليف وإخراج: ديمة نشاوي، تحريك: سهى نادر وماريليز عاد، دراماتورج: علاء الدين العالم، تصميم الديكور: كرم أبو عياش، التأليف الموسيقي: فرح قدّور، تصميم وهندسة الصوت: مروان طعمة، مستشار صناعة الدمى: وليد دكروب، تصميم وصناعة الدمى: ديمة نشاوي، صناعة الدمى وإدارة المسرح: شادي الملحم، تصميم الأزياء: جنى سعادة، إدارة المشروع: فلافيا بشارة

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد