في تفكيك مَسألة "أسلَمة" الثَّورة

بينَ الرِّهانات والوَقائِع والكُلِّيّات


أثارت مسألة "الأسلمة" جدلا كبيرا بين السوريين، بين من يرى أن الأسلمة نتاج طبيعي لمجتمع مقموع وبين من يرى أنها كانت السبب في فشل الثورة، بمساعدة "أطياف علمانية ويسارية راهنت على هؤلاء. هنا تحليل نقدي للخطابات السورية بهذا الشأن

28 آذار 2019

(ليسَ كُلّ مُسلِم ثائِر (إسلامويّ)، وليسَتْ كُلّ بيئة حاضِنة للثَّورة بيئة مُنظَّمة في توجُّه (إسلامويّ)/ خاص حكاية ما انحكت)
د. مازن أكثم سليمان

شاعر وناقد سوري، يعيش في دمشق، من أعماله الشعرية "قبل غزالة النوم".

أوَّلاً: الثَّقافويّة الإسلاموفوبْيَاوِيّة

أسَّسَتْ (مع الأسف)، طبقةٌ (كي لا أُطلِقَ عليها مُصطلح: نُخبة)، مَوقفَها من الثَّورة على حامِل (الإسلاموفوبيا)، والغريب في الأمر أنَّ هذِهِ الطَّبقة قد بدأَتْ بالظُّهور منذ البدايات السِّلميّة للثَّورة، وحتّى قبلَ حقبة العسكَرة، ثُمَّ قبلَ التَّقلُّص الواضح للجيش الحُرّ لصالِح ظُهور الفصائل الإسلامويّة، والتقَتْ هذِهِ الطَّبقة، عن وعيٍ أو عن غير وعيٍ، مع الخطاب الغرائزيّ الذي اشتغلَتْ عليه السُّلطة، والذي وجَّهَ بقوَّة مَوقِفَ من نطلقُ عليهِم صفة: "المُؤيِّدين".

رُبَّما ينبغي عليَّ في شَرحِ مَوقف هذِهِ (الطَّبقة)، وتفسيرِهِ، أنْ أتحاشى الدُّخول في طلاسِم النِّيّة والباطن، لكنَّ ذلكَ لا يمنَعُ من تأصيل هذا الاتّجاه اصطلاحيّاً عبرَ اتّكاء هؤلاء على رأيٍ (ثقافويّ/ هُوِيّاتيّ زائِف)، يتجلببُ بسِتارة رفض السُّقوط في المَوقِف (الشَّعبويّ) كما يدَّعون، مع العلم أنَّ مَفهوم (الالتزام) بمَعناه التَّقليديّ الذي ينتمي إليهِ مُعظَمُهُم (إيديولوجيّاً)، يُعرِّي مَواقفَهُم إلى حدٍّ بعيد، ولا سيما إذا أشرْتُ إلى بديهيّة أنَّ مَفهوم (الشَّعبويّ) غير مَفهوم (الشَّعبيّ) الذي يتملَّصونَ من التزاماتِهِ الوطنيّة والأخلاقيّة والإنسانيّة!.

وهكذا، لا تكمنُ إشكاليّة هذا الموقف الزّائِف في كونِهِ ينطوي على حُكم حدِّيّ بأنَّهُ (موقفٌ خائِنٌ للثَّورة والشَّعب والوطن)، فإطلاق الاتّهامات وتخوين الآخرين ليسَ من مَهمّاتي أو أولوياتي؛ إنَّما الإشكاليّة هيَ في الانفصال الشُّعوريّ عن آلام النّاس المُستهدَفين بعدَ اندلاع الثَّورة، وفقدان التَّعاطُف الأخلاقيّ والإنسانيّ والوطنيّ مع مُصابِهِم أيّاً كانت (عقيدتُهُم)، هذا إذا افترضتُ جدَلاً أنَّ جميع الثّائرين (مُتأسلمين: إسلاميّين)، وإنْ كانَ من البديهيِّ أنَّ مُعظَم الثّائرين (مُسلمين) بالولادة بحُكم المُستوى الوقائعيّ للدِّيمغرافيا السُّوريّة.

الإشكاليّة تكمن في الانفصال الشُّعوريّ عن آلام النّاس المُستهدَفين بعدَ اندلاع الثَّورة، وفقدان التَّعاطُف الأخلاقيّ والإنسانيّ والوطنيّ مع مُصابِهِم أيّاً كانت (عقيدتُهُم)

لقد أمعنَ هذا التَّيّار في سياسة الفوقيّة وعدم الاكتراث بمُصاب أبناء الوطن، وغرِقَ في مَواقِفَ كارثيّة لا تدلُّ إلّا على عدم الشُّعور بالمَسؤوليّة الهُوِيّاتيّة، وكانَ هؤلاء المُنتقدون يكتفونَ بمُهاجَمة الثَّورة (الإسلامويّة)، وكذلكَ (العسكَرة)، من دون تقديم بدائِل واضحة، أو اقتراحات وطنيّة فاعِلة، كأنَّ النَّقد (كيديّ بحت) أو (موضة) غرائزيّة وإقصائيّة رائِجة فقط، أو كأنَّهُم مُنفصلون عن المُستوى الوقائعيّ الذي كانَ يفترِضُ منهُم أنْ يُقدِّموا (على الأقلّ) خطابات فاعِلة، تُلاقي الوجدان الجَمعيّ الثَّوريّ ورهاناتِهِ إنْ أحسنّا النِّيّةَ بهذِهِ الطَّبقة، لكنَّهُم اختاروا أنْ يُواجهوا (وقائعيّة الأسلَمة ورِهانات الحَواضِن الثَّوريّة) بالهُروب من واجباتِهِم النَّظَريّة والعمَلانيّة التي تقتضي (إذا آمنّا جدَلاً أنَّهُم "نُخَبٌ" وطنيّة) أنْ يُفكِّكوا دَوافِع (الأسلَمة) لصالِح خِطاب هُوِيّاتيّ وطنيّ مَسؤول وأصيل، بدلاً من أنْ يتخندقوا في مُعظَم الحالات في (مَوقِف طائفيّ مُسَبَّق ومُضمَر)، يكشفُهُ التَّحليل الدَّلاليّ لكتاباتِهِم، وتأويل ما ينطوي عليهِ كلامُهُم في مَواضِعَ كثيرة مع الأسف.


يرى المُفكِّر الدُّكتور حسام الدين درويش في مَقالتِهِ المُعنونة بِـ "في العلاقة بينَ الثَّقافة والسِّياسة: نقدُ المُقارَبة الثَّقافويّة"، والمَنشورة في "مجلَّة قلَمون"، العدد الرّابع _ الشَّهر الأوَّل 2018، أنَّ من أهمّ مُشكلات أصحاب الموقف (الثَّقافويّ) تكمن في سُقوط العلاقة السَّببيّة بينَ (السِّياسة والثَّقافة) في استسهال مُريع عبرَ ما يدعوه: (اتّجاه اختزاليّ)، ينطوي على (علمانويّة طائفيّة) يتَّسِمُ أصحابُها (كما يعتقدُ) بوعيٍ ميكانيكيّ لا جدَليّ، وبآراء ذات أُسُس جوهرانيّة لا هيرمينوطيقيّة (غياب التَّأويليّة). وأظنُّ من جهتي تأسيساً على هذا التَّحليل أنَّ تلكَ العلاقة السَّببيّة بينَ (السِّياسة والثَّقافة) قد تمَّ ليّ عنُقِها عبرَ مَواقِف تلفيقيّة ذات بُعد أيديولوجيّ وهُوِيّاتيّ ُأُحاديّ ضيِّق، وهو الأمر الذي ظَهَر بجلاء عند مَنْ بتُّ أصطلحُ على تسميتِهِم (أنا وآخرون) بِـ "اليسار الأقلَّويّ".

نشَرَ المحامي والمُعارِض فائق حويجة إثر سُقوط بلدة (داريّا) مَقالةً بعنوان "ليلة سقوط داريا" في موقع "هُنا صوتك" بتاريخ 1/9/2016، وممّا ورَدَ فيها قولُهُ: "لقد تجلّت التّراجيديا الدّارانيّة في هذا الأمر بالضّبط، عبر التّمسُّك ضمن حصار خانق، بقيَم الانتفاضة الشَّعبيّة الأصيلة، إلى جانب مناخات من (الثَّورة) غرَّدت بعيداً باتّجاه الأسلَمة والطّائفيّة والمذهبيّة والارتهان للخارج، وصولاً لغضّ الطرف عن الإرهاب بأبشع صوره؛ أي إنَّها وقفت مَوضوعيّاً على الأقل،  ترفع رايات الثَّورة والانتصار من خنادق الثَّورة المُضادّة. الأمر الذي عنى أنَّ المَشروع الذي مثَّلته داريا كان بحكم السّاقط في (المُحيط الثَّوريّ) المُناهِض لأيِّ ثورة، منذ 2011. بقي (الدّارانيّون) مُدّة أربع سنوات مُحاصَرين، يُدافعون تراجيدياً، عن قضيّة مَهزومة ممَّن يدَّعي نُصرَتها ويرفعُ رايتَها من بعيد مُبشِّراً من مأمنه باستمرارها حتى آخر حجر وبشر".

حاولَ فائق حويجة في مَقالتِهِ هذِهِ أنْ يُمسِك العصا من المُنتصف، وتثمين (البُعد الثَّوريّ لصُمود داريّا وتجربتِها)، لكنَّ ذلكَ ترافقَ في الوقت نفسِهِ بالطَّعن فيما ينفضُ يدَهُ منه للأسف، فهوَ لم ينجُ (مع احترامي الكبير لتاريخِهِ النِّضاليّ) في نهاية المَطاف من القراءة (الاختزاليّة التَّلفيقيّة) التي لا تخلو من البُعد (الإسلاموفوبيانيّ) من ناحية، والعجز عن فَهْم صَيرورة (الوعاء الثَّقافيّ العام والطَّبيعيّ) الحامِل للمُجتمع السُّوريّ، أو بتحديد أدقّ: العجز عن فَهْم (صَيرورة) هذا (الصِّراع/ الوعاء) الحامِل بحُكم المُستوى الوقائعيّ (الوجوديّ/ الدّيمغرافيّ) لحركيّة الثَّورة السُّوريّة ومَخاضِها المُتشابِك، ليصوغَ مَوقفَهُ تحتَ عُنوان مُتعالٍ وتبسيطيّ ومُتهافِت، هوَ: (الثَّورة المُضادّة).

(يرى الكاتب أن المَوقف (الثَّقافويّ) المُعادي للثَّورة بدَعوى تُهمة (الإسلامويّة)، أو المُدَّعي على الأقلّ النَّقدَ المَوضوعيَّ لها بخلفيّة علمانويّة/ طائفيّة وأقلَّويّة في الغالب، مَوقفاً مُتهافِتاً ليسَ فقط بسبب نسيان الأصل السِّياسيّ والسِّياقات التّاريخيّة لهذا الأصل؛ لكنْ أيضاً بفعل تهافُت البُعد الأخلاقيّ الإنسانيّ/ خاص حكاية ما انحكت)

لعلَّ كارثيّة موقف نسبة كبيرة من اليسار السُّوريّ تكمنُ في (عدَميّة مُسَبَّقة مُتدثِّرة بروح الطُّهرانيّة)، هذا إذا أحسنّا النِّيّة وابتعدنا عن كيْل الاتّهامات التي لستُ واحداً من البارعينَ بها كما أكَّدْتُ من قبل، لكنَّ من واجبي الأخلاقيّ والوطنيّ أنْ أُشيرَ إلى أنَّ رُؤى "اليسار الأقلَّويّ" تنطوي على نقص فادح في روح المَسؤوليّة والانتماء، وقصور مُحزِن في القدرة على التَّحليل التّاريخيّ الثَّوريّ، والعجز عن قراءة المَشهد وتحوُّلاتِهِ في ضوء البِنى التَّفاعُليّة للأحداث النّاهِضة على تشابُك تراكُبيّ مُعقَّد بينَ المُستوييْن الجدَليين (أي المُستوى الوقائعيّ ورِهاناتِهِ)، مُضافاً إلى هذا كارثة (التَّجمُّد أو الجُمود) في سُكونيّة نقطة (ثقافويّة) مُتعالية وإقصائيّة ومُنقطِعة عن حركيّة الصَّيرورة، وعن العُمْق (الكُلِّيّ) الأصيل في مُقارَبة الحدَث الثَّوريّ السّوريّ.

لن أعودُ هُنا إلى ما ناقشتُهُ في مقالة سابقة عن تخلُّف نماذج واسعة (علمانيّة ويساريّة) عن تفسير مآل (عسكرة الثَّورة) المُتراكِب، لكنَّني أجِدُ ضرورةً في التَّركيز على مَثالب الموقف "اليساريّ الأقلَّويّ" المُتجلبب بجلباب (العلمنة والدِّيمقراطيّة وحقوق الإنسان)، ولا سيما بما يتعلَّقُ بخضوع هذا الموقف القاصِر وغير الحكيم للنَّظْرة (الميكانيكيّة المُسبَّقة غير الهيرمينوطيقيّة أو غير التّأويليّة)، والقائِمة على استلابِ (ثقافويّةٍ تُزيِّفُ الصِّراعَ السِّياسيَّ) بدعوى أنَّ ما حدث من (أسلَمة) هو (بالمُطلَق) ثورة مُضادّة، ولعمري أشعرُ بأشدّ حُدود الاستغراب من الكثيرين ممَّن يُفترَض أنَّهُم (يساريّون)، حيثُ لم يبقَ من يساريتِهِم إلاّ الاتّجاه (الثَّقافويّ الإسلاموفوبيانيّ)، المُنفصِل أوَّلاً عن أبجديّات التَّحليل (الماركسيّ) نفسِهِ من صَيرورة وجدَل وصِراع طبقيّ، والمُنفصِل (وفقَ كتاباتي التَّحليليّة القديمة عن مَفهوم الثَّورة) عن كينونة الحدَث الذي ينتمي إلى سياقاتِهِ المَحلِّيّة والعربيّة والعالَميّة العصيّة على آليّات الإخضاع المَعرفيّ النِّهائيّ والتَّحكُّم الإيديولوجيّ المُسَبَّق، والذي يرغب عبرَهُ (أقلويّون، ورُبَّما غير أقلَّويّين أيضاً) كثيرونَ بأنْ يُفصِّلوا ثورةً (سبقتْهُم سياسيّاً وتاريخيّاً بمَراحلَ) على مقاسِ نظَريّاتِهِم المُحنَّطة، والمُبطَّنة بكارثة ثقافويّة إقصائيّة خطيرة، تستدعي (كما يبدو لي) بَحثاً عاجلاً وحثيثاً في سُؤال (الهُوِيّة والانتماء) لديهِم، إلى جانب السُّؤال الأصليّ للثَّورة، وهو سُؤال (البُعد السِّياسيّ) لا الدّينيّ أو الطّائفيّ الاختزاليّ الزّائِف.


لذلكَ يبدو لي أنَّ أخطَر ما في مَسألة تزييف الوجود والوعي الثَّوريّ عندَ تيّار (الإسلاموفوبيا) المُتَّكِئ على فكرة (رفض الشَّعبويّة)، يكمن في (نسيان الأصل السِّياسيّ) كما أصطلِح عليه، فهذا (الأصل) هوَ الوعاء التَّأويليّ لكُلّ المَسارات الأُخرى، ومنها المَسار (الثَّقافويّ)، ولعلَّ (الحَفرُ) المُتأنِّي في طبقات (الأسلَمة) بوصفِها باتت في مَوقف هذا التَّيّار المُعادي للثَّورة (نسياناً للأصل السِّياسيّ)، يكشفُ أنَّها بالمَعنى (النِّسبيّ) ليسَتْ تطييفاً هُوِيّاتيّاً للثَّورة بقدر ما هيَ (شمّاعة فاضِحة تُخفي ما وراءَها عندَهُم) لثلاثة أسباب، هيَ:

(1): الحركيّة الوقائعيّة والكُلِّيّة للثَّورة، وهيَ حركيّة ناهِضة في زعمي على الجدَل المُركَّب والمُتراكِب بينَ (زمانيتيْن) مَفتوحتيْن على التَّحوُّلات التَّوليديّة للحدَث: (زمانيّة خطّيّة سَببيّة وزمانيّة تكراريّة اختلافيّة)، حيثُ لم ولن ينتهي (تاريخُ الثَّورة) إذا استعرنا تعبير فوكوياما عن "نهاية التّاريخ" بِـ (الأسلَمة).

(2): ليسَ كُلّ مُسلِم ثائِر (إسلامويّ)، وليسَتْ كُلّ بيئة حاضِنة للثَّورة بيئة مُنظَّمة في توجُّه (إسلامويّ)، فالفعل الوقائعيّ برِهاناتِهِ المُسَبَّقة، ثُمَّ برِهاناتِهِ المُنبثِقة عن انفتاحِهِ وانبساطِهِ من جديد، كانَ في مَساحة واسِعة منه فعلاً مُنطوياً على خطاب وطنيّ وقُوَّة مُتخيَّل تحرُّريّة ذات مَطالِب وطنيّة، لم تضَعْ في حسبانِها طوال شُهور طويلة من الثَّورة (الهُوِيّة الإسلاميّة) بوصفِها عامِلاً مُحرِّكاً أو مُهيمِناً في جدَليّة التَّغيير المَرجوّ، وهيمَنة (الفصائِل الإسلاميّة) فيما بعد على السَّطح العيانيّ الخارجيّ للحدَث الثَّوريّ، لا تنفي بالمَعنى الفَلسفيّ (الوقائعيّ والكُلِّيّ) انطواء السَّطح العميق على المُنطلَقات الوطنيّة المُحرِّكة، سواءً تقاطَعَتْ قليلاً أو كثيراً (أو حتّى تجادَلَتْ) مع الخطاب الإسلاميّ في فترة، أم تراجَعَتْ وباتَتْ مُضمَرَةً في تلافيف مَرحلة صُعود (الأسلَمة).

تعود في الأساس جُذور فعل التَّطييف إلى النِّظام، ليسَ فقط منذُ بداية الثَّورة، وطريقة ردّ فعلِهِ عليها إعلاميّاً ووقائعيّاً؛ بل منذُ بداية استيلائِهِ على الحُكم قبلَ عقود

(3): تعود في الأساس جُذور فعل التَّطييف إلى النِّظام، ليسَ فقط منذُ بداية الثَّورة، وطريقة ردّ فعلِهِ عليها إعلاميّاً ووقائعيّاً؛ بل منذُ بداية استيلائِهِ على الحُكم قبلَ عقود، ولذلكَ يعتقد المُفكِّر الدُّكتور أحمَد برقاوي في مَقالتِهِ المُعنونة بِـ "خطاب الأكثريّة والأقلِّيّة في سورية"، والمَنشورة في موقع "حزب اليسار الدّيمقراطيّ السّوريّ" بتاريخ 22/5/2016، أنَّ (خطاب الأكثريّة والأقلِّيّة) لم يكُنْ خطاباً هُوِيّاتيّاً سائِداً أو ظاهِراً في حقبة الاستقلال وما بعدَها، وأنَّ هذا الخطاب لم يطفُ على سطح الوعي الوطنيّ ويُزيِّفُهُ تزييفاً فاعِلاً حتّى بداية السَّبعينات من القرن الماضي.

مسألة جبهة النصرة

وهكذا، يبدو لي أنَّ المَوقف (الثَّقافويّ) المُعادي للثَّورة بدَعوى تُهمة (الإسلامويّة)، أو المُدَّعي على الأقلّ النَّقدَ المَوضوعيَّ لها بخلفيّة علمانويّة/ طائفيّة وأقلَّويّة في الغالب، مَوقفاً مُتهافِتاً ليسَ فقط بسبب نسيان الأصل السِّياسيّ والسِّياقات التّاريخيّة لهذا الأصل كما أشرْتُ؛ لكنْ أيضاً بفعل تهافُت البُعد الأخلاقيّ الإنسانيّ؛ وأُناقِشُ في هذا الإطار قضيّة أثارَتْ  (وما زالتْ تُثيرُ) لسَنوات سِجالات عنيفة، وأقصدُ بها قضيّة (جبهة النُّصرة)، فمَعَ الخلاف العقائديّ المَحسوم ضدَّها من قِبَل شخص في مَوقعي، ومع فَهْم خُطورة هذا التَّنظيم على الثَّورة وحواضِنِها وناشطيها، قبلَ خُطورَتِها في تشويه صورة الثَّورة ووطنيتِها، ودعم رواية أعدائِها عن قصد أو عن غير قصد، أخَذَ كثيرونَ (ومنهُم أنا) (في مَراحِل تاريخيّة مُعيَّنة من الثَّورة) بعين الاعتبار الأولويّة الأخلاقيّة والإنسانيّة لآلام النّاس ومُعاناتِهِم المُباشَرة، والضَّرورة القصوى قبلَ كُلّ شيء لرفع (السِّكَين: حمّام الدَّم) المُسلَّط على رقابِهِم، واتُّهمنا كالعادة بالشَّعبويّة والتَّبسيط ، كأنَّ الانتماء إلى  الوجع العام، والانهمام بالشَّعب، ينبغي أنْ يمُرَّ بِـ (فلترات) النُّخب المُتعالية القابِضة وحدها على (المَعرفة/ الحقيقة) الأحاديّة والإقصائيّة والمُطلَقة، ولو على حساب الأخلاق الوطنيّة والإنسانيّة، وأضربُ في هذا المَوضِع مثالاً سهلَ الفَهْم والتَّلقِّي لمَنْ يُريد أنْ يكونَ مُنصِفاً للنّاس وللثَّورة وللتّاريخ، وهوَ مثالٌ يخصُّ صديقاً (علمانيّاً/ غير مُتديِّنٍ) لي، كانَ يُقيم في المَناطِق المُحيطة بِـ (مُعسكر الحامديّة) التّابِع لجيش النِّظام في مُحافظة إدلب، حيثُ قصَّ عليَّ كيفَ فرِحَ هوَ نفسهُ بفرح الأهالي (ومنهُم أهلُهُ طبعاً) على نحْوٍ عفويّ وتلقائيّ بالخلاص منه، وبإسقاطِهِ من قبَل جبهة النُّصرة، وهو المُعسكر المَسؤول بقصفِهِ المُستمرّ طوالَ سنوات عن استشهاد مئات المدنيّين وجرحهِم وإيذائِهِم بعُنف في الرِّيف المُحيط به.

(رسم للفنان فارس خاشوق، وهو ينشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

لعلَّ (المُعضلةَ الأخلاقيّةَ) السّابقة ورهاناتِها، ولا سيما بما تمتلكُهُ من رأسمالٍ رمزيٍّ مُتخيَّل عند القاعدة الشَّعبيّة الحاضِنة، قادَتْ نسبةً كبيرةً من المُعارِضين في المُؤسَّسات السِّياسيّة والإعلاميّة والمَدنيّة المُختلِفة (وهذا التَّحليلُ بعيدٌ الآنَ عن مُعايَرَة المُحصِّلة السِّياسيّة لثُنائيّة الصَّحيح والخطأ أو ثُنائيّة التَّكتيكيّ والاستراتيجيّ، فضلاً عن عدم الحاجة إلى ذكر أسماء مَعروفة في تبنِّيها هذا التَّوجُّه في إحدى مَراحل الثَّورة) إلى اعتمادِ مَوقِفٍ هو بمَنزلة الاستجابة لمُعطيات اللَّحظة الوقائعيّة الرّاهِنة بعُجَرِها وبُجَرِها، والتقاط نبض الشّارِع الثَّوريّ في الوقتِ نفسِهِ، وقد اصطلَحْتُ على هذا المَوقِف بِـ (اللَّحظة البراغماتيّة السِّياسيّة المُجهَضة)، ذلكَ أنَّ هذِهِ اللَّحظة حكَمَتِ التَّوجُّهَ الثَّوريَّ عبرَ جُملةِ (أولويّاتٍ سياسيّةٍ)، ولا سيما بالرِّهان على إسقاط النِّظام أوَّلاً وأخيراً بوصفِهِ أصل الكارثة، وبوصفِ إسقاطِهِ المدخل الفعليّ لأيّ حلٍّ جذريّ، لكنَّ هذا (الرِّهانَ البراغماتيَّ) أفضَى للأسف إلى (إخفاقٍ وقائعيّ مَوضوعيّ ومُفتَعَل في آنٍ معاً) بفعلِ إجهاضِهِ من قبَل سياسات محلِّيّة وإقليميّة ودوليّة، استثمرَتْ بحنكة التَّهافُتَ العميقَ في نسبةٍ لا بأسَ بها من قوى المُعارَضة، فضلاً عن حُدوث اختراقات خطيرة لقيادات بعض الفصائِل العسكريّة الثَّوريّة، إلى جانب التَّشغيل الوظيفيّ لفصائلَ ارتدَتْ لَبوسَ الثَّورة زيفاً وبُهتاناً كجبهة النُّصرة، على أنْ أؤكِّدَ أنَّ ائتلاف الرِّهانات الثَّوريّة والوَقائِع، واختلافاتِها، في هذا المَوضوع تحديداً، يكشفُ بجَلاء حجم انبثاق (البُعد الكُلِّيّ) المُرتبِط بطبيعة الثَّورات، ولاسيما في ثورة مثل الثَّورة السّوريّة، التي أدَّى انفجارُ احتقاناتِها التّاريخيّة إلى انبساط أسوأ ما يُمكنُ أنْ نتوقَّعَهُ، مثلما انبسَطَ في الوقت نفسِهِ أفضَل ما يُمكِنُ أنْ نتوقَّعَهُ، وهو الأمرُ الذي تمَّ وفقَ حركيّة جدَليّة يلتقي في بُؤرتِها الزَّمَن الأُفُقيّ الخطِّيّ وزمانيّة تكرار الاختلاف بوصفِها (أي هذِهِ البُؤرة الجدَليّة) فَجوَةَ وجودٍ هُوِيّاتيّ جديد افتتحتْها الثَّورة، ولم يعُدْ من المُمكن إغلاقُها.

ثانياً: بينَ الإسلاموفوبيا والعلمانوفوبيا      

كنتُ قد تحدَّثَتُ في مَقالتي المُعنونة بِـ "الثَّورة والهُوِيّة وميلاد اللَّحظة الفلسفيّة المُعاصِرة"، والمَنشورة في "شبكة جيرون الإعلاميّة" بتاريخ 1/7/ 2017، عن كون الثَّقافة العربيّة ما تزالُ إلى حدٍّ بعيدٍ حبيسةَ المَنطق الثُّنائيّ الجوهرانيّ بأصوله الميتافيزيقيّة، وكتبتُ ضمنَ سُطورِها أنَّ ثورات الرَّبيع العربيّ قد أعادَتْ إنتاج المُواجَهة الأيديولوجيّة المَأزومة هُوِيّاتيّاً بينَ ثُنائية (إسلاميّ/ علمانيّ) بعُنف غير مَسبوق، وكنتُ قبلَها قد كتبْتُ مَقالة بعنوان "بينَ القضيّة الطّائفيّة والعلمانيّة"، ونُشِرَتْ أيضاً في "شبكة جيرون الإعلاميّة" بتاريخ 22/3/2017، ناقشتُ فيها العلاقة الصِّراعيّة الزّائِفة والمُتبادَلة بينَ تيّار (الإسلاموفوبيا)، وما اصطلِحْتُ عليه بِتيّار (العلمانوفوبيا)، وأختارُ ممّا كتبتُهُ في هذِهِ المَقالة الآتي: "هكذا، وعلى نحوٍ ما، تقزَّمَ دورُ مُعظَم علمانيِّي الأقلِّيّات ليكتفيَ بصراع أقرَب إلى الحالة الدّونكيشوتيّة الشَّعبويّة مع المَركزيّة البطريركيّة الإسلاميّة الأكثريّة، ومن موقِع العداء الأيديولوجيّ الطّائفيّ، ومن دون مُقارَبة شامِلة تنطلِقُ من العُمق السِّياسيّ الجامِع، ولا تُهمِل إشكاليّات الأقلِّيّات نفسها التي ينتمونَ إليها بدءاً بالسِّرِّيّة الدّينيّة، وانتهاءً بالانعزاليّة، اللّتان يُفترَضُ مُواجَهَتُهُما من قِبَل هؤلاء العلمانيِّين بضراوة في سبيل التَّلاقي مع علمانيِّي الأكثريّة، ومع الإسلاميِّين حتّى، ضمنَ مَشروع وطنيّ جامِع، بدَلاً من تأبيد هاتين الإشكاليتيْن (السِّرِّيّة والانعزاليّة) انطلاقاً من مُسوِّغات أقلَّويّة تنتمي إلى سياقات تاريخيّة ماضية قد انتهَتْ فعالياتها، وينبغي مُجاوَزتُها بطبيعة الحال، ولا سيما فكرة (المَظلوميّة) التي باتت في هذِهِ الحقبة أشبه بفكاهة سمِجة".


وقد استكمَلْتُ حديثي في هذِهِ المَقالة بالكلام عن الدَّور المَنوط بعلمانيِّي الأكثريّة، والذينَ لا تقلُّ مَسؤوليّتهُم عن مَسؤوليّة علمانيِّي الأقلِّيّات في خَلْق هذا الصِّراع الدّونكيشوتي الشَّعبويّ المُنتزَع من سِياقِهِ الكُلِّيّ سياسيّاً، وبوجهٍ خاصّ "حينما نكتشِف أنَّ هؤلاء العلمانيِّين لا يوفِّرون فرصة لتزييف مَفهوم العلمانيّة عربيّاً عبرَ تقديم براءات ذمّة مُستمرّة بانفصالِهِم عن الإسلام الأكثريّ وعدائِهِم لكُلّ شيء إسلاميّ، حتّى بالمَعنى الثَّقافيّ والحضاريّ لا العقائديّ، وهوَ ما يفتَحْ الباب واسِعاً لتحليل نفْسي ضروريّ قبلَ التَّحليل السِّياسيّ للطَّريقة السَّطحيّة والمُختزَلة التي يفهَمونَ بها العلمانيّة".

لكنَّ لهذا الصِّراع الإقصائيّ الزّائف وجهاً آخَر يتمثَّل بوجود استقطاب مُقابل لإسلاموفوبيا العلمانيّة العربيّة، وهوَ ما اصطلحتُ عليه في المَقالة بِـ "علمانوفوبيا الإسلام السِّياسيّ، والمُعمَّم لدى الشّارع المُسلِم بوجهٍ عام، والذي التقى عُضويّاً مع (إسلاموفوبيا) العلمانيِّين بترسيخ الفكرة المُشوَّهة والسّاذجة شعبويّاً أيضاً عن العلمانيّة بوصفِها كُفراً وإلحاداً وعداءً للدِّين".

لعلَّ صراعاتٍ كثيرة تُخاضُ بينَ الجانبيْن تعودُ في جُذورِها إلى ما سُميَ بِـ (عصر النَّهضة العربيّة)، ويبدو لي أنَّ الإذعان إلى مَقولة التَّناحُر الحدِّيّ والحتميّ بينَ (العلمانيّة) و(الإسلام)، هوَ ليسَ سوى إذعان زائِف لصراع مُفتعَل وناتِج في اعتقادي عن العُقم المَعرفيّ والهَواجِس المرَضيّة لذواتٍ هشّةٍ فاقِدةٍ الثِّقةَ بهُوِيَّتِها، إلى جانب نُضوب المُخيِّلة السِّياسيّة تحديداً، والتي يُفترَضُ أنْ تسعى جميعُ الأطراف إلى تخليق الحُلول الحيويّة بناءً على هَدي هذِهِ المُخيِّلة.

(لافتة مرفوعة في مدينة حلب من قبل ثوار مجلس صلاح الدين واتحاد ثوار المنطقة الغربية في مدينة حلب بتاريخ 8/11/2013، والصورة تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

وفي هذا المَنحى أيضاً، كانَ قد كتَبَ المُناضل والمُفكِّر ياسين الحاج صالح بحثاً قبلَ اندلاع ثورات الرَّبيع العربيّ بعُنوان: "الثَّقافويّة العربيّة المُعاصِرة _ خصائص مَنهجيّة ومُحدِّدات أساسيّة"، ونُشِرَ في موقع "الحوار المُتمدِّن" بتاريخ 16/12/2009، قائلاً إنَّ: "للثَّقافويّة العربيّة تنويعتان، علمانيّة وإسلاميّة. تنزعُ الأولى إلى تفسير الاستبداد والتَّخلف بحالة الثَّقافة العربيّة اليوم، التي قد توصف بأنَّها ما قبل حديثة، أو غير عقلانيّة، أو سلفيّة تدير الوجه نحو الماضي، مع ميل راجح إلى ردّ الثَّقافة هذه إلى الدّين. أما التَّنويعة الإسلامّية فتقرِّرُ أنَّ سوء أحوالنا اليوم يعودُ إلى تخلّينا عن الإسلام، الذي هو هُوِيَّتُنا ومُقوِّم كياننا، وليسَ دين أكثريّة مُحتمَلة بيننا فحسب".

ويتساءلُ الحاج صالح في سياق بحثِهِ هذا إنْ كانَ من شأن تعريف أوضاع العرب المُعاصِرة بأنَّها "تخلُّف ثقافيّ"؛ أي تأطيرَها بِما يدعوه "لُغة التَّخلُّف"، أن نتحاشى في الوقت نفسِهِ عبرَ هذا التَّوجُّه "المُنزلق الثقافويّ؟".

واللاّفتُ أنَّ ما ذهَبَ إليهِ المُفكِّر من طروحات هُنا ما زالَ قابِلاً للتَّداوُل والحوار بعدَ كُلّ هذِهِ السَّنوات المُنقضية من عُمْر الثَّورة السّوريّة والرَّبيع العربيّ، ولا أدري إلى أيِّ حدٍّ تُمثِّلُ هذِهِ المَسألة عامِلَ إحباطٍ في حقيقة الأمر لا عامِلَ غبطةٍ! لكنَّ استمرارَ صلاحيّة تحليل الحاج صالح تبقى حقيقة ماثِلة للعيان، حيثُ يقولُ: "الأمرُ رهنٌ برؤية التَّخلف كواقع تاريخيّ مُركَّب، اقتصاديّ وتكنولوجيّ واجتماعيّ وسياسيّ وثقافيّ، غير متجانس ولا يقبلُ الرّدَّ إلى بُعد ثقافيّ بسيط؛ رؤيته أيضاً كواقع علائقيّ، أي كعلاقة تاريخيّة تربطنا بالغرب بلا فكاك، فتجعلُهُ جزءاً منّا ونحنُ جزءٌ منه، ليسَ معياراً ولا غاية التّاريخ أو مَحطّته القصوى. قبلَ ذلكَ، الأمرُ رهنٌ برؤية مُجتمعاتنا المُعاصِرة: هل ترتدُّ إلى مبدأ مُحدَّد هوَ (التَّخلف) أو (التَّأخر) أو (الإسلام)، أم هيَ إطار مُركَّب لحياة بشريّة مُتنوِّعة مثل غيرها، مُشكلاتها مثل غيرها مَبدئياً، ومَطالبها مثل غيرها (المُساواة، العدل، الحُرِّيّة، الاحترام، الكفاية، المَعرفة)؟ من هذا المَنظور سيبدو تغيير الأوضاع القائمة فاعليّة تاريخيّة مُركَّبة بدورها، تتحرَّكُ في أفقٍ مفتوح، وفرصُها أوسعُ كُلّما كانت المُشاركة البشريّة فيها أوسع".


ما من شكّ أنَّ هذا الكلام المَكتوب قبلَ الثَّورة السّوريّة ينكأ بعُمق جُرحاً وجوديّاً ونرجسيّاً مُرتبطاً على نحْوٍ جذريّ بسِياسات الغرب التي مُورِسَتْ تجاه الحدَث السّوريّ بوجهٍ خاصّ، وتجاه الرَّبيع العربيّ بوجهٍ عامّ، لكنَّني لا أُريدُ أنْ أخرُجَ عن مِحور المَوضوع المَطروح، حيثُ أعتقدُ أنَّ (وجها العملة الثَّقافويّة/ الإقصائيّة) قد سعيا من دون هوادة إلى مُصادَرة الثَّورة جوهرانيّاً وهُوِيّاتيّاً، وحيازة الحِراك السِّلميّ كأنَّهُ مُلْك هذا الطَّرف أو ذاكَ، أو كأنَّ هذا الطَّرف أو ذاكَ هوَ المُحرِّك والفاعِل الحقيقيّ على الأرض، وهوَ الأمرُ الذي تنفيهِ الحقائقُ بينَ الرِّهانات والمُستويات الوقائعيّة، ورُبَّما كانَ التَّيّار الإسلاميّ أقوى في تسويغ حيازتِهِ الحدَثَ ومَفاتيحِهِ، ولا سيما بعدَ بدء مَرحلة العسكَرة، وتحديداً بعدَ مَرحلة الانقلاب على الجيش الحُر لصالِح الفصائِل الإسلامويّة، ويبدو مع الأسف أنَّ ما يدعوهُ المُعارِض والكاتب نبيل ملحم المُستحيلَ السّابعَ في مُستحيلات الثَّورة في مَقالتِهِ المُعنونة بِـ: "الثَّورة السُّوريّة والمُستحيلات السَّبعة"، والمَنشورة في مَوقِع "كُلُّنا سُوريّون" بتاريخ 23/10/2017، هوَ إدراكُ (الإسلام السِّياسيّ/ الإخوانيّ تحديداً) دروسَ التّاريخ غير البعيد، ويقصدُ بذلكَ دروسَ تجربة الشّيوعيّين والقوميّين في العالَم، والتي تكشفُ أنَّ منطقَ الغلبة والاحتكار السِّياسيّ لن يقودَ سوى إلى هزيمة الجميع من دون استثناء، حيثُ يقول: "المستحيلُ السّابعُ: لقد جاءَ نتيجة عدم إدراك الإسلام السِّياسيّ الإخوانيّ السُّوريّ الدُّروس والعِبر، التي أدركها من قبلهم شيوعيّون وقوميّون، وهيَ الدُّروس والعِبر التي تقولُ: إنَّ منطقَ الغلبة، والاحتكار للسُّلطة والثَّورة لن يقودَ في النِّهاية إلاّ إلى هزيمة الجميع، ومعهم المُجتمع برمَّته. وهيَ دروسُ القرن العشرين مع النُّظم الشّيوعيّة والقوميّة التي لم تحصدْ في النِّهاية سوى الخيبة، ولم تورثْ لمُجتمعاتها غير الخراب، كنتيجة لعقليّة الغلبة والاحتكار السِّياسيّ".

وهذِهِ الصُّورة التَّراجيديّة تكتمِلُ بوجهِها الثّاني (الثَّقافويّ الإقصائيّ والمُشيطِن للآخَر جوهرانيّاً) عندما نتعمَّقُ في الاعتقاد الزّائِف عندَ نسبة كبيرة من (العلمانيّين) أنَّ مُصارَعتَهُم للاستبداد السِّياسيّ مُتطابِقة مع مُصارَعتِهِم لِـ (الدّين نفسِهِ) لا للاستبداد الدّينيّ (أو لأقلّ للإسلام السِّياسيّ إذا أردْنا تأطير الصِّراع أيديولوجيّاً)، وأنَّ شرطَ العلمانيّة (الذي كانَ شرطاً وهميّاً لديهِم إلى حدٍّ خطير) لم ينطوِ إلى حُدود بعيدة على النُّزوع إلى بناء دول مُؤسَّساتيّة ديمقراطيّة تعدُّديّة، بقدر ما انطوى على رغبة كيديّة مرَضيّة بمَحو الدّين والتَّديُّن من الوجود إذا استطاعوا إلى ذلكَ سبيلاً، وهو المَوقِف غير الوقائعيّ ولا المَوضوعيّ ولا المَعرفيّ/ التَّنويريّ من دون أدنى شكّ.

ثالثاً: نافذة ثوريّة على العلاقة العمَلانيّة بينَ العلمانيِّين والإسلاميِّين: (حزب الشَّعب الدِّيمقراطيّ والإخوان المُسلمين أُنموذجاً)

أعتقدُ أنَّ من المُستويات الأساسيّة والضَّروريّة المُكمِّلة والدّاعِمة لتفكيك مَسألة (أسلَمة) الثَّورة بينَ الرِّهانات والوَقائِع والكُلِّيّات، يكمنُ في مُقارَبة الأنموذج العمَليّ الأبرز للعلاقة السِّياسيّة التي جمَعتْ طويلاً بينَ تيّاريْن مُختلفيْن أيديولوجيّاً منذُ ما قبلَ الثَّورة، ثُمَّ (وهذا ما يهمُّنا كثيراً) فيما بعدَ الثَّورة؛ وأقصدُ بذلكَ ما يُظهِرُهُ عنوان هذا المِحور من العلاقة (المُركَّبة) بين حزب الشَّعب الدِّيمقراطيّ والإخوان المُسلمين.

لقد رفَضَ المُناضل الكبير رياض التِّرك (ابن العم) في حوارٍ أُجراه معه الأستاذ محمَّد علي الأتاسي في "جريدة القدس العربي" بتاريخ 3/9/2018، (أي بعدَ خُروِجهِ من الدّاخِل السّوريّ) اتّهامات العديد من ناشطي الثَّورة للإخوان المسلمين بأنَّهم غدروا بالثَّورة، ثُمَّ أردفَ قائلاً عن الإخوان: "أعتقدُ أنَّهُ كانَ لديهِم رغبة في السَّيطرة والاستيعاب، وأن تكونَ لهم الكلمة الفصل أمام الرّأي العام، وكانت هناك ثقة مُفرطة بالنَّفس، تصلُ إلى حدّ الغرور في بعض الأحيان، وربّما كان البعض منهم يخضعُ لتأثيرات إقليميّة ودوليّة، وظنَّ البعضُ الآخَر أنَّهم قاب قوسين أو أدنى من إسقاط النِّظام. لقد مررنا بتجربة كانَ فيها تيّار الإسلام السِّياسيّ واحداً من الأسباب الرَّئيسة التي أدَّتْ إلى الفشل، ومن واجبنا نقده والاشتباك معه سياسيّاً وأيديولوجيّاً، ولكنَّ هذا لا يعني إقصاءَهُ من الحياة السِّياسيّة أو التَّشكيك بتمثيله لشَرائِحَ مُهمّة من مُجتمعاتنا. في النِّهاية هذا لا يمنعني من أنْ أقولَ إنَّ الإخوان المسلمين، كما الآخرين، كانوا ضحايا العديد من المُؤامرات التي تعرَّضَ لها الشَّعب السُّوريّ. من هُنا أعتقدُ أنّ على جميع أطراف المُعارَضة، بمن فيهم الإخوان المسلمون وإعلان دمشق وحزب الشَّعب الدّيمقراطيّ، أن يقوموا بعمليّة نقد ذاتيّ ومُراجَعة لتجربتهم خلال السَّنوات السَّبع الماضية".

(المناضل السوري رياض الترك، والصورة مأخوذة من وسائل التواصل وهي تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

يقومُ تحليلي للمُسوِّغات التي دفعَتْ حزب الشَّعب للتَّحالُف مع الإخوان المُسلمين تاريخيّاً (قبلَ الثَّورة وبعدَها) على خمسة عناصر أساسيّة، في اعتقادي، هيَ:

(1): أنَّهُم (أي الإخوان المُسلمين) تيّارٌ سياسيٌّ لهُ قاعدتُهُ الشَّعبيّة الكبيرة في البلَد، ولا يُمكِنُ تجاهُلُهُ، ولا سيما أنَّهُ يحملُ (مَظلوميّة) تاريخيّة كبيرة منذُ مَطلع الثَّمانينات، مع تحفُّظي الشَّديد على مَبدأ (المَظلوميّات)، ولا سيما بعدَ كُلّ ما مرَّ بنا من تجارِب قاسية خلال السَّنوات الأخيرة.

(2): مِنْ مَبدأ فكّ عُقدة التَّفاصُل الهُوِيّاتيّ الحدِّيّ  بينَ اليسار والمُحيط العربيّ من حيثُ المَبدأ، وبينَ اليسار والإسلام بوجهٍ خاصّ، وهذا التَّفاصُل الحدِّيّ قد بدا سمةً مُهيمِنة نسبيّاً على خطاب أحزاب اليسار العربيّ ومُمارساتِها خلالَ مَرحلة غير قصيرة في القرن العشرين، وهوَ الأمرُ الذي شكَّلَ أحدَ الدَّوافِع الأساس لثورة رياض التِّرك وحزبِهِ على خالد بكداش، وانفصالِهِ عنه، إلى جانب السَّبب المُباشَر المُتمثِّل بمَوقِف التِّرك من انضمام الحزب الشّيوعيّ السّوريّ إلى ما دُعيَ (الجبهة الوطنيّة التَّقدُّميّة) في العام 1972، وفي المَسألتيْن تبدو مُمارَسات حزب الشَّعب امتداداً فكريّاً طبيعيّاً (بالمَعنى النِّسبيّ) لتنظيرات ياسين الحافظ والياس مرقص في أبعادِها اليساريّة والعروبيّة والإسلاميّة كما أرى، مع ضرورة وضع إشارة مِحوريّة بينَ قوسيْن بغية التَّدقيق والتَّفحُّص والمُراجَعة السِّياسيّة والاجتماعيّة التَّأصيليّة والتَّأسيسيّة، وذلكَ فيما يخصُّ مَدى شرعيّة احتكار الإخوان لتمثيل الإسلام السِّياسيّ أوَّلاً، ومَدى شرعيّة الإسلام السِّياسيّ ثانياً في تمثيل الدّين الإسلاميّ والمُسلمين على نحْوٍ عام.


(3): كانَ المُناخ السّائِد بعدَ انطلاق الثَّورة يقولُ بعدم إقصاء أي طرَف سياسيّ سوريّ حتّى الإخوان، وهذا بدا رأياً عامّاً في الأوساط والتَّيّارات الثَّوريّة كُلّها، ولا سيما أنَّ الإخوان كانوا قد قدَّموا مُراجَعات نقديّة مُتعدِّدة، وبوجهٍ خاصّ في فترة (ربيع دمشق)، وتوقيعِهِم في العام 2005 على (إعلان دمشق للتَّغيير الدّيمقراطيّ)، حيثُ أظهَروا تناغُماً مع طُروحات المُعارَضة بخصوص التَّحوُّل إلى دولة المُواطَنة الدّيمقراطيّة التَّعدُّديّة والتَّداوُل السِّلميّ للسُّلطة (بغضّ النَّظَر إنْ كانوا صادقين في هذِهِ المُراجَعات والمَواقِف أم لا، وإنَّ كانَ ذلكَ تقية تكتيكيّة للوصول إلى السُّلطة أم لا؟)، لكنَّ السُّؤال الذي ينبغي أنْ نطرَحَهُ بإلحاح على تيّارات الإسلام السِّياسيّ، وبوجهٍ خاصّ على الإخوان المُسلمين، وتحديداً بعدَ مُرور هذِهِ السَّنوات الأخيرة بمَخاضِها الثَّوريّ الكبير والأليم، هوَ سُؤالٌ ينتظِرُ جواباً ينطوي على مُصارَحة جليّة وواضِحة يُؤكِّدونَ فيها تخلِّيهِم نهائيّاً عن وهْمِ (تأسيس دولة إسلاميّة في سوريّة)، مُستفيدينَ من خِبرات إسلاميّة أُخرى لوحِظَتْ في التَّجارِب التُّركيّة والماليزيّة والتُّونسيّة مثلاً، وليتَهُم ينهَلونَ في الوقت نفسِهِ ممَّن نهَلَ من أفكارِهِ الآخرونَ في تجاربِهِم (الإسلاميّة/ السِّياسيّة)، وأقصدُ بذلكَ مُؤسِّس الحركة في سوريّة الدُّكتور مصطفى السِّباعيّ الذي ما زالَتْ أدبيّاتُهُ للأسف مُتقدِّمةً حتّى هذِهِ اللَّحظة على فكر الإخوان أنفسِهِم ومُمارَساتِهِم التي لا تخلو نوعاً ما من شُعورٍ بالتَّعالي والقُوَّة، وهو الشُّعور الذي يمنحُهُم كما يظنُّ بعضهُم الحقَّ في اجتثاث الآخرين وإقصائِهِم، لذلكَ يكتمِلُ جوابُهُم قولاً وفعلاً بأنْ يجاهروا بالفم الملآن بأنَّهُم يوافقونَ على تشييد دولة وطنيّة ديمقراطيّة تعدُّديّة (علمانيّة)، مع اعتراف الجميع بالعُمق (الثَّقافيّ/ الحضاريّ) للإسلام في سوريّة، وبالقاعدة الشَّعبيّة الإسلاميّة الأكبَر فيها، وحقّ هؤلاء المُسلمين في أنْ يُمارِسوا خَياراتِهِم الهُوِيّاتيّة الدِّينيّة، على أنْ يكونَ مَفهوم الأكثريّة مَفهوماً مُرتبِطاً بالحقل السِّياسيّ حزبيّاً ونقابيّاً، وعابراً للأديان والطَّوائِف والإثنيات، وما زلتُ من جهتي أحلُم وأُردِّدُ باستمرار أنَّني أنتظِرُ ذلكَ اليوم الذي أرى فيه أحزاباً سوريّة (وعربيّة) سياسيّة علمانيّة ذات خلفيّة دينيّة (ثقافيّاً واجتماعيّاً وحضاريّاً)، كما هوَ حال الأحزاب المَسيحيّة العلمانيّة في الغرب، ويُمكنُ أنْ أقفَ هُنا عندَ كلام مُهمّ للمُعارِض الدُّكتور حازم نهار، حيثُ يقولُ في مَقالة لهُ بعُنوان: "عشرة أوهام.. لكنَّها عقبات"، نُشِرَتْ في موقع "كُلُّنا شُركاء" بتاريخ 10/1/2013، إنَّ أحد الأوهام الكُبرى لدى تيّار عريض من السُّوريِّين هو: "وهم الاعتقاد بإمكانية إقامة دولة إسلاميّة أو دولة خلافة أو حكم سياسيّ إسلاميّ في سوريّة، إذ سواء أكان البعض مع هذا النَّمط من الدُّول أو ضدّه، فإنَّهُ غير مُمكن في سوريّة، والنَّمطان الوحيدان اللّذان يستطيعان جمع السُّوريّين بتنوُّعهم الكبير هما الدَّولة الوطنيّة الدّيمقراطيّة والدَّولة الاستبداديّة. الأُولى تجمعُهم بوصفِهم مُواطنين أحراراً، والثّانية تجمعُهم بوصفِهم عبيداً كما كانَ في السّابق، لكنَّ هذه الدَّولة أصبحَتْ مُستحيلة".

(4): انطلَقَ حزب الشَّعب الدّيمقراطيّ في خَياراتِهِ الثَّوريّة وتحالُفاتِهِ، ولا سيما مع الإخوان، من أولويّة إسقاط النِّظام، ومن الإيمان بخَيارات النّاس والحَواضِن الشَّعبيّة إلى حدٍّ كبير، ورُبَّما مثَّلَ هذا الأمرُ ميزةً كُبرى لهذا الحزب، ومصدرَ نقدٍ هائلٍ ضدَّهُ في الوقت نفسِهِ، وقد عبَّرَ عن هذِهِ النُّقطة بدقّة المُعارض غسّان المفلح (العضو السّابق في حزب العمَل الشّيوعيّ) في بوست كتبَهُ على صفحتِهِ في الفيس بوك بتاريخ 4/8/2018، وجاءَ فيه: "حتّى لو كانَ حزب الشّعب الدّيمقراطيّ (شعبويّ) في بعض خَياراتِهِ، لكنَّهُ كان يعملُ في قلب النّاس، وطين البلاد، على العكس من بقيّة التَّيّارات اليساريّة، وجوقة اليسار السُّوريّ التي كانت تُشرشِرُ طائفيّةً وتعالٍ فارِغٍ ولَغْوٍ مَصحوبٍ بشتائميّة مُقزِّزة.. وكانَ جُلّ همِّهِم نزع صفة الوطنيّة عن كُلّ الثَّورة".


(5): يبقى عُنصرٌ مُهمٌّ كنتُ آخذُهُ دائِماً بعين الحسبان في تحليلي مَسألةَ تحالُف حزب الشَّعب والإخوان المُسلمين، وفي قراءة مَواقِف هذيْن التَّيّاريْن ضمنَ قراءة كامِل المَشهد المُعارِض عبرَ السَّنوات الماضية، فالجانبُ الذي أغفلَهُ أو أهمَلَهُ الكثيرونَ وهُم يُطلِقونَ أحكامَهُم واتّهاماتِهِم (وبعضُ هذِهِ الاتّهامات وجيهة جدّاً) يكمنُ في أنَّ تحليل الرِّهانات والوَقائِع بعدَ الثَّورة ينبغي أن ينهَضَ في مُستوىً مِحوريّ منهُ على مُقارَبة الأمور في مَوضِعها (الزَّمكانيّ المَوضوعيّ المُتحرِّك) باستمرار، فالمَوقِف السِّياسيّ في مَرحلة (مَعركة السّاحل الثّانية التي دُعيَت بِـ "مَعركة الأنفال" في العام 2014) مثلاً يختلفُ عن المَوقِف السِّياسيّ في مَرحلة (مَعركة سُقوط الغوطة الأخيرة في العام 2018)، حيثُ تفرضُ التَّحوُّلاتُ في الصِّراع خِطاباتٍ مُتغيِّرةٍ نسبيّاً، ومَواقِفَ مُركَّبةٍ وعميقةِ الحساسيّة أحياناً، ومُرونةً مُعيَّنةً تَنبسِطُ ضمنَ حركيّة الرِّهانات والوَقائِع، وضمنَ تَبادُلِهما التَّأثُّر والتَّأثير التَّوالُديّ باتّجاه فتْحِ فَجوةٍ كُلِّيّةٍ (وجوديّة/ فَلسفيّة)، ولا يعني هذا (في حالٍ من الأحوال) أنْ تُؤدّي براغماتيّة اللَّحظة الرّاهِنة وما تفرضُهُ من مُستجدّاتٍ غير مُتوقَّعة مُسَبَّقاً إلى التَّخلِّي عن الثَّوابت الثَّوريّة والوطنيّة، ولهذا لمْ تخلُ الحقبة الماضيّة من الأخطاء، ولا حتّى من الخَطايا الكُبرى، وهذا أمرٌ قد نراهُ في الحالات السِّياسيّة العاديّة، فكيفَ والمَسألةُ مُرتبطة بملفّ مُعقَّد ومُتراكِب وشديد التَّسارُع كملفّ الثَّورة السُّوريّة؟!

ولذلكَ لا أستطيعُ أنا، ولا يستطيعُ غيري، مهما سوَّغنا كثيراً من المُمارَسات تحتَ عنوان تفهُّم مُقتضيات (هامش المُناوَرة السِّياسيّة والبراغماتيّة المَرحليّة والمُستجدّات الثَّوريّة والدّوليّة)، أنْ نُبرِّأَ تماماً كلا التَّيّاريْن (الإخوان المُسلمين وحزب الشَّعب الدّيمقراطيّ) من وجودِ مُمارَساتٍ تتَّصِفُ بالأهواء الشَّخصيّة الفرديّة والطُّموحات السِّياسيّة الضَّيِّقة وقصيرة النَّظَر في مَواضِعَ كثيرة يطولُ شرحُها هُنا، فإذا كانَ هُناكَ تيّارٌ عريضٌ في الثَّورة يتَّهِمُ الإخوان بتدميرِها، وهذِهِ مَسؤوليّة نسبيّة لا إطلاقيّة في اعتقادي، وينبغي أنْ تُوضَعَ في إطار يُراعي جدَليّة الرِّهانات والوَقائِع بينَ المَشهد العامّ للمُعارَضة ككُلّ أوَّلاً، وطبيعة التَّجاذُبات المَحلِّيّة والإقليميّة والدّوليّة المُعقَّدة التي تلاعبَتْ بالجميع من دونِ استثناءٍ ثانياً، فإنَّ لومَ رياض التِّرك تحديداً على بعض المَسائِل والأخطاء (ورُبَّما الخَطايا في نظَر البعض) لا ينفي من جانبٍ أوَّل تاريخَهُ النِّضاليّ الكبير، وتضحياتِهِ الجمّة المُتمسِّكة بصَلابة بالثَّوابت الوطنيّة، ولا سيما بعدَ الثَّورة، لكنَّ هذا اللَّوم يُذكِّرُ من جانبٍ ثانٍ بطبيعةِ هذِهِ الشَّخصيّة القاسية والحادّة بِنيويّاً (ورُبَّما الإقصائيّة) في حالات وظُروف حسّاسة كانَ يُمكِنُ أنْ يكونَ أداؤُهُ فيها أكثَرَ مُرونةً وجَدوى، وأعمَقَ إثماراً ثوريّاً ووطنيّاً، مع محبَّتي الشَّخصيّة الكبيرة لهُ بما يُمثِّلُ على المُستوى الرَّمزيّ، واحترامي العميق لخَياراتِهِ مهما اختلفنا مع بعضِها.

رابعاً: في حَفريّات الخِطاب الثَّوريّ: من إشكاليّة الأسلَمة إلى إشكاليّة العلَويّة السِّياسيّة

لعلَّ أحد أبرز مَحاوِر استكمال تفكيك مَسألة (أسلَمة) الثَّورة، يرتبطُ بجانب آخَر من صراع الخطابات؛ وأقصدُ بذلكَ قُوَّة حُضور (التَّرابط الوقائعيّ) بينَ مُستوى تحليل العلاقة (العلمانيّة والإسلاميّة)، ومُستوى تحليل علاقة الثَّوريّين (علمانيّين وإسلاميّين) الجدَليّة بمَفهوم "العلويّة السِّياسيّة"، وما يستبطنُهُ هذا المُصطلَح من نعتِ النِّظام بالطّائفيّة.

وأوَّل مَنْ استخدَمَ هذا المُصطلَح المُفكِّر الكبير الرّاحل الدُّكتور صادق جلال العظم، وذلكَ في لقاء تلفزيونيّ على "فضائيّة الأورينت" بعدَ اندلاع الثَّورة السُّوريّة، قبلَ أنْ يظهَرَ في مَقالات عدّة لهُ فيما بعد، وكان محور ردّ الدُّكتور العظم على مُنتقدي هذا المُصطلَح أنَّهُ حاوَلَ أنْ ينزاحَ بتوظيف النِّظام للطّائفيّة من الحقل (الدّينيّ/ الطّائفيّ/ الاجتماعيّ) إلى الحقل (السِّياسيّ) البحت، وقد دفَعَ المُفكِّر الدُّكتور أحمَد برقاوي في مَقالة لهُ بعنوان: "صادق العظم وفكرة العلويّة السِّياسيّة"، نُشِرَتْ في "شبكة جيرون الإعلاميّة" بتاريخ 18/3/2018، من باب الصَّداقة الشَّخصيّة والزَّمالة العلميّة الطّويلة عن العظم تهمةَ وجود أيّة خلفيّة طائفيّة في خطابِهِ هذا (والعظم ليسَ في حاجة إلى أيِّ دفاع من هذا النَّوع في اعتقادي الشَّخصيّ، فتاريخُهُ الوطنيّ والفكريّ مَعروف، حتّى إنِ اتفقنا معهُ أو اختلفنا نسبيّاً هُنا أو هُناك)، لكنَّ الدُّكتور برقاوي أكَّدَ في مَقالتِهِ هذِهِ من جانبٍ ثانٍ اختلافَ بِنية النِّظام السُّوريّ عن بِنية المارونيّة السِّياسيّة في لبنان، والتي نشأَتْ في سياقات مُغايِرة تقوم في اعتقادِهِ على عمليّة اقتسامات طائفيّة تنهَضُ عليها (الدَّولة اللُّبنانيّة)، في حين أنَّ بِنية النِّظام السُّوريّ تأسَّسَت على الغلبة العسكريّة الانقلابيّة.

(المفكر السوري الراحل صادق جلال العظم. كان العظم أثار جدلا كبيرا بطرحه حول مسألة العلوية السياسية، وهو الجدل الذي لم يزل قائما حتى اليوم. والصورة مأخوذ من وسائل التواصل وهي تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

ويرى المُعارِض والكاتب نبيل ملحم في مَقالة لهُ بعنوان: "العلوية السياسية المُستبطَنة برداء الدّولة (القوميّة)"، نُشِرَتْ في "شبكة جيرون الإعلاميّة" بتاريخ 12/2/2018، أنَّ خُصوصيّة وجود "العلويّة السِّياسيّة" تنبُعُ من كونها مُستبطَنة برداء الدّولة (القوميّة(، حيثُ يعتقد أنَّ "اعتماد نُظُم الاستبداد المُعمَّم في الواقع العربيّ، على العصبيّات القوميّة أو الطائفيّة أو القبَليّة المُستبطَنة في أحشاء دولها الاستبداديّة المُعمَّمة، قد قادَ إلى ما هوَ أسوأ من ناحية النَّتائج والتَّداعيات من الظّاهرة التي عرفها الواقع اللُّبنانيّ والتي سُمّيت بالمارونيّة السِّياسيّة"، فعلى الرّغم من الامتيازات التي حصلَتْ عليها الطّائفة المارونيّة في الدّولة اللُّبنانيّة كما يقول، لم تستطعْ أنْ تجعلَ الدّولة اللُّبنانيّة كأنها مُلْكيّة خاصّة حصريّة للطّائفة المارونيّة؛ أي لم تستطعْ أنْ تُحوِّلَ كيان الدّولة ليبدو كأنَّه امتداد طبيعيّ للطّائفة المارونيّة حتّى في ذروة قوّة المارونيّة السِّياسيّة وذروة قُوّة الصّيغة اللُّبنانيّة الطّائفيّة، غيرَ أنَّ الأمر كانَ  مُختلِفاً في رأيه "في حالة نُظُم الاستبداد المُعمَّم التي عرفها الواقع العربيّ، والقائمة على العصبيّة الطائفيّة أو القبَليّة، وبما يعني اختطاف كيان اجتماعيّ مَذهبيّ أو قبَليّ، وتحويله إلى قاعدة اجتماعيّة سياسيّة (وعسكريّة عند الضَّرورة)، ترتكزُ عليها السُّلطة والدّولة الاستبداديّة المُعمَّمة، تضافُ إلى قاعدتِها الطَّبقيّة السِّياسيّة العاديّة، في هذه الحالة فقد عملَتْ هذه النُّظُم على دمج كيان الدّولة بكيان السُّلطة السِّياسيّة في مرحلة أُولى، ثم دمج كيان العصبيّة الطّائفيّة أو القبَليّة بكيان الدّولة والسُّلطة، وبذلكَ تحوّلت أجهزة الدّولة ومُؤسَّساتها المُختلِفة إلى مُلْكيّة خاصّة حصريّة بيد السُّلطة".

ويُلتقي على نحْوٍ غير مُباشَر المُفكِّر ياسين الحاج صالح مع هذا التَّحليل في مَقالة لهُ بعنوان: "المشكلة في مفهوم العلويّة السياسيّة؟"، نُشِرَتْ في موقع "الحوار المُتمدِّن" بتاريخ 11/8/2015، ليسَ من زاوية قَبول مُصطلَح "العلويّة السِّياسيّة" أو رفضِهِ؛ إنَّما من زاوية تفكيك بِنية العصبيّة التي استثمَرَ فيها النِّظام؛ إذ يرى الحاج صالح أنَّ أسّ الاختلاف بينَ المارونيّة السِّياسيّة والعلويّة السِّياسيّة يكمنُ في أنَّ المُصطلَح الثّاني "يَفترِضُ (...) ذاتاً علويّة سابقة للسِّياسة، جماعة مُوحَّدة أو نزّاعة نحْوَ التَّوحُّد السِّياسيّ، النِّظام الأسديّ هو نظامُها، أو مُتشكِّل على هذا النَّحو بفعل هذه الذّاتيّة السِّياسيّة. رأيي أنَّ العكس أصحّ، وأنَّ تشكُّل العلويّين كطائفة تالٍ للسُّلطة وليسَ سابقاً عليها".


وهكذا، أثار مصطلح "العلويّة السِّياسيّة" بدلالاتِهِ المَفهوميّة المُركَّبة نقاشات عريضة وواسِعة لم تخلُ من الانفعال الشَّديد أحياناً، وهوَ انفعالٌ مُسوَّغ إلى حدٍّ كبير بفعل تراكُب جميع المُستويات الوقائعيّة السُّوريّة، وانفتاح المَسكوت عنه انفتاحاً غير مَسبوق، وهذا نراهُ على سبيل المثال في النِّقاش الحادّ جدّاً بين المُعارِض والمُفكِّر اليساريّ الرّاحل سلامة كيلة، والمُعارِض والكاتب اليساريّ الدُّكتور محمَّد الحاج صالح، في غير مَقالة (تناوَشا) فيها، ويبدو أنَّ التَّشابُك المَفهوميّ والوقائعيّ لمُصطلَح "العلويّة السِّياسيّة" مع مَوضوعة استثمار فكرة "المَظلوميّة العلويّة"، ثُمَّ ربط ذلكَ بقضيّة "الأسلَمة" بوصفِها فعلاً وردّ فعل، قد استدعَتْ جميعُ هذِهِ المَحاوِر المُترابِطة تحليليّاً نقاشَاً يتعلَّقُ بصُعود فكرة "المَظلوميّة السُّنِّيّة" في سوريّة بعدَ الثَّورة، ويأتي الرَّد أوَّلاً على آراء كيلة الواردة في مَقالتِهِ المُعنونة بِـ: "(المَظلوميّة السُّنِّيّة) في سورية"، والمَنشورة في جريدة "العربي الجديد" بتاريخ 6/8/2015، من قبَل محمَّد الحاج صالح، حيثُ يكتبُ في مَقالة له بعنوان "ردّاً على سلامة كيلة: نكاية النّكاية"، والتي نُشِرَت أيضاً في جريدة "العربي الجديد" بتاريخ 9/8/2015: "تُريد مسطرة سلامة كيلة، في مقاله (المَظلوميّة السُّنِّيّة) في سورية، (...) أن تتجاهل جزءاً من الواقع، لأنها لا تستطيع قياسه، ولا التّعامل معه، فهو (الواقع) يربك المسطرة وصاحبها. إنكارٌ تامّ للعامل الطّائفيّ في تركيبة النِّظام السُّوريّ وسلوكه وتحالفاته. والإنكار للواقع والوقائع لا مَعرفيٌ، ويساوي الخُرافة. (وَلَيسَ يَصِحُّ في الأَفهامِ شَيءٌ إِذا افتقرَ النَهارُ إِلى دَليلِ). يعترفُ كيلة أن النِّظام العراقيّ، مُصدِّر المليشيات الطائفيّة إلى سوريّة، طائفيّ، لكنَّهُ يرفضُ أيَّ تلميحٍ يطاولُ النِّظام السُّوريّ. في العراق، يحقُّ له استخدام مُصطلَحات طائفيّة، وتوصيف طائفيّ، وفي سوريّة ممنوع".

ويستطرد الحاج صالح قائِلاً: "ينسجمُ سلامة كيلة مع بعض اليسار السُّوريّ، وبعض مُجاهدي العلمانيّين ذوي التَّفكير والحَصر الأقلويّ، وأكثريّة هيئة التَّنسيق في إيراد تبريرات تدعم القول (إنَّ النِّظام السُّوريّ غير طائفيّ)، وهيَ، أوَّلاً، مَوقِف تجّار دمشق وحلب. وثانياً، فقر مناطق السّاحل التي ينحدرُ منها النّافذون في النِّظام السُّوريّ. وهي حجج مُتهافتة، إذ ليسَ كُلّ العلويّين من النِّظام، ولا كُلُّهُم طائفيّون. النِّظام هو الطّائفيّ. العلويّة السِّياسيّة العسكريّة هي الطّائفيّة. النُّخبة العلويّة الحاكمة هي الطّائفيّة، فالقرار الأمنيّ، وهو الأهمّ في هذه المرحلة، بيد الطُّغمة الطّائفيّة الحاكمة، وكذلكَ القراران الاقتصاديّ والعسكريّ. هل يستطيعُ الأستاذ أنْ يضرب لنا مثلاً معاكساً؟ ولمَ لا يقولُ إنَّ النِّظام يفقرُ العلويّين ويُخيفهم، ليستخدمهم قلعة مُحاصَرة تحميه، ويرشي تجّار دمشق وحلب ببساطة؟ لمَ؟".

لكنَّ سلامة كيلة يعودُ لينفي من جهتِهِ مَشروعيّة وجود مَفهومَي "المَظلوميّة السُّنِّيّة" و"العلويّة السِّياسيّة" جُملةً وتفصيلاً، ذلكَ انطلاقاً من مَنهجِهِ التَّحليليّ الصّارم؛ حيثُ يقولُ في مَقالة ثانية له بعنوان: "عن النِّكايات: ردّ على محمَّد الحاج صالح"، والمَنشورة أيضاً في جريدة "العربي الجديد" بتاريخ 12/8/2015: "يجعلني تحليلي (الطبقيّ المادِّيّ) أرى البنى الاقتصاديّة أولويّة، وأعالجُ الأفكار على أساس ذلكَ، لا أنْ أغرقَ في مَنظور مثاليّ ثقافويّ، ينطلقُ من انقسام المُجتمع إلى طوائف وأديان. لكنَّني أدرسُ كيفَ تُستَغلُّ الطوائف والأديان، فكما استغلَّ النِّظام العلويّين، استغلَّ (الجهاديّة السَّلفيّة) بكُلّ جدارة، ولا يفعلُ ذلكَ نظامٌ طائفيّ، بل نظامٌ يدافعُ عن مَصالِح طبقةٍ تحكمُ هُنا، لا يتعلَّقُ الأمرُ بأغلبيّة سُنِّيّة وأقلِّيّة علويّة، بل بطبقةٍ مُسيطِرةٍ وشعبٍ مُفقَرٍ أو مُتوسِّطِ الحال. أما كُلّ مَوروثات الماضي، فقد لعِبَ بها النِّظام والدّول الإقليميّة والإمبرياليّة، لكي تُشوِّه الثَّورة، وتُحوِّلها إلى صِراع طائفيّ و(حرب أهليّة) مَحكومة لهؤلاء".

خامساً: أوهامٌ ومَخاطِرُ هُوِيّاتيّة

أعتقدُ من جهتي أنَّ المارونيّة السِّياسيّة نفسَها كانَتْ تنطوي على تنويعات داخليّة مُتنافِسة نسبيّاً في فضاء صِراعات الإقطاع السِّياسيّ اللُّبنانيّ وتحالُفاتِهِ المُتحرِّكة، بعكس طبيعة السُّلطة السُّوريّة الأحاديّة المُغلَقة والمُتعالية بِنيةً ووظيفةً، ومن العبَث ومن مَضيعة الوقت أيضاً التَّساؤل: هل النِّظام طائفيّ أم إنَّهُ يستثمرُ في الطّائفيّة؟؛ فالمُحصِّلة في اعتقادي واحدة، وهيَ الهَدَف الذي ينبغي أنْ نتَّجِهَ إلى تفكيكِهِ ومُجاوَزتِهِ، حيثُ كانَ توظيفُ السُّلطة المَدروس بِـ (حنكة هُوِيّاتيّة) للطّائفيّة توظيفاً عابِراً للطَّوائِف، وذو مَردود سياسيّ وعسكريّ هائِل لصالِحِه، ولاسيما بعدَ الثَّورة، فمن ناحية أُولى تمَّ تأليفُ سيناريو الإرهاب الجهاديّ وإخراجُهُ ببراعة لافتة (ولا سيما عبرَ الدَّور الوظيفيّ المحلِّيّ والإقليميّ والدَّوليّ لداعش)، ومن ناحية ثانية تمَّ استقطاب الأقلِّيّات عبرَ سياستَي التَّرهيب والتَّرغيب أيضاً بإتقان مُنقطِع النَّظير (لا يُمكن أنْ ننسَى المَقولةَ الشّائِعةَ عن النِّظام ونتائجَها الهائِلة، والتي فَحواها أنَّهُ: حامي الأقلِّيّات)، وظلَّت للأسف الطَّبقة الوطنيّة المُتحرِّرة من هذين (الطَّرفيْن الحدِّييْن الزّائفيْن) عاجِزةً عن التَّأثير والفعل إلى حدّ كبير، مع تأكيد فكرة التصاق معظَم المَرجعيّات الدّينيّة الأكثريّة والأقلَّويّة بالنِّظام، وتأييدِهِ، ولذلكَ كنتُ دائِماً أُردِّدُ أنَّ ما يبدو على السَّطح حرباً طائفيّة هو تزييف الوجه الأصليّ للحدَث السُّوريّ، من دون نُكران وجود هذا الامتداد، لكنْ ليسَ بوصفِهِ جذراً حقيقيّاً؛ بل بوصفِهِ بُعداً مَوضوعيّاً نسبيّاً من جانبٍ أوَّل، ومُفتعَلاً بالاستفادة من العَوامِل المُحفِّزة لهُ من جانبٍ ثانٍ، ولهذا نجدُ المُعارِض الدُّكتور حازم نهار يكتبُ في مَقالتِهِ التي أشرْتُ إليها من قبل، والمُعنونة بِـ: "عشرة أوهام.. لكنَّها عقبات"، والمَنشورة في موقع "كُلُّنا شُركاء" بتاريخ 10/1/2013، أنَّ أحد أوهام الثَّورة السُّوريّة هو: "وَهْمُ الاعتقاد بأنَّ الوضعَ في سوريّة هوَ حربٌ طائفيّة أو مذهبيّة، إذ على الرّغم من أنَّ النِّظام وبعض المُعارَضة يُحاوِلان دفعَ الأمورِ في هذا الاتّجاه، وعلى الرّغم من وجود بعض الحَوادِث المُستنكَرة التي تُدلِّل على ذلكَ، لكنَّ العُنصرَ الرَّئيس الذي ما يزالُ مُسيطراً على اللَّوحةِ العامّة هوَ حربٌ من النِّظام ضدّ السّوريِّين، وثورةٌ سوريّة ضدَّ النِّظام، وليسَ ضدَّ طائفةٍ مُعيَّنة".

لعلَّ الأخطَر أو المَنسيّ أو المَسكوت عنهُ في كثيرٍ من حواراتِنا يتعلَّق في التَّوظيف غير البريء لِـ (سياسات الهُوِيّة) انطلاقاً من تطييف الثَّورة، ويبدو أنَّ إحدى أهمّ آليّات الاشتغال على (التَّطييف وسياسات الهُوِيّة) يكمنُ في تحويل (العرب السُّنّة) إلى طائِفة، عبرَ مُطابَقةٍ زائِفة بينَ الانتماء (القوميّ العربيّ)، والانتماء (المَذهبيّ السُّنِّيّ)، وهذا الأمرُ نجدُهُ يطفو كثيراً في الإعلام المَكتوب والمَرئيّ وبعض المُؤتمرات الإقليميّة والدَّوليّة وغيرِها، للإيحاء بخُبث أنَّ الطَّوائِف الأُخرى (الأقلِّيّات العربيّة غير السُّنِّيّة) ليسَتْ عربيّة!.

ويتحدَّثُ عن هذه المَسألة الخطيرة المُفكِّر الدُّكتور حسام الدّين درويش في مَقالة مُهمّة له تحملُ عنوان: "لماذا هذا الرَّبط المُريب بين العرب والسُّنّة؟"!، والمَنشورة في "شبكة جيرون الإعلاميّة" بتاريخ 31/10/2018، إذ يقولُ: "من المُلاحَظ وجود ارتباط غريب ومُريب، في أذهان الكثيرين، بينَ مُفردتَي العرب والسُّنّة (في سوريّة والعراق على الأقلّ)، حيثُ لا يتمُّ الحديث إلاّ عن عُروبة السُّنّة و/ أو عن سُنِّيّة العرب، عندَ تناولِ (المُكوِّنات الدّينيّة والطّائفيّة والإثنيّة) لمُجتمعات هذه الدّول، في حين يتمُّ تجاهُل عُروبة المُكوِّنات الأُخرى أو سُنِّيَتها، لصالح التَّركيز على انتمائها الدّينيّ أو الطّائفيّ أو الإثنيّ المُغايِر؟".

وأزعمُ من جهتي أنَّ هناكَ مُحاوَلة حثيثة لتحويل السُّنّة إلى طائفة أحاديّة البُعد، تصطفّ مثلَها مثل بقيّة الطّوائف والإثنيات في طابور التَّفتيت الجوهرانيّ البغيض، وهذا ما لم يكونوا (أي السُّنّة) في إطارِهِ يوماً لا عقائديّاً ولا طبَقيّاً ولا ديمغرافيّاً، فضلاً عن كونِهِم (في اعتقادي) يُشكِّلونَ الرّافِعة الحَضاريّة المُفترَضة في سوريّة والمَنطقة العربيّة، ليسَ لأسباب أو مُؤهِّلات (تفضيليّة دينيّة) أو (مَذهبيّة/ عقائِديّة) على الإطلاق؛ وليسَ لأنَّهُم (الأمّة) في التَّوظيف الأيديولوجيّ، إنَّما فقط لكونِهِم يُمثِّلونَ الأكثريّة العدديّة وطنيّاً، والمُؤهَّلة نظَريّاً لتكون العمود الفقريّ الجامِع في تخليق مَشروع الدَّولة الوطنيّة الدِّيمقراطيّة التَّعدُّديّة.

إنَّ نقديّ الجذريّ لفكرة (وَهْم الدَّولة الإسلاميّة) عندَ نسبة لا بأس بها من الأكثريّة العربيّة السُّنِّيّة، يكمنُ في مُستوىً منه أنَّ هذا الوَهْم ارتبَطَ جذريّاً بعدَ اندلاع الثَّورة بمُخطَّطات تطييفها، تمهيداً لتوظيف ذلكَ في تأسيس حالات مُحاصَصة سياسيّة (طائفيّة) تقومُ على أسوأ أشكال استثمار (سياسات الهُوِيّة)، ولذلكَ كنتُ دائِماً أستكمِلُ نقدي لخطاب جُزءٍ (غير قليل) من الأكثريّة العربيّة (السُّنِّيّة)، بنقدي لخطاب جُزءٍ (غير قليل) أيضاً من الأقلِّيّات انساقَ ضمنَ الاستقطاب الحادّ الذي تولَّدَ بعدَ نشوب الثَّورة خلفَ وَهْم الانفصال عن الانتماء العربيّ، وإقصائهِم الخطير لأنفسِهِم حدِّيّاً وتفاصُليّاً (ولا سيما في ظلّ الدُّخول في حلقة الفعل وردّ الفعل المُفرَغة) عن الاندماج بالمُحيط الثَّقافيّ والحضاريّ (العربيّ/ الإسلاميّ) الطَّبيعيّ، ليسقُطَ الكثيرون، ومن جميع الأطراف في فخّ اقتراح نقل (سياسات الهُوِيّة) التي نراها في الغرب أو في بعض دوَل العالَم بحذافيرِها إلى بلدنا، وهذا أمرٌ فضلاً عن خلفياتِهِ (التَّمزيقيّة) غير البريئة، هوَ غير وقائعيّ بالمَعنى العمَلانيّ والدّيمغرافيّ، لأنَّ ما ينبغي إنجازُهُ يتعلَّقُ بما يُلائِم خُصوصيّة كُلّ بلد، وإلاّ نكونُ قد سقطنا في فخّ استشراقيّ يُوظِّفُ الشِّعارات البرّاقة لصالِح سياسات خبيثة من جانبٍ أوَّل، ونكونُ قد عجزنا في رِهاناتِنا من جانبٍ ثانٍ عن التَّمييز (أو على الأقل الرَّبط) بينَ ما هوَ راهِن وعابِر وقائعيّاً، وما هوَ كُلِّيّ؛ إذ أرى أنَّ كُلَّ هذا الصِّراع الفكريّ والاجتماعيّ والسِّياسيّ والعسكريّ الآن ليسَ سوى مَخاضٍ مَرحليّ مَوضوعيّ وضَروريّ (مع اعترافي المُؤلِم بما انطوى وما زالَ ينطوي عليهِ ذلكَ من أثمانٍ باهظةٍ تفوقُ التَّخيُّلَ إلى أقصى الحُدود) في اختبارِ رِهانات الثَّورة عبرَ المُستويات الوقائِعيّة القاسية، وبغيةَ فتْح فَجْوَة التَّحوُّل الوجوديّ والكيانيّ (الهُوِيّاتيّ التَّعدُّديّ) الكُلِّيّ في سوريّة والوطن العربيّ.

أخيراً، أختتِمُ هذِهِ المُقارَبة بما كتبَهُ ذات يومٍ المُناضِل الكبير (سنديانة الثَّورة) فائق المير (في بوست لهُ على صفحتِهِ في الفيس بوك قبلَ اعتقالِهِ بتاريخ 7/10/2013، آملاً لهُ السَّلامةَ والحُرِّيّةَ والخلاص في أسرَع وقت): "أنا أنحدرُ من الطّائفة الإسماعيليّة وأفخرُ بذلكَ، الطّائفة التي تكادُ تكونُ الأقلّ عدداً داخلَ قوس القزح والمُكوِّن الوطنيّ السُّوريّ، لكنَّني لا أشعرُ ولا أعمَلُ على أنَّني أنتمي لأقلّيّة طائفيّة أو مَذهبيّة أبداً، لأنَّني أعتقدُ أنَّ لا وجود لأقلّيّات طائفيّة ومَذهبيّة في سوريّة. الأقلّيّة والأكثَريّة مَفهوم سياسيّ بحت، تتبدَّلُ وفقهُ حُجوم الأكثَريّة والأقلّيّة حسبَ سياساتها وبرامجها، وهي ليسَتْ نسب ثابتة وأزليّة تتعلَّقُ بالجنس واللَّون والطّائفة. وفقَ هذا المَنطق أعتبرُ نفسي وأعمَلُ على أنَّني في عداد الأكثَريّة التي تقفُ ضدَّ الطُّغمة أو(الأقلّيّة) الضَّئيلة التي تتحكَّمُ بمُقدّرات البلاد والعباد. وهذا ما أتمناهُ أنْ يسودَ الآن ونحنُ في الصِّراع مع الطّاغية، وفي المُستقبَل حينَ يأتي استحقاق الدَّولة المَدنيّة الدّيمقراطيّة".

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد