أفكار حول الإشكاليات السينمائية

على ضفاف الجدل حول فيلم "عن الآباء والأبناء"


النقاش الذي يجري اليوم، سوريا، حول السينما الوثائقية ودورها وهدفها، ليس جديدا، "وإنما بدأ مع الأفلام التي أنتجت عقب اندلاع الثورة السورية 2011، وشكلت انقساما حادا حول هذه الأفلام وصنّاعها"، وفق ما يقول المخرج السينمائي عروة المقداد في مقاله الموّسع هذا، والذي يغوص في تاريخ السينما العالمية الوثائقية ليوضح هذه الإشكالية

05 آذار 2019

عروة المقداد

مخرج سوري له عدد من الأفلام، آخرها "300 ميل".

لا بدّ من الإشارة بدايةً إلى أن هذا المقال يتضمن أفكاراً تستندُ إلى النقاش الأخير الدائر حول طبيعة الأفلام الوثائقية ومسؤوليتها الأخلاقية، وهو ليس بنقاش جديد وإنما بدأ مع الأفلام التي أنتجت عقب اندلاع الثورة السورية 2011، وشكلت انقساما حادا حول هذه الأفلام وصنّاعها. وإنه من الصعب على وجه التحديد إيجاد مدخلٍ لطبيعة هذا النقاش، الذي سنحاول نقله إلى الأفكار التي تضمنتها هذه الأسئلة والتي يمكن تأطيرها بطبيعة ما هو فني ـ توثيقي سينمائي وقدرته على التأثير فيما يحدث من صراعات - سياسية – أخلاقية، وموقف الفنان الأخلاقي وأسلوبيته، وهي أسئلة لها جذور تاريخية منذ نشأة الفن.

من الفلسفة إلى العمل الفني

وربما نجدُ في (محاكمة سقراط) – "محاورة الدفاع" التي ألفها أفلاطون، مقاربةً من الممكن التأسيس عليها كمدخل لهذا النقاش. على اعتبار أن "المحاورات" أرست في أسئلتها حجر الأساس للفلسفة الغربية.

ولعل محاورة الدفاع تمثل مقاربة شاملة لهذه الأسئلة التي في صلبها هي أسئلة فلسفية، انطلاقاً من طرح أفلاطون على لسان سقراط، في معرض الدفاع عن نفسه أمام التهم التي وجُهت إليه من قبل المجتمع "الأثيني" سؤالاً في غاية الأهمية. ألا وهو من أين استقى الادعاء ضد سقراط والمجتمع "الأثيني" الصورة النمطية التي يحاكم على أساسها سقراط؟ ثم يُفنّدُ سقراط هذه الصورة ويشير إلى أن إحدى مصادرها هو مسرحية "السحب" لأرستوفانيس، حيث توطد المسرحية الفكرة القائلة بأن سقراط يُفسد الشباب ويرفض آلهة اليونان. ولعل السؤال الذي يثيره هذا الادعاء هو: "هل أرستوفانيس هو من أشاع تلك الصورة عن سقراط؟ أم أنه وجدها عند العامة وبلورها وأعاد صياغتها في فن المسرحية؟".

هل يمكن أن يكون العمل السينمائي حيادياً "الفن للفن" أم أنه يساهم في تكوين الرأي العام، ويوظفه صِناع القرار بطرق غير مباشرة؟

لعل هذا السؤال في سياق المحاكمة هو من الأسئلة الجوهرية التي أراد أفلاطون طرحها في استعراض أفكار سقراط حول طبيعة العمل الفني وخطورته في تشكيل رأي المجتمع وحول طبيعة قضية ما وهي هنا أخلاقية بإمتياز. وإذا كان سقراط كما قدمه افلاطون يمثل "الحقيقة" فإن هذا يحمل في طياته سؤال حول طبيعة العمل الفني وقدرته على مقاربة الحقيقة وتزييفها، فالمسرحية تحاول أن تستمد صفات في ظاهرها تبدو مشابهة لسقراط ولكن في جوهرها تقدم النقيض عنه. ولقد نالت هذه المسرحية شهرة واسعة ورشحت لنيل جوائز مرتين في أثينا. وكانت إحدى المرتكزات في محاكمة سقراط التي أدت الى مقتله، وبالتالي لعل هذه المقاربة تصلح كاستهلال لمناقشة الأفكار التي رَشحت عن النقاشات الحادة حول العمل الفني – السينمائي وطبيعته.  وعن المسافة بين ما هو أخلاقي وسياسي في السينما وهل يمكن أن يكون العمل السينمائي حيادياً "الفن للفن" أم أنه يساهم في تكوين الرأي العام، ويوظفه صِناع القرار بطرق غير مباشرة؟

إن هذه الأسئلة الأخلاقية - السياسية - الاجتماعية أعطت المدارس الفنية الإخراجية سماتها منذ نشأة السينما، فقد ساهمت المعتقدات الفلسفية - الإيدلوجية - في تطوير ودفع الفن السينمائي إلى المكانة التي نشهدها حالياً، حيث شهدت مرحلة ولادة الكاميرا المتحركة والمونتاج معضلات أخلاقية عكست توجهات المخرجين ورؤيتهم لهذه المشكلات. ولعل ذلك يتجلى على يد المخرج الأمريكي (ديفيد جريفيث- David Wark Griffith) الذي صنع أحد أعظم الأفلام السينمائية في التاريخ (مولد أمة - The Birth of a Nation)، والذي من خلاله استخدم تقنيات جديدة في التصوير، والإخراج والمونتاج، وابتكر مفهوم المونتاج المتوازي والذي شكل حجز الأساس في سينما هوليود. إلا أن الفيلم صنف على أنه أحد أكثر الأفلام عنصرية في التاريخ وعكس موقف جريفيث الأخلاقي الطبقي من المجتمع الأمريكي، حيث يعكس الفيلم نظرة المجتمع للسود الذين جسدوا في الفيلم "على أنهم يريدون تحطيم الوحدة الحديثة العهد للولايات المتحدة مستفيدين من هزيمة الجنوب" (جيل دولوز كتاب سينما الصورة الحركة). وعلى النقيض وفي الطرف الآخر من العالم فقد ابتكر المخرج الروسي سيرجي آيزنشتاين، المونتاج الذهني، متأثراً بالتفكير الجدلي الماركسي الذي يقوم على دمج لقطتين كل لقطة ذات معنى لتعطي معنى ثالث وتجلى ذلك في فيلمه الشهير المدمرة بوتمكين (بالروسية Броненосец «Потёмкин») " الذي كان تمجيداً لثورة 190، ويتجلى ذلك واضحاً في مشهد "سلالم الأوديسة" الذي يظهر وحشية جنود القصير، والذي صور ومنتج ليعكس أفكار آيزنشتاين الثورية ليتحول المشهد لواحد من روائع السينما. ولقد أثر كلا الأسلوبين إلى الآن بشكل الإنتاج السينمائي، لا بل قد أرسى قواعد أساسية فيها.

(ديفيد وارك غريفيث (1875-1948) مخرج سينمائي أمريكي. يعتبر رائد من رواد السينما الحديثة.[3] ويعد من أبرز المخرجين في تاريخ السينما.[4] ساهم في تطوير مجالات الإخراج والتصوير سينمائي والمونتاج. يعتبر فيلمه "ولادة أمة" من أكثر الأفلام عنصرية في السينما. الصورة مأخوذة من الأنترنت وهي تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

السينما بين السياسة والأخلاق

استمرت السينما في التشكل بناءً على الأفكار السياسية والمواقف الأخلاقية من التغيرات الحادة التي كان تعيشها المجتمعات إبان تلك الحقبة. ففي أعقاب الحرب العالمية الأولى صنع المخرج الإسباني لويس بونويل مع سلفادور دالي فيلم (كلب أندلسي- An Andalusian Dog)، والذي يعد أحد أعظم الأفلام التي أسست لمفهوم السريالية في السينما، التي كانت رد فعل المثقفين والفنانين على الحرب العالمية الأولى، وكان فيلم "بونويل ودالي" في جوهره رد فعل على الفنانين الطليعيين الشكلانيين وولعهم بالشكل على حساب المضمون.

ثم جاءت الواقعية الجديدة  في إيطاليا كردة فعل على الفاشية التي شجعت أفلام الهروبية اللاوقعية. ثم تتالت المدارس الفنية او النزعات الفنية لترسم أساليب واشكال مختلفة.

إن التصور القائم على أن الفيلم السينمائي هو عمل فني لا تتدخل فيه السياسة وهذا ما أثير في النقاشات الأخيرة، لا يمكن أن يحاكم أخلاقياً كونه يعبر عن وجهة نظر الفنان، لهي في الواقع غير صحيحة. ولطالما كان الفنان - المخرج له مسؤولية كبيرة في رسم التصور والصورة لما يمثله فكرياً وفلسفياً وأخلاقياً، وبالتالي، فإن وجهة النظر التي تحاول أن تعزل الموقف السياسي عن السينما لهي في غاية الغرابة، والتي تقول إن السينما تترفع عن الواقع السياسي وأن الفنان ليس خطيباَ.

إن التصور القائم على أن الفيلم السينمائي هو عمل فني لا تتدخل فيه السياسة وهذا ما أثير في النقاشات الأخيرة، لا يمكن أن يحاكم أخلاقياً كونه يعبر عن وجهة نظر الفنان، لهي في الواقع غير صحيحة.

لقد شكلت المدارس السينمائية، التي هي في جوهرها انعكاس للحالة الفكرية والسياسية التي كان المخرجين يعايشونها، حيث شكلت السمات الأساسية لهذه المدارس، التي حاول من خلالها المخرجون نقل الموقف السياسي والأخلاقي إلى مفردات السينما "شكل اللقطة، موقعها، المونتاج، الإخراج". وبالتالي كل الأشكال السينمائية كانت محاولات لتجسيد هذه الأفكار، وعليه فقد تنوعت أشكال اللقطات والإضاءة ومواقع التصوير وموقع الكاميرا بالنسبة للشخصيات والكادرات التي تكون أحياناً متطرفة في خياراتها وأحياناً حالمة...الخ.

في هذا السياق، يتحدث الفيلسوف والناقد جيل دولوز في كتابه (سينما الصورة) عن السينما وعلاقتها باللغة، فيشير إلى رأي "كريستيان ميتز" الذي سأل في أي شروط ينبغي على السينما أن تكون لغة؟ وكان جوابه جوابين: لأنها تدل على حدث ما، ولأنها مقاربة. يقول الحدث التاريخي، إن السينما قد تشكلت كحدث تاريخي عندما تحولت إلى حكاية، وعندما قدمت قصة وعندما استبعدت توجهاتها الأخرى الممكنة. وفي هذا الصدد أخذ أمبيرتو إيكو على المخرج الإيطالي باولو بازوليني "سذاجته السينمائية"، على خلفية النقاش الحاد حول رأيه بأن السينما "لغة" بالدرجة الأولى لها تمفصل ثنائي، وهي لغة تعبر عن الواقع. فرد بازوليني على إيكو "بأن قدر النباهة هو أن يظهر شديد السذاجة لسذج متبحرين بالعلم".

أسئلة الفيلم الوثائقي

تلك الأسئلة الأخلاقية السابقة الذكر شكلت أيضاً الفيلم الوثائقي، فمنذ تعريف المخرج الاسكتلندي جون جريسون الفيلم الوثائقي على أنه "إعادة تجسيد الواقع" والانقسام حاد حول مشكلة قدر معالجة المعلومات، فهو يروي قصة عن الحياة الواقعية، قصة تدّعي المصداقية والنقاش، كيف يتم تحقيق ذلك بصدق ونزاهة" (اقتباس من كتاب باتريشا اوفيد، ترجمة شيماء طه الريدي).

تضيف الباحثة "باتريشا أوفيد هايد" في كتابها (الفيلم الوثائقي – مقدمة قصيرة جداً) "نحن لا نطالب ان تصور هذه الأشياء تصويراً موضوعياً، وليس بالضرورة أن تكون الحقيقة كاملة ولكن نتوقع أن يكون الفيلم الوثائقي تجسيداً منصفاً وصادقاً لتجربة شخص ما مع الواقع، ذلك هو العقد المبرم مع المشاهد". ولقد أثرت مواقف المخرجين الأخلاقية والسياسية في تشكيل الفيلم الوثائقي، وربما تكون الأكثر ظهوراً واقتراناً بهذه الأسئلة لما يحمله الفيلم الوثائقي بارتباط مباشر مع الواقع، منذ أن تنبئ المخرج الروسي ديزيجا فيرتوف بأن السينما الروائية ستندثر، وأن المستقبل للأفلام الوثائقية منطلقاً من أسئلته الفكرية الثورية، والتي صنع من خلالها واحد من أعظم الأفلام السينمائية في التاريخ وهو "الرجل ذو الكاميرا- "Man with a Movie Camera”).

خطورة السينما

تتمثل خطورة السينما بأنها تخلق الإيهام، وبالتالي على المخرج أن يكون واعياً بشكل كبير لعناصر هذه اللغة وسيميائها (دلالاتها) كما اعتبرها بازوليني. وبالتالي، لا يمكن الحديث عن قراءات فضفاضة للمنتج السينمائي. إذ أن مختلف الإيحاءات المنبثقة من الفيلم، إما أن تكون متضمنة في الفيلم أو لا تكون متضمنة فيه. والحديث عن قراءة متفردة للمشاهد لا تتطابق مع مقولة الفيلم، فإن ذلك غير صحيح. فإما أن يكون المخرج قاصد لهذه التأويلات بمستوياتها المختلفة أو أنه لا يعي الطبقات السيميائية المتعددة للصورة، وبالتالي فإنه لا يدرك مستويات هذه القراءة الصورية عند المشاهد، وهو بالتالي لا يعي ماذا يريد أن يقول من هذه اللغة. ولا يمكن أن يُحمل المشاهد سوء نية في قراءة الفيلم، وإنما يجب أن يخضع المخرج أو صانع الأفلام للمسائلة ضمن مستويات قراءته للواقع. يقول جيل دولوز (كتاب سينما الصورة الزمن، ترجمة جمال شحيّد) حول تلك النقطة: "تستطيع الأوضاع البصرية والصوتية البحتة أن تمتلك قطبين أحدهما موضوعي وواقعي وفيزيائي، والأخر ذاتي وذهني ومتخيل ولكنها تفسح في المجال لعدد من العلامات البصرية والعلاقات الصوتية التي لا تكف عن وصل القطبين ببعضهما وتحقق بذلك المعنى أشكال الانتقال والتحول وتؤدي ربما إلى نقطة من الانفلاش وليس إلى نقطة الالتباس".

لقد أشيع في الجدل المحتدم عن طبية الأفلام السورية منذ ٢٠١١ أن السينما لا تستطيع أن تقدم رؤية شاملة لطبيعة صراع معين أو مواضيع متعددة، ولكن تبدو هذه المقولة غير دقيقة، فإن إحدى أعظم أدوات السينما أنها تستطيع تكثيف الزمان والمكان، وتقديم مستويات متعددة من قراءة ونقد الواقع من قبل صانع الفيلم، ففي فيلم (سائق التكسي - taxi driver ) للمخرج مارتن سكورسيزي نحن نتعرف على مستويات مختلفة من العنف والعزلة والاغتراب ونقد المجتمع الصناعي بأساليب فنية مختلفة، إنه نقد بانورامي واسع للمجتمع من خلال قصة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، وهي قصة سائق تكسي. كما ويتجلى ذلك أيضاً في أفلام كوينتين تارانتينو الذي يحاول أن يقدم تفسير لفلسفة العنف في المجتمع الأمريكي في أفلامه مثل فيلمه الشهير (Pulp Fiction)، الذي يصور العنف في المجتمع الأمريكي، إذ أن المخرج يضعنا أمام صورة شاملة لمجتمع بني على العنف وهو متأصل في سلوكياته ويومياته، وقد قدم المخرج هذه الأصالة في العنف وجذورها من خلال مشاهد عبقرية في السينما. نحن أمام سلسلة لا تنتهي من الأفلام التي قدمت تكثيف عميق للزمن والتاريخ والفلسفة، وهذا ينسحب على السينما الوثائقية فأفلام مثل فهرنهايت 11/9 للمخرج الأمريكي مايكل مور أو فيلم فعل القتل للمخرج جشوا أبونهايمر وفيلم ملح الأرض للمخرج فيم فيندرز وجوليانو سلغادو أو فيلم (٣ غرف للكآبة- The 3 Rooms of Melancholia) جميع تلك الأفلام قدمت تحليلا عميقا وفهم للمعضلات الأخلاقية والسياسية والاجتماعية لتلك المجتمعات. إن عظمة السينما وخطورتها أنها تستطيع القبض على الزمن وتكثيف الحيوات ووجهات النظر  من خلال الشريط السينمائي. وتقديمها للمتفرج ليس مجانياً، فبالقدر الذي يقدمه المخرج من معالجة معلومات لمواضيعه يستطيع المتفرج أن ينعتق من سطوتها عليه، فالعنف المقدم لدى المخرجين السابقين لا يدفع إلى العنف ولكنه يدفع للتفكير فيه والتحرر منه.

الصورة النمطية عن أنفسنا وعن الآخر في السينما

في فيلم "مولد أمة" قدم جريفيث صورة نمطية للإنسان الأسود، وقد احتفي فنياً بالفيلم ويعد من الأفلام الخالدة التي أسست مفهوم للسينما الروائية، وفتح الأفق للسينما التي نراها اليوم، ولكننا اليوم نعرف أنّ الفيلم أحد أكثر الأفلام عنصرية في التاريخ. وهي صورة استفاد منها صناع القرار لعقود طويلة في اضطهاد السود، وهي صورة يستفاد منها بطريقة دائرية، فالصورة النمطية تؤدي إلى الاضطهاد والاضطهاد يعزّز الصورة النمطية.

إن السينما الغربية حاولت أن ترسم صورة للمجتمع العربي على أنه متطرف، فأغلب الأفلام التي تظهر العالم العربي هي صور نمطية تخضع للإيديولوجيا والسياسة، وبالتالي فإنها توائم مع منطق الاستعلاء العرقي والثقافي والاستشرافي في رسم هذه الصورة، والتي تجيز احتلال أو قتل الآخر.

رسم المجتمع الغربي من خلال السينما أنماط عن المجتمعات التي أرضخها لعقود طويلة من الاستعمار، فقد شكلت السينما صورة السكان الأصليين للقارة الأمريكية على أنها صورة الإنسان القاتل الدموي الذي يعتدي على الإنسان الأبيض، ولقد ساهمت أفلام الغرب الأميركي في غالبيتها بنقل هذه الصورة. ولعل السينما المستقلة والموقف الأخلاقي لفنانين ومخرجين ساهم إلى درجة كبيرة في كسر هذه الصورة النمطية كفيلم "قتلة بالفطرة- Natural Born Killers) الذي حاول من خلالها أوليفر ستون أن يعكس الصورة الشائعة في السينما عن السكان الأصليين، فقدم البطل الأميركي على أنه قاتل، وهذه القراءة لها جذور التاريخية بوصول الأوروبيين للقارة الأمريكية، وقد استطاع المخرج تضمينها في جميع مستويات الفيلم المونتاجية والإخراجية، وفي واحد من أروع مشاهد الفيلم يعاد فيه الاعتبار للهندي الأحمر الذي يظهر على أنه منسجم مع طبيعته وتاريخه ومعتقداته عند دخول البطلين إلى خيمة الهندي في استعادة ذكية لنزول الأوروبيين إلى القارة الأمريكية. ورغم استضافة الهندي الأحمر لهما إلا أن البطلين يقتلانه في مشهد مليء بالتأويلات والإشارات إلى الصراع الحضاري. كما أن فيلم "الرقص مع الذئاب- Dances with Wolves) من إخراج كيفين كوستنر أعاد الصورة الحقيقية للسكان الأصليين من خلال قصة الضابط في الحرب الأهلية الذي يقع أسيراً للهنود الحمر، فيكتشف أن مقاومتهم جديرة بالاحترام فيقرّر الانتماء إليهم رافضاً ثقافة الرجل الأبيض. وربما يمكننا الإشارة هنا، ولو عرضاً إلى موقف الممثل الأمريكي مارلن براندو الذي رفض قبول الأوسكار ١٩٧٣احتجاجاً على الصورة النمطية للهنود الحمر.

من جهة أخرى، ومن ذات المنطق فإن السينما الغربية حاولت أن ترسم ذات الصورة للمجتمع العربي على أنه متطرف، فأغلب الأفلام التي تظهر العالم العربي هي صور نمطية تخضع للإيديولوجيا والسياسة، وبالتالي فإنها توائم مع منطق الاستعلاء العرقي والثقافي والاستشرافي في رسم هذه الصورة، والتي تجيز احتلال أو قتل الآخر.

ولقد وعت السينما الفلسطينية هذا التنميط فقدمت الإنسان الفلسطيني على أنه إنسان لديه أفكار وأحلام، وهو ليس مجرد إرهابي، ولقد برع العديد من المخرجين في رسم هذه الصورة التي ساهمت في كسر النمطية عن الفلسطينيين، فعمل المخرج إيلي سليمان على إعادة المروية عن الثورة الفلسطينية عبر العديد من أفلامه ومنها فيلم"الزمن الباقي" الذي أعاد نقل مروية الثورة والإشكاليات السياسية المحلية والإقليمية التي رافقت الثورة الفلسطينية والعدوان الإسرائيلي بطريقة إنسانية مؤثرة، مثلت حالة من الوعي تجاه الصورة النمطية المقدمة للإنسان الفلسطيني. كما يتجلى ذلك في أفلام ميشيل خليفة، وتحديدا في فيلم (ذاكرة خصبة) الذي قدم قصة نساء فلسطينيات نعود من خلالهن إلى المقاومة والنضال بطرق ومستويات مختلفة.

(من فيلم "ذاكرة خصبة" للمخرج الفلسطيني ميشيل خليفة، والصورة مأخوذة من صحيفة الشرق الأوسط وهي تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

لم تقدم الكثير من الأفلام التي صنعت ونالت شهرة عالمية عن المواضيع الثورية المعقدة بعد عام 2011  سوى بطريقة بسيطة. لم تعالج بواطنها ودواخلها لا على مستوى القصة ولا على مستوى المعالجة البصرية، فقد قدم أبطال هذه الأفلام على أنهم ضمن حرب لا نعرف من هم ضحاياها، ولم تفرد لشخصياتها ولأبطالها الدفاع عن وجهة نظرها، وإنما قدمت من خلالهم (المأساة) أو (الضحية) التي تدفع المتفرج إلى النفور وإلى الشعور بالعجز كما تقول الباحثة سوزان سونتاغ: "المعاناة شيء، الشيء الآخر هو والعيش مع صورة المعاناة التي لا تؤدي بالضرورة الى نخس الضمير والتحريض على التعاطف، ما أن يرى المرء مثل هذه الصور حتى يبدا في رؤية الكثير منها ورؤية الكثير تشل تخدر". وتضيف إن "نفس الشيء ينطبق على الشر فما أن تزول صدمة الوحشة المصورة حتى تزول تدريجياً بتكرار الرؤية مثلما تزول تماماً المفاجأة. الشعور المحظور يجعنا ناقمين وحزاني. البيان المصور الواسع للشقاء والظلم منح كل شخص ألفة معينة مع الوحشي، جاعلا من الرهيب امراً اعتيادياً" (اقتباس من كتاب سوزان سونتاج "حول الفوتوغراف، ترجمة عباس المفرجي).

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد